منظومة محلية بآفاق عالمية... كيف تقود السعودية صناعة الألعاب الإلكترونية؟

شراكات تبني قدرات محلية واعدة

يشهد قطاع الألعاب في المملكة نمواً مدفوعاً برؤية 2030 مع أهداف واضحة تشمل إنشاء 250 شركة وتوفير 39 ألف وظيفة بحلول 2030 (أ.ف.ب)
يشهد قطاع الألعاب في المملكة نمواً مدفوعاً برؤية 2030 مع أهداف واضحة تشمل إنشاء 250 شركة وتوفير 39 ألف وظيفة بحلول 2030 (أ.ف.ب)
TT

منظومة محلية بآفاق عالمية... كيف تقود السعودية صناعة الألعاب الإلكترونية؟

يشهد قطاع الألعاب في المملكة نمواً مدفوعاً برؤية 2030 مع أهداف واضحة تشمل إنشاء 250 شركة وتوفير 39 ألف وظيفة بحلول 2030 (أ.ف.ب)
يشهد قطاع الألعاب في المملكة نمواً مدفوعاً برؤية 2030 مع أهداف واضحة تشمل إنشاء 250 شركة وتوفير 39 ألف وظيفة بحلول 2030 (أ.ف.ب)

لطالما عملت صناعة الألعاب العالمية وفق نمط تقليدي تتركّز فيه القرارات الإبداعية والتقنية في أميركا الشمالية واليابان وأوروبا، بينما يُوزّع العمل التنفيذي على مناطق أخرى. لكن اليوم، هناك تحوّل هادئ يحدث، لا يقوم فقط على الاستثمار، بل على إعادة تعريف فلسفة الشراكة.

في الشرق الأوسط، تبني المملكة العربية السعودية واحداً من أكثر الأنظمة البيئية طموحاً وتمحوراً حول تنمية المواهب في صناعة الألعاب. فبدلاً من الاكتفاء بدعوة الشركات العالمية لافتتاح فروع، تسعى المملكة إلى الاستثمار في القدرات المحلية لا فقط في السوق. ومن خلال ذلك، تقدم نموذجاً جديداً قد يرسم ملامح العقد القادم لصناعة الألعاب، وهو نموذج لا مركزي، بل شامل وتشاركي.

نيكا نور نائب الرئيس الأول لتطوير الأعمال الدولية في مجموعة «سافي» للألعاب متحدثة لـ«الشرق الأوسط» (سافي)

من المنفّذ إلى المُبدع

الأساس في هذا النموذج واضح، وهو تمكين المطورين المحليين من أن يكونوا جزءاً من عملية الإبداع، لا مجرد منفّذين. تقول الدكتورة نيكا نور، نائب الرئيس الأول لتطوير الأعمال الدولية في مجموعة «سافي» للألعاب إن المطورين السعوديين لن يكونوا مجرد مساهمين، بل قادة في مجالات مثل الترجمة واختبار الجودة والتصميم الصوتي وتطوير الملكيات الفكرية.

وهذا يتناقض تماماً مع نموذج «الاستعانة بالمصادر الخارجية» التقليدي. وتضيف خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» أنه بدلاً من حصر المواهب المحلية في تنفيذ المهام الثانوية، يهدف هذا التوجه إلى دمجهم في صلب العملية الإبداعية، وتزويدهم بالأدوات والخبرات لبناء مساراتهم المهنية المستقلة.

مارتن ماكبرايد رئيس الاتصالات في شركة «سايد» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (سايد)

وتتزامن هذه الرؤية مع نمو غير مسبوق يشهده قطاع الألعاب في المملكة، حيث بلغ حجم السوق 1.84 مليار دولار أميركي في عام 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 3.5 مليار دولار بحلول عام 2030 بحسب دراسة لشركة «غراند فيو ريسيرتش» (Grand View Research). كما تشير إحصاءات (PwC) إلى أن عدد اللاعبين النشطين في المملكة يُقدّرون بحوالي 23 مليون لاعب، أي ما يعادل 67٪ من السكان، في حين أن 71٪ من السكان تحت سن 35 عاماً، ما يجعل السعودية واحدة من أكثر الأسواق الشبابية والتقنية في العالم.

