منظومة محلية بآفاق عالمية... كيف تقود السعودية صناعة الألعاب الإلكترونية؟

شراكات تبني قدرات محلية واعدة

يشهد قطاع الألعاب في المملكة نمواً مدفوعاً برؤية 2030 مع أهداف واضحة تشمل إنشاء 250 شركة وتوفير 39 ألف وظيفة بحلول 2030 (أ.ف.ب)
يشهد قطاع الألعاب في المملكة نمواً مدفوعاً برؤية 2030 مع أهداف واضحة تشمل إنشاء 250 شركة وتوفير 39 ألف وظيفة بحلول 2030 (أ.ف.ب)
TT

منظومة محلية بآفاق عالمية... كيف تقود السعودية صناعة الألعاب الإلكترونية؟

يشهد قطاع الألعاب في المملكة نمواً مدفوعاً برؤية 2030 مع أهداف واضحة تشمل إنشاء 250 شركة وتوفير 39 ألف وظيفة بحلول 2030 (أ.ف.ب)
يشهد قطاع الألعاب في المملكة نمواً مدفوعاً برؤية 2030 مع أهداف واضحة تشمل إنشاء 250 شركة وتوفير 39 ألف وظيفة بحلول 2030 (أ.ف.ب)

لطالما عملت صناعة الألعاب العالمية وفق نمط تقليدي تتركّز فيه القرارات الإبداعية والتقنية في أميركا الشمالية واليابان وأوروبا، بينما يُوزّع العمل التنفيذي على مناطق أخرى. لكن اليوم، هناك تحوّل هادئ يحدث، لا يقوم فقط على الاستثمار، بل على إعادة تعريف فلسفة الشراكة.

في الشرق الأوسط، تبني المملكة العربية السعودية واحداً من أكثر الأنظمة البيئية طموحاً وتمحوراً حول تنمية المواهب في صناعة الألعاب. فبدلاً من الاكتفاء بدعوة الشركات العالمية لافتتاح فروع، تسعى المملكة إلى الاستثمار في القدرات المحلية لا فقط في السوق. ومن خلال ذلك، تقدم نموذجاً جديداً قد يرسم ملامح العقد القادم لصناعة الألعاب، وهو نموذج لا مركزي، بل شامل وتشاركي.

نيكا نور نائب الرئيس الأول لتطوير الأعمال الدولية في مجموعة «سافي» للألعاب متحدثة لـ«الشرق الأوسط» (سافي)

من المنفّذ إلى المُبدع

الأساس في هذا النموذج واضح، وهو تمكين المطورين المحليين من أن يكونوا جزءاً من عملية الإبداع، لا مجرد منفّذين. تقول الدكتورة نيكا نور، نائب الرئيس الأول لتطوير الأعمال الدولية في مجموعة «سافي» للألعاب إن المطورين السعوديين لن يكونوا مجرد مساهمين، بل قادة في مجالات مثل الترجمة واختبار الجودة والتصميم الصوتي وتطوير الملكيات الفكرية.

وهذا يتناقض تماماً مع نموذج «الاستعانة بالمصادر الخارجية» التقليدي. وتضيف خلال حديثها مع «الشرق الأوسط» أنه بدلاً من حصر المواهب المحلية في تنفيذ المهام الثانوية، يهدف هذا التوجه إلى دمجهم في صلب العملية الإبداعية، وتزويدهم بالأدوات والخبرات لبناء مساراتهم المهنية المستقلة.

مارتن ماكبرايد رئيس الاتصالات في شركة «سايد» متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» (سايد)

وتتزامن هذه الرؤية مع نمو غير مسبوق يشهده قطاع الألعاب في المملكة، حيث بلغ حجم السوق 1.84 مليار دولار أميركي في عام 2024، ومن المتوقع أن يتجاوز 3.5 مليار دولار بحلول عام 2030 بحسب دراسة لشركة «غراند فيو ريسيرتش» (Grand View Research). كما تشير إحصاءات (PwC) إلى أن عدد اللاعبين النشطين في المملكة يُقدّرون بحوالي 23 مليون لاعب، أي ما يعادل 67٪ من السكان، في حين أن 71٪ من السكان تحت سن 35 عاماً، ما يجعل السعودية واحدة من أكثر الأسواق الشبابية والتقنية في العالم.

