شرائح دماغية تتيح التحكم بالأجهزة عبر التفكير... ماذا نعرف عنها؟

ابتكرتها شركة «نيورالينك» المملوكة لإيلون ماسك

إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
TT

شرائح دماغية تتيح التحكم بالأجهزة عبر التفكير... ماذا نعرف عنها؟

إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)
إيلون ماسك يمسك بالشريحة الدماغية المبتكرة (أ.ف.ب)

في مطلع العام الماضي، أعلن رجل الأعمال الأميركي إيلون ماسك أن شركته «نيورالينك» قد نجحت في زراعة أول شريحة دماغية لا سلكية في إنسان. وأعرب أن النتائج الأولية أظهرت اكتشافاً واعداً لتحفيز الخلايا العصبية، مع إعلان أن المريض يتعافى بشكل جيد.

واليوم (الأربعاء) أعلنت الشركة ذاتها أنه جرى زرع شرائح الدماغ التي تصنعها لدى 12 شخصاً حول العالم. فماذا نعرف عن الشرائح الدماغية؟ وكيف تعمل؟

ماذا نعرف عن شركة «نيورالينك»؟

تأسست شركة «نيورالينك» من قبل إيلون ماسك في عام 2017، وهي تسعى إلى تطوير واجهة بين الدماغ والحاسوب تمكّن المصابين بإصابات خطيرة من التحكم في الهواتف، وأجهزة الكمبيوتر عبر التفكير فحسب، وذلك من خلال زرع أقطاب كهربائية داخل أدمغتهم.

وشركة «نيورالينك» هي شركة أميركية تعمل في مجال التكنولوجيا العصبية، وتُطوّر واجهات بين الدماغ والحاسوب (BCIs) قابلة للزرع داخل الجسم، ويقع مقرها الرئيس في فيرمونت–كاليفورنيا، وتخطط لبناء منشأة ضخمة قرب أوستن، تكساس.

أبرز ابتكارات الشركة

ابتكرت «نيورالينك» جهازاً مزوّداً بخيوط رفيعة جداً (عرضها بين 4–6 ميكرومترات) تُزرع في الدماغ عبر روبوت جراحي لضبط مواقعها بدقة، وفي فبراير (شباط) 2024، أعلن ماسك أن أول مريض بشري زُرعت له الشريحة يستطيع التحكم في مؤشر الفأرة عبر التفكير، مع تعافٍ جيد بعد الجراحة، وفق ما أوردت صحيفة «الغارديان» البريطانية.

وأُجريت كذلك تجارب أخرى على أشخاص مصابين بالشلل ليتمكنوا من التحكم بنفس النمط، حيث نجحوا في اللعب، وبرمجة التصاميم ثلاثية الأبعاد بأفكارهم فقط.

شعار شركة «نيورالينك» أمام صورة لإيلون ماسك (رويترز)

وفي عام 2025، ارتفع عدد المتلقين للشريحة إلى 9 أشخاص، مع هدف بلوغ 20 مريضاً يُزرع لهم الجهاز بنهاية العام. كما أعلنت الشركة عن خطط لتوسيع التجارب إلى المملكة المتحدة بالتعاون مع مستشفيين في جامعتي لندن كولدج، ونيوكاستل في دراسات سريرية جديدة، وفق تقرير سابق لوكالة «رويترز» للأنباء.

وحتى اليوم، وصل عدد المستفيدين إلى 12 شخصاً حول العالم، مع أكثر من 15000 ساعة استخدام عبر الأفكار، وتراكم أكثر من 2000 يوم تجربة.

ما المقصود بشرائح الدماغ؟

شرائح الدماغ هي رقائق إلكترونية دقيقة تُزرع في الدماغ لالتقاط الإشارات العصبية، أو لتحفيز مناطق معينة. وتعمل بوصفها واجهة بين الدماغ والآلة، بحيث تُحوّل النشاط العصبي إلى إشارات رقمية يمكن للحاسوب أو الجهاز قراءتها، والعكس.

والهدف منها هو:

o استعادة القدرات المفقودة (مثلاً الحركة، أو النطق بعد الشلل، أو السكتة الدماغية).

o التحكم في الأطراف الاصطناعية، أو الكراسي المتحركة بالتفكير فقط.

o علاج أمراض مثل الشلل الرعاش (باركنسون) أو الصرع عبر التحفيز العميق.

o وفي المشاريع الطموحة (مثل «نيورالينك» لإيلون ماسك): دمج الإنسان بالذكاء الاصطناعي، أو زيادة قدراته الإدراكية.

تطور فكرة شرائح الدماغ تاريخياً

بدأت تجارب واجهات الدماغ تتشكل في الستينات والسبعينات من القرن الماضي، حيث أُجريت أولى عمليات زرع الأقطاب الكهربائية في أدمغة الحيوانات، وأحياناً البشر، وكان الهدف الأساسي هو علاج مشكلات طبية مثل الصرع، وفهم النشاط العصبي عبر الخلايا، مما وضع الأساس لتطور هذا المجال العلمي.