معادلة المواهب

في صميم هذه الاستراتيجية السعودية يظهر اعتراف مهم، وهو أن رأس المال البشري هو أهم أصول صناعة الألعاب الحديثة. يؤكد مارتن ماكبرايد، مدير الاتصالات في شركة «سايد» أن توسع شركته إلى الرياض يعتمد على ثلاثة محاور، وهي الشراكة والناس والمكان. ويضيف خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن الاستوديو الجديد الذي تخطط «سايد» لافتتاحه في الربع الأخير من عام 2025 في الرياض سيعتمد على نموذج «التطوير المشترك»، ما يعني أن المطورين المحليين لن يقتصر دورهم على التنفيذ، بل سيشاركون في الإبداع واتخاذ القرارات التصميمية.

هذا ينسجم مع رؤية المملكة 2030، والتي تهدف إلى إطلاق 250 شركة تطوير ألعاب، وخلق 39 ألف وظيفة، وتحقيق 13.3 مليار دولار أميركي كأثر اقتصادي من قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية بحلول عام 2030، بحسب إحصاءات «PwC».

دراسات: السعودية تسعى لقيادة صناعة الألعاب إقليمياً من خلال الاستثمار في المواهب والبنية التحتية وليس فقط في التكنولوجيا (غيتي)

النظام البيئي أولاً

النهج السعودي لا يقتصر على جذب الشركات، بل يشمل بناء منظومة متكاملة تشمل السياسات والبنية التحتية والتعليم والتوظيف. تشير نور إلى أن هذه الشراكة لا تهدف فقط لتقديم خدمات، بل لبناء نظام بيئي محلي على المدى الطويل، يضمن إشراك المواهب السعودية في مشاريع حية، ويعرضهم لأفضل الممارسات العالمية.

لهذا، تخطط «سافي» و«سايد» للتعاون مع مؤسسات تعليمية محلية لتقديم ورش عمل وفرص تدريب وشراكات جامعية، مستفيدين من نماذج مماثلة نجحت بها «سايد» في الولايات المتحدة وبريطانيا.

والأرقام تدعم هذا التوجه. ففي عام 2024، شكلت ألعاب الهواتف الجوالة أكثر من 52٪ من إيرادات الألعاب في السعودية بحسب «Grand View Research»، بينما كانت الألعاب المجانية تمثل 63٪ من الإيرادات، وتشهد الألعاب السحابية أسرع نمو بمعدل 17.2٪ سنوياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى عام 2030 (Mordor Intelligence).

تبادل حقيقي لا نقل أحادي

توسيع الشراكات الناجحة لا يقتصر على تقديم الخبرة، بل يتطلب التواضع والاحترام المتبادل. يشرح ماكبرايد أن كل استوديو جديد يتم تأسيسه هو فرصة لتبادل الخبرات. ويصرح قائلا: «المطورون في السعودية يقدمون لنا أساليب وابتكارات جديدة، بينما نوفر لهم خبرتنا في العمل وبنى الإنتاج العالمية». وهذا لا يقتصر على الأفكار، بل يمتد إلى طرق العمل. ففي مشاريع سابقة، مثل لعبة «Silent Hill 2»، تولى فريق «سايد» التحكم الإبداعي في بعض المواجهات داخل اللعبة، بينما قدم الدعم الفني في أجزاء أخرى، وهو النموذج الذي يتطلعون لتطبيقه في السعودية.

