ما الذي يعنيه اعتقال مادورو للصين وروسيا؟

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يخاطب أنصاره في نهاية تجمع ختامي لحملته الانتخابية بكاراكاس عام 2018 (رويترز)
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يخاطب أنصاره في نهاية تجمع ختامي لحملته الانتخابية بكاراكاس عام 2018 (رويترز)
TT

ما الذي يعنيه اعتقال مادورو للصين وروسيا؟

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يخاطب أنصاره في نهاية تجمع ختامي لحملته الانتخابية بكاراكاس عام 2018 (رويترز)
الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يخاطب أنصاره في نهاية تجمع ختامي لحملته الانتخابية بكاراكاس عام 2018 (رويترز)

أثار اعتقال الولايات المتحدة لرئيس فنزويلا نيكولاس مادورو، في عملية وصفها الرئيس الأميركي دونالد ترمب بـ«المذهلة والفعالة»، حالة من الاندهاش والصدمة حول العالم، وأربك تصورات الكثير من الدول بشأن حدود تعامل واشنطن مع خصومها.

وبحسب صحيفة «التلغراف» البريطانية، يرى الخبراء أن روسيا والصين، الداعمين الرئيسيين لمادورو على المستوى الدولي، قد يكونان الأكثر تأثراً بالارتباك الناجم عن قيام الولايات المتحدة بقطع أهم ذراع لها في أميركا الجنوبية ضمن التحالف العالمي المناهض لها، وبسهولة غير متوقعة.

إدانة روسيا والصين للعملية

دانت روسيا والصين العملية العسكرية الأميركية، وأشارت موسكو إلى عدم وجود مبرر للهجوم الذي اعتبرت بأنه يعكس هيمنة «العداء العقائدي» على الدبلوماسية، وطالبت بتوضيح «فوري» لملابساته.

وقالت وزارة الخارجية الروسية في بيان بالأمس: «هذا الصباح، نفّذت الولايات المتحدة عدواناً مسلحاً على فنزويلا. إنه أمر مقلق جداً ويستحق الإدانة».كما دعت روسيا إلى إطلاق سراح مادورو.

ومن جهتها، وصفت الصين العملية بأنها انتهاك للقانون الدولي.

وقالت الخارجية الصينية في بيان: «تشعر الصين بصدمة عميقة وتدين بشدة استخدام الولايات المتحدة الصارخ للقوة ضد دولة ذات سيادة وتصرفها ضد رئيسها».

وأضافت أن «مثل هذا السلوك القائم على الهيمنة من جانب الولايات المتحدة ينتهك القانون الدولي بشكل خطير، ويتعدى على سيادة فنزويلا، ويهدد السلام والأمن في أميركا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي. وتعارض الصين ذلك بشدة».

قلق أم مزيد من الجرأة؟

على الرغم من أن بعض الخبراء يرون أن روسيا والصين لديهما قلق بالغ في الوقت الحالي قائلين إن أي «حاكم مستبد من الطبيعي ألا يرغب في رؤية أحد أقرانه يُقبض عليه ويُقيَّد ويُنقَل قسراً، تاركاً مصيره لمحكمة أجنبية لتقرره»، فإن البعض الآخر يرى أن ما حدث يوفر للبلدين المزيد من الجرأة بدلاً من الردع.

ويُقال إن الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد انزعج بشدة من إعدام الزعيم الليبي معمر القذافي عام 2011، متخيلاً على ما يبدو أن المصير نفسه قد يطاله يوماً ما، لدرجة أنه شاهد مقطع فيديو لعملية القتل مراراً وتكراراً.

وقد يكون بوتين، الذي وجهت إليه المحكمة الجنائية الدولية اتهامات بارتكاب جرائم حرب، مصاباً بالقلق نفسه إزاء محنة مادورو.

لكن هذه المخاوف قد لا تكون عميقة كما يظن البعض.

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين مع نيكولاس مادورو خلال اجتماع بـ«الكرملين» في مايو الماضي (رويترز)

فبعض الخبراء يرون أن عملية كاراكاس دليل إضافي على أن ترمب أكثر اهتماماً ببسط نفوذه إقليمياً منه عالمياً، أي أنه، بعبارة أخرى، «متجبر في محيطه الخاص، لكنه جبان على المسرح الدولي».

