من ميلوني إلى ماكرون... صدامات متكررة بين ترمب وقادة أوروبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (أرشيف - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (أرشيف - رويترز)
TT

من ميلوني إلى ماكرون... صدامات متكررة بين ترمب وقادة أوروبا

الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (أرشيف - رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب مع رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني (أرشيف - رويترز)

أثار الرئيس الأميركي دونالد ترمب جدلاً دولياً مع إيطاليا، بعد اتهامه بإطلاق تصريحات وصفت بأنها «خطيرة ومسيئة» بحق رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني.

وألغى وزير الخارجية الإيطالي أنتونيو تاياني، زيارة كانت مقررة إلى واشنطن نهاية هذا الأسبوع، واصفاً تصريحات ترمب، التي قال فيها إن ميلوني توسلت إليه لالتقاط صورة معه على هامش قمة مجموعة السبع في فرنسا، بأنها «مهينة» لميلوني ولإيطاليا كلها.

لكن هذه ليست المرة الأولى التي يُثير فيها ترمب غضب قادة العالم.

فقد أمضى الرئيس الأميركي معظم فترة ولايته الثانية في انتقاد حلفاء مثل حلف شمال الأطلسي والاتحاد الأوروبي بشأن مجموعة من القضايا، بدءاً مما اعتبره نقصاً في الدعم العسكري، مروراً بالإنفاق الدفاعي، وصولاً إلى مطامعه في غرينلاند.

وفيما يلي أبرز مواجهات ترمب مع قادة أوروبا خلال فترة ولايته الثانية، بحسب ما نقلته صحيفة «الإندبندنت» البريطانية:

إيطاليا: جورجيا ميلوني

اندلعت الأزمة الأخيرة بعدما قال ترمب في حديث أدلى به هاتفياً لمحطة «لا7» التلفزيونية الإيطالية إن ميلوني كانت ترغب بشدة في التقاط صورة معه خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا وإنه وافق على ذلك لأنه «شعر بالشفقة عليها».

كما نُقل عنه قوله إن رئيسة الوزراء الإيطالية ربما «سعيدة لأنني تحدثت معها، لم يكن عليّ التحدث معها».

وردت ميلوني بحدة، مؤكدة أن هذه الرواية «مختلقة»، وقالت: «لا أنا ولا إيطاليا نتوسل إلى أحد».

وقالت الزعيمة اليمينية في مقطع فيديو نُشر على منصة «إكس»: «لا أعرف لماذا يتصرف رئيس الولايات المتحدة بهذه الطريقة مع حلفائه. لا يسعني إلا أن أقول إنه من المؤسف أنه لا يُظهر نفس الحزم مع أعداء الغرب، مع أعداء الولايات المتحدة، مع القادة الذين يُظهر معهم، بدلاً من ذلك، قدراً أكبر من التسامح».

وكرر ترمب تصريحاته يوم السبت، مدعياً أن ميلوني «أرادت أن نكون أصدقاء لرفع شعبيتها»، في إشارة إلى تراجع شعبيتها في استطلاعات الرأي.

وقال الرئيس على حسابه في منصة «تروث سوشيال»: «طلبت رئيسة الوزراء الإيطالية، جورجيا ميلوني، مراراً وتكراراً التقاط صورة معي خلال قمة مجموعة السبع في فرنسا».

وأضاف: «شعبيتها متدنية في إيطاليا، ربما لأنها رفضت عرض الولايات المتحدة الأميركية، الدولة التي تحب إيطاليا وتحميها حقاً، بمنع إيران من الحصول على سلاح نووي أو تطويره».

فرنسا: إيمانويل ماكرون

شهدت العلاقة بين ترمب والرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون تقلبات حادة منذ سنوات، إذ انتقلت من مرحلة وصفت إعلامياً بـ«الصداقة الخاصة» إلى تبادل الانتقادات العلنية.