تمثل السعودية 34٪ من إجمالي سوق الألعاب في الشرق الأوسط بحسب «موردور إنتليجانس» (غيتي)

منظور عالمي... تنفيذ محلي

لا يقتصر هذا التحوّل في العقلية من الأسواق إلى الأنظمة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج على السعودية. بل هو اتجاه عالمي تتبناه دول في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. لكن ما يميز النموذج السعودي هو وضوح الرؤية وسرعة التنفيذ وضخامة الطموح. فالحكومة ورأس المال والتعليم والشركات تعمل كلها بتناغم لتحقيق هدف واحد، وهو أن تكون المملكة مركزاً عالمياً لصناعة الألعاب. ومن مؤشرات هذا الطموح، أن بطولة كأس العالم للألعاب الإلكترونية التي تستضيفها الرياض حتى 24 من شهر أغسطس (آب) الجاري بجائزة إجمالية تصل إلى 70 مليون دولار أميركي، منها 25 مليون دولار مخصصة لتطوير المواهب، بحسب وكالة «رويترز». وفي بطولة 2025، يجري التنافس في 24 من أهم الألعاب وأكثرها جماهيرية، بمشاركة 2000 لاعب من 100 دولة، وفق ما أعلنته اللجنة المنظمة.

ما بعد اللعبة

يرى مراقبون أن ما يحدث في السعودية يتجاوز الأرقام. إنه يتعلق بإعادة تعريف من يملك القدرة على تشكيل ثقافة الألعاب عالمياً. يتعلق الأمر بالتمكين والوصول والطموح. وتعد نور أن «هذه شراكة تضع المواهب أولاً. من خلال شبكة (سايد) العالمية، سيتمكن المطورون السعوديون من الوصول إلى أدوات إنتاج دولية، وإلى التوجيه وفرص العمل على مشاريع حقيقية ما يساعدهم على بناء مسارات مهنية محلية بجذور عالمية». ومع تنامي اهتمام الشركات الدولية بالمنطقة، ستنجح فقط تلك التي ترى السعودية كشريك إبداعي، لا مجرد سوق. وفي هذا المستقبل، حيث تتقاطع التقنية بالثقافة، ستكون الموهبة مهما كان منشؤها هي من يقود.


مقالات ذات صلة

«روبلوكس» تطلق محفظة للمبدعين وتعزز الذكاء الاصطناعي في صناعة الألعاب

تكنولوجيا مؤتمر شركة «روبلوكس» للمطورين في سان خوسيه بولاية كاليفورنيا الأميركية (الشرق الأوسط)

«روبلوكس» تطلق محفظة للمبدعين وتعزز الذكاء الاصطناعي في صناعة الألعاب

تدفع شركة «روبلوكس» باتجاه مرحلة جديدة في صناعة الألعاب الرقمية، حيث تراهن فيها على الذكاء الاصطناعي، وتوسيع اقتصاد المبدعين.

مساعد الزياني (سان خوسيه (كاليفورنيا))
رياضة سعودية «دوري الملوك» يكمل عقد فرقه العشرة قبل انطلاقته في الرياض (الشرق الأوسط)

«دوري الملوك» يكمل عقد فرقه العشرة قبل انطلاقته في الرياض

كشف «دوري الملوك» لمنطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا عن انضمام آخر فريقين إلى منافسات البطولة.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
رياضة سعودية البطولة ستقام بتنظيم من شركة هيرو إي سبورتس (الشرق الأوسط)

رسميا... الرياض أول محطة لدوري الروبوتات العالمي

أختيرت العاصمة السعودية الرياض، لتكون أول محطة لمنافسات «سايبر هيرو»، الدوري العالمي الجديد لمنافسات الروبوتات البشرية.

«الشرق الأوسط» (الرياض )
خاص براين وارد الرئيس التنفيذي لشركة «سافي للألعاب» في مقابلة سابقة (الشرق الأوسط)

خاص «سافي» تؤكد لـ«الشرق الأوسط» تنحي برايان وارد عن منصب الرئيس التنفيذي

أكدت «سافي» لـ«الشرق الأوسط» تنحي برايان وارد، فيما أفادت «بلومبرغ» تولي تركي النويصر منصب الرئيس التنفيذي بالإنابة.

عبير حمدي (الرياض)
خاص محمد الشيخ المدير العام لشركة «روبلوكس» في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا وتركيا (الشرق الأوسط)

خاص «روبلوكس» لـ«الشرق الأوسط»: لم نرَ دولة أخرى باستراتيجية واضحة للألعاب مثل السعودية

تراهن شركة «روبلوكس» على السعودية لتكون إحدى الركائز الرئيسية لنمو صناعة الألعاب الإلكترونية في المنطقة، مستفيدة من الاستراتيجية الوطنية للقطاع، وتوافر المواهب.