وحتى الآن، أظهر ترمب استعداده لفرض هيمنته على نطاق واسع ولكن بشكل محدود: شن غارات جوية متفرقة ومحددة الأهداف ضد فروع «داعش» في نيجيريا، والحوثيين في ​​اليمن، وشن عملية عسكرية كبيرة ولكنها خاطفة ضد البرنامج النووي الإيراني.

ويشير النقاد إلى أن هذه العمليات تبدو، على الأقل جزئياً، مصممة لتحقيق لحظة انتصار استعراضية تلقى استحسان قاعدة الرئيس الشعبية.

ويعد اعتقال مادورو انتصاراً واضحاً سيُرضي الكثيرين في اليمين الأميركي، وسيُوجّه رسالةً مُرعبةً لأي زعيم في أميركا الجنوبية يُفكّر في الخروج عن المألوف.

وفي أوائل ديسمبر (كانون الأول)، نشرت إدارة ترمب استراتيجيتها للأمن القومي، وهي وثيقة لافتة أعلنت بشكل رسمي تحوّل السياسة الخارجية الأميركية نحو رؤية للعالم تقوم على مناطق النفوذ ومنطق التعاملات البراغماتية المرتبطة بشعار «أميركا أولاً».

وإذا استنتج القادة الصينيون والروس أن اعتقال مادورو جزء من تنفيذ استراتيجية تنسحب بموجبها الولايات المتحدة من دورها العالمي سعياً وراء الهيمنة الإقليمية، فقد يشعرون بالجرأة بدلاً من الردع، مما قد يُفضي إلى عواقب وخيمة على الاستقرار الدولي.

غير أن بعض الخبراء والمسؤولين الأميركيين السابقين يرون أن هذا التفسير غير دقيق، وأن الولايات المتحدة لا تستطيع إعادة فرض هيمنتها العالمية إلا عبر استعادة تفوقها أولاً داخل نطاقها الجغرافي الخاص.

وصرح ماوريسيو كلافير-كارون، المبعوث السابق لترمب إلى أميركا اللاتينية، لصحيفة «نيويورك تايمز» في نوفمبر (تشرين الثاني): «لا يمكن لأي قوة أن تكون القوة العالمية المهيمنة إن لم تكن القوة الإقليمية المهيمنة».

إضرار بالمصالح... ولكن

وقد يضر فقدان إمكانية الوصول إلى الطاقة الفنزويلية بروسيا والصين. إذ تمتلك الشركات الروسية حصصاً كبيرة في الاقتصاد الفنزويلي من خلال مشروعات مشتركة في حقول نفط حزام أورينوكو، بينما تُعد الصين أكبر دائن للبلاد.

ومع سعي ترمب الواضح إلى استبدال الولايات المتحدة لكلا البلدين كشريك رئيسي لفنزويلا في مجال الطاقة في مرحلة ما بعد مادورو، فقد مُنيت طموحاتهما (الصين وروسيا) في الأميركتين بنكسات.

لكن هناك جوانب إيجابية أيضاً.

قد يصبّ الاستياء في أميركا الجنوبية والغضب في أنحاء العالم النامي في مصلحة روسيا.

وسارعت موسكو إلى إدانة «العمل العدواني المسلح»، وستحرص على تصوير الولايات المتحدة كتهديد للنظام الدولي، مستخدمةً العملية لتبرير عدوانها في أوكرانيا.

ووفقاً للخبراء، من المؤكد أن الحجج الأخلاقية الغربية ضد حرب بوتين ستكون أصعب في الصمود، ومن المرجح أن تُقابل بتجاهل فيما يُسمى «الجنوب العالمي» (مصطلح يُستخدم للإشارة إلى الدول النامية في أفريقيا وآسيا وأميركا اللاتينية).

وقد يكون لبكين نظرة مشابهة. فقد أرست الولايات المتحدة سابقة جديدة لاستخدام القوة العسكرية من قِبل أي قوة عظمى تسعى لتغيير الأنظمة في جوارها.

الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو يصافح الرئيس الصيني شي جينبينغ خلال اجتماع في قاعة الشعب الكبرى ببكين 13 سبتمبر 2023 (رويترز)

لذا، من المرجح أن يكون المسؤولون في تايبيه قد نظروا إلى أحداث نهاية هذا الأسبوع في أميركا الجنوبية بقلق بالغ.

