تصعيد الضغوط الأميركية لتفكيك «الجنائية الدولية»

انسحاب 5 دول من عضويتها بالتزامن مع إقالة المدعي العام

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
TT

تصعيد الضغوط الأميركية لتفكيك «الجنائية الدولية»

وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)
وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو (رويترز)

ضغطت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بقوة لتفكيك المحكمة الجنائية الدولية، التي تواجه حالياً تحديات عدة، أبرزها العثور على بديل من المدعي العام السابق كريم خان الذي أقيل بسبب ادعاءات عن سوء سلوك، وانسحاب عدد من الدول من عضويتها.

وفيما كان أنصار المحكمة يحاولون رسم مسار لمستقبلها، كتب وزير الخارجية الأميركي ماركو روبيو مقالاً في صحيفة «وول ستريت جورنال» أعلن فيه أن الإدارة ستعمل على تفكيك المحكمة الجنائية الدولية، في خطوة تُعد من أخطر التحديات التي تواجه النظام القانوني الدولي بعد الحرب الباردة.

وتؤجج هذه الحملة المواجهة بين أقوى دولة في العالم والمحكمة التي أنشئت لمحاكمة مرتكبي جرائم الإبادة الجماعية، وجرائم الحرب، والجرائم ضد الإنسانية، وجريمة العدوان، مما قد يُؤدي إلى تداعيات خطيرة على العدالة الدولية، ومستقبل النظام العالمي القائم على القواعد.

وتحت عنوان: «لماذا نفكك المحكمة الجنائية الدولية؟»، كتب روبيو أن هذه المؤسسة القانونية تجاوزت ولايتها الأصلية، وأصبحت تشكل تهديداً مباشراً لسيادة الولايات المتحدة. وقال: «لم توافق أميركا قط على محكمة دولية تتجاوز صلاحيات محاكمنا ودستورنا»، محذراً من أن الجنود الأميركيين، وضباط إنفاذ القانون، وعناصر حرس الحدود، والمسؤولين المنتخبين قد يواجهون المحاكمة أمام محكمة دولية، رغم أن الولايات المتحدة لم تصادق قط على نظام روما الأساسي المنشئ لهذه المحكمة. وأكد أنه «باستخدام جميع الأدوات المتاحة لحكومتنا، وبالتعاون مع كل حليف يمكننا العمل معه لتحقيق هدف مشترك، سنفكك المحكمة الجنائية الدولية -حجراً بحجر، إذا لزم الأمر».

المساءلة العالمية

وتمثل هذه الحملة تصعيداً خطيراً في معارضة واشنطن المستمرة منذ فترة طويلة للمحكمة التي تتخذ من لاهاي مقراً لها.

ووقعت الولايات المتحدة على نظام روما الأساسي، لكنها لم تصادق عليه قط، وظلت تؤكد باستمرار على أنه لا ينبغي للمحكمة الجنائية الدولية أن تمارس اختصاصها القضائي على رعايا الدول غير الأطراف في المعاهدة.

رئيسة جمعية الدول الأطراف في المحكمة الجنائية الدولية بايفي كاوكورانتا خلال جلسة تصويت في مقر الأمم المتحدة في نيويورك للنظر في إقالة المدعي العام كريم خان (رويترز)

وبحسب وزارة الخارجية الأميركية، تعتزم الإدارة الجمع بين العقوبات وقيود التأشيرات والضغوط الدبلوماسية للحد من قدرة المحكمة الجنائية الدولية على العمل، مع حض الحلفاء على رفض أي محاولة من جانب المحكمة لفرض اختصاصها على الأفراد الأميركيين.

ويأتي هذا الهجوم بعد سنوات من تصاعد التوتر بين واشنطن والمحكمة بشأن التحقيقات في جرائم يعتقد أنها ارتكبت في أفغانستان، ومذكرات التوقيف الصادرة عن المحكمة بحق رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومسؤولين إسرائيليين آخرين، وهي إجراءات عارضتها إدارة ترمب بشدة.

