شرائح دماغية تتيح التحكم بالأجهزة عبر التفكير... ماذا نعرف عنها؟

ابتكرتها شركة «نيورالينك» المملوكة لإيلون ماسك

إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
TT

شرائح دماغية تتيح التحكم بالأجهزة عبر التفكير... ماذا نعرف عنها؟

إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)

في مطلع العام الماضي، أعلن رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك أن شركته «نيورالينك» قد نجحت في زراعة أول شريحة دماغية لا سلكية في إنسان. وأعرب أن النتائج الأولية أظهرت اكتشافاً واعداً لتحفيز الخلايا العصبية، مع إعلان أن المريض يتعافى بشكل جيد.

واليوم (الأربعاء) أعلنت الشركة ذاتها أنه جرى زرع شرائح الدماغ التي تصنعها لدى 12 شخصاً حول العالم. فماذا نعرف عن الشرائح الدماغية؟ وكيف تعمل؟

ماذا نعرف عن شركة «نيورالينك»؟

تأسست شركة «نيورالينك» من قبل إيلون ماسك في عام 2017، وهي تسعى إلى تطوير واجهة بين الدماغ والحاسوب تمكّن المصابين بإصابات خطيرة من التحكم في الهواتف، وأجهزة الكمبيوتر عبر التفكير فحسب، وذلك من خلال زرع أقطاب كهربائية داخل أدمغتهم.

وشركة «نيورالينك» هي شركة أميركية تعمل في مجال التكنولوجيا العصبية، وتُطوّر واجهات بين الدماغ والحاسوب (BCIs) قابلة للزرع داخل الجسم، ويقع مقرها الرئيس في فيرمونت–كاليفورنيا، وتخطط لبناء منشأة ضخمة قرب أوستن، تكساس.

أبرز ابتكارات الشركة

ابتكرت «نيورالينك» جهازاً مزوّداً بخيوط رفيعة جداً (عرضها بين 4–6 ميكرومترات) تُزرع في الدماغ عبر روبوت جراحي لضبط مواقعها بدقة، وفي فبراير (شباط) 2024، أعلن ماسك أن أول مريض بشري زُرعت له الشريحة يستطيع التحكم في مؤشر الفأرة عبر التفكير، مع تعافٍ جيد بعد الجراحة، وفق ما أوردت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وأُجريت كذلك تجارب أخرى على أشخاص مصابين بالشلل ليتمكنوا من التحكم بنفس النمط، حيث نجحوا في اللعب، وبرمجة التصاميم ثلاثية الأبعاد بأفكارهم فقط.

شعار شركة «نيورالينك» أمام صورة لإيلون ماسك (رويترز)

وفي عام 2025، ارتفع عدد المتلقين للشريحة إلى 9 أشخاص، مع هدف بلوغ 20 مريضاً يُزرع لهم الجهاز بنهاية العام. كما أعلنت الشركة عن خطط لتوسيع التجارب إلى المملكة المتحدة بالتعاون مع مستشفيين في جامعتي لندن كولدج، ونيوكاستل في دراسات سريرية جديدة، وفق تقرير سابق لوكالة «رويترز» للأنباء.

وحتى اليوم، وصل عدد المستفيدين إلى 12 شخصاً حول العالم، مع أكثر من 15000 ساعة استخدام عبر الأفكار، وتراكم أكثر من 2000 يوم تجربة.

ما المقصود بشرائح الدماغ؟

شرائح الدماغ هي رقائق إلكترونية دقيقة تُزرع في الدماغ لالتقاط الإشارات العصبية، أو لتحفيز مناطق معينة. وتعمل بوصفها واجهة بين الدماغ والآلة، بحيث تُحوّل النشاط العصبي إلى إشارات رقمية يمكن للحاسوب أو الجهاز قراءتها، والعكس.