وقد تنظر موسكو وبكين إلى هذه الأحداث على أنها بمثابة لمحة عن ملامح نظام عالمي جديد: نظام تُحدده مناطق نفوذ إقليمية تهيمن عليها قوى إقليمية.

ومنذ عودته إلى السلطة، سعى ترمب إلى إعادة تأكيد مبدأ مونرو لعام 1823، وفيه أن الولايات المتحدة لن تتسامح مع أي تدخل أوروبي في نصف الكرة الغربي، والذي تطور لاحقاً إلى إيمان بالهيمنة الأميركية على الأميركتين.

وقد ذهب إلى أبعد من ذلك، إذ طالب بكندا لتكون الولاية الحادية والخمسين، وأعاد تسمية خليج المكسيك بـ«خليج أميركا»، وطالب بتسليم غرينلاند إلى الولايات المتحدة.


مقالات ذات صلة

الكرملين: مسألة الأراضي ليست العائق الوحيد أمام مفاوضات السلام الثلاثية المرتقبة

أوروبا الرئيس الإماراتي الشيخ محمد بن زايد آل نهيان (في الوسط) يجتمع مع جاريد كوشنر صهر الرئيس الأميركي (يساراً) وإيغور كوستيوكوف رئيس الإدارة الرئيسية لهيئة الأركان العامة للقوات المسلحة الروسية (الثاني يساراً) ورستم عمروف سكرتير مجلس الأمن القومي والدفاع الأوكراني (الثاني يميناً) وستيف ويتكوف المبعوث الأميركي الخاص (يميناً) خلال محادثات ثلاثية في أبوظبي يوم 23 يناير 2026 (إ.ب.أ) play-circle

الكرملين: مسألة الأراضي ليست العائق الوحيد أمام مفاوضات السلام الثلاثية المرتقبة

الكرملين يقول إن مسألة الأراضي ليست العائق الوحيد أمام مفاوضات السلام الثلاثية المرتقبة في أبوظبي بين روسيا وأميركا وأوكرانيا، والتي قد تستمر يومين.

أوروبا ملك الدنمارك فريدريك العاشر والملكة ماري خلال مؤتمر صحافي في فيلنيوس عاصمة ليتوانيا (رويترز)

ملك الدنمارك يعتزم زيارة غرينلاند في فبراير وسط الأزمة مع ترمب

قال ملك الدنمارك، الخميس، إنه يعتزم زيارة غرينلاند في منتصف فبراير.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
شؤون إقليمية رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو يسلّم الرئيس الأميركي دونالد ترمب ملفاً خلال اجتماع في البيت الأبيض بواشنطن في 7 يوليو 2025 (أ.ب)

تقرير: نتنياهو يزور واشنطن في 18 فبراير

أفاد مسؤول إسرائيلي، لصحيفة «تايمز أوف إسرائيل»، بأن زيارة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو إلى واشنطن مقرر لها الفترة من 18 إلى 22 فبراير (شباط).

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
الولايات المتحدة​ أرشيفية لمنشآت مصفاة النفط في بويرتو لا كروز التابعة لشركة النفط الفنزويلية الحكومية (رويترز)

فنزويلا توافق على تقديم «ميزانية» شهرية لأميركا

أعلن وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو أن الحكومة الفنزويلية وافقت على تقديم «ميزانية» شهرية لواشنطن للإفراج عن أموال من عائدات مبيعات النفط في فنزويلا.

علي بردى (واشنطن)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ‌ترمب (رويترز)

ترمب وديمقراطيو مجلس الشيوخ يسعون إلى التوصل لاتفاق لتجنب إغلاق الحكومة

قال مصدر مطلع إن الديمقراطيين في مجلس الشيوخ الأميركي وإدارة ​الرئيس دونالد ترمب يجرون مباحثات قد تؤدي إلى فرض قيود جديدة على عناصر الهجرة الاتحاديين

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

ستارمر يدعو من بكين إلى «شراكة استراتيجية شاملة» مع الصين

 أعلام المملكة المتحدة والصين في بكين (إ.ب.أ)
أعلام المملكة المتحدة والصين في بكين (إ.ب.أ)
TT

ستارمر يدعو من بكين إلى «شراكة استراتيجية شاملة» مع الصين

 أعلام المملكة المتحدة والصين في بكين (إ.ب.أ)
أعلام المملكة المتحدة والصين في بكين (إ.ب.أ)

أكد رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر للزعيم الصيني شي جينبينغ خلال لقائهما في بكين الخميس، أن تطوير العلاقات بين بلديهما أمر «حيوي»، داعيا إلى شراكة استراتيجية شاملة مع الصين خلال «الأوقات الصعبة التي يمر بها العالم».