ولاقت هذه الخطوة انتقادات من فقهاء القانون ومنظمات حقوق الإنسان الذين يرون أن تفكيك المحكمة الجنائية الدولية الدائمة الوحيدة في العالم من شأنه أن يُضعف المساءلة العالمية عن الفظائع، ويقوض النظام الدولي القائم على القواعد، والذي أرسي بعد الحرب العالمية الثانية.

كما شكك العديد من الخبراء في الحجج القانونية التي ساقها الوزير روبيو، الذي يتولى أيضاً منصب مستشار الأمن القومي في البيت الأبيض، معتبرين أن اختصاص المحكمة يقتصر عموماً على الجرائم المرتكبة على أراضي الدول الأعضاء، أو الحالات التي يحيلها مجلس الأمن، وليس على تمثيل سلطة عالمية على كل الدول.

ورفض القادة الأوروبيون موقف واشنطن، واصفين التهديدات الموجهة للمحكمة بأنها غير مقبولة، ومؤكدين دعمهم للمحكمة الجنائية الدولية كمؤسسة قضائية مستقلة.

وتأتي حملة الإدارة الأميركية في وقت عصيب شهد انسحاب عدد من الدول من عضوية المحكمة، في ظل البحث عن بديل لكريم خان.

انسحابات

ويقول مراقبون للمحكمة إنه قد يكون من الصعب إيجاد بديل مناسب لخان في ظل تصعيد الولايات المتحدة لحملتها الدبلوماسية، ولا سيما في وقت تلوح فيه الولايات المتحدة بالمزيد من العقوبات على المحكمة التي تريد واشنطن منها إسقاط مذكرات التوقيف الصادرة بحق قادة إسرائيليين، والتوقف عن التحقيق في الجرائم المزعومة التي تورطت فيها القوات الأميركية.

ونقلت وكالة «رويترز» عن مسؤولين أميركيين أنهم يدرسون الضغط على الدول للانسحاب من المحكمة.

وبالفعل، صارت تشاد يوم الاثنين خامس دولة تبدأ إجراءات الانسحاب الرسمية في الأشهر الأخيرة، بعد كل من فنزويلا، وبوركينا فاسو، ومالي، والنيجر.

وكانت فنزويلا أعلنت في وقت متقدم الجمعة، حيث كانت المحكمة الجنائية الدولية تُجري تحقيقات في مزاعم ارتكاب الحكومة السابقة جرائم ضد الإنسانية، أنها بدأت الإجراءات الرسمية للانسحاب.

واتهمت الدولتان المحكمة بالتركيز بشكل غير متناسب على الدول غير الغربية.

وفي أوائل يوليو (تموز) الماضي، أعلنت المحكمة أن ثلاث دول أفريقية تحكمها قيادات عسكرية -وهي بوركينا فاسو ومالي والنيجر- بدأت رسمياً إجراءات الانسحاب، والتي تستمر عاماً حتى تدخل حيز التنفيذ.


مقالات ذات صلة

إدارة ترمب تجدد مساعيها أمام المحكمة العليا للحد من التصويت عبر البريد

الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

إدارة ترمب تجدد مساعيها أمام المحكمة العليا للحد من التصويت عبر البريد

جددت ‌إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأحد)، مطالبة المحكمة العليا بالسماح بخطة من شأنها تقييد التصويت عبر البريد قبل انتخابات الكونغرس المقبلة.

«الشرق الأوسط» (واشنطن )
إعلام مبنى "البنتاغون" مقر وزارة الحرب الأميركية (آب)

ترمب والإعلام... معركة تتمدّد داخل الإدارة

أن يقاضي ناشر صحيفة عسكرية ورئيس تحريرها ومراسلة فيها الوزارة التي تمولها، ليس نزاعاً وظيفياً مألوفاً في واشنطن.