والهدف منها هو:

o استعادة القدرات المفقودة (مثلاً الحركة، أو النطق بعد الشلل، أو السكتة الدماغية).

o التحكم في الأطراف الاصطناعية، أو الكراسي المتحركة بالتفكير فقط.

o علاج أمراض مثل الشلل الرعاش (باركنسون) أو الصرع عبر التحفيز العميق.

o وفي المشاريع الطموحة (مثل «نيورالينك» لإيلون ماسك): دمج الإنسان بالذكاء الاصطناعي، أو زيادة قدراته الإدراكية.

تطور فكرة شرائح الدماغ تاريخياً

بدأت تجارب واجهات الدماغ تتشكل في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث أُجريت أولى عمليات زرع الأقطاب الكهربائية في أدمغة الحيوانات، وأحياناً البشر، وكان الهدف الأساسي هو علاج مشكلات طبية مثل الصرع، وفهم النشاط العصبي عبر الخلايا، مما وضع الأساس لتطور هذا المجال العلمي.

عمل تحفيز للدماغ عن طريق زرع قطب كهربي تحت قشرة دماغ فأر مصاب بمرض مزمن (رخصة المشاع الإبداعي عبر ويكيبيديا)

ومع دخولنا التسعينات من القرن الماضي، ظهر مصطلح «واجهة دماغ» رسمياً، وقد شهدت هذه الحقبة إجراء أولى التجارب الناجحة التي سمحت لمرضى مشلولين بتحريك مؤشر على شاشة الكمبيوتر عبر التفكير فقط، وهو تحول نوعي من البحث العلمي إلى إمكانية التواصل المباشر بين العقل والآلة.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، شهد المجال قفزة ضخمة مدفوعة باندماج تقنيات الإلكترونيات الدقيقة والذكاء الاصطناعي. فقد تطوّرت تقنيات مثل التحفيز العميق للدماغ لعلاج أعراض مرض باركنسون، وغيرها من اضطرابات الحركة، وفق ما أوردت ورقة علمية نشرت في «ساغا جورنالس».

هذه التقنية التي ظهرت في أواخر الثمانينات من القرن الماضي نالت تقديراً واسعاً، وأُدخلت بشكل تجاري بعد عقود من التجارب المستمرة، بينما بدأت الأبحاث تتجه نحو تطوير أنظمة تحفيز «مغلقة الحلقة» تتكيف مع النشاط العصبي للمريض بشكل ديناميكي.

وعلى الجانب الأكاديمي والتطبيقي، توسع نشاط الجامعات -مثل براون ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- في تطوير شرائح قابلة للزرع تهدف لاستعادة الحركة، والكلام، بينما تحوّل المشروع من مجرد بحث إلى تجربة واقعية بدأت تؤتي ثمارها في مختبرات متقدمة.

كيف تعمل شرائح الدماغ؟

وطورت شركة «نيورالينك» روبوتاً جراحياً مخصصاً لإجراء عملية الزرع، حيث يقوم الروبوت بإدخال الشريحة وسلسلة من الأقطاب الكهربائية والأسلاك فائقة الدقة داخل جمجمة المستخدم، حيث ترسل الشريحة إشارات الدماغ لا سلكياً إلى تطبيق تابع لـ«نيورالينك»، فيتم تحويل هذه الإشارات إلى أفعال ونيات، ويتم شحن الشريحة لا سلكياً.

وبدلاً من إجراء جراحة دماغية مفتوحة، يُزرع الجهاز في الوريد الوداجي في رقبة الشخص، ثم يُنقل إلى الدماغ عبر وعاء دموي. وقال ريكي بانيرجي، كبير مسؤولي التكنولوجيا في الشركة: «يلتقط الجهاز الإشارة عندما يفكر الشخص في النقر بإصبعه، أو عدم النقر». وأضاف في تصريحات سابقة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «بقدرته على التقاط هذه الاختلافات، يمكنه إنشاء ما نسميه مخرجات حركية رقمية».

جدل قانوني وأخلاقي

ولم تُسجل حتى الآن كوارث جماعية بسبب الشرائح الدماغية، لأنها لا تزال في مراحل تجريبية، ومحدودة، ومعظم التجارب تقتصر على مرضى يعانون أمراضاً خطيرة.