عمل تحفيز للدماغ عن طريق زرع قطب كهربي تحت قشرة دماغ فأر مصاب بمرض مزمن (رخصة المشاع الإبداعي عبر ويكيبيديا)

ومع دخولنا التسعينات من القرن الماضي، ظهر مصطلح «واجهة دماغ» رسمياً، وقد شهدت هذه الحقبة إجراء أولى التجارب الناجحة التي سمحت لمرضى مشلولين بتحريك مؤشر على شاشة الكمبيوتر عبر التفكير فقط، وهو تحول نوعي من البحث العلمي إلى إمكانية التواصل المباشر بين العقل والآلة.

ومع بداية القرن الحادي والعشرين، شهد المجال قفزة ضخمة مدفوعة باندماج تقنيات الإلكترونيات الدقيقة والذكاء الاصطناعي. فقد تطوّرت تقنيات مثل التحفيز العميق للدماغ لعلاج أعراض مرض باركنسون، وغيرها من اضطرابات الحركة، وفق ما أوردت ورقة علمية نشرت في «ساغا جورنالس».

هذه التقنية التي ظهرت في أواخر الثمانينات من القرن الماضي نالت تقديراً واسعاً، وأُدخلت بشكل تجاري بعد عقود من التجارب المستمرة، بينما بدأت الأبحاث تتجه نحو تطوير أنظمة تحفيز «مغلقة الحلقة» تتكيف مع النشاط العصبي للمريض بشكل ديناميكي.

وعلى الجانب الأكاديمي والتطبيقي، توسع نشاط الجامعات -مثل براون ومعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا- في تطوير شرائح قابلة للزرع تهدف لاستعادة الحركة، والكلام، بينما تحوّل المشروع من مجرد بحث إلى تجربة واقعية بدأت تؤتي ثمارها في مختبرات متقدمة.

كيف تعمل شرائح الدماغ؟

وطورت شركة «نيورالينك» روبوتاً جراحياً مخصصاً لإجراء عملية الزرع، حيث يقوم الروبوت بإدخال الشريحة وسلسلة من الأقطاب الكهربائية والأسلاك فائقة الدقة داخل جمجمة المستخدم، حيث ترسل الشريحة إشارات الدماغ لا سلكياً إلى تطبيق تابع لـ«نيورالينك»، فيتم تحويل هذه الإشارات إلى أفعال ونيات، ويتم شحن الشريحة لا سلكياً.

وبدلاً من إجراء جراحة دماغية مفتوحة، يُزرع الجهاز في الوريد الوداجي في رقبة الشخص، ثم يُنقل إلى الدماغ عبر وعاء دموي. وقال ريكي بانيرجي، كبير مسؤولي التكنولوجيا في الشركة: «يلتقط الجهاز الإشارة عندما يفكر الشخص في النقر بإصبعه، أو عدم النقر». وأضاف في تصريحات سابقة لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي): «بقدرته على التقاط هذه الاختلافات، يمكنه إنشاء ما نسميه مخرجات حركية رقمية».

جدل قانوني وأخلاقي

ولم تُسجل حتى الآن كوارث جماعية بسبب الشرائح الدماغية، لأنها لا تزال في مراحل تجريبية، ومحدودة، ومعظم التجارب تقتصر على مرضى يعانون أمراضاً خطيرة.

في مايو (أيار) 2023، منحت هيئة الغذاء والدواء الأميركية (إف دي إيه) شركة «نيورالينك» الموافقة لبدء تجارب بشرية على شريحتها العصبية، وذلك بعد سلسلة من الرفض الأولي الذي جاء بسبب مخاوف تتعلق بسلامة المتطوعين، والالتزام بالمعايير التنظيمية، وجاء هذا الترخيص عقب إجراء الشركة لعدد كبير من تجارب الزرع على الحيوانات، التي قوبلت بانتقادات واسعة، إذ وثقت تقارير وجود نقص في توثيق عمليات المعايرة، وخلافات في ضبط الجودة داخل مختبراتها في كاليفورنيا.

كما أظهرت التحقيقات قيام الشركة باستخدام إجراءات مختبرية متسارعة، ما أسفر عن معاناة بعض الحيوانات، وقد أدّى ذلك إلى إثارة تساؤلات من جهات رقابية ومجموعات لحقوق الحيوان حول أخلاقيات التجارب، ومدى التزام «نيورالينك» بأفضل معايير الرعاية، وفق تقرير سابق لوكالة «رويترز» للأنباء.