فقد وصف ماكرون سياسة ترمب «أميركا أولاً» بأنها «جنونية»، ووصف حلف الناتو بأنه «ميت سريرياً» لسحبه القوات الأميركية من سوريا.

ورد ترمب آنذاك بوصف تصريحات ماكرون بأنها «بغيضة للغاية» و«مهينة» و«غير محترمة»، ثم خفف من حدة كلامه لاحقاً قائلاً إن الولايات المتحدة وفرنسا «قد أنجزتا الكثير من الأمور الجيدة معاً كشريكتين».

وفي الأشهر الأخيرة، اتخذت الخلافات طابعاً شخصياً، حيث سخر ترمب من نظارة ماكرون الشمسية خلال مشاركته في مؤتمر دافوس، ثم أثار جدلاً أكبر عندما تحدث عن علاقة الرئيس الفرنسي بزوجته بريجيت، حيث قال إنها تعامله «بشكل سيئ للغاية». وقال الرئيس الفرنسي إن هذه التصريحات لم تكن «لائقة» ولا «مناسبة».

من جانبه، انتقد ماكرون أسلوب ترمب في التعاطي مع الحرب ضد إيران، قائلاً إن قضايا الحرب والسلام ليست عرضاً إعلامياً، وإن الجدية تقتضي عدم تغيير المواقف بشكل يومي.

مع ذلك، يبدو أن العلاقة المتقلبة بين الرجلين قد تحسنت قبل أيام، حيث زار ترمب قصر فرساي بعد قمة مجموعة السبع.

ألمانيا: فريدريش ميرتس

قدّم المستشار الألماني فريدريش ميرتس قميص كرة قدم خاصاً للرئيس ترمب خلال قمة مجموعة السبع الأسبوع الماضي، وهو ما بدا أنه أسعد الرئيس.

ميرتس يهدي ترمب قميصاً للمنتخب الألماني يحمل رقم «47» (إ.ب.أ)

وربما كانت هذه اللفتة بمثابة بادرة حسن نية بعد أن صرّح ميرتس في أبريل (نيسان) بأن الولايات المتحدة تتعرض «للإهانة» خلال مفاوضاتها مع إيران، مما أثار غضب ترمب الذي رد بأن المستشار الألماني يؤدي «عملاً سيئاً» في بلاده.

كما لوَّح الرئيس الأميركي بإمكانية سحب القوات الأميركية من ألمانيا، قبل أن ينفي ميرتس وجود صلة مباشرة بين هذا التهديد وتصريحاته بشأن إيران.

وقال ترمب إن على المستشار أن يُكرّس «مزيداً من الوقت لإصلاح بلاده المُنهكة... ووقتاً أقل للتدخل في شؤون من يسعون للقضاء على التهديد النووي الإيراني».

في الوقت نفسه، دعا المستشار الألماني إلى التعاون الوثيق مع الولايات المتحدة، وفي الوقت نفسه إلى تحقيق استقلال أوروبي أكبر عن أميركا.

إسبانيا: بيدرو سانشيز

يُعد رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز أشد منتقدي الولايات المتحدة وإسرائيل فيما يتعلق بأعمالهما العسكرية.

واتهم سانشيز الرئيس الأميركي بالمقامرة بمصير ملايين البشر فيما يتعلق بالحرب مع إيران، مؤكداً أن بلاده لن تدعم سياسات تراها مخالفة لمصالحها وقيمها.

كما وصف العمليات العسكرية ضد إيران بأنها «تدخل غير مبرر وخطير ويتعارض مع القانون الدولي».

وفي مارس (آذار)، هدد ترمب «بقطع جميع العلاقات التجارية مع إسبانيا» بعد رفضها السماح له باستخدام قواعد عسكرية.

ورغم رفض إسبانيا، قال ترمب: «بإمكاننا استخدام قاعدتهم إذا أردنا»، في إشارة إلى قاعدتين عسكريتين في جنوب إسبانيا تتشاركهما الولايات المتحدة وإسبانيا، لكنهما لا تزالان تحت القيادة الإسبانية.