معادلة المواهب

في صميم هذه الاستراتيجية السعودية يظهر اعتراف مهم، وهو أن رأس المال البشري هو أهم أصول صناعة الألعاب الحديثة. يؤكد مارتن ماكبرايد، مدير الاتصالات في شركة «سايد» أن توسع شركته إلى الرياض يعتمد على ثلاثة محاور، وهي الشراكة والناس والمكان. ويضيف خلال حديثه مع «الشرق الأوسط» أن الاستوديو الجديد الذي تخطط «سايد» لافتتاحه في الربع الأخير من عام 2025 في الرياض سيعتمد على نموذج «التطوير المشترك»، ما يعني أن المطورين المحليين لن يقتصر دورهم على التنفيذ، بل سيشاركون في الإبداع واتخاذ القرارات التصميمية.

هذا ينسجم مع رؤية المملكة 2030، والتي تهدف إلى إطلاق 250 شركة تطوير ألعاب، وخلق 39 ألف وظيفة، وتحقيق 13.3 مليار دولار أميركي كأثر اقتصادي من قطاع الألعاب والرياضات الإلكترونية بحلول عام 2030، بحسب إحصاءات «PwC».

دراسات: السعودية تسعى لقيادة صناعة الألعاب إقليمياً من خلال الاستثمار في المواهب والبنية التحتية وليس فقط في التكنولوجيا (غيتي)

النظام البيئي أولاً

النهج السعودي لا يقتصر على جذب الشركات، بل يشمل بناء منظومة متكاملة تشمل السياسات والبنية التحتية والتعليم والتوظيف. تشير نور إلى أن هذه الشراكة لا تهدف فقط لتقديم خدمات، بل لبناء نظام بيئي محلي على المدى الطويل، يضمن إشراك المواهب السعودية في مشاريع حية، ويعرضهم لأفضل الممارسات العالمية.

لهذا، تخطط «سافي» و«سايد» للتعاون مع مؤسسات تعليمية محلية لتقديم ورش عمل وفرص تدريب وشراكات جامعية، مستفيدين من نماذج مماثلة نجحت بها «سايد» في الولايات المتحدة وبريطانيا.

والأرقام تدعم هذا التوجه. ففي عام 2024، شكلت ألعاب الهواتف الجوالة أكثر من 52٪ من إيرادات الألعاب في السعودية بحسب «Grand View Research»، بينما كانت الألعاب المجانية تمثل 63٪ من الإيرادات، وتشهد الألعاب السحابية أسرع نمو بمعدل 17.2٪ سنوياً في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا حتى عام 2030 (Mordor Intelligence).

تبادل حقيقي لا نقل أحادي

توسيع الشراكات الناجحة لا يقتصر على تقديم الخبرة، بل يتطلب التواضع والاحترام المتبادل. يشرح ماكبرايد أن كل استوديو جديد يتم تأسيسه هو فرصة لتبادل الخبرات. ويصرح قائلا: «المطورون في السعودية يقدمون لنا أساليب وابتكارات جديدة، بينما نوفر لهم خبرتنا في العمل وبنى الإنتاج العالمية». وهذا لا يقتصر على الأفكار، بل يمتد إلى طرق العمل. ففي مشاريع سابقة، مثل لعبة «Silent Hill 2»، تولى فريق «سايد» التحكم الإبداعي في بعض المواجهات داخل اللعبة، بينما قدم الدعم الفني في أجزاء أخرى، وهو النموذج الذي يتطلعون لتطبيقه في السعودية.

تمثل السعودية 34٪ من إجمالي سوق الألعاب في الشرق الأوسط بحسب «موردور إنتليجانس» (غيتي)

منظور عالمي... تنفيذ محلي

لا يقتصر هذا التحوّل في العقلية من الأسواق إلى الأنظمة، ومن الاستهلاك إلى الإنتاج على السعودية. بل هو اتجاه عالمي تتبناه دول في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. لكن ما يميز النموذج السعودي هو وضوح الرؤية وسرعة التنفيذ وضخامة الطموح. فالحكومة ورأس المال والتعليم والشركات تعمل كلها بتناغم لتحقيق هدف واحد، وهو أن تكون المملكة مركزاً عالمياً لصناعة الألعاب. ومن مؤشرات هذا الطموح، أن بطولة كأس العالم للألعاب الإلكترونية التي تستضيفها الرياض حتى 24 من شهر أغسطس (آب) الجاري بجائزة إجمالية تصل إلى 70 مليون دولار أميركي، منها 25 مليون دولار مخصصة لتطوير المواهب، بحسب وكالة «رويترز». وفي بطولة 2025، يجري التنافس في 24 من أهم الألعاب وأكثرها جماهيرية، بمشاركة 2000 لاعب من 100 دولة، وفق ما أعلنته اللجنة المنظمة.