وكان أربعة مشرعين طلبوا في أواخر نوفمبر (تشرين الثاني) من لجنة الأوراق المالية والبورصة الأميركية التحقيق فيما إذا كان ماسك قد ضلل المستثمرين بشأن سلامة تقنيات «نيورالينك» بعد أن أظهرت السجلات البيطرية مشكلات في عمليات زرع الشريحة في أدمغة القرود، منها الشلل، وتورم الدماغ، وفق ما أفادت وسائل إعلام أميركية في ديسمبر (كانون الأول) الماضي. وقال موظفون سابقون بالشركة، لوكالة «رويترز» للأنباء، إنه في إحدى الحالات جرى زرع الجهاز في موضع خاطئ بالخنازير، مما أدى إلى نُفوقها.

«لا سيطرة لا خصوصية»

وكان الأميركي من ولاية أريزونا نولاند أربو أول من حصل على شريحة دماغية من «نيورالينك» في 2024، وقد أصيب بشلل أسفل الكتفين في حادث غوص عام 2016. وكانت إصاباته بالغة، لدرجة أنه خشي ألا يتمكن من الدراسة، أو العمل، أو حتى ممارسة الألعاب مرة أخرى، وقال: «لا سيطرة لك، لا خصوصية لك، وهذا أمر صعب. عليك أن تتعلم أن عليك الاعتماد على الآخرين في كل شيء».

صورة مركبة لنولاند أربو المصاب بشلل رباعي وهو يلعب الشطرنج بعد زرع شريحة الدماغ (أرشيفية - رويترز)

تسعى شريحة «نيورالينك» إلى استعادة جزء بسيط من استقلالية أربو السابقة، من خلال السماح له بالتحكم في جهاز كمبيوتر بعقله. وخضع أربو، البالغ من العمر ٣١ عاماً، لعملية جراحية في معهد بارو للأعصاب في فينيكس، وهو على بُعد ساعتين ونصف تقريباً من منزله في يوما، لزرع شريحة تجريبية في دماغه كانت «نيورالينك» تعمل عليها، وتختبرها على الحيوانات على مدار السنوات التسع الماضية.

تم تخدير أربو، وفي عملية جراحية استغرقت أقل من ساعتين، زُرعت الشريحة بواسطة جهاز جراحي آلي من صنع «نيورالينك»، ووصلت خيوط دقيقة مزودة بأكثر من ألف قطب كهربائي بالخلايا العصبية في دماغه. والآن، يستطيع الجهاز قياس النشاط الكهربائي، ومعالجة الإشارات، ثم ترجمتها إلى أوامر تُرسل إلى جهاز رقمي. ببساطة، تُمكّن واجهة الدماغ أربو من التحكم في جهاز الكمبيوتر بعقله. ونتيجةً لذلك، يستطيع أربو القيام بأشياء مثل لعب ماريو كارت، والتحكم في جهاز التلفزيون، وتشغيل وإيقاف جهاز دايسون لتنقية الهواء دون تحريك أصابعه، أو أي جزء آخر من جسمه.


مقالات ذات صلة

كيف يمكن لبيضة واحدة يومياً أن تعزز صحة الدماغ؟

صحتك البيض من الأطعمة الأساسية على مائدة الإفطار (بيكساباي)

كيف يمكن لبيضة واحدة يومياً أن تعزز صحة الدماغ؟

بحث جديد نُشر بمجلة التغذية والصحة والشيخوخة ببريطانيا قال إن تناول ما بين ثلاث وسبع بيضات أسبوعياً قد يُساعد في الحفاظ على صحة الدماغ مع التقدم في السن

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك شاي القرنفل يعد اختياراً موفقاً للصحة العامة والدماغ (بيكساباي)

ما تأثير القرنفل على صحة الدماغ؟

يحتوي القرنفل على مركبات مضادة للأكسدة والالتهابات التي أظهرت تأثيرات وقائية عصبية محتملة قليلة الإجهاد التأكسدي والالتهاب في الدماغ 

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك أنواع مختلفة من المحليات الصناعية (أ.ف.ب)

دراسة: الجرعات المنخفضة من الأسبارتام تؤثر على صحة القلب والدماغ

تشير دراسة حديثة أُجريت على الفئران إلى أن هذا المُحلِّي، حتى بجرعات منخفضة، قد يُؤثر سلباً على صحة القلب والدماغ على المدى الطويل.