وقال ترمب: «بإمكاننا ببساطة الوصول إليها واستخدامها. لن يمنعنا أحد من استخدامها، لكننا لسنا مضطرين لذلك».

كما سبق أن اقترح ترمب استبعاد إسبانيا من حلف شمال الأطلسي بسبب ما اعتبره ضعف التزامها تجاه الحلف.

المملكة المتحدة: كير ستارمر

حتى رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، الذي كان يُنظر إليه باعتباره أحد أكثر القادة الأوروبيين قدرة على التواصل مع ترمب، لم يسلم من الانتقادات.

فقد اتهمه الرئيس الأميركي بعدم تقديم دعم كافٍ للولايات المتحدة في عملياتها المرتبطة بإيران، قائلاً إن العلاقة الخاصة بين الولايات المتحدة والمملكة المتحدة «لم تعد كما كانت»، كما انتقد سياساته المتعلقة بالهجرة والطاقة.

وتفاقمت التوترات عندما رفض ستارمر استخدام اللغة التصعيدية التي تبناها ترمب بشأن إيران، مؤكداً أن بريطانيا تتحرك وفق قيمها ومبادئها الخاصة.

وسعى ستارمر إلى نفي وجود قطيعة بينه وبين ترمب خلال قمة مجموعة السبع، بعد أن تبين عدم وجود اجتماعات ثنائية مقررة بينهما.


مقالات ذات صلة

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

تحليل إخباري جنود فرنسيون وليتوانيون خلال تدريب مشترك على الرماية المدفعية في ليتوانيا (أ.ف.ب)

أوروبا ومعضلة الاستعداد لـ«حرب 2030»

لم تعد احتمالات توسع الحرب في أوروبا تُناقَش بوصفها سيناريو بعيداً أو افتراضاً نظرياً، فحرب أوكرانيا غيّرت كل شيء وخطر المواجهة الأكبر أصبح أكثر جدية.

أنطوان الحاج
أوروبا ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت» p-circle

ترمب يستجيب لطلبات زيلينسكي ويمنح كييف ترخيصاً لإنتاج صواريخ «باتريوت»

حسم الرئيس دونالد ترمب قراراً يسمح لأوكرانيا بإنتاج صواريخ «باتريوت».

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
أوروبا الرئيس الليتواني جيتاناس ناوسيدا خلال مؤتمر صحافي في برلين يوم 3 يوليو 2026 (د.ب.أ)

رئيس ليتوانيا: روسيا أصبحت «أكثر تهوراً» ويجب وقفها في أوكرانيا

حذّر رئيس ليتوانيا من أن روسيا أصبحت «أكثر تهوراً»، وأن التوغلات بطائرات مسيّرة والاستفزازات وأعمال التخريب أصبحت أمراً معتاداً على الجناح الشرقي لـ«ناتو».

«الشرق الأوسط» (ميامي)
أوروبا مدير جهاز «استخبارات الدفاع الدنماركي» (FE) توماس أهرينكيل يحضر مؤتمراً صحافياً في كوبنهاغن بالدنمارك 24 سبتمبر 2026 (رويترز)

الاستخبارات الدنماركية: احتمال غزو روسيا لبلد ﺑ«ناتو» وارد لكنه غير مرجَّح

حذّرت الاستخبارات الدنماركية من تزايد خطر هجمات روسية محدودة ضد دول حلف «ناتو»، مع استبعادها غزواً شاملاً، ورجّحت أعمالاً تخريبية وهجمات سيبرانية.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)
العالم منظر عام لمدينة نوك عاصمة غرينلاند (رويترز) p-circle

اتفاق غرينلاند سيُوقّع في نيويورك الثلاثاء

أعلن مكتب رئيس الوزراء الدنماركي، مساء الاثنين، أن غرينلاند والدنمارك والولايات المتحدة ستوقع الاتفاق بشأن الإقليم الواقع في القطب الشمالي، الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (كوبنهاغن)

ترمب يشدّد على أنه لم يناقش مع شي بيع الصين أسلحة أميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند الأحد (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند الأحد (أ.ب)
TT

ترمب يشدّد على أنه لم يناقش مع شي بيع الصين أسلحة أميركية

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند الأحد (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يصعد إلى الطائرة الرئاسية في قاعدة أندروز بولاية ماريلاند الأحد (أ.ب)

نفى الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الاثنين، أن يكون قد عرض على نظيره الصيني شي جينبينغ شراء أسلحة أميركية، وذلك بعدما أفاد سفير واشنطن في بكين بأنّه قام بذلك.