وقال ستارمر «الصين لاعب محوري على الساحة الدولية، ومن الحيوي بناء علاقة أكثر عمقا معها لا تمكننا من تحديد فرص التعاون فحسب، بل تسمح لنا أيضا بإجراء حوار هادف حول القضايا التي نختلف فيها». من جهته، اعتبر شي أنه يجب على الصين وبريطانيا أن تعززا العلاقات بينهما.

وتعتزم بريطانيا توقيع اتفاقية تعاون مع الصين تستهدف سلاسل التوريد التي يستخدمها مهربو البشر، وفق ما أعلن داونينغ ستريت في بيان تزامنا مع وصول ستارمر إلى بكين. وهذه أول زيارة لرئيس وزراء بريطاني إلى بكين منذ عام 2018، حيث يسعى ستارمر لتعزيز ما وصفه بالشراكة «العملية» مع العملاق الآسيوي بعد سنوات من العلاقات المتوترة.

استقبل بالورود لرئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (رويترز)

وتعد قضية المهاجرين غير الشرعيين بالغة الحساسية بالنسبة لزعيم حزب العمال الذي تعهد بملاحقة شبكات تهريب البشر ووقف تدفق المهاجرين، مع استغلال اليمين المتطرف في بريطانيا لهذه القضية لحشد الدعم. والعام الماضي وصل نحو 42 ألف مهاجر إلى السواحل الجنوبية لبريطانيا عبر القناة من شمال فرنسا، وهو ثاني اعلى رقم مسجل خلال عام.

وأورد بيان داونينغ ستريت أن «أكثر من نصف محركات القوارب الصغيرة التي يستخدمها مهربو البشر الذين يعبرون القناة يتم تصنيعها في الصين». وأضاف البيان أن الاتفاقية التي سيتم توقيعها تدعو إلى تبادل المعلومات الاستخباراتية و«التواصل المباشر مع المصنعين الصينيين لقطع غيار القوارب لضمان عدم استغلالهم من قبل عصابات الجريمة المنظمة».

والأربعاء، قال ستارمر لوفد يضم نحو 60 شخصا من رجال الأعمال والممثلين الثقافيين المرافقين له «من مصلحتنا الوطنية أن نتعامل مع الصين». وحضهم على اغتنام الفرص التي تقدمها الصين، واصفا الزيارة بأنها «تصنع التاريخ».

وأشادت داونينغ ستريت بالزيارة باعتبارها فرصة لتعزيز العلاقات التجارية والاستثمارية وإثارة قضايا شائكة مثل الأمن القومي وحقوق الإنسان.

وتأتي زيارة ستارمر في أعقاب توافد سلسلة من الزعماء الغربيين الذين يسعون إلى استمالة بكين في الأسابيع الأخيرة بسبب مواقف الولايات المتحدة المتقلبة. وتواجه بريطانيا خلافا مع أقرب حلفائها في أعقاب محاولة الرئيس دونالد ترمب الاستيلاء على غرينلاند وتهديده بفرض رسوم جمركية على بريطانيا وحلفاء آخرين في الناتو.


تقرير «كير»: 10 أزمات إنسانية منسية في 2025 معظمها في أفريقيا

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
TT

تقرير «كير»: 10 أزمات إنسانية منسية في 2025 معظمها في أفريقيا

مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)
مشهد عام يظهر جزءاً من العاصمة بانغي في جمهورية أفريقيا الوسطى (أرشيفية - رويترز)

سلّطت منظمة «كير» غير الحكومية في تقرير صدر اليوم الأربعاء، بعد عام على تجميد المساعدات الأميركية للمنظمات الدولية، الضوء على 10 «أزمات إنسانية منسية» في 2025، معظمها في القارة الأفريقية وتؤثّر على نحو 43 مليون شخص.