مساعد الزياني (الرياض)

«أوبن إيه آي» و«غوغل» و«أنثروبيك» تتعاون لإنشاء هيئة لتنظيم الذكاء الاصطناعي

شركة «أوبن إيه آي» تعمل مع «أنثروبيك» و«غوغل» على إنشاء هيئة للإشراف على مخاطر الذكاء الاصطناعي (رويترز)
شركة «أوبن إيه آي» تعمل مع «أنثروبيك» و«غوغل» على إنشاء هيئة للإشراف على مخاطر الذكاء الاصطناعي (رويترز)
TT

«أوبن إيه آي» و«غوغل» و«أنثروبيك» تتعاون لإنشاء هيئة لتنظيم الذكاء الاصطناعي

شركة «أوبن إيه آي» تعمل مع «أنثروبيك» و«غوغل» على إنشاء هيئة للإشراف على مخاطر الذكاء الاصطناعي (رويترز)
شركة «أوبن إيه آي» تعمل مع «أنثروبيك» و«غوغل» على إنشاء هيئة للإشراف على مخاطر الذكاء الاصطناعي (رويترز)

أعلنت شركة «أوبن إيه آي»، المطوِّرة لـ«تشات جي بي تي»، أنها تعمل مع «أنثروبيك» المنتِجة لنموذج «كلود»، وشركة «غوغل» المطوِّرة لـ«جيميناي»، على إنشاء هيئة للإشراف على مخاطر الذكاء الاصطناعي، في ظل تصاعد الدعوات لإبطاء وتيرة تطويره.

ووفق «وكالة الصحافة الفرنسية»، فقد أفادت «أوبن إيه آي» بأنها تعمل مع الشركتين الأخريين بناءً على اقتراح المسؤول في «غوغل» ديميس هاسابيس، لإنشاء هيئة تنظيمية تستند إلى نموذج هيئة تنظيم الصناعة المالية الأميركية التي تُشرف على الوسطاء الماليين والشركات الاستثمارية.

وفي يوليو (تموز) الماضي، دعا هاسابيس إلى إنشاء هيئة أميركية تُعنى باختبار أقوى نماذج الذكاء الاصطناعي، قبل طرحها للجمهور.

ودعا هاسابيس إلى «توفير تمويل كبير، يُرجَّح أن يأتي معظمه من القطاع، لاستقطاب أفضل المواهب التقنية في العالم، وتأمين القدرات الحاسوبية اللازمة لإجراء اختبارات على نطاق واسع».

لكن لم يجرِ التوصل لأي توافق بشأن كيفية المُضي قدماً، إذ اتّهم الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لشركة «كوهير» الكندية، آيدن غوميز، مؤخراً، كبرى شركات الذكاء الاصطناعي الأميركية بتشكيل «كارتل».

وكتب غوميز، في مدونة، الأحد: «الذكاء الاصطناعي يحتاج إلى ضوابط، وهذا ليس موضع الخلاف. الخلاف يدور حول مَن يضع هذه الضوابط، ومَن يشارك في صياغتها ولصالح مَن تُسن القواعد».

ويثير التطور المتسارع للذكاء الاصطناعي وارتفاع مخاطره نقاشاً عالمياً بشأن كيفية تنظيم هذه التكنولوجيا.

كان الرئيس التنفيذي لشركة أنثروبيك داريو أمودي قد دعا، السبت، إلى إبطاء وتيرة تطوير الذكاء الاصطناعي.

وأيّد هاسابيس في ذلك سام ألتمان، نظيرُه في شركة «أوبن إيه آي» مطوّرة «تشات جي بي تي»، وإيلون ماسك، مؤسس شركة «إكس إيه آي» للذكاء الاصطناعي ومالك منصة إكس وشركتيْ تيسلا وسبايس إكس وغيرها.