وقال ترمب للصحافيين في البيت الأبيض رداً على سؤال بشأن تصريحات السفير ديفيد بيرديو: «لم أسمع بهذا من قبل»، مضيفاً: «ربما يرغبون في شرائها؛ لأنّنا نصنع معدات أفضل منهم؛ لذا ربما تكون فكرة جيدة. لكننا لم نناقش الأمر».

وكان السفير الأميركي في بكين ديفيد بيرديو قد قال في مقابلة بثتها شبكة «فوكس نيوز»، الأحد، إن الرئيس الأميركي عرض على نظيره الصيني شراء أسلحة أميركية.

وقال بيرديو إن المسألة أُثيرت مجدداً خلال زيارة الرئيس الصيني إلى الولايات المتحدة، الأسبوع الماضي.

وأضاف: «يواصل الرئيس ترمب القول: نحن نبيع الأسلحة لدول أخرى حول العالم. وفي إحدى المرات سأل الرئيس شي إذا كان يرغب في شراء بعضها».

وتابع: «تستمرّ المناقشات في شأن مبيعات أخرى، ويتحدث ترمب والرئيس شي عن هذا الأمر في كل مرة يلتقيان فيها»، مؤكداً أن الموقف الأميركي لم يتغيّر.

ونقلت صحيفتا «نيويورك تايمز» و«وول ستريت جورنال» عن مسؤولين في البيت الأبيض، أن الولايات المتحدة لا تعتزم بيع أسلحة إلى الصين.

وأكدت وزارة الخارجية الأميركية في بيان لصحيفة «نيويورك تايمز» أن «القانون الأميركي يحظر بيع الأسلحة إلى الصين، ولا يوجد أي عرض أو خطة لبيع أسلحة إليها».

ولم تجب وزارة الخارجية الصينية مباشرة، الاثنين، عن سؤال بشأن هذه التصريحات، لكنها أكدت أن الصين «عززت دائماً قدراتها الدفاعية الوطنية بناءً على احتياجاتها الخاصة، ولا تزال ملتزمة بالحفاظ على السلام والاستقرار العالميين».

وكانت الصين قد حذرت تايوان في يونيو (حزيران) من أن السعي إلى الاستقلال «بالاعتماد على الولايات المتحدة أو عبر الوسائل العسكرية طريق مسدود».

وأقرت واشنطن في ديسمبر (كانون الأول) الماضي صفقة أسلحة لتايوان بقيمة 11.1 مليار دولار، قال بيرديو إنها «تفوق ما قدّمه أي رئيس أميركي آخر منذ عام 1979».

وفي مايو (أيار) الماضي، لمّح ترمب إلى أن حزمة أسلحة جديدة لتايبيه قد تُستخدم كورقة تفاوض مع الصين؛ ما أثار مخاوف من أن يتحوّل أمن تايوان إلى جزء من المساومات بين البلدين.

وخلال زيارته إلى واشنطن، حضّ شي ترمب على التحلي «بالحكمة والتروي» في ملف تايوان، داعياً الولايات المتحدة إلى إعلان معارضتها لاستقلال الجزيرة بشكل صريح.

وأكد الزعيمان أنهما سيلتقيان مجدداً خلال قمة منتدى التعاون الاقتصادي لآسيا والمحيط الهادئ (أبيك) المقررة في مدينة شينزن الصينية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، ثم خلال قمة مجموعة العشرين التي يستضيفها منتجع ترمب دورال في ميامي في ديسمبر المقبل.