وبين هذه الأزمات الصراع في أفريقيا الوسطى وأسوأ موجة جفاف منذ 10 سنوات في ناميبيا.

ولتحديد الأزمات «الأقل شهرة»، قامت هذه المنظمة التي تعد واحدة من أكبر وأقدم المنظمات الإنسانية التي تركز على مكافحة الفقر في العالم، من يناير (كانون الثاني) إلى سبتمبر (أيلول) 2025، باحتساب المقالات التي كُتبت فيما يقرب من 350 ألف وسيلة إعلامية على الإنترنت في جميع أنحاء العالم، بخمس لغات.

وأظهرت نتيجة هذا البحث إنه تم تخصيص 1532 مقالاً لجمهورية أفريقيا الوسطى التي مزّقتها حرب أهلية في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين، ويعيش فيها ما يقرب من 2.4 مليون شخص «في حالة طوارئ إنسانية»، وفقاً لمنظمة «كير»، أي أقل بـ63 مرة من 96927 منشوراً حول حفل زفاف مؤسس «أمازون» جيف بيزوس الذي أقيم في مدينة البندقية بإيطاليا في يونيو (حزيران).

وفيما يتعلق بمدغشقر التي هزتها أحداث مناخية قاسية واضطرابات اجتماعية وانقلاب عسكري في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، رصدت المنظمة 6210 مقالات. وهذا أقل بأكثر من 70 مرة من عدد المنشورات التي تناولت إغلاق تطبيق «تيك توك» في الولايات المتحدة، وبلغت نحو 450 ألف منشور.

وتقول المنظمة التي تعمل في أكثر من 120 دولة في تقريرها إنه «من دون مواد، لا يوجد ضغط شعبي. ومن دون ضغط شعبي، لا توجد قرارات سياسية، ومن دون قرارات سياسية، لا يوجد تمويل إنساني».

وتضيف أن «في عام 2025، لم يتم تمويل خطط الأمم المتحدة الإنسانية لزيمبابوي أو ملاوي إلا بنسبة 14 في المائة»، مشيرة إلى أنه بالإضافة إلى هذه «العيوب الهيكلية»، هناك «تخفيضات قاسية في الميزانية قررتها الولايات المتحدة وعشرات الدول الأوروبية، بما في ذلك فرنسا، ما أدى إلى تخفيض المساعدات الإنسانية العالمية إلى النصف تقريباً».

وتقول المتحدثة باسم منظمة «كير» أديا غيلو لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «نحن لم نشهد مثل هذا التشكيك الآيديولوجي والمالي في مفهوم التضامن الدولي نفسه منذ الحرب العالمية الثانية».

وتضيف أن التأثير «قوي للغاية» على هذه الفئات السكانية «في حالات الجوع والعطش والفقر المدقع»؛ حيث لا تزال النساء والفتيات «متأثرات بشكل غير متناسب» ومعرضات لمخاطر العنف الجنسي.

أزمات «معقدة»

وتصدرت جمهورية أفريقيا الوسطى في عام 2025 القائمة، قبل ناميبيا، وزامبيا، وملاوي، وهندوراس، وكوريا الشمالية، وأنغولا، وبوروندي، وزيمبابوي، ومدغشقر.

وتشير منظمة «كير» في تقريرها إلى أنه على مدى السنوات العشر الماضية، منذ بدء إعداد هذه التقارير، «تم تجاهل القارة الأفريقية إلى حد كبير من قبل وسائل الإعلام في كل عام».

وقد أُدرجت جمهورية أفريقيا الوسطى في تصنيف «الأزمات الإنسانية المنسية» كل عام.

وفي هذه الدولة الواقعة في وسط أفريقيا، هدأت الأوضاع الأمنية إلى حد ما بعد الحرب الأهلية الدامية، إلا أن هذا التقدم ما زال «هشاً»، وفقاً للرئيس المنتخب حديثاً فوستين أرتشانج تواديرا. ولا يزال عدم الاستقرار قائماً في الشرق، على طول الحدود مع السودان وفي الشمال الغربي.

وتؤكد نائبة مدير منظمة «كير» زيمبابوي شارلين بيلسا أمبالي أنه «من المثير للقلق للغاية أن 80 في المائة من الأزمات الأقل شهرة (في عام 2025) تقع في أفريقيا، وحتى 60 في المائة منها في جنوب أفريقيا».