إيلي يوسف (واشنطن)
الاقتصاد سيدة تملأ سيارتها بالوقود في محطة بلوس أنجليس 4 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

وزير الطاقة الأميركي يتوقع تراجع أسعار البنزين

قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت، الأحد، إنه لو طُلب منه التخمين، لقال إن أسعار البنزين من المرجح أن تنخفض أكثر من أن ترتفع.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد ترمب يتحدث مع رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» يوم أداء اليمين الدستورية (أرشيفية - رويترز)

ماذا تعني تهديدات ترمب بوقف التجارة إذا لم يخفض «الفيدرالي» الفائدة؟

لم يعد ضغط الرئيس الأميركي دونالد ترمب على «الاحتياطي الفيدرالي» يقتصر على المطالبة بخفض أسعار الفائدة، بل انتقل لربط السياسة النقدية مباشرة بالسياسة التجارية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
الاقتصاد جبل تمبلداون خلف ستانلي في جزر فوكلاند (أ.ب)

الأرجنتين تهدد بفرض عقوبات على مشروعات نفطية في جزر فوكلاند

أعلنت الأرجنتين أنها ستفتح تحقيقات بحق شركات نفط تعمل من دون ترخيص في محيط جزر فوكلاند وتفرض عقوبات عليها.

«الشرق الأوسط» (لندن)

أميركا: 5 قتلى على الأقل في حادثة لطائرة شحن تابعة لشركة «أمازون»

طائرة شحن تابعة لشركة أمازون بعد تحطمها في مطار ميامي الدولي (ا.ف.ب)
طائرة شحن تابعة لشركة أمازون بعد تحطمها في مطار ميامي الدولي (ا.ف.ب)
TT

أميركا: 5 قتلى على الأقل في حادثة لطائرة شحن تابعة لشركة «أمازون»

طائرة شحن تابعة لشركة أمازون بعد تحطمها في مطار ميامي الدولي (ا.ف.ب)
طائرة شحن تابعة لشركة أمازون بعد تحطمها في مطار ميامي الدولي (ا.ف.ب)

قتل خمسة أشخاص وأصيب خمسة آخرين بجروح، الأحد، إثر انحراف طائرة شحن لشركة «أمازون» عن مسارها في مطار ميامي الدولي في الولايات المتحدة واصطدامها بعدّة مركبات قبل اندلاع النيران فيها، وفق ما أفادت السلطات المحلية.

وقالت رئيسة بلدية ميامي-ديد دانييلا ليفين كافا خلال إحاطة إعلامية في المطار «نعرف أن خمسة أشخاص فارقوا الحياة وخمسة أشخاص تعرضوا لإصابات».


إدارة ترمب تجدد مساعيها أمام المحكمة العليا للحد من التصويت عبر البريد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
TT

إدارة ترمب تجدد مساعيها أمام المحكمة العليا للحد من التصويت عبر البريد

الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب (رويترز)

جددت ‌إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، اليوم (الأحد)، مطالبة المحكمة العليا بالسماح بخطة من شأنها تقييد التصويت عبر ​البريد قبل انتخابات الكونغرس المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، بعدما منعت قاضية اتحادية يوم الجمعة تطبيق تلك القيود.

وقدم محامو إدارة ترمب طلباً عاجلاً إلى أعلى محكمة في البلاد للسماح للخدمة البريدية الأميركية بتقييد التصويت عبر البريد، حتى في الوقت الذي بدأ فيه ‌بعض الولايات بالفعل ‌في إرسال بطاقات الاقتراع ​البريدية ‌قبل انتخابات التجديد ​النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر.

وكانت القاضية الاتحادية إنديرا تالواني، المقيمة في بوسطن، قد مددت حظراً يوم الجمعة يمنع دخول القاعدة الجديدة حيز التنفيذ.

والقرار النهائي بشأن فرص المضي قدماً في تطبيق قيود الإدارة على التصويت عبر البريد يقع الآن على عاتق ‌المحكمة العليا.