في مايو (أيار) 2023، منحت هيئة الغذاء والدواء الأميركية (إف دي إيه) شركة «نيورالينك» الموافقة لبدء تجارب بشرية على شريحتها العصبية، وذلك بعد سلسلة من الرفض الأولي الذي جاء بسبب مخاوف تتعلق بسلامة المتطوعين، والالتزام بالمعايير التنظيمية، وجاء هذا الترخيص عقب إجراء الشركة لعدد كبير من تجارب الزرع على الحيوانات، التي قوبلت بانتقادات واسعة، إذ وثقت تقارير وجود نقص في توثيق عمليات المعايرة، وخلافات في ضبط الجودة داخل مختبراتها في كاليفورنيا.

كما أظهرت التحقيقات قيام الشركة باستخدام إجراءات مختبرية متسارعة، ما أسفر عن معاناة بعض الحيوانات، وقد أدّى ذلك إلى إثارة تساؤلات من جهات رقابية ومجموعات لحقوق الحيوان حول أخلاقيات التجارب، ومدى التزام «نيورالينك» بأفضل معايير الرعاية، وفق تقرير سابق لوكالة «رويترز» للأنباء.

وكان أربعة مشرعين طلبوا في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) من لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية التحقيق فيما إذا كان ماسك قد ضلل المستثمرين بشأن سلامة تقنيات «نيورالينك» بعد أن أظهرت السجلات البيطرية مشكلات في عمليات زرع الشريحة في أدمغة القرود، منها الشلل، وتورم الدماغ، وفق ما أفادت وسائل إعلام أميركية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وقال موظفون سابقون بالشركة، لوكالة «رويترز» للأنباء، إنه في إحدى الحالات جرى زرع الجهاز في موضع خاطئ بالخنازير، مما أدى إلى نُفوقها.

«لا سيطرة لا خصوصية»

وكان الأميركي من ولاية أريزونا نولاند أربو أول من حصل على شريحة دماغية من «نيورالينك» في 2024، وقد أصيب بشلل أسفل الكتفين في حادث غوص عام 2016. وكانت إصاباته بالغة، لدرجة أنه خشي ألا يتمكن من الدراسة، أو العمل، أو حتى ممارسة الألعاب مرة أخرى، وقال: «لا سيطرة لك، لا خصوصية لك، وهذا أمر صعب. عليك أن تتعلم أن عليك الاعتماد على الآخرين في كل شيء».

صورة مركبة لنولاند أربو المصاب بشلل رباعي وهو يلعب الشطرنج بعد زرع شريحة الدماغ (أرشيفية - رويترز)

تسعى شريحة «نيورالينك» إلى استعادة جزء بسيط من استقلالية أربو السابقة، من خلال السماح له بالتحكم في جهاز كمبيوتر بعقله. وخضع أربو، البالغ من العمر ٣١ عاماً، لعملية جراحية في معهد بارو للأعصاب في فينيكس، وهو على بُعد ساعتين ونصف تقريباً من منزله في يوما، لزرع شريحة تجريبية في دماغه كانت «نيورالينك» تعمل عليها، وتختبرها على الحيوانات على مدار السنوات التسع الماضية.

تم تخدير أربو، وفي عملية جراحية استغرقت أقل من ساعتين، زُرعت الشريحة بواسطة جهاز جراحي آلي من صنع «نيورالينك»، ووصلت خيوط دقيقة مزودة بأكثر من ألف قطب كهربائي بالخلايا العصبية في دماغه. والآن، يستطيع الجهاز قياس النشاط الكهربائي، ومعالجة الإشارات، ثم ترجمتها إلى أوامر تُرسل إلى جهاز رقمي. ببساطة، تُمكّن واجهة الدماغ أربو من التحكم في جهاز الكمبيوتر بعقله. ونتيجةً لذلك، يستطيع أربو القيام بأشياء مثل لعب ماريو كارت، والتحكم في جهاز التلفزيون، وتشغيل وإيقاف جهاز دايسون لتنقية الهواء دون تحريك أصابعه، أو أي جزء آخر من جسمه.