وتشكّل مبيعات الأسلحة الأميركية لتايوان التي تتمتع بحكم ذاتي، إحدى أبرز نقاط الخلاف بين واشنطن وبكين.

وبموجب القانون الأميركي، تلتزم الولايات المتحدة تزويد تايوان بالأسلحة اللازمة للدفاع عن نفسها.


مواقع إخبارية غير موثوقة تنشط قبل الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة

الكونغرس (أ.ب)
الكونغرس (أ.ب)
TT

مواقع إخبارية غير موثوقة تنشط قبل الانتخابات النصفية في الولايات المتحدة

الكونغرس (أ.ب)
الكونغرس (أ.ب)

تحت غطاء «الصحافة المستقلة»، ينشط موقع «نورث كارولاينا» من بين مئات المواقع المدعومة سراً من أحد الحزبين وتحديداً في الولايات المتأرجحة، مما يسهم في تأجيج ظاهرة الأخبار الكاذبة قبل الانتخابات النصفية المقررة في 3 نوفمبر (تشرين الثاني).

وتسهم المواقع التي تدعم بغالبيتها جماعات حزبية من أحد الطيفَين السياسيَين، في الترويج للسرديات الكاذبة وتأجيج الانقسامات بين الناخبين.

وأُطلق عليها اسم «الوحل الوردي» (Pink slime) نسبةً إلى معجون اللحوم ذي الجودة المنخفضة، والذي يستخدمه مصنّعو الأغذية كمادة مضافة بهدف زيادة وزن اللحوم وتقليل تكلفتها.

وينفق داعمو هذه المواقع مئات الآلاف من الدولارات لضمان انتشار أوسع لتقاريرها عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويبدو أنّ مواقع «الوحل الوردي» هذه تستفيد من الصعوبات التي تعاني منها وسائل الإعلام التقليدية الموثوقة، بما في ذلك الأزمات المالية وتسريح العمال والتراجع غير المسبوق في ثقة الجمهور بها.

ورجح موقع مكافحة التضليل الإعلامي «نيوزغارد» (Newsguard) أن «صندوق قيادة مجلس الشيوخ» (SLF)، وهي لجنة سياسية تقول إنها «تهدف حصرياً لحماية الغالبية الجمهورية في مجلس الشيوخ وتوسيعها»، أطلقت موقع «نورث كارولاينا» في يوليو (تموز).

الكونغرس (أ.ب)

وفي ولاية نورث كارولاينا، يقود الموقع حملة ضد الديمقراطي روي كوبر المرشح لانتخابات مجلس الشيوخ، بينما يدعم خصمه الجمهوري مايكل واتلي. ونشر مقالات بعنوان «سجل روي كوبر الكارثي في مجال الجريمة» و«واتلي يسلط الضوء على سجل الديمقراطي كوبر الخطير والمتساهل مع الجريمة».

وحتى أواخر أغسطس (آب)، أنفق «صندوق قيادة مجلس الشيوخ» ما بين 34700 و46715 دولاراً للترويج لمقالات الموقع على منصّات «ميتا»، حاصداً ما لا يقل عن 3.6 مليون مشاهدة، وفقاً لـ«نيوزغارد».

وشهدت منصات «الوحل الوردي» التي يشتبه في استخدام بعضها أدوات الذكاء الاصطناعي في إعداد مقالاتها، طفرة في السنوات الأخيرة بعدما تجاوز عددها مواقع الصحف الأميركية، في ظاهرة تخاطر بتقويض الثقة في وسائل الإعلام التقليدية.

وقدّر «نيوزغارد» عدد منصات «الوحل الوردي» التي انطلقت هذا العام بـ21، ليرتفع عددها الإجمالي إلى 1179 موقعاً. في المقابل، بلغ عدد مواقع الصحف اليومية 937 فقط، بحسب «مبادرة الأخبار المحلية» التابعة لجامعة نورث وسترن.