وحث جون ‌ساور، الذي يمثل إدارة ​ترمب أمام المحكمة ‌العليا، هيئة المحكمة، على السماح بدخول القاعدة حيز ‌التنفيذ على الفور، محذراً من أن بقاء الأمر القضائي الصادر عن المحكمة الأدنى درجة «يخاطر بإثارة الارتباك والفوضى»، مع إصدار مزيد من الولايات بطاقات الاقتراع ‌البريدية.

وحددت قاضية المحكمة العليا كيتانجي براون جاكسون، يوم الأربعاء موعداً نهائياً للرد على طلب إدارة ترمب.

وكانت الإدارة قد قدمت طلباً طارئاً سابقاً إلى المحكمة العليا لإلغاء الأمر القضائي قصير الأجل الذي أصدرته القاضية تالواني. وقبل أن تصدر المحكمة العليا حكمها بشأن ذلك الطلب، مددت القاضية تالواني الحظر يوم الجمعة، مما دفع الإدارة إلى تقديم طلب جديد يوم الأحد.

وأمضى ترمب سنوات في الدعوة إلى فرض قيود على التصويت عبر البريد، ​وسط مزاعمه الزائفة ​بأن هزيمته في الانتخابات الرئاسية لعام 2020، كانت نتيجة لتزوير واسع النطاق في الانتخابات.


محكمة تؤيد منع ترمب من الدخول على بيانات الجنسية لملايين الناخبين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مطار موريستاون (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مطار موريستاون (أ.ب)
TT

محكمة تؤيد منع ترمب من الدخول على بيانات الجنسية لملايين الناخبين

الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مطار موريستاون (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب في مطار موريستاون (أ.ب)

رفضت هيئة ‌محكمة استئناف اتحادية أميركية طلب إدارة الرئيس دونالد ترمب رفع الحظر المفروض على استخدام قاعدة بيانات ​اتحادية عن الهجرة للتحقق من دقة سجلات الجنسية في قوائم الناخبين بالولايات.

وفي حكم صدر أمس الجمعة بأغلبية صوتين مقابل صوت واحد، رفضت محكمة الاستئناف الأميركية لمقاطعة كولومبيا رفع الحظر الذي فرضته محكمة أدنى درجة على استخدام قاعدة ‌بيانات «التحقق المنهجي من الأجانب ‌للحصول على الاستحقاقات» ​التابعة ‌لوزارة الأمن ​الداخلي، وفقاً لوكالة «رويترز».

وكان الحكم السابق قد قضى بعدم جواز استخدام الحكومة لهذا النظام قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في الثالث من نوفمبر (تشرين الثاني)، التي سيحاول فيها الجمهوريون الحفاظ على أغلبيتهم الضئيلة في مجلسي الكونغرس.

وأيد القاضي الرئيسي سري سرينيفاسان وقاضي الدائرة الأميركية روبرت ‌ويلكينز، اللذان ‌عينهما الرئيس السابق باراك أوباما ​بمحكمة الاستئناف، قرار المحكمة ‌الأدنى درجة القائل إن نظام التحقق المنهجي ‌ينتهك قانون الضمان الاجتماعي لأنه يشارك معلومات شخصية خاصة بملايين الأميركيين.

كما أشار قضاة محكمة الاستئناف إلى مخاوف بشأن احتمال وجود معلومات غير ‌دقيقة عن المواطنة، مما قد يؤدي إلى اضطرار الأشخاص إلى إثبات جنسياتهم للبقاء مسجلين في قوائم الناخبين، بل وقد يؤدي في بعض الحالات إلى إلغاء تسجيلهم كناخبين.

وخالف قاضي الدائرة الأميركية غريغوري كاتساس، الذي عينه ترمب، رأي الأغلبية.

وكان قاضٍ في فلوريدا قد أمر في يوليو (تموز) وزارة الأمن الداخلي الأميركية باستئناف منح أربع ولايات يقودها الجمهوريون حق الوصول إلى قاعدة البيانات، بعد أن منع ​قاضٍ آخر الوزارة ​من الاستمرار في استخدام قاعدة البيانات على الصعيد الوطني.