مقالات ذات صلة

كوبان من الحليب يومياً يقللان من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية

صحتك تناول كوبين من الحليب يومياً يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية (رويترز)

كوبان من الحليب يومياً يقللان من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية

كشفت دراسة يابانية حديثة أن مجرد تناول كوبين من الحليب يومياً يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بالسكتة الدماغية بنسبة تصل إلى 7 %.

«الشرق الأوسط» (طوكيو)
صحتك الساونا تُعدّ مكافأة بعد التمرين لبعض الناس بينما تُشكّل عامل الجذب الرئيسي لآخرين (بيكسلز)

ماذا يحدث لقلبك ودماغك عندما تذهب للساونا بانتظام؟

يصبح قلبك ودماغك أكثر صحة عندما تستخدم الساونا بانتظام. عند استخدام الساونا بشكل منتظم، يمكن أن يساعد ذلك في تحسين ضغط الدم، ومستويات الكوليسترول.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
صحتك التعرّف إلى أعراض السكتة الدماغية وفهم عوامل الخطر يظلّان خط الدفاع الأول للوقاية منها (أرشيفية - رويترز)

السكتة الدماغية... ما هي وما الأعراض التي يجب الانتباه إليها؟

تُعد السكتات الدماغية من الأسباب الرئيسية للوفاة في الولايات المتحدة، إذ يُصاب بها نحو 800 ألف شخص كل عام.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك رعاية صحة الفم يمكنها أن تمنع مشاكل مثل التسوس وأمراض اللثة ورائحة الفم الكريهة (البخر) وغيرها (بيكساباي)

كيف يمكنك تحسين روتين العناية بصحة فمك؟

 صحة الأسنان الجيدة ضرورية ليس فقط لتناول الطعام والتحدُّث دون أي عائق بل للوقاية من أي عدوى ومن أجل فم صحي

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك تُعدّ السكتة الدماغية أحد الأسباب الرئيسية للوفاة في العالم (رويترز)

نظام غذائي يقلل خطر إصابة النساء بالسكتة الدماغية

توصلت دراسة جديدة إلى أن اتباع «نظام البحر المتوسط» يمكن أن يقلل من خطر الإصابة بجميع أنواع السكتة الدماغية لدى النساء بنسبة قد تصل إلى 25 %.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
TT

نهج جديد يمكّن الذكاء الاصطناعي من شرح قراراته

نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)
نماذج الذكاء الاصطناعي الحديثة تعاني من مشكلة «الصندوق الأسود» التي تجعل قراراتها غير مفهومة للبشر (شاترستوك)

مع تزايد اندماج أنظمة الذكاء الاصطناعي في قطاعات حساسة، مثل الرعاية الصحية والأنظمة ذاتية القيادة، يبرز سؤال أساسي: هل يمكن الوثوق بقراراتها؟

فعلى الرغم من أن النماذج الحديثة تحقق دقة عالية، فإن طريقة تفكيرها تظل في كثير من الأحيان غير واضحة. هذه «الصندوق الأسود» أصبحت واحدة من أبرز التحديات في هذا المجال. يقدّم باحثون في معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) نهجاً جديداً يهدف إلى معالجة هذه المشكلة، من خلال تمكين أنظمة الذكاء الاصطناعي من تفسير قراراتها بطريقة مفهومة للبشر.

ما وراء الصندوق

في التطبيقات الواقعية، لا تكفي الدقة وحدها. فعندما يحدد نظام ذكاء اصطناعي مرضاً من صورة طبية أو يتخذ قراراً مرتبطاً بالسلامة، يحتاج المستخدم إلى فهم الأسباب التي قادت إلى هذا القرار. ومن دون هذه الشفافية، قد تفشل الأنظمة الدقيقة في كسب الثقة. وقد سعت تقنيات سابقة إلى فتح هذا «الصندوق الأسود»، لكنها غالباً ما قدّمت تفسيرات معقدة أو يصعب فهمها لغير المتخصصين. وهنا يكمن التحدي في تقديم تفسيرات دقيقة وفي الوقت نفسه واضحة.

