تحتل عقوبة الإعدام في الولايات المتحدة الأميركية مكانةً بالغة التعقيد والخصوصية في النظام الجنائي الغربي، إذ لا تُشكِّل مجرد ممارسة عقابية موحدة، بل تمثل مرآة للانقسام الجغرافي والسياسي والتشريعي العميق بين الولايات.
ووفقاً للبيانات الموثَّقة لدى «مركز معلومات عقوبة الإعدام (DPIC)»، تظل العقوبة مدرجة رسمياً وقانونياً في 27 ولاية، بالإضافة إلى تطبيقها على المستوى الفيدرالي وداخل المؤسسة العسكرية.
وفي المقابل، نجحت 23 ولاية (إلى جانب العاصمة واشنطن) في إلغاء العقوبة تماماً، بينما تتبنى ولايات كبرى، وفي مقدمتها كاليفورنيا وأوريغون، سياسة «الوقف الاختياري المعلق» بقرارات مباشرة من حكامها.
ولا تملك عاصمة القرار، واشنطن، كلمة الفصل في كيفية إنهاء حياة المحكومين، بل تُرك الأمر لكل ولاية لتصيغ بروتوكولها الخاص.
ويبرز هذا التباين بوضوح عند تأمل آليات التنفيذ، حيث تتصدر الحقنة المميتة المشهد في 27 ولاية بوصفها وسيلةً رئيسيةً.
غير أن النقص الحاد في العقاقير السامة والملاحقات القانونية دفع ولايات عدة لتفعيل بدائل توصف بالوحشية، فبينما تُبقي 9 ولايات على الكرسي الكهربائي ملاذاً ثانياً تتيح 9 ولايات أخرى غرف الغاز، في حين تحتفظ 5 ولايات بخيار الرمي بالرصاص.
وفي طليعة هذه المنظومة تبرز ولاية تكساس، «عاصمة الإعدام الأميركية»، التي نفَّذت وحدها أكثر من 602 عملية إعدام منذ عام 1976، متبوعة بولاية فلوريدا بـ141 عملية.
وفي تكساس، يُحقَن السجين بجرعة مكثفة من عقار «البنتوباربيتال» في وريد الذراع.
أما أوكلاهوما (132 عملية)، فقد شهدت غرفتها تجارب مريرة لخلط 3 عقاقير تسببت مراراً في حروق داخلية مرعبة قبل الموت.
وفي المقابل، اختارت ولاية ألاباما هذا العام سلوك درب مغاير تماماً عبر تقنية اختناق النيتروجين، حيث يُجبَر السجين على تنفس الغاز النقي عبر قناع محكم حتى يتوقف دماغه عن العمل لقلة الأكسجين.
وبالموازاة مع ذلك، تعيش ولايات مثل كاليفورنيا مفارقة كبرى، فبينما تضم أكبر «طابور إعدام» في البلاد بمئات السجناء، فإن حاكمها يفرض وقفاً اختيارياً للتنفيذ منذ عقود.

أسماء حُفرت في سجلات الإعدام بين الجنسين
تكشف الإحصاءات التراكمية التاريخية عن اختلال ديموغرافي هائل ومستمر بين الجنسين داخل زنازين طابور الإعدام (Death Row) وفي السجلات التاريخية للمُنفَّذة بحقهم الأحكام.
فمنذ إعطاء الضوء الأخضر القضائي لإعادة تفعيل العقوبة في العصر الحديث عام 1977، نُفِّذ الحكم بحق ما يزيد على 1680 رجلاً، بينما لم يتجاوز عدد النساء اللواتي نُفِّذت بحقهن الأحكام 18 امرأة فقط طوال نصف قرن، وهو ما يمثل نسبة ضئيلة تقارب 2 في المائة فقط من إجمالي الحالات.
ويُعزى هذا الفارق الضخم، حسب الخبراء القانونيِّين والاجتماعيِّين، إلى طبيعة الجرائم الجنائية المرتَكبة، حيث يميل العنصر النسائي إجمالاً إلى عدم الانخراط في جرائم القتل المقترنة بظروف تشديدية قاسية كالاختطاف والسرقة المسلحة، وهي الجرائم الرئيسية التي يبيح القضاء الأميركي دستوريّاً معاقبتها بالإعدام.
كما تلعب الدفوع القانونية المرتبطة بالخلفيات النفسية، وتاريخ التعرض للاعتداءات، دوراً كبيراً في تخفيف الأحكام الصادرة بحق النساء من الإعدام إلى السجن المؤبد في أثناء المحاكمات.