«الشرق الأوسط» (لندن)
صحتك مواطنون يمارسون الرياضة في صالة رياضية في الأردن (أرشيفية - رويترز)

هذه التمارين تساعدك في الحصول على دماغ أصغر سناً وأكثر صحة

وجد الباحثون أن الأشخاص الذين لديهم مستويات عالية من الدهون المتراكمة في منطقة البطن لديهم أدمغة أكبر سناً.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
صحتك تُعدّ السكتة الدماغية أحد الأسباب الرئيسية للوفاة في العالم (رويترز)

الذكاء الاصطناعي يحسّن بشكل كبير علاج السكتة الدماغية

أظهرت دراسة جديدة أن الذكاء الاصطناعي يساعد بشكل كبير مرضى السكتة الدماغية على التعافي من المرض، حيث يُساعدهم على الحصول على العلاج الضروري بسرعة أكبر.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
TT

«تشات جي بي تي» يستعد لعرض إعلانات بناءً على محادثات المستخدمين

شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)
شعار تطبيق «تشات جي بي تي» (رويترز)

قد يبدأ تطبيق الدردشة المدعم بالذكاء الاصطناعي «تشات جي بي تي» قريباً بعرض إعلانات لمنتجات وخدمات يُرجّح أنها تهم المستخدمين، وذلك استناداً إلى طبيعة محادثاتهم مع المنصة.

وأعلنت شركة «أوبن إيه آي»، أمس (الجمعة)، أنها ستختبر هذه الإعلانات في النسخة المجانية من تطبيق «تشات جي بي تي» للمستخدمين البالغين المسجلين في الولايات المتحدة. كما كشفت عن إطلاق باقة اشتراك جديدة تحمل اسم «Go» بسعر 8 دولارات شهرياً، تتضمن بعض الميزات المحسّنة، مثل ذاكرة أكبر وإمكانات أوسع لإنشاء الصور، وبسعر أقل من باقتي «Plus» (20 دولاراً شهرياً) و«Pro» (200 دولار شهرياً).

وبحسب شبكة «سي إن إن»، سيشاهد مشتركو باقة «Go» أيضاً إعلانات داخل الخدمة، في حين لن تُعرض أي إعلانات لمشتركي باقتي «Plus» و«Pro»، ولا لعملاء «أوبن إيه آي» من الشركات.

وكان سام ألتمان، الرئيس التنفيذي لشركة «أوبن إيه آي»، قد أعرب في وقت سابق، عن تحفظاته إزاء إدخال الإعلانات إلى «تشات جي بي تي». غير أن هذه الخطوة تأتي في سياق سعي الشركة الحثيث إلى إيجاد مصادر جديدة لزيادة الإيرادات من قاعدة مستخدميها التي تُقدَّر بنحو 800 مليون مستخدم شهرياً، وذلك للمساعدة في تغطية تكلفة البنية التحتية للذكاء الاصطناعي، التي تعتزم الشركة استثمار نحو 1.4 تريليون دولار فيها على مدى السنوات الثماني المقبلة.

وفي هذا السياق، قال ألتمان في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن «أوبن إيه آي» تتوقع إنهاء عام 2025 بإيرادات سنوية تقارب 20 مليار دولار.

وكانت الشركة قد أطلقت العام الماضي، أداة تُعرف باسم «الدفع الفوري»، تتيح للمستخدمين شراء المنتجات مباشرةً من متاجر تجزئة مثل «وول مارت» و«إتسي» عبر «تشات جي بي تي». كما قدّمت أدوات في مجالات الصحة والتعليم وغيرها، في إطار مساعيها لجعل «تشات جي بي تي» جزءاً أساسياً من الحياة اليومية للمستخدمين، وربما تحفيزهم على الترقية إلى اشتراكات مدفوعة.

وقد تُثبت الإعلانات أنها استراتيجية مربحة لشركة «أوبن إيه آي»، إذ يمكن استغلال المعلومات المستخلصة من محادثات المستخدمين مع «تشات جي بي تي» لإنشاء إعلانات عالية الاستهداف. فعلى سبيل المثال، إذا طلب أحد المستخدمين المساعدة في التخطيط لرحلة، فقد تظهر له إعلانات متعلقة بفنادق أو أنشطة ترفيهية في الوجهة المقصودة.

وكجزء من هذا الاختبار، ستظهر الإعلانات أسفل إجابات «تشات جي بي تي» على استفسارات المستخدمين، مع تصنيفها بوضوح على أنها «إعلانات ممولة». وأكدت «أوبن إيه آي» أن هذه الإعلانات لن تؤثر في محتوى إجابات «تشات جي بي تي»، مشددة على أن المستخدمين «يجب أن يثقوا بأن الإجابات تستند إلى ما هو مفيد موضوعياً».

كما أوضحت الشركة أنها لن تبيع بيانات المستخدمين أو محادثاتهم للمعلنين، مؤكدةً أن بإمكان المستخدمين تعطيل تخصيص الإعلانات المبنية على محادثاتهم في أي وقت.


دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
TT

دراسة جديدة تكشف حدود الذكاء الاصطناعي في إنجاز مشاريع العمل عن بُعد

الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)
الدراسة تقدم «مؤشر العمل عن بُعد» كأول مقياس واقعي لقدرة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع عمل حقيقية متكاملة (شاترستوك)

أعاد التطور السريع في تقنيات الذكاء الاصطناعي طرح أسئلة قديمة متجددة حول الأتمتة ومستقبل العمل. فمن تطوير البرمجيات إلى إنتاج المحتوى، باتت أنظمة الذكاء الاصطناعي تُظهر قدرات لافتة في الاختبارات البحثية والمعايير التقنية. لكن فجوة أساسية ما زالت قائمة تتعلق بقدرة هذه الأنظمة على تنفيذ أعمال حقيقية ذات قيمة اقتصادية، كما هي مطلوبة في سوق العمل الفعلي.

دراسة جديدة تسعى للإجابة عن هذا السؤال عبر إطار قياس مبتكر يُعرف باسم «مؤشر العمل عن بُعد» (Remote Labor Index – RLI)، وهو أول معيار تجريبي يقيس بشكل منهجي قدرة وكلاء الذكاء الاصطناعي على أتمتة مشاريع عمل متكاملة مأخوذة من أسواق العمل الحر الحقيقية. وتأتي النتائج مفاجئة، وأكثر واقعية مما توحي به كثير من السرديات المتداولة حول قرب الاستغناء عن الوظائف البشرية.

ما بعد المعايير الاصطناعية

تركز معظم اختبارات الذكاء الاصطناعي الحالية على مهام محددة أو معزولة ككتابة شيفرات قصيرة أو الإجابة عن أسئلة تقنية أو تصفح الإنترنت أو تنفيذ أوامر حاسوبية مبسطة. ورغم أهمية هذه المعايير، فإنها غالباً لا تعكس التعقيد والتكامل والغموض الذي يميز العمل المهني الحقيقي.

من هنا جاء تطوير «مؤشر العمل عن بُعد»، الذي لا يختبر مهارات منفصلة، بل يقيس قدرة أنظمة الذكاء الاصطناعي على إنجاز مشاريع كاملة من البداية إلى النهاية، تماماً كما تُسند إلى محترفين يعملون لحساب عملاء حقيقيين. وتشمل هذه المشاريع مجالات مثل التصميم والهندسة المعمارية وإنتاج الفيديو وتحليل البيانات وتطوير الألعاب وإعداد الوثائق وغيرها من أشكال العمل عن بُعد التي تشكل جوهر الاقتصاد الرقمي المعاصر. وبهذا، تنقل الدراسة النقاش من مستوى القدرات النظرية إلى مستوى الأداء الفعلي القابل للقياس في السوق.

نتائج المؤشر تظهر أن الذكاء الاصطناعي ما زال عاجزاً عن أتمتة معظم مشاريع العمل عن بُعد بمستوى مهني مقبول (غيتي)

قياس مؤشر العمل عن بُعد

تتكون قاعدة بيانات المؤشر من 240 مشروع عمل حر مكتمل، يحتوي كل مشروع على ثلاثة عناصر رئيسية هي وصف تفصيلي للمهمة والملفات المدخلة اللازمة لتنفيذها ومخرجات نهائية أنجزها محترفون بشريون باعتبارها مرجعاً قياسياً. ولم تكتفِ الدراسة بالمخرجات فقط، بل جمعت أيضاً بيانات عن الوقت والتكلفة اللازمين لتنفيذ كل مشروع. وقد استغرق إنجاز المشروع الواحد، في المتوسط، نحو 29 ساعة من العمل البشري، بينما تجاوزت بعض المشاريع حاجز 100 ساعة. وتراوحت تكاليف المشاريع بين أقل من 10 دولارات وأكثر من 10 آلاف دولار، بإجمالي قيمة تتجاوز 140 ألف دولار وأكثر من 6 آلاف ساعة عمل فعلي.

ويعكس هذا التنوع والتعقيد المتعمد طبيعة العمل الحقيقي، بعيداً عن المهام المبسطة أو المتخصصة.

تقييم أداء الذكاء الاصطناعي

اختبر الباحثون عدة نماذج متقدمة من وكلاء الذكاء الاصطناعي باستخدام عملية تقييم بشرية دقيقة حيث مُنحت الأنظمة نفس أوصاف المشاريع والملفات التي حصل عليها المحترفون، وطُلب منها إنتاج مخرجات كاملة. ثم قام مقيمون مدربون بمقارنة نتائج الذكاء الاصطناعي بالمخرجات البشرية المرجعية، مع التركيز على سؤال جوهري يتعلق بمدى قبول العميل الحقيقي لهذا العمل باعتباره مكافئاً أو أفضل من عمل محترف بشري.

المقياس الأساسي في الدراسة هو «معدل الأتمتة» أي النسبة المئوية للمشاريع التي نجح الذكاء الاصطناعي في إنجازها بمستوى احترافي مقبول. كما استخدمت الدراسة نظام تصنيف شبيهاً بنظام «إيلو» لإجراء مقارنات دقيقة بين النماذج المختلفة، حتى في الحالات التي لم تصل فيها أي منها إلى مستوى الأداء البشري.