الطريقة الجديدة تحسن التفسير دون التضحية بدقة الأداء بل قد تعززها (شاترستوك)

تفكير واعد

أحد الاتجاهات الواعدة يُعرف بنماذج «عنق الزجاجة المفاهيمي». في هذا النهج، يُجبر النظام على بناء قراراته على مفاهيم يمكن للبشر فهمها. فبدلاً من الانتقال مباشرة من البيانات الخام إلى النتيجة، يمرّ النموذج بمرحلة وسيطة يحدد فيها خصائص أو مفاهيم محددة قبل الوصول إلى القرار. لكن هذا الأسلوب واجه سابقاً بعض التحديات، إذ إن تحسين قابلية التفسير كان أحياناً يأتي على حساب الدقة، أو يؤدي إلى تفسيرات غير واضحة بما يكفي.

نهج جديد

طوّر فريق «MIT» طريقة محسّنة تهدف إلى تجاوز هذه القيود. يعتمد النظام على مكونين من التعلم الآلي يعملان معاً. الأول يستخرج المعرفة من نموذج موجود، والثاني يحول هذه المعرفة إلى مفاهيم مفهومة للبشر. يتيح هذا الإطار المزدوج «ترجمة آلية» لآلية عمل النماذج المعقدة إلى صيغة قابلة للفهم. والأهم أن هذه التقنية يمكن تطبيقها على نماذج رؤية حاسوبية مدرّبة مسبقاً، ما يجعلها قابلة للتعميم على نطاق واسع.

ومن أبرز ما يميز هذا النهج أنه لا يضحي بالأداء من أجل الشفافية. بل تشير النتائج إلى أنه يمكن أن يحسن دقة التنبؤ وجودة التفسير في الوقت نفسه. وهذا يتحدى افتراضاً شائعاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو أن التفسير يأتي دائماً على حساب الأداء. يمثل الجمع بين الاثنين خطوة مهمة نحو تطبيقات عملية موثوقة.

باحثو جامعة «MIT» يطورون نهجاً جديداً يمكّن النماذج من تفسير تنبؤاتها بطريقة مفهومة (شاترستوك)

تفسيرات أوضح

يتميز النظام بجودة التفسيرات التي يقدمها. فبدلاً من مخرجات تقنية معقدة، ينتج أوصافاً مبنية على مفاهيم واضحة يمكن للمستخدم فهمها بسهولة. وتكتسب هذه الميزة أهمية خاصة في البيئات الحساسة، حيث تحتاج القرارات إلى مراجعة وتقييم. فالتفسير الواضح يتيح للمستخدم التأكد من منطق القرار.

الهدف الأوسع لهذا البحث هو تعزيز الثقة في أنظمة الذكاء الاصطناعي. فعندما يتمكن المستخدم من فهم كيفية اتخاذ القرار، يصبح أكثر قدرة على تقييم دقته واكتشاف الأخطاء المحتملة. ويبرز هذا الأمر بشكل خاص في مجالات، مثل الرعاية الصحية، حيث قد تكون لأي خطأ عواقب كبيرة. فالتفسير لا يعزز الفهم فقط، بل يدعم الاستخدام المسؤول للتقنية.

أثر عملي واسع

تمتد آثار هذا التطور إلى ما هو أبعد من تطبيق واحد. مع توسع استخدام الذكاء الاصطناعي، تتزايد الحاجة إلى الشفافية من قبل المستخدمين والجهات التنظيمية على حد سواء. وقد تلعب هذه التقنيات دوراً محورياً في تلبية هذه المتطلبات، من خلال جعل قرارات الذكاء الاصطناعي أكثر وضوحاً وقابلية للمساءلة.