وحُفرت في الذاكرة القضائية أسماء ذكور هزَّت جرائمهم الرأي العام الأميركي، فإلى جانب تيموثي ماكفي، العقل المدبر لتفجير أوكلاهوما الإرهابي عام 1995 والذي أُعدم بالحقنة المميتة عام 2001. نجد القاتل المتسلسل الشهير تيد باندي الذي صُعق بالكرسي الكهربائي صباح يوم 24 يناير (كانون الثاني) في سجن ولاية فلوريدا عام 1989.
واعترف باندي رسمياً بقتل 30 امرأة وفتاة في 7 ولايات أميركية مختلفة خلال فترة السبعينيات. ومع ذلك، فإن الخبراء والمحققين الجنائيين يقدرون أن العدد الحقيقي لضحاياه أعلى من ذلك بكثير، وقد يتجاوز 100 ضحية، نظراً لأن العديد من الجرائم والملفات بقيت غامضة ولم يُعثر على جثث ضحاياها.

يبرز أيضا اسم جون واين غيسي المعروف بـ«المهرج القاتل» الذي أُعدم في إلينوي عام 1994 بعد إدانته بقتل 33 شاباً وصعَّب انسداد أنبوب المحاليل من عملية حقنه بالسم لـ18 دقيقة كاملة.

كما لا يغيب عن السجلات اسم ستانلي «توكي» ويليامز، مؤسِّس عصابة «كريبس» الشهيرة في لوس أنجليس، الذي تحوَّل داخل سجنه إلى كاتب لأدب الأطفال ومناهض للعنف ورُشِّح لجائزة «نوبل»، إلا أن حاكم كاليفورنيا آنذاك أرنولد شوارزنيغر رفض العفو عنه لِيُعدَم بالحقنة عام 2005 وسط احتجاجات شعبية عارمة.

وبالمثل، شهدت المقاطعات إعدام قتلة متسلسلين بارزين مثل وليام بونين، المعروف بـ«قاتل الطرق السريعة»، الذي أنهت ولاية كاليفورنيا حياته كيميائياً عام 1996 بعد ملاحقات قضائية معقدة.

وعلى الجانب الآخر، يظل إعدام النساء حدثاً نادراً جداً لم يتجاوز 18 حالة فقط منذ عام 1976. وتتصدر هذه القائمة الوجيزة أسماء طبعت تاريخ العدالة، مثل ليزا مونتغومري التي أُعدمت بعد إدانتها بجريمة قتل مروعة واختطاف بواسطة الحقنة المميتة في الساعات الأولى من صباح يوم 13 يناير (كانون الثاني) 2021، داخل المجمع العقابي الفيدرالي في مدينة تير هوت بولاية إنديانا.
وجاء هذا التنفيذ بناءً على قرار استثنائي من إدارة الرئيس دونالد ترمب الأولى التي رفعت التجميد عن الإعدامات الفيدرالية، لتصبح مونتغومري (52 عاماً آنذاك) أول امرأة تُعدمها الحكومة الفيدرالية الأميركية منذ 67 عاماً.

وتنضم إليها أيلين ورنوس، التي تُعد أشهر قاتلة متسلسلة أميركية أُعدمت بالحقنة المميتة عام 2002 في فلوريدا، وتحولت سيرتها المأساوية إلى فيلم هوليوود الشهير «وحش» (Monster) الذي نالت عنه تشارليز ثيرون جائزة الأوسكار.
كما ألهمت شخصيتها المضطربة العديد من المسلسلات والوثائقيات العالمية التي ركزت على كواليس طفولتها القاسية وتدهور حالتها العقلية خلف القضبان.