لكن الرئيس الأميركي دونالد ترمب ندّد، الاثنين، بـ«مؤامرة خبيثة» تستهدف الذكاء الاصطناعي، وعدَّ أن الدعوات المتزايدة إلى فرض ضوابط على تطويره تصبّ في مصلحة الصين.


كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
TT

كيف يفرض وكلاء الذكاء الاصطناعي قواعد جديدة للهوية والصلاحيات داخل المؤسسات؟

يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)
يقلل منح الوكلاء صلاحيات محدودة حسب المهمة مخاطر الوصول الواسع إلى البيانات والأنظمة الحساسة (شاترستوك)

قبل أن تسمح المؤسسة لأول وكيل ذكاء اصطناعي باتخاذ إجراء داخل أنظمتها الفعلية، ينبغي أن تتمكن من الإجابة عن أربعة أسئلة عملية؛ من يتحمل مسؤولية سلوكه؟ ما الذي يُسمح له بالوصول إليه؟ هل يمكن إعادة بناء كل قرار اتخذه لاحقاً؟ وهل توجد وسيلة مجرّبة لإيقافه إذا انحرف عن المهمة؟

تصبح هذه المتطلبات، بحسب نيبو فارغيز، المدير الأول للأمن السيبراني في شركة «إف تي آي كونسلتنج» (FTI Consulting)، أكثر إلحاحاً مع انتقال المؤسسات من استخدام الذكاء الاصطناعي لتقديم الإجابات والتوصيات إلى نشر وكلاء قادرين على الوصول إلى الأنظمة واستدعاء الأدوات وتنفيذ الإجراءات بأنفسهم.

تتزامن هذه النقاشات مع انطلاق النسخة الرابعة من «منتدى اليونسكو العالمي لأخلاقيات الذكاء الاصطناعي» في الرياض، الاثنين، الذي يستمر حتى 17 سبتمبر (أيلول). ويجمع المنتدى مسؤولين وصناع قرار وخبراء وأكاديميين وممثلين عن منظمات دولية وقطاعات حكومية وخاصة، لبحث حوكمة الذكاء الاصطناعي وكيفية تحويل المبادئ الأخلاقية إلى سياسات وضوابط عملية تواكب تسارع استخدام الأنظمة الأكثر استقلالية.

ويشرح فارغيز أن المشكلة لا تكمن في أن الوكيل مجرد «مستخدم آلي» جديد يحتاج إلى حساب دخول آخر. فأنظمة الهوية والصلاحيات التقليدية صُممت أساساً للتعامل مع شخص بشري أو برنامج يتصرف بطريقة متوقعة ومتكررة. أما وكيل الذكاء الاصطناعي فيتصرف بالنيابة عن شخص، لكنه يستطيع أيضاً تحديد خطوته التالية بصورة ديناميكية، ما يجعل نمط سلوكه أقل قابلية للتوقع مسبقاً.

نيبو فارغيز المدير الأول للأمن السيبراني في شركة «إف تي آي كونسلتنج» (الشركة)

الصلاحيات الواسعة تتحول إلى نقطة ضعف

يضع هذا الاختلاف مسألة الصلاحيات في قلب المشكلة الأمنية. ويحذر فارغيز من التعامل مع الوكيل كما لو كان حساب خدمة تقليدياً يحمل مجموعة ثابتة من الصلاحيات ويدخل إلى أنظمة معروفة سلفاً.

فالوكيل قد يستدعي سلسلة من الأدوات والأنظمة أثناء محاولته إنجاز هدف معين، فيما يؤثر السياق الذي جمعه في بداية المهمة على القرارات التي يتخذها لاحقاً. ولهذا يرى أن الضوابط الموضوعة للبرمجيات التقليدية لن تكون كافية وحدها لإدارة المخاطر الجديدة.

ويطرح بديلاً يقوم على مبدأ «أقل قدر من الصلاحيات»، بحيث يحصل الوكيل على ما يحتاج إليه فقط لإنجاز المهمة المحددة، على أن تتغير صلاحياته عندما تتغير المهمة. ويشير إلى أن أحد الأخطاء الشائعة يتمثل في منح الوكيل منذ البداية كامل مجموعة الصلاحيات التي قد يحتاج إليها مستقبلاً، بدلاً من الحد الأدنى اللازم للعمل الحالي.