يعكس هذا النهج خطوة ضمن اتجاه أوسع في أبحاث الذكاء الاصطناعي. فلم يعد التركيز مقتصراً على بناء نماذج عالية الأداء، بل يتجه نحو تطوير أنظمة قادرة على تفسير قراراتها. هذا التحول يعكس فهماً أعمق لدور الذكاء الاصطناعي في الواقع. فالأداء وحده لم يعد كافياً، بل يجب أن تكون الأنظمة مفهومة وموثوقة ومتوافقة مع التوقعات البشرية. وفي هذا السياق، تصبح القدرة على تفسير القرارات ليست مجرد ميزة إضافية، بل شرطاً أساسياً للجيل القادم من أنظمة الذكاء الاصطناعي.


«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
TT

«غوغل» تعيد تعريف البحث بالذكاء الاصطناعي المخصص

تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)
تفعيل الميزة اختياري ويمنح المستخدم تحكماً كاملاً في البيانات التي يتم استخدامها (أ.ف.ب)

أعلنت شركة «غوغل» عن توسع جديد في قدرات الذكاء الاصطناعي لديها تحت مفهوم أطلقت عليه «الذكاء الشخصي» (Personal Intelligence) في خطوة تهدف إلى جعل أنظمة البحث والمساعدات الرقمية أكثر فهماً للسياق الفردي لكل مستخدم، بدلاً من الاكتفاء بإجابات عامة. هذا التوجه الذي جاء في مدونة رسمية عبر موقع الشركة يمثل تحولاً في طريقة عمل الذكاء الاصطناعي، من تقديم معلومات موحدة إلى تقديم استجابات مخصصة تستند إلى بيانات المستخدم ونشاطه عبر خدمات «غوغل» المختلفة.

تحول في البحث

لطالما اعتمدت محركات البحث على مطابقة الكلمات المفتاحية لتقديم نتائج ذات صلة. إلا أن «غوغل» ترى أن هذا النموذج لم يعد كافياً في ظل تنوع احتياجات المستخدمين. وبحسب ما أوضحته الشركة، فإن «الذكاء الشخصي» يهدف إلى تقديم إجابات تأخذ في الاعتبار السياق الفردي، بحيث يحصل كل مستخدم على نتائج تتناسب مع اهتماماته وتاريخه الرقمي.

يعتمد هذا النهج على ربط المعلومات بين عدد من تطبيقات «غوغل»، مثل «جيميل» و«صور غوغل» و«يوتيوب» وسجل البحث، وذلك في حال موافقة المستخدم على تفعيل هذه الميزة. ويتيح هذا التكامل لأنظمة الذكاء الاصطناعي، مثل (جيميناي) «Gemini» ووضع الذكاء الاصطناعي في البحث، الاستفادة من هذا السياق لتقديم إجابات أكثر دقة وارتباطاً باحتياجات المستخدم.

«غوغل» تطلق مفهوم «الذكاء الشخصي» لتقديم استجابات تعتمد على السياق الفردي لكل مستخدم (أ.ف.ب)

تجربة أكثر تخصيصاً

وفقاً لـ«غوغل»، يمكن للنظام الجديد «ربط النقاط» بين بيانات المستخدم المختلفة، ما يسمح بتقديم توصيات وملخصات واقتراحات أكثر تخصيصاً. فعلى سبيل المثال، بدلاً من تقديم اقتراحات عامة للسفر، يمكن للنظام الاستناد إلى اهتمامات المستخدم السابقة أو نشاطه الرقمي لتقديم خيارات أكثر ملاءمة. ويمثل ذلك انتقالاً من الذكاء الاصطناعي كأداة عامة إلى ما يشبه المساعد الشخصي الذي يتكيف مع المستخدم بمرور الوقت.

التحكم بيد المستخدم

أكدت «غوغل» أن استخدام هذه الميزة يعتمد على موافقة المستخدم، حيث يمكنه اختيار التطبيقات التي يرغب في ربطها، أو إيقاف الميزة بالكامل. وأوضحت الشركة أن البيانات الشخصية من خدمات مثل «جيميل» و«صور غوغل» لا تُستخدم لتدريب نماذج الذكاء الاصطناعي، بل تُستعمل لتوفير سياق ضمن التفاعل مع المستخدم فقط.