الأتمتة ما زالت محدودة جداً

على الرغم من التطورات الكبيرة في قدرات التفكير والتعامل متعدد الوسائط، تكشف النتائج أن أنظمة الذكاء الاصطناعي الحالية ما تزال بعيدة عن أتمتة العمل عن بُعد بشكل واسع. فقد بلغ أعلى معدل أتمتة تحقق 2.5 في المائة فقط، أي أن أقل من ثلاثة مشاريع من كل مائة وصلت إلى مستوى مقبول مقارنة بالعمل البشري. وتتحدى هذه النتيجة الافتراض السائد بأن التحسن في المعايير التقنية يعني بالضرورة قدرة فورية على استبدال العمل البشري. فحتى النماذج المتقدمة القادرة على كتابة الشيفرات أو توليد الصور والنصوص، غالباً ما تفشل عندما يُطلب منها دمج مهارات متعددة، أو الالتزام بتفاصيل معقدة أو تسليم ملفات متكاملة بجودة احترافية.

مستقبل العمل القريب يتجه نحو دعم الإنتاجية البشرية بالذكاء الاصطناعي بدلاً من استبدال الوظائف بالكامل (شاترستوك)

تعثر الذكاء الاصطناعي... ونجاحه

يكشف التحليل النوعي لأسباب الفشل عن مشكلات متكررة، أبرزها أخطاء تقنية أساسية مثل ملفات تالفة أو غير قابلة للاستخدام أو صيغ غير صحيحة أو مخرجات ناقصة وغير متسقة. وفي حالات أخرى، كانت المشاريع مكتملة شكلياً لكنها لا ترقى إلى المستوى المهني المتوقع في سوق العمل الحر.

في المقابل، رصدت الدراسة مجالات محدودة أظهر فيها الذكاء الاصطناعي أداءً أفضل نسبياً، لا سيما في المهام التي تتركز على معالجة النصوص أو توليد الصور أو التعامل مع الصوت كبعض أعمال التحرير الصوتي والتصميم البصري البسيط وكتابة التقارير وتصور البيانات المعتمد على الشيفرة البرمجية. وتشير هذه النتائج إلى أن الذكاء الاصطناعي يلعب بالفعل دوراً داعماً في بعض أنواع العمل، وإن لم يصل بعد إلى مرحلة الأتمتة الكاملة.

قياس التقدم دون تهويل

رغم انخفاض معدلات الأتمتة المطلقة، يُظهر المؤشر تحسناً نسبياً واضحاً بين النماذج المختلفة. فتصنيفات «إيلو» وهي نظام رياضي لتقييم الأداء النسبي، تشير إلى أن الأنظمة الأحدث تتفوق بشكل منهجي على سابقاتها، ما يعني أن التقدم حقيقي وقابل للقياس، حتى وإن لم يترجم بعد إلى إنجاز مشاريع كاملة. وتكمن قيمة «مؤشر العمل عن بُعد» في كونه أداة طويلة الأمد لمتابعة التطور، بعيداً عن التوقعات المبالغ فيها أو الأحكام الثنائية.

تشير نتائج الدراسة إلى أن الاستغناء الواسع عن العاملين في وظائف العمل عن بُعد ليس وشيكاً في الوقت الراهن. وبدلاً من ذلك، يُرجّح أن يكون الأثر القريب للذكاء الاصطناعي متمثلاً في تعزيز الإنتاجية على مستوى المهام، لا استبدال الوظائف بالكامل.

وسيظل الحكم البشري والقدرة على الدمج وضبط الجودة عناصر مركزية في العمل المهني. ومع ذلك، تحذر الدراسة من أن الذكاء الاصطناعي يختلف عن تقنيات الأتمتة السابقة؛ إذ يسعى إلى محاكاة قدرات معرفية عامة. وإذا تمكنت الأنظمة المستقبلية من سد الفجوة التي يكشفها المؤشر دون التكيّف المصطنع معه، فقد تكون الآثار على سوق العمل أعمق بكثير.

خط أساس جديد للنقاش

لا تدّعي هذه الدراسة التنبؤ بالمستقبل، لكنها تقدم خط أساس علمي وعملي لفهم موقع الذكاء الاصطناعي اليوم. ومن خلال ربط التقييم بعمل حقيقي وتكلفة فعلية ومعايير مهنية واقعية، تضع إطاراً أكثر دقة لنقاشات الأتمتة والعمل. ومع استمرار تطور الذكاء الاصطناعي، ستصبح أدوات مثل «مؤشر العمل عن بُعد» ضرورية للفصل بين التقدم الحقيقي والضجيج الإعلامي، وضمان أن يُبنى النقاش حول مستقبل العمل على الأدلة لا الافتراضات.


بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
TT

بيانات الصوت البيومترية... هل تهدد الخصوصية في زمن الخوارزميات؟

تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)
تقنيات الذكاء الاصطناعي أصبحت قادرة على استخراج معلومات حساسة من الصوت دون علم المتحدث (أدوبي)

نحن نتحدث يومياً دون أن نفكر كثيراً في مقدار ما تكشفه أصواتنا عنّا. فإلى جانب الكلمات التي نختارها، يحمل الصوت إشارات دقيقة عن هويتنا قد تكشف معلومات صحية وخلفيات ثقافية وحالات عاطفية، ومستوى التعليم وربما حتى ميولاً فكرية. وحتى وقت قريب، كان هذا الإدراك يقتصر على الحدس البشري؛ إذ يمكننا غالباً أن نميّز تعب صديق أو سعادته أو توتره من نبرة صوته فقط. لكن اليوم، باتت الأنظمة الحاسوبية قادرة على فعل ذلك وأكثر بدقة متزايدة.

ويحذّر باحثون في تقنيات الكلام واللغة من أن هذه القدرات تمثل تحدياً حقيقياً للخصوصية. فالصوت لم يعد مجرد وسيلة لإعطاء الأوامر للمساعدات الرقمية أو أداة للحوار، بل أصبح وعاءً غنياً بالمعلومات الشخصية التي تستطيع الخوارزميات الحديثة استخراجها، غالباً دون علم المتحدث أو موافقته.

لماذا يُعد الصوت بيانات شخصية؟

عندما نتحدث، لا تنتقل الرسالة اللغوية وحدها. فإيقاع الكلام ودرجة الصوت والتوقفات بين الكلمات وأنماط التنفس والخصائص الصوتية الأخرى، جميعها تحمل طبقات متعددة من المعلومات الشخصية. ويشير خبراء تقنيات الكلام إلى أن هذه المعلومات مدمجة مباشرة في الإشارة الصوتية نفسها، أي أنها تُفصح تلقائياً عن صاحبها بمجرد التحدث، دون أي نية واعية للكشف عنها.

وتستطيع هذه الخصائص الصوتية أن تعكس مؤشرات تتعلق بالصحة الجسدية أو النفسية، مثل الإرهاق أو مشكلات في الجهاز التنفسي. كما يمكن أن تشير إلى خلفية المتحدث الثقافية أو الجغرافية من خلال اللهجة ونمط النطق. إضافة إلى ذلك، تحمل الأصوات دلائل عاطفية تُمكّن الأنظمة المتقدمة من استنتاج ما إذا كان الشخص متوتراً أو هادئاً أو متحمساً أو مضطرباً. ولهذا، يُصنَّف الصوت ضمن فئة البيانات البيومترية أي البيانات الشخصية العميقة، الفريدة غالباً، والتي يصعب تغييرها أو استبدالها.

وبسبب هذه الحساسية، تُعامل البيانات الصوتية في العديد من التشريعات الحديثة باعتبارها بيانات محمية. ففي الاتحاد الأوروبي، على سبيل المثال، يمكن أن يندرج الصوت ضمن البيانات البيومترية الخاضعة لقواعد صارمة بموجب اللائحة العامة لحماية البيانات (GDPR)، ما يستلزم توفير ضمانات إضافية والحصول على موافقة صريحة في كثير من الحالات.

تحليل الصوت يطرح مخاطر تتعلق بالخصوصية قد تمتد إلى التوظيف والتأمين والتسويق والمراقبة (شاترستوك)

مخاطر الإفراط في كشف المعلومات

تثير القدرة على استخراج سمات شخصية من الصوت مخاوف تتجاوز مسألة الراحة أو التخصيص. فمع تطور تقنيات تحليل الصوت وانتشارها، قد تمتد آثارها إلى مجالات حساسة في حياة الأفراد. فقد تُستخدم الاستنتاجات المستخلصة من أنماط الكلام يوماً ما للتأثير في قرارات التوظيف أو تقييمات التأمين إذا أسيء استخدامها. كما يمكن للمعلنين استغلال الإشارات العاطفية أو السلوكية المستخلصة من الصوت لتقديم رسائل تسويقية شديدة الاستهداف، وربما ذات طابع تلاعبي.

وتتفاقم المخاطر مع احتمالات سوء الاستخدام، مثل المراقبة غير المشروعة أو التحرش أو تتبع الأفراد دون علمهم. ورغم أن هذه السيناريوهات ليست شائعة على نطاق واسع بعد، يؤكد الباحثون أن سرعة تطور التكنولوجيا تستدعي دق ناقوس الخطر مبكراً، قبل أن تصبح هذه الممارسات أمراً واقعاً يصعب احتواؤه.