وتتزايد حساسية هذه المسألة مع ضغوط إثبات العائد من الاستثمار في الذكاء الاصطناعي. فكلما زادت البيانات والأنظمة التي يستطيع الوكيل الوصول إليها، بدا أكثر قدرة على إنجاز المهام؛ إلا أن الصلاحيات ذاتها يمكن أن تتحول إلى مصدر خطر إذا تعرض الوكيل للتلاعب أو الاختراق.

ويضرب فارغيز مثالاً بوكيل يمتلك صلاحية الكتابة في قواعد بيانات حساسة أو الوصول إلى مفاتيح أنظمة، إذ يستطيع تنفيذ إجراءات واسعة النطاق قبل أن يلاحظ أحد ما يحدث. وينوه أن تكون كل صلاحية ممنوحة قراراً متعمداً يرتبط بمالك محدد داخل المؤسسة.

هوية صحيحة... وفعل ضار

لا يكفي التحقق من أن الوكيل الذي نفذ الإجراء يحمل هوية صحيحة حيث إن المهاجم لا يحتاج في بعض السيناريوهات إلى انتحال هوية الوكيل أصلاً، إذ يمكنه التأثير في سلوكه بواسطة تعليمات خبيثة مخفية داخل محتوى يبدو موثوقاً، لتخرج النتيجة في سجلات المؤسسة وكأنها عملية مشروعة نفّذها وكيل مخول.

ولهذا يدعو فارغيز إلى تحليل مصدر الفعل وتوقيته والبيانات التي وصل إليها الوكيل، ومدى توافقها مع المهمة الموكلة إليه. ويشير إلى أن عملية مشروعة وأخرى خبيثة قد تبدوان متطابقتين عند النظر إلى سجل الوصول وحده، بينما تظهر الفروق عند جمع السياق والسلوك والنية المحيطة بالفعل. كما يدعو فرق الأمن إلى اختبار الوكلاء بالطريقة نفسها التي قد يستخدمها المهاجم، من خلال إدخال تعليمات خبيثة بصورة متعمدة ومراقبة ما إذا كانت أنظمة الرصد ستكتشفها أم ستسمح بمرورها باعتبارها نشاطاً طبيعياً.

تصبح مراقبة سلوك الوكلاء واكتشاف الانحرافات آلياً أكثر أهمية مع زيادة سرعة وعدد العمليات التي ينفذونها.

عندما تصبح سرعة الآلة مشكلة أمنية

يرى فارغيز أن الاعتماد على محلل بشري يراجع السجلات بعد وقوع الحدث لم يعد نموذجاً عملياً في مثل هذه البيئات. ويلفت أن الحل هو بناء خط أساس للسلوك الطبيعي لكل وكيل يشمل حجم النشاط وتسلسله وتوقيته والأدوات التي يستخدمها، ثم اكتشاف الانحرافات آلياً. فإذا بدأ وكيل مالي، على سبيل المثال، في الاستعلام عن أنظمة الموارد البشرية، أو شرع وكيل اعتاد العمل خلال ساعات الدوام في تنفيذ عمليات عند الثالثة صباحاً، فهذه إشارات تستحق التحقيق حتى لو كانت كل عملية منفردة تبدو مسموحاً بها تقنياً.

متى يجب أن يتدخل الإنسان؟

على الرغم من الاتجاه نحو زيادة الاستقلالية، لا يرى فارغيز أن كل قرار يجب أن يُترك للوكيل. ويفيد بأن العمليات التي يصعب التراجع عنها أو التي يمكن أن تسبب ضرراً كبيراً عند الخطأ ينبغي أن تبقى مرتبطة بموافقة بشرية، خصوصاً عندما تتعلق ببيانات العملاء، أو التزامات مالية، أو تغييرات في الوضع الأمني للمؤسسة، مثل تعديل الصلاحيات أو تعطيل الضوابط الأمنية.