توازن مع الخصوصية

يبرز هذا التوجه تحدياً معروفاً في تطوير الذكاء الاصطناعي، وهو تحقيق التوازن بين التخصيص والخصوصية. فكلما زادت قدرة النظام على الوصول إلى البيانات، زادت دقة التوصيات، لكن ذلك يثير في الوقت نفسه تساؤلات حول حدود استخدام البيانات الشخصية. وتحاول «غوغل» معالجة هذا التحدي من خلال نموذج يعتمد على الشفافية ومنح المستخدم تحكماً أكبر في بياناته.

التحدي الرئيسي يتمثل في تحقيق توازن بين التخصيص العميق وحماية الخصوصية (شاترستوك)

ما بعد الإجابات

يعكس إطلاق «الذكاء الشخصي» توجهاً أوسع في مجال الذكاء الاصطناعي، حيث لم يعد الهدف مجرد الإجابة عن الأسئلة، بل فهم نية المستخدم والسياق المحيط به. ومن خلال دمج البيانات الشخصية، يمكن للأنظمة الانتقال من تقديم إجابات ثابتة إلى تفاعلات أكثر ديناميكية. من المتوقع أن ينعكس هذا التطور على الاستخدام اليومي للتكنولوجيا، حيث يمكن للأنظمة المخصصة أن تسهم في تسريع إنجاز المهام مثل التخطيط للسفر، أو العثور على معلومات سابقة، أو اتخاذ قرارات مبنية على بيانات شخصية. كما قد تقل الحاجة إلى إدخال نفس المعلومات بشكل متكرر، إذ يصبح النظام قادراً على استنتاج السياق من التفاعلات السابقة.

اتجاه مستقبلي

يمثل «الذكاء الشخصي» خطوة أولى نحو جيل جديد من أنظمة الذكاء الاصطناعي التي تجمع بين البحث والمساعدة الرقمية والتخصيص العميق. ومع ذلك، يبقى نجاح هذا النهج مرتبطاً بمدى ثقة المستخدمين، إذ ستلعب الشفافية والتحكم في البيانات دوراً حاسماً في تبني هذه التقنيات. في المحصلة، لا يتعلق هذا التوجه بجعل الذكاء الاصطناعي أكثر ذكاءً فحسب، بل بجعله أكثر ارتباطاً بالمستخدم نفسه، في تحول قد يعيد تعريف كيفية تفاعل الأفراد مع التكنولوجيا في حياتهم اليومية.


روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
TT

روبوتات الدرّاجة تحقق توازناً ديناميكياً وتتجاوز العقبات

يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)
يفتح الابتكار المجال لتطبيقات مستقبلية في التنقل والبيئات الواقعية المعقدة (شاترستوك)

لطالما سعى المهندسون في مجال الروبوتات إلى محاكاة ركوب الدراجة واحدة من أبسط القدرات البشرية ظاهرياً. لكن ما يبدو سهلاً للإنسان هو في الواقع عملية توازن معقدة تتطلب تعديلات مستمرة واتخاذ قرارات سريعة وتنسيقاً دقيقاً بين الحركة والثبات. واليوم يقترب الباحثون من تمكين الآلات من إتقان هذه المهارة، بل وتجاوزها.

يُظهر نظام روبوتي جديد أن الآلة القائمة على الدراجة لا تقتصر على الحفاظ على توازنها، بل يمكنها التحرك بسرعات عالية، والحفاظ على توازن ديناميكي، وتجاوز العقبات بطرق تحاكي مهارات متقدمة لدى راكبي الدراجات.

تصميم عالي الكفاءة

يرتكز هذا المشروع على سؤال أساسي في علم الروبوتات: إلى أي مدى يمكن تحقيق الأداء بحد أدنى من التعقيد الميكانيكي؟

بدلاً من الاعتماد على عدد كبير من المحركات والمكونات، صمّم الفريق نظاماً بعدد محدود من الحركات المتحكم بها. ورغم ذلك، يتمكن الروبوت من تحقيق حركة مستقرة وسريعة ومناورات مرنة.