ورأى سام هوارد من «نيوزغارد»، أنّ «من المحتمل أن تُربك هذه المواقع قرّاء الأخبار الذين قد لا يكونون على دراية بأجنداتها، والذين يخلطون بينها وبين المواقع الإخبارية المستقلة الموثوقة في مناطقهم، ما سيؤدي إلى تقويض الثقة بين الصحافيين وقرّائهم على اختلاف انتماءاتهم السياسية».

وأشار «نيوزغارد» إلى أن اثنين من هذه المواقع، هما «وان نيشن» (One Nation) اليميني و«أميركان إندبندنت» (American Independent) اليساري، أنفقا ما لا يقل عن 801500 دولار على الإعلانات في الأشهر الثمانية الأولى من العام الحالي، وذلك في سبيل الترويج لمقالاتهما على «فيسبوك» و«إنستغرام».

ويرى مراقبون أن الانتشار الواسع لمثل هذه المقالات يمكن أن يؤثر على إجابات روبوتات الدردشة التي تعمل بالذكاء الاصطناعي، والتي باتت تستخدم على نطاق واسع في عمليات البحث عبر الإنترنت.

وأطلقت شبكة «وان نيشن» التابعة لـ«صندوق قيادة مجلس الشيوخ»، ستة مواقع ادعت أنها مستقلة في ولايات تشهد سباقات رئيسية لمجلس الشيوخ، وهي جورجيا وألاسكا وماين وأيوا وأوهايو ونيوهامبشاير، وفقاً للنشرة الإخبارية المستقلة «بوبيلار إنفورميشن».

وذكرت النشرة أن «وان نيشن» هي عبارة عن «حملة دعائية متنكرة في هيئة وسيلة إعلام».

وفي عصر باتت أدوات الذكاء الاصطناعي في متناول يد الجميع تقريباً وبأسعار منخفضة، أصبح إنتاج محتوى لهذه المواقع التي وصفتها مجلة «كولومبيا جورناليزم ريفيو» بـ«الصحافة الكاذبة»، أسهل من أي وقت مضى.

وفي العام الماضي، حذرت دراسة مدعومة من مؤسسة الدراسات الاجتماعية والسياسية بجامعة ييل من أن هذه المنصات تكتسب نفوذاً متزايداً لدى القرّاء، مشيرة إلى أن العديد من المستخدمين غالباً ما يفضلون هذه المواقع على وسائل الإعلام التقليدية التي تلتزم المعايير الأخلاقية.

وقال كيفين ديلوكا الأستاذ المساعد في العلوم السياسية بالجامعة: «يبدو أن هذه المواقع تتلقى أموالاً انتخابية أو من نشطاء سياسيين لتكتب مقالات متحيّزة أو ذات توجه معيّن، تحت غطاء أنها موقع إخباري موثوق».

وأضاف: «تتمتع هذه المواقع بالقدرة على جعل الناس يصدقون أموراً غير صحيحة، من دون أن يكونوا على معرفة بالمصدر الذي يروج لتلك المعلومات».


«إنفيديا» تبتكر منصة لمنع اختراقات الذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جينسن هوانغ خلال عشاء رسمي أعده الرئيس دونالد ترمب للرئيس الصيني شي جينبينغ في البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جينسن هوانغ خلال عشاء رسمي أعده الرئيس دونالد ترمب للرئيس الصيني شي جينبينغ في البيت الأبيض (أ.ب)
TT

«إنفيديا» تبتكر منصة لمنع اختراقات الذكاء الاصطناعي

الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جينسن هوانغ خلال عشاء رسمي أعده الرئيس دونالد ترمب للرئيس الصيني شي جينبينغ في البيت الأبيض (أ.ب)
الرئيس التنفيذي لشركة «إنفيديا» جينسن هوانغ خلال عشاء رسمي أعده الرئيس دونالد ترمب للرئيس الصيني شي جينبينغ في البيت الأبيض (أ.ب)

مع ارتفاع وتيرة تحذيرات عمالقة التكنولوجيا من خطورة الذكاء الاصطناعي (إيه آي) على البشرية، كشفت شركة «إنفيديا» للرقائق الإلكترونية الاثنين أنها ابتكرت منصة أمنية جديدة قادرة على منع أنظمة الذكاء الخارقة من الخروج عن السيطرة.