ويتجاوز الإيقاف مجرد الضغط على زر يعطل الوكيل، إذ ينبغي حفظ حالته عند التعليق لفهم ما فعله، إلى جانب تحديد الإجراءات التي بدأ تنفيذها بالفعل قبل الإيقاف وما إذا كان بالإمكان التراجع عنها. كما يوصي بأن تُختبر آلية التعليق بواسطة أشخاص لم يشاركوا في تطوير الوكيل نفسه.

لا يكفي التحقق من الهوية وحده لأن التلاعب قد يحدث عبر تعليمات خبيثة داخل محتوى يبدو موثوقاً (رويترز)

سجل يعيد بناء القرار كاملاً

مع الوكلاء المستقلين، لا يكفي تسجيل النتيجة النهائية، بل يجب حفظ المعلومات الكافية لإعادة بناء القرار بالكامل بدءاً من التعليمات التي بدأت العملية، ومن أصدرها، والبيانات والأدوات التي استخدمها الوكيل، وصولاً إلى الصلاحيات التي نُفذت تحتها كل خطوة، والنتيجة النهائية.

ويشير فارغيز إلى أن بعض منصات الوكلاء بدأت بالفعل بتخصيص هوية وسجل دخول وتاريخ تدقيق لكل وكيل، مع إمكانية ربط الإجراء بالشخص أو القالب الذي يقف خلفه. لكن هذه القدرات ما زالت مرتبطة بالمنصات الفردية، ولا يوجد حتى الآن معيار واسع التبني لتسجيل هذه المعلومات ومشاركتها بصورة متسقة بين الأنظمة المختلفة.

وتصبح المشكلة أكثر تعقيداً عندما يعمل عدة وكلاء معاً، إذ قد لا يظهر الخلل عند تقييم كل واحد منها منفرداً، بل في عمليات التسليم والتفاعل بينها. ولذلك، يعدّ فارغيز أن اختبارات المحاكاة والهجوم أكثر فاعلية من مراجعة السياسات وحدها في اكتشاف المخاطر الكامنة بين الوكلاء.

الشرق الأوسط أمام فرصة للبناء منذ البداية

يرى فارغيز أن وتيرة نشر الذكاء الاصطناعي تتسارع، مشيراً إلى خطط في الإمارات للانتقال بخدمات حكومية نحو الذكاء الاصطناعي المستقل خلال العامين المقبلين، وإلى توجه مركز دبي المالي العالمي نحو بناء مركز مالي «مولود للذكاء الاصطناعي» بحلول 2027، إلى جانب زخم مماثل في السعودية ضمن «رؤية 2030».

ويعتبر أن سرعة التبني في المنطقة لا تعني بالضرورة أن الحوكمة يجب أن تأتي لاحقاً، بل قد تمنح المؤسسات فرصة لبناء ضوابط الهوية والمراقبة والأمن منذ البداية، قبل أن يصبح الوكلاء جزءاً واسع الانتشار من البنية التشغيلية.

ولهذا يعود فارغيز إلى أربعة شروط قبل السماح لأي وكيل بالعمل فعلياً؛ يجب أن يكون مسؤولاً تنفيذياً معروفاً يمتلك سلطة إيقافه، وله صلاحيات مصممة وفق احتياجات المهمة، وسجلات كافية لإعادة بناء كل فعل، وآلية تعليق جرى اختبارها بصورة مستقلة.

ويؤكد فارغيز أن الاختبار الحقيقي لهذه الضوابط لا يكون على الورق، بل عندما تتعرض لمحاولة إساءة استخدام متعمدة، وأن المؤسسات بحاجة إلى الانتقال من مراجعة وكلائها نظرياً إلى اختبارهم تحت ظروف تحاكي هجوماً حقيقياً قبل منحهم القدرة على التصرف داخل الأنظمة الإنتاجية.