تكمن أهمية هذا النهج في أنه يخالف الأساليب التقليدية التي تعتمد على أنظمة معقدة لتحقيق التوازن. فالدراجة بطبيعتها غير مستقرة، وتتطلب تصحيحات مستمرة للبقاء في وضعية مستقيمة. ومحاكاة هذا السلوك في روبوت، خاصة عند السرعات العالية، تتطلب تحكماً دقيقاً واستجابة فورية من الحساسات.

بيئات واقعية متغيرة

ما يميز هذا النظام قدرته على التعامل ليس فقط مع الحركة السلسة، بل أيضاً مع التغيرات المفاجئة في البيئة. يستطيع الروبوت اكتشاف العقبات والتفاعل معها بشكل ديناميكي، مع الحفاظ على توازنه أثناء التنقل. وهذا ينقله من بيئة المختبرات إلى سيناريوهات أقرب للواقع وأكثر تعقيداً.

استُلهم التصميم من راكبي الدراجات المحترفين، خصوصاً في رياضات مثل ركوب الدراجات الجبلية أو الاستعراضية. يعتمد هؤلاء على الزخم والتوازن والتوقيت لتجاوز العقبات والتكيف الفوري مع البيئة. نقل هذه القدرات إلى نظام روبوتي يمثل خطوة نحو آلات قادرة على العمل في بيئات مشابهة.

أنظمة تحكم متكيفة

يعتمد أداء الروبوت على نظام تحكم يجمع بين تخطيط الحركة والتعديل اللحظي. فبدلاً من اتباع مسار ثابت، يقوم النظام بتقييم موقعه وتوازنه بشكل مستمر، ويجري تصحيحات سريعة عند الحاجة. هذا النهج يتيح له الحفاظ على السرعة دون فقدان الاستقرار. كما أن السرعة تضيف تحدياً إضافياً، إذ تقلل من زمن الاستجابة المتاح. لذلك، يتطلب الحفاظ على التوازن دقة في الاستشعار وسرعة في المعالجة، وهو ما يعكس تطوراً في كل من تصميم العتاد والخوارزميات.

تفاعل مع العقبات

ميزة أخرى لافتة هي قدرة الروبوت على التعامل مع العقبات بدلاً من مجرد تجنبها. يمكنه تجاوز بعض العوائق أو التفاعل معها مباشرة، ما يعكس مستوى أعلى من الحركة الذكية. هذا يتماشى مع توجهات أوسع لتطوير روبوتات قادرة على العمل في بيئات مصممة للبشر.

تتجاوز أهمية هذا الابتكار النظام نفسه. فالروبوت القائم على الدراجة يمثل نموذجاً فعالاً للحركة، خاصة في البيئات الضيقة أو المتغيرة. مقارنة بالأنظمة الأكبر، قد يوفر هذا التصميم كفاءة أعلى في استهلاك الطاقة وسهولة في المناورة. كما يسهم هذا العمل في إعادة التفكير في كيفية تحقيق الرشاقة الحركية دون تعقيد ميكانيكي مفرط، ما قد يؤثر على تصميم الجيل القادم من الروبوتات.

يعتمد النظام على تصميم بسيط بعدد محدود من الحركات دون تعقيد ميكانيكي كبير (Bokser, et al)

نحو التطبيق العملي

قد يفتح هذا النهج المجال لتطبيقات مستقبلية في مجالات تتطلب السرعة والمرونة، مثل التنقل الحضري أو مهام الاستكشاف. ومع ذلك، لا تزال هناك فجوة بين التجارب المخبرية والتطبيقات الواقعية، حيث تفرض البيئة الحقيقية تحديات إضافية مثل الأسطح غير المستوية والعوامل الجوية. مع ذلك، فإن التقدم واضح. ما كان يُعد تحدياً كبيراً. فالحفاظ على التوازن على عجلتين أصبح اليوم نقطة انطلاق نحو قدرات أكثر تعقيداً تشمل السرعة والتفاعل مع البيئة. ومع تطور هذا المجال، لم يعد الهدف مجرد منع الروبوت من السقوط، بل تمكينه من التحرك بثقة ومرونة في العالم الحقيقي، على غرار الإنسان.