ما بعد اللعبة

يرى مراقبون أن ما يحدث في السعودية يتجاوز الأرقام. إنه يتعلق بإعادة تعريف من يملك القدرة على تشكيل ثقافة الألعاب عالمياً. يتعلق الأمر بالتمكين والوصول والطموح. وتعد نور أن «هذه شراكة تضع المواهب أولاً. من خلال شبكة (سايد) العالمية، سيتمكن المطورون السعوديون من الوصول إلى أدوات إنتاج دولية، وإلى التوجيه وفرص العمل على مشاريع حقيقية ما يساعدهم على بناء مسارات مهنية محلية بجذور عالمية». ومع تنامي اهتمام الشركات الدولية بالمنطقة، ستنجح فقط تلك التي ترى السعودية كشريك إبداعي، لا مجرد سوق. وفي هذا المستقبل، حيث تتقاطع التقنية بالثقافة، ستكون الموهبة مهما كان منشؤها هي من يقود.


مقالات ذات صلة

رياضة سعودية روان البتيري رئيسة الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية وهشام بن قاسم رئيس الاتحاد السعودي لكرة السلة (الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية)

شراكة بين اتحادَي الرياضات الإلكترونية وكرة السلة لتعزيز حضور اللعبة رقمياً

أعلن الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية الاثنين توقيع مذكرة تفاهم مع الاتحاد السعودي لكرة السلة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
تكنولوجيا معارك فضائية في المستقبل باستخدام «هياكل» آلية

لعبة «ماراثون»: رؤية مستقبلية لألعاب «الاستخراج» وانغماس كبير في المعارك

تركز على تجربة اللاعبين ضد بعضهم بعضاً وضد الذكاء الاصطناعي

خلدون غسان سعيد (جدة)
رياضة سعودية 4 ملايين ريال مجموع جوائز الموسم السعودي الجديد للرياضات الإلكترونية (الشرق الأوسط)

الدوري السعودي للرياضات الإلكترونية ينطلق بـ10 ألعاب عالمية

أعلن الاتحاد السعودي للرياضات الإلكترونية، الانطلاق الرسمي لموسم 2026 من الدوري السعودي للرياضات الإلكترونية.

سهى العمري (جدة)
يوميات الشرق طفل يمسك بهاتف جوال أمام شاشة تعرض إحدى الشخصيات في لعبة «روبلوكس» (رويترز)

إدمان ألعاب الفيديو قد يصيب المراهقين بـ«جنون العظمة»

كشفت دراسة حديثة عن أن الأطفال، في سن المراهقة، الذين يُعانون من صعوبة في السيطرة على عاداتهم في ألعاب الفيديو أكثر عرضة لتجارب شبيهة بالذهان.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
TT

«هيوماين» و«Turing» تطلقان سوقاً عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي للمؤسسات

تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)
تجمع الشراكة بين البنية التحتية والنماذج لدى «هيوماين» وخبرة «Turing» في تطوير وتقييم أنظمة الذكاء الاصطناعي (هيوماين)

في خطوة تعكس تسارع الاهتمام بتطبيقات الذكاء الاصطناعي داخل المؤسسات، أعلنت «هيوماين»، التابعة لصندوق الاستثمارات العامة، عن شراكة مع شركة «Turing» المتخصصة في تطوير أنظمة الذكاء الاصطناعي، بهدف إنشاء سوق عالمية لوكلاء الذكاء الاصطناعي ضمن منصة «HUMAIN ONE».

وتتمحور الفكرة حول توفير بيئة تمكّن الشركات من اكتشاف هذه الوكلاء وتطبيقها وتوسيع استخدامها عبر وظائف مختلفة، مثل الموارد البشرية والمالية والعمليات، في محاولة لتسريع الانتقال من استخدام أدوات رقمية تقليدية إلى نماذج تشغيل أكثر اعتماداً على الأتمتة الذكية.