كما أُعدمت كارلا فاي تاكر بواسطة الحقنة المميتة في مساء يوم 3 فبراير (شباط) 1998، داخل سجن مدينة هانتسفيل بولاية تكساس، بعد قضائها 14 عاماً في طابور الإعدام إثر إدانتها بجريمة قتل مزدوجة مروعة باستخدام فأس عام 1983.
رغم حملات الالتماس الدولية الواسعة التي طالبت بالعفو عنها بعد تحولها السلوكي داخل السجن.

وإذا إذا ما عدنا إلى الوراء قليلاً، فسنجد حالات تاريخية صاخبة مثل إيثيل روزنبرغ، التي أُعدمت بواسطة الكرسي الكهربائي في مساء يوم 19 يونيو (حزيران) 1953، داخل سجن «سينغ سينغ» الشهير بولاية نيويورك.
وجاء التنفيذ بعد إدانتها برفقة زوجها جوليوس روزنبرغ بتهمة التجسس لصالح الاتحاد السوفياتي ونقل أسرار القنبلة الذرية الأميركية خلال ذروة الحرب الباردة، ليصبحا أول مدنيين يُعدمان بتهمة التجسس في وقت السلم في تاريخ الولايات المتحدة.

وتُعد باربرا غراهام سجينة أميركية أُعدمت في غرفة الغاز بولاية كاليفورنيا عام 1955 إثر إدانتها بجريمة قتل، ونالت قضيتها شهرة واسعة بسبب دفاعها المستميت عن براءتها حتى اللحظة الأخيرة.
وقد ألهمت مأساتها ومعاناتها داخل غرفة الموت صناعة السينما في هوليوود من خلال الفيلم الشهير «أريد أن أعيش!» (!I Want to Live) الذي ركّز على التشكيك في نزاهة الحكم الصادر بحقها.

أما المفارقة الأكثر إثارة، فتتجلى في الحالات الاستثنائية التي واجهت تعقيدات تقنية في أثناء تنفيذ الأحكام، حيث شهدت ولاية تينيسي حالة السجينة كريستا غيل بايك التي نُقلت إلى منشأة طبية بعد عدم نجاح محاولة تنفيذ حكم الإعدام بحقها عبر الحقن الوريدي.
زلزال تينيسي: ليلة فشل إعدام كريستا بايك
لم تكن غرف التنفيذ تتوقَّع أن تشهد واحدة من أعقد الأزمات القانونية والإنسانية في التاريخ الحديث للعدالة الأميركية كالتي فجَّرتها حالة السجينة كريستا غيل بايك (50 عاماً) في ولاية تينيسي.
بايك، التي تقبع خلف القضبان منذ نحو 30 عاماً إثر إدانتها بجريمة قتل عام 1995 ولم تكن تبلغ حينها سوى 18 عاماً، تصدَّرت المشهد بوصفها أول امرأة يتقرَّر إعدامها في الولاية منذ 200 عام، كونها المرأة الوحيدة على طابور الإعدام هناك.