وعبرت بيلسا، خلال مؤتمر صحافي عُقد الثلاثاء عبر الفيديو عن أسفها، قائلة: «بالنسبة لنا في أفريقيا، بما في ذلك في زيمبابوي، تميل أزماتنا إلى أن تكون طويلة، وأن تبدأ ببطء، وأن تكون معقدة» و«لا تتصدر عناوين الأخبار دائماً».

وذكَّرت منظمة «كير» بأن زيمبابوي «عانت في الفترة 2023 - 2024 من جفاف شديد ناجم عن ظاهرة المناخ المتطرفة إل نينيو، مما أدى إلى خسائر فادحة في المحاصيل وشح المياه».

وأشارت المنظمة إلى أنه بحلول عام 2025، كان تغير المناخ «عاملاً مشتركاً» في كل هذه «الأزمات المنسية»، مشيرة إلى أنه «يعمل كمضاعف للأزمات».

وتشير شارلين بيلسا أمبالي إلى أن السكان «يختبرون هذا بشكل مباشر ومتكرر» في جنوب القارة.

وأكدت أن «حالات الجفاف والأعاصير والفيضانات أصبحت أكثر تواتراً وشدة عاماً بعد عام... والفقراء هم الأكثر تضرراً».

ومن بين الحلول الموصى بها، يقترح المتحدث باسم منظمة «كير فرانس» أن تقوم وسائل الإعلام بتغطية ميدانية للتركيز على أولئك الموجودين في هذه البلدان الذين «يعملون على إيجاد حلول».


«شرق الكونغو»... تصاعد نشاط «داعش» يربك مسار السلام

عناصر من جماعة «23 مارس» المتمردة في غوما بمقاطعة شمال كيفو في شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من جماعة «23 مارس» المتمردة في غوما بمقاطعة شمال كيفو في شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
TT

«شرق الكونغو»... تصاعد نشاط «داعش» يربك مسار السلام

عناصر من جماعة «23 مارس» المتمردة في غوما بمقاطعة شمال كيفو في شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)
عناصر من جماعة «23 مارس» المتمردة في غوما بمقاطعة شمال كيفو في شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

تتصاعد هجمات تنظيم «داعش» الإرهابي في شرق الكونغو، مخلفة خسائر في الأرواح، وقلقاً أكبر بشأن مسار السلام الذي يشهد منذ بداية 2026 تراجعاً لافتاً، بعد عام من المفاوضات.

ذلك التصعيد، لا سيما من تنظيم إرهابي، يرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يؤثر بشكل كبير على محاولات لإعادة مسار السلام، مشيراً إلى أن الحسم بين سيناريوهات التهدئة والتصعيد الحالي، يتوقف على المقاربات التي ستتم، وهي يجب أن تكون شاملة.

وشهد شرق الكونغو، الغني بالموارد الطبيعية والمجاور لرواندا، نزاعات مسلحة متواصلة منذ نحو 3 عقود، وتصاعدت حدة العنف بين يناير (كانون الثاني) وفبراير (شباط) 2025، بعدما سيطرت حركة «23 مارس»، بدعم من كيغالي، على مدينتَي غوما وبوكافو الرئيسيتَين في الإقليم.

دورية لعناصر من جيش الكونغو الديمقراطية قرب بيني في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

وبخلاف حركة «23 مارس»، برز نشاط «قوات الحلفاء الديمقراطية»، وهي حركة مسلحة متمردة كانت تسعى في السابق إلى السيطرة على الحكم في جمهورية الكونغو الديمقراطية، لكنها بايعت منذ 2019، تنظيم «داعش»، وأصبحت تسعى إلى إقامة ما تسميه «ولاية وسط أفريقيا».

وأعلن التنظيم الأربعاء، عبر إحدى منصاته الموالية لـ«داعش»، قتل عسكري بعد أسره في إقليم إيتوري شرق الدولة الواقعة في وسط أفريقيا، غداة إعلان مقتل وإصابة 7 عسكريين، في أحدث حلقة من سلسلة هجمات دامية تضرب المنطقة.