يفتح المشروع المجال أمام المطورين لنشر حلولهم وبناء منظومة أوسع لما يُعرف بـ«اقتصاد الوكلاء» (شاترستوك)

منصات التشغيل الذكي

الشراكة تجمع بين ما تطوره «هيوماين» من بنية تحتية ونماذج ذكاء اصطناعي، وبين خبرة «Turing» في تقييم النماذج وضبطها وتطبيقها في بيئات العمل. الهدف المعلن هو الوصول إلى وكلاء ذكاء اصطناعي يمكن استخدامها على نطاق واسع داخل المؤسسات، وليس فقط في التجارب أو النماذج الأولية.

ويُتوقع أن يشكّل هذا السوق طبقة جديدة ضمن ما يُعرف بنماذج التشغيل القائمة على الوكلاء، حيث لا تقتصر البرمجيات على دعم سير العمل، بل تبدأ في تنفيذه بشكل مباشر. وفي هذا السياق، يمكن للمؤسسات الوصول إلى وكلاء متخصصين حسب الوظيفة أو القطاع، ضمن بيئة مصممة لتكون قابلة للتوسع ومراعية لمتطلبات الأمان.

كما يفتح هذا التوجه المجال أمام المطورين وشركات التقنية لنشر حلولهم عبر المنصة، ما قد يساهم في بناء منظومة أوسع لوكلاء الذكاء الاصطناعي، تتجاوز حدود المؤسسات الفردية إلى سوق أكثر تكاملاً.

وتشير «هيوماين» إلى أن هذه الخطوة تأتي ضمن رؤية أوسع لإعادة تعريف كيفية بناء البرمجيات واستخدامها داخل المؤسسات، عبر الانتقال من نموذج «البرمجيات كخدمة» إلى بيئات تعتمد على وكلاء قادرين على تنفيذ المهام والتعلم والتفاعل بشكل مستمر.

يعكس هذا التوجه تحولاً نحو نماذج تشغيل جديدة تعتمد على وكلاء أذكياء بدلاً من البرمجيات التقليدية داخل المؤسسات

اقتصاد الوكلاء الناشئ

من جانبه، يرى طارق أمين، الرئيس التنفيذي لـ«هيوماين»، أن المرحلة المقبلة ستشهد تحولاً في طبيعة البرمجيات المستخدمة داخل المؤسسات، قائلاً إن «المؤسسات في المستقبل لن تُبنى حول تطبيقات منفصلة، بل حول وكلاء أذكياء يعملون إلى جانب الإنسان». ويضيف أن هذه الشراكة تسعى إلى تسريع بناء سوق يربط بين قدرات المطورين واحتياجات المؤسسات.

بدوره، أشار جوناثان سيدهارث، الرئيس التنفيذي والشريك المؤسس لـ«Turing»، إلى أن تحويل قدرات الذكاء الاصطناعي المتقدمة إلى تطبيقات عملية يمثل التحدي الأساسي حالياً، موضحاً أن بناء سوق قائم على الوكلاء قد يسهم في جعل هذه التقنيات أكثر ارتباطاً بالإنتاجية الفعلية داخل المؤسسات.

وتأتي هذه الشراكة أيضاً في سياق أوسع يعكس طموح السعودية لتكون لاعباً في تطوير تقنيات الذكاء الاصطناعي، ليس فقط من حيث الاستخدام، بل كمصدر للمنصات والحلول التقنية.

وبينما لا تزال فكرة «اقتصاد الوكلاء» في مراحل مبكرة، فإن الاتجاه نحو بناء منصات تجمع بين المطورين والمؤسسات يشير إلى تحول محتمل في طريقة تطوير البرمجيات وتبنيها. فبدلاً من شراء أدوات جاهزة، قد تتجه المؤسسات مستقبلاً إلى تشغيل منظومات من الوكلاء القادرين على تنفيذ مهام متكاملة عبر مختلف أقسام العمل.

في هذا الإطار، تبدو «HUMAIN ONE» محاولة لبناء هذه الطبقة التشغيلية الجديدة، حيث لا تقتصر القيمة على التكنولوجيا نفسها، بل على كيفية تنظيمها وتكاملها داخل بيئات العمل.


السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
TT

السيارات ذاتية القيادة… هل تجعل التنقل أسهل أم المدن أكثر ازدحاماً؟

قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)
قد تعيد السيارات ذاتية القيادة تشكيل أنماط التنقل اليومية من حيث التوقيت والمكان وطريقة الاستخدام (شاترستوك)

لطالما اتسمت رحلة التنقل اليومية في كثير من المدن حول العالم بازدحام مروري، والبحث الطويل عن موقف للسيارة، وتوسع مستمر في المساحات الحضرية المخصصة للمركبات. لكن مع اقتراب السيارات ذاتية القيادة من الانتشار الواسع، يتساءل الباحثون عما سيحدث عندما لا يعود هناك سائقون؟

تشير دراسة حديثة حول تأثير المركبات ذاتية القيادة على أنماط التنقل الصباحية إلى أن الإجابة ليست بسيطة كما قد يبدو. فهذه التقنية لا تعد بتقليل الازدحام فقط، بل قد تعيد تشكيل طريقة التنقل وتوقيته ومكانه، بما يحمل فرصاً جديدة وتحديات غير متوقعة.

إعادة التفكير في مفهوم مواقف السيارات

أحد أبرز التغييرات المحتملة يتعلق بكيفية التعامل مع مواقف السيارات. فاليوم، تشغل مواقف السيارات مساحات كبيرة في المدن، ومع ذلك لا يزال العثور على موقف مناسب يمثل تحدياً لكثير من المستخدمين.

مع السيارات ذاتية القيادة، قد يتغير هذا الواقع بشكل جذري. فبإمكان السيارة أن تُنزل الركاب عند وجهتهم، ثم تتحرك بمفردها إلى مناطق أقل ازدحاماً، وغالباً أقل تكلفة خارج مراكز المدن. وهذا قد يقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في المناطق المركزية، ويفتح المجال لإعادة استخدام هذه المساحات لأغراض أخرى مثل الإسكان أو الأنشطة التجارية أو المساحات العامة. بالنسبة للمستخدمين، يعني ذلك وقتاً أقل في البحث عن موقف وتكاليف أقل. أما بالنسبة للمدن، فإن التأثيرات قد تكون أعمق وأكثر تعقيداً.

سيكون لتبني السيارات ذاتية القيادة تأثير مباشر على تخطيط المدن واستخدام الأراضي وقيمة المواقع (شاترستوك)

مفارقة الكفاءة والازدحام

رغم أن السيارات ذاتية القيادة تعد بمزيد من الراحة، فإن الدراسة تشير إلى احتمال ظهور آثار جانبية غير متوقعة. فإذا أصبحت مواقف السيارات خارج المدن خياراً سهلاً، فقد يفضل عدد أكبر من الأشخاص استخدام السيارات بدلاً من وسائل النقل العام. كما أن تحرك السيارات دون ركاب إلى مواقع الانتظار قد يزيد من حركة المرور الإجمالية. وتشير النماذج إلى أن انتشار هذه المركبات قد يؤدي إلى زيادة إجمالي المسافات المقطوعة ومدة التنقل مقارنة بالنظام التقليدي. وهنا تظهر مفارقة واضحة: قد تصبح الرحلة الفردية أكثر سهولة، لكن النظام كله قد يصبح أكثر ازدحاماً.

تغير سلوك التنقل

إلى جانب البنية التحتية، قد تؤثر السيارات ذاتية القيادة على سلوك الأفراد. فعندما لا تكون هناك حاجة للقيادة، يمكن استغلال وقت الرحلة للعمل أو الترفيه أو الراحة. وهذا قد يجعل الرحلات الطويلة أكثر قبولاً، ويدفع البعض للسكن في مناطق أبعد عن أماكن العمل. كما قد تتغير أوقات الانطلاق. فقد يختار المستخدمون توقيت رحلاتهم بناءً على ظروف المرور أو التكلفة أو الراحة، ما يؤدي إلى أنماط تنقل أكثر مرونة مقارنة بالروتين التقليدي. ولفهم هذه التغيرات، استخدم الباحثون نماذج تحاكي قرارات الأفراد بشأن توقيت الرحلة ومكان الوقوف والتوازن بين الزمن والتكلفة. وتشير النتائج إلى أن هذه القرارات ستصبح أكثر ديناميكية وتأثراً بالعوامل الاقتصادية.