إلا أن التنفيذ الفعلي واجه عقبات طبية وقانونية بالغة، فرغم سماح المحكمة العليا الأميركية بمواصلة الإجراءات، فإن إتمام العملية بنجاح تعذر؛ بسبب صعوبات لوجستية واجهت الفريق المعني.
وأشار محامو الدفاع في مذكراتهم إلى أن المحكومة عانت من إخفاق كيميائي صارخ، وظلت في حالة حرجة دون توقف قلبها، مما أدى في النهاية إلى نقلها تحت حراسة مشددة إلى منشأة طبية خارجية، حيث وُضعت على أجهزة الدعم الطبي.
ولم تتأخر التداعيات السياسية والتشريعية، إذ سارع حاكم ولاية تينيسي، بيل لي، إلى إعلان تعليق فوري عمليات الإعدام كافة المبرمجة في الولاية حتى نهاية العام، موجهاً بإجراء مراجعة مستقلة لبروتوكولات السجون ما تسبب في استقالة رئيس إدارة السجون في تينيسي فرانك سترادا.
وأثارت الحادثة سجالاً سياسياً حاداً بين مطالبات بالعودة إلى وسائل تنفيذ بديلة، وأطراف أخرى تطالب بإلغاء المنظومة برمتها.
الأزمة التي فجَّرتها واقعة بايك لم تكن سابقة فريدة، بل جاءت امتداداً لسلسلة من الإخفاقات الفنية، مثل مأساة السجين توني كاروثرز في تينيسي نفسها خلال شهر مايو (أيار) حيث عجز الطاقم عن العثور على أوردة صالحة، مما اضطر حاكم الولاية للتدخل ومنحه إرجاءً للتنفيذ.
كاروثرز محكوم بتهمة الاختطاف والقتل العمد لثلاثة أشخاص في مدينة ممفيس، وهي الجريمة البشعة التي تعود فصولها إلى فبراير (شباط) من عام 1994.

وتُعيد هذه الواقعة التذكير بقصة السجين روميل بروم في أوهايو عام 2009، الذي أُرجئ تنفيذ حكمه بعد أن نجا أكثر من مرة بسبب صعوبات إجرائية في تجهيز الحقنة الوريدية، ليموت لاحقاً بفيروس «كورونا» داخل السجن عام 2020.

ومن قبلهما، واجه السجين كينيث سميث تعذر تنفيذ الحكم بالحقنة المميتة في ألاباما، قبل أن يتم إعدامه لاحقاً مطلع عام 2024 بواسطة غاز النيتروجين في إجراء هو الأول من نوعه.

غير أن التحول الأبرز شهده ملف السجين ريشارد غلوسيب في أوكلاهوما، والذي واجه 9 مواعيد تنفيذ محددة طوال3 عقود، لينتزع حريته أخيراً ويُفرَج عنه بكفالة مالية منتصف عام 2026 بعدما قضت المحكمة العليا بإلغاء إدانته لوجود تلاعب وتستر من الادعاء العام، بانتظار إعادة محاكمته طليقاً.

عاصفة الإمدادات... والمأزق القانوني لوسائل التنفيذ
تتجاوز الأزمات الأخيرة حدود الولايات الفردية لتسلط الضوء على معضلة بنيوية تواجهها الولايات الأميركية بأكملها، وتتمثل في الشح الحاد في المواد الكيميائية القياسية المستخدمة في الإعدام.
فبسبب المقاطعة القانونية والأخلاقية التي فرضتها شركات الأدوية الكبرى والمصانع العالمية على بيع منتجاتها للاستخدام في غرف الإعدام، وجدت إدارات السجون الأميركية نفسها في مأزق لوجستي مستمر. وللإفلات من هذا الحصار، لجأت ولايات عدة إلى الاستعانة بمصادر تركيب محلية لإعداد تركيبات كيميائية بديلة.

وتكمن المشكلة القانونية في أن هذه المركبات تفتقر غالباً للرقابة القياسية الفيدرالية، ويتم خلطها أحياناً بجرعات غير دقيقة، ما يتسبب في إخفاقات متكرِّرة وطعون دستورية ترتكز على التعديل الثامن للدستور الأميركي الذي يحظر العقوبات الوحشية وغير المألوفة.
إلا أن المحكمة العليا الفيدرالية وضعت معايير صارمة أمام السجناء، حيث تفرض عليهم لإيقاف تنفيذ طريقة معينة إثبات وجود بديل متاح وعملي يقلل الألم بشكل قاطع، وهو الشرط الذي دفع ولايات عدة لإقرار وسائل بديلة كالرمي بالرصاص أو غاز النيتروجين هرباً من أزمة العقاقير والحقن السامة التي باتت تهدِّد مستقبل العقوبة.