والاثنين، أفاد تقرير داخلي للأمم المتحدة، وقادة من المجتمع المدني في الكونغو، بأن التنظيم ذاته قتل ما لا يقل عن 22 مدنياً في قرية بإقليم إيتوري الأحد، عقب خطفهم، وذلك بعد يومين من هجوم على قرية كازاراهو القريبة، حيث اشتبكوا مع الجيش وميليشيات محلية، ووقتها أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم في كازاراهو، وقال إنه خطف وقتل 3 مسيحيين.

وفي حادثة منفصلة، قال مسؤولون محليون إن مسلحي «القوات الديمقراطية المتحالفة» هاجموا قرية موسينجو في منطقة لوبيرو بإقليم شمال كيفو، مساء السبت، وأحرقوا منازل ومتاجر وكنيسة كاثوليكية.

ونوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، أعلنت بعثة الأمم المتحدة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، أن متمردي «تحالف القوى الديمقراطية» المتطرّفين قتلوا 89 مدنياً في عدة هجمات خلال أسبوع في شرق البلاد، وذلك بعد نحو شهر من إعلان ذلك التحالف مسؤوليته عن هجوم وقع، وقال إنه قتل 30 مسيحياً في قرية موكوندو، الواقعة بإقليم لوبيرو، أقصى شرق جمهورية الكونغو الديمقراطية.

جنود من جيش الكونغو الديمقراطية يتمركزون خارج غوما في مقاطعة شمال كيفو (رويترز)

ويرى المحلل السياسي التشادي، المختص بالشؤون الأفريقية، صالح إسحاق عيسى، أن موجة العنف الأخيرة في شرق الكونغو، تكشف عن عمق الأزمة الأمنية والسياسية التي تعانيها المنطقة منذ سنوات، لافتاً إلى أن تصاعد نشاط تنظيم «داعش»، عبر الجماعات المحلية المرتبطة به، «لا يمكن فصله عن واقع التفكك المؤسساتي وتعدد مراكز القوة المسلحة، حيث تتحرك التنظيمات المتطرفة داخل بيئة تسمح لها بالانتشار والمناورة».

ويعتقد عيسى أن الهجمات المتكررة تلقي بظلال ثقيلة على جهود السلام الجارية، إذ تؤدي إلى إضعاف الثقة في قدرة الدولة على فرض الاستقرار، وتزيد من حالة الإحباط الشعبي تجاه المبادرات السياسية. كما تمنح التنظيمات المتطرفة فرصة لإثبات وجودها كفاعل مؤثر في المعادلة الأمنية، مستفيدة من التركيز المفرط على الحلول العسكرية السريعة، التي غالباً ما تعالج النتائج ولا تمس أسباب الأزمة.

ويؤكد عيسى أن الحد من هذا التصعيد يتطلب مقاربة أكثر شمولاً، تتجاوز المواجهة الأمنية المباشرة، مشيراً إلى أن استعادة الاستقرار في شرق الكونغو ترتبط بترسيخ سلطة الدولة، وتعزيز التنسيق مع دول الجوار، وتحسين الظروف الاقتصادية والاجتماعية للسكان المحليين.

ولفت إلى أنه في ظل غياب هذه العناصر، سيبقى العنف أداة فعالة بيد «داعش» لتعطيل مسار السلام، وستظل المنطقة عالقة في دائرة عدم الاستقرار والصراع المفتوح.

عناصر من حركة «23 مارس» في غوما بمقاطعة شمال كيفو شرق الكونغو الديمقراطية (رويترز)

ذلك التصعيد يأتي بينما شهد مسار السلام في شرق الكونغو عام 2025 تقدماً عبر اتفاقات رعتها واشنطن والدوحة قبل أن تذهب أدراج الرياح، مكررة نحو 10 محاولات سابقة منذ 2021 دون جدوى.

ويعتقد عيسى أن العودة إلى مسار السلام خيار ممكن، متى جرى التعامل مع التصعيد القائم كإشارة تحذير تستدعي إعادة التقييم، لا كدليل على استحالة الحل السياسي.

وتبدو الأوضاع مفتوحة في العام الحالي على مسارين متناقضين: استمرار دوامة التصعيد إذا طغت المقاربة الأمنية الضيقة، أو التحول إلى مرحلة مراجعة وتصحيح إذا أحسن توظيف دروس عام 2025 بقدر أكبر من الواقعية والمرونة.