يعتمد تأثير السيارات ذاتية القيادة النهائي على السياسات والتنظيم وليس على التكنولوجيا وحدها لتحقيق التوازن بين الكفاءة والازدحام (شاتوستوك)

تداعيات على التخطيط الحضري

بالنسبة لمخططي المدن، تنطوي هذه النتائج على فرص وتحديات في آن واحد. فالسيارات ذاتية القيادة قد تقلل الحاجة إلى مواقف السيارات في مراكز المدن، وتتيح استخداماً أكثر كفاءة للأراضي. لكنها في الوقت نفسه قد تزيد الضغط على شبكات الطرق إذا لم تتم إدارتها بشكل مناسب. وهذا يضع صناع القرار أمام مرحلة حاسمة، حيث ستؤثر السياسات المتعلقة بالنقل والبنية التحتية على كيفية استيعاب هذه التقنية.

تشير الدراسة إلى أن تأثير السيارات ذاتية القيادة يتجاوز النقل نفسه، ليصل إلى طريقة تصميم المدن. فإذا انتقلت مواقف السيارات إلى خارج المراكز، فقد تتغير قيمة الأراضي في هذه المناطق. وإذا أصبحت الرحلات أكثر مرونة، فقد تتبدل أنماط الازدحام التقليدية. كما أن زيادة الاعتماد على السيارات قد تفرض إعادة النظر في التوازن بين النقل الخاص والعام.

بين الابتكار والسياسات

في النهاية، لن يتحدد تأثير هذه التقنية بالتطور التكنولوجي فقط، بل بكيفية دمجها ضمن الأنظمة الحالية. فمن دون سياسات واضحة، قد تؤدي الراحة التي توفرها السيارات ذاتية القيادة إلى نتائج عكسية مثل زيادة الازدحام. أما إذا تم توجيهها بشكل مدروس، فقد تسهم في تحسين الكفاءة وتقليل التكاليف وتعزيز جودة الحياة في المدن.

غالباً ما تُقدَّم السيارات ذاتية القيادة كحل لمشكلات الازدحام، لكن الدراسة تشير إلى أنها تمثل تحولاً أعمق، يعيد تشكيل الأنظمة القائمة بدلاً من حلّها بشكل مباشر.

رحلة الصباح اليومية، التي كانت تعتمد على قرارات بشرية، قد تصبح قريباً محكومة بخوارزميات وعوامل اقتصادية وأنظمة آلية. والنتيجة النهائية لن تعتمد على التقنية فقط، بل على الخيارات التي تُتّخذ اليوم.


بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
TT

بدعوى لافتة... هيئة أميركية تُحمّل «إنستغرام» و«يوتيوب» مسؤولية إدمان وسائل التواصل

مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)
مارك زوكربيرغ الرئيس التنفيذي لـ«ميتا» يظهر بصورة خلف شعار الشركة (أ.ف.ب)

أصدرت هيئة محلفين حكماً يقضي بتحميل كل من شركتي «ميتا» و«يوتيوب» المسؤولية، في دعوى فريدة من نوعها تهدف إلى تحميل منصات التواصل الاجتماعي المسؤولية عن الأضرار التي تلحق بالأطفال المستخدمين لخدماتها، ومنحت للمدعية تعويضات بقيمة 3 ملايين دولار.

وقررت هيئة المحلفين في كاليفورنيا، بعد أكثر من 40 ساعة من المداولات على مدار تسعة أيام، أن شركتي «ميتا» و«يوتيوب» أهملتا في تصميم وتشغيل منصتيهما.

وأقرت هيئة المحلفين أيضاً أن إهمال كلتا الشركتين كان عاملاً جوهرياً في التسبب بالأذى للمدعية، وهي شابة تبلغ من العمر 20 عاماً تقول إن استخدامها لوسائل التواصل الاجتماعي في طفولتها أدى إلى إدمانها على التكنولوجيا وزاد من معاناتها النفسية.

شعار شركة «يوتيوب» (أ.ف.ب)

وأكدت القاضية كارولين بي كول أن هيئة المحلفين أبلغت المحكمة بأنها توصلت إلى حكم. ونبهت الجمهور ووسائل الإعلام بأنه ينبغي عليهم عدم إظهار أي رد فعل علني تجاه الحكم، أياً كان.

وقالت: «لا صراخ، لا ردود أفعال، لا إزعاج». وأضافت أن من يتصرف بهذه الطريقة سيتم إخراجه من قاعة المحكمة.

وكانت شركة «ميتا» وشركة «يوتيوب»، المملوكة لـ«غوغل»، هما المدعى عليهما الباقيين في القضية بعد أن توصلت شركتي «تيك توك» و«سناب» إلى تسويات قبل بدء المحاكمة.