قياس ما يكشفه صوتك

أحد التحديات الأساسية في حماية خصوصية الصوت هو فهم مقدار المعلومات التي يحتويها تسجيل صوتي واحد. ولهذا يعمل الباحثون على تطوير أدوات وأساليب لقياس مدى قابلية ربط عيّنة صوتية بسمات تعريفية محددة. وتهدف هذه المقاييس إلى تحديد مدى سهولة نسب الصوت إلى شخص بعينه أو إلى فئة ضيقة من الأشخاص، اعتماداً فقط على الخصائص الصوتية.

وتُعد هذه الأدوات ضرورية لتصميم أنظمة تراعي الخصوصية منذ البداية. فإذا تمكن المطورون من تقدير مستوى المخاطر المرتبطة بتسجيل صوتي معين، يصبح بإمكانهم اتخاذ قرارات مدروسة بشأن كيفية تخزينه أو معالجته أو مشاركته. ويدعم هذا التوجه مفهوم «الخصوصية بحكم التصميم»؛ حيث تُؤخذ المخاطر المحتملة في الحسبان قبل طرح التكنولوجيا للاستخدام الواسع.

الصوت ليس وسيلة تواصل فقط بل يحمل أيضاً بيانات شخصية عميقة تكشف الصحة والحالة النفسية والخلفية الثقافية (شاترستوك)

كيف يمكن حماية خصوصية الصوت؟

لا يدعو الخبراء إلى التخلي عن تقنيات الصوت، بل إلى تقليل التعرض غير الضروري للمعلومات الشخصية. ومن بين أكثر الاستراتيجيات فعالية تقليص كمية البيانات الصوتية الخام التي يتم مشاركتها. فبدلاً من إرسال تسجيلات كاملة، يمكن للأنظمة استخراج الحد الأدنى من المعلومات اللازمة لأداء مهمة محددة كتحويل الكلام إلى نص، ثم التخلص من بقية البيانات.

كما تُعد المعالجة المحلية للصوت خطوة مهمة في هذا السياق. فعندما يُحلل الصوت مباشرة على الجهاز، بدلاً من إرساله إلى خوادم سحابية بعيدة، تقل فرص إساءة الاستخدام أو الاعتراض أو الاستغلال الثانوي للبيانات. ويمنح هذا النهج المستخدمين قدراً أكبر من التحكم فيما يغادر أجهزتهم ومتى.

وتلعب الضوابط الفيزيائية والبيئية دوراً مكملاً. فالتقنيات التي تُظهر بوضوح متى يكون التسجيل نشطاً، أو التي تحصر التقاط الصوت في نطاقات محددة، أو تتطلب تفعيلاً مقصوداً من المستخدم، تساعد في منع التسجيل العرضي أو الخفي. ومجتمعةً، تسهم هذه الإجراءات في جعل التفاعل الصوتي مقصوداً لا متطفلاً.

الثقة والشفافية وتجربة المستخدم

الخصوصية ليست مسألة تقنية فحسب، بل هي قضية نفسية أيضاً. فمجرد الشعور بالمراقبة قد يؤثر في سلوك الأفراد وطريقة تعبيرهم عن أنفسهم. ويحذّر الباحثون من أن الإحساس الدائم بالرصد سواء أكان حقيقياً أم متوهماً، يمكن أن يقوّض الشعور بالكرامة والاستقلالية.

ومن هنا تبرز أهمية الشفافية؛ إذ ينبغي إبلاغ المستخدمين بوضوح متى يتم تسجيل أصواتهم، وما نوع المعلومات التي قد تُستخلص، وكيف ستُستخدم هذه البيانات. فالأنظمة التي تقدم إشارات واضحة وتحكماً مفهوماً في إعدادات الخصوصية تكون أقدر على كسب ثقة المستخدمين من تلك التي تعمل بصمت في الخلفية.

مستقبل مسؤول لتقنيات الصوت

توفر التقنيات المعتمدة على الصوت فوائد لا يمكن إنكارها، بدءاً من أدوات الوصول لذوي الإعاقة، مروراً بالحوسبة دون استخدام اليدين، ووصولاً إلى تفاعل أكثر طبيعية بين الإنسان والآلة. غير أن تعاظم حضور هذه التقنيات في الحياة اليومية يفرض مسؤولية متزايدة لحماية البيانات الصوتية.

ويواصل الباحثون تطوير أساليب لقياس المعلومات الشخصية الكامنة في الصوت وتقليلها والتحكم بها. وفي الوقت ذاته، يتعين على المطورين وصنّاع السياسات والمصممين العمل معاً لضمان تطور أطر الخصوصية بالتوازي مع الابتكار. فالتحدي ليس في إسكات التكنولوجيا، بل في ضمان أن تكون أصواتنا حين نتحدث مصدر تمكين لنا، لا بوابة لانتهاك خصوصيتنا.