«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
TT

«أمازون ويب سيرفيسز» تعجز عن استعادة الوصول لمنشأة حوسبة في البحرين

لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)
لافتة لـ«أمازون ويب سيرفيسز» خلال أسبوع لندن للتكنولوجيا في أولمبيا بلندن في بريطانيا يوم 8 يونيو 2026 (رويترز)

أفاد تحديث من «أمازون ويب سيرفيسز» اطلعت عليه وكالة «رويترز» للأنباء، الثلاثاء، بأن الخدمة غير قادرة على استعادة الوصول إلى منشأة الحوسبة السحابية التابعة لها في البحرين وإلى إحدى مناطق استضافة البيانات الثلاث في الإمارات، وذلك عقب أضرار لحقت بها خلال حرب إيران.

وذكرت وحدة الحوسبة السحابية التابعة لـ«أمازون» أن الأضرار في البحرين شملت عدداً مما يُعرف بمناطق التوافر، وهي تجمعات تضم مركز بيانات واحداً أو أكثر في المنطقة الجغرافية نفسها.

وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في التحديث الذي كانت «رويترز» أول من نشر عنه: «امتدت الأضرار التي لحقت ببنيتنا التحتية إلى مناطق توافر عدة، وتجاوزت ما صُممت خدماتنا الإقليمية وخدماتنا متعددة مناطق التوافر لتحمله». وأضافت أنها تساعد عملاءها في البحرين على استئناف عملياتهم في مناطق أخرى.

وأشارت «أمازون ويب سيرفيسز» إلى أنها لم تتمكن في الإمارات من استعادة الوصول إلى موارد وبيانات مستضافة بصورة حصرية في منطقة توافر واحدة تعرف باسم إم إي سي 1- إيه. زد 2. وأضافت أنها تواصل العمل على استعادة الموارد في الإمارات ككل وفي منطقتي التوافر الأخريين المتضررتين.

بدأت الاضطرابات في مارس (آذار) عقب هجمات أميركية وإسرائيلية على إيران ردت عليها طهران بضربات بالصواريخ والطائرات المسيّرة على إسرائيل ودول خليجية تستضيف قواعد عسكرية أميركية. وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في ذلك الوقت، إن منشأتين تابعتين لها في الإمارات تعرّضتا لضربات مباشرة، بينما ألحق هجوم بطائرة مسيّرة قرب إحدى منشآتها في البحرين أضراراً مادية ببنيتها التحتية. ونقلت «رويترز» عن مصدر مطّلع في ذلك الوقت قوله إن الانقطاعات في خدمات «أمازون ويب سيرفيسز» أثّرت في بعض العمليات المصرفية.

وذكرت «رويترز»، الأسبوع الماضي، أن الإمارات تعدّل خططاً لمشروع كبير لمركز بيانات للذكاء الاصطناعي عقب الهجمات الإيرانية، بما في ذلك بحث توزيع المنشآت واستخدام بنية تحتية تحت الأرض ومقاومة للانفجارات.

وقالت «أمازون ويب سيرفيسز» في تحديث اليوم إنه بعد تضرر أول منطقة توافر في البحرين في مارس، بدأت الشركة توصي العملاء بنقل أحمال العمل إلى مناطق أخرى. وأضافت أن معظمهم فعلوا ذلك قبل أن تصبح منطقة البحرين غير متاحة عقب تعطل منطقة توافر ثانية في أبريل (نيسان).

وأضافت أنها دعمت منذ ذلك الحين العملاء في إعادة تأسيس عملياتهم في مناطق بديلة، باستخدام النسخ الاحتياطية في حالة توافرها أو تطبيق حلول بديلة للحد من تأثير البيانات التي يتعذر الوصول إليها.

وقالت الشركة إنها قيّمت البنية التحتية المتضررة، واستنفدت كل الخيارات لاستعادة البيانات والموارد التي لم تُنقل قبل أن تصبح منطقة البحرين غير متاحة.

وذكرت أنها لا تزال ملتزمة بدعم العملاء في البلدين.

وقالت الشركة إنها تعمل في الإمارات على استبدال البنية التحتية المتضررة، وإنها ستقدم تحديثاً بشأن استعادة الخدمات في الأشهر المقبلة، وأضافت أنها ستقدم أيضاً تحديثاً آخر في أوائل 2027 بشأن العمليات في البحرين.

وقالت الشركة إنها أبلغت السلطات المعنية في البلدين، وتواصل العمل معها.