وتزامن هذا الإعلان مع عشاء عمل أقيم مساء الأحد بين الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الذي يرفض اقتراحات الحد من تطوير الذكاء الاصطناعي، والرئيس التنفيذي لشركة «أنثروبيك» داريو أمودي، الذي حذر بشدة من أخطار هذه التكنولوجيا المتقدمة.

وأطلقت «إنفيديا» منصة برمجية لمساعدة المطورين على اختبار ونشر برامج الذكاء الاصطناعي وحمايتها، في إطار جهودها لاحتواء إمكانات هذه التقنية بعد سلسلة من الحوادث غير المصرح بها في الأشهر الأخيرة. وأوضحت أن منصتها المفتوحة لسلامة البرامج تتضمن أدوات تمكن المطورين من مراقبة سلوك الذكاء الاصطناعي والتحكم فيه باستمرار، لضمان التزام القواعد. وأضافت أن البرنامج يتضمن تكنولوجيا «قادرة على عزل البرامج التي تحاول تجاوز حدودها في أجزاء من الثانية».

يأتي هذا الإعلان بعدما خرجت برامج الذكاء الاصطناعي لدى شركات مثل «أوبن إيه آي» و«أنثروبيك» و«ميتا بلاتفورمز» و«غوغل» التابعة لشركة «ألفابيت» عن السيطرة في الأشهر الأخيرة.

وتمكنت برامج الذكاء الاصطناعي أخيراً من التفاعل مع مواقع الحكومة الأميركية بطرق غير متوقعة. وبدا أنها حققت إنجازاً هائلاً في حل واحدة من أكثر مسائل الرياضيات تعقيداً.

وكان رئيس الوزراء الأسترالي أنتوني ألبانيز كشف خلال اجتماعات الأمم المتحدة الأسبوع الماضي في نيويورك أن أحد برامج «أوبن إيه آي» اخترق موقعاً إلكترونياً تابعاً لخدمات حكومية في أستراليا هذا الصيف. كما شنّت برامج الشركة هجوماً إلكترونياً واسع النطاق على شركة «هاغينغ فايس» خلال الصيف.

وفي يوليو (تموز) الماضي، أفادت «أنثروبيك» بأن برنامجاً كانت تختبره تمكن من الوصول إلى الإنترنت واختراق شركات دون علمها في ثلاث حوادث منفصلة تعود إلى أبريل (نيسان) الماضي.

الواقع والتهويل

صفحات لشركة «أنثروبيك» على شاشة كمبيوتر (أ.ب)

وأوضحت «إنفيديا» أن النمط السائد في الحوادث الأخيرة كان واحداً: تمكنت البرامج من تجاوز ضوابط الأمان في ما يسمى بيئات «ساندبوكسيس» لاختبار النماذج، وإتمام مهماتها. وقال الرئيس التنفيذي للشركة جينسن هوانغ إنه «بينما نواصل اكتشاف آفاق جديدة في مجال قدرات الذكاء الاصطناعي، يجب علينا تسريع وتيرة الاكتشاف في مجال أمان الذكاء الاصطناعي».

وكان هوانغ قال في مكالمة هاتفية مع ترمب إنه يوافق على وجود مبالغة في التهويل في شأن الذكاء الاصطناعي، مؤكداً أن الشركات قادرة على اختيار وتيرة تطويرها.

وهناك من يربط هذه المخاوف بمساعي هذه الشركات لتحقيق مكاسب سياسية قبيل الانتخابات النصفية للكونغرس في 3 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، وفي الأرباح الطائلة التي سيجنيها أكبر مختبرات الذكاء الاصطناعي ومستثمروها من عمليات الإدراج المرتقبة في سوق الأسهم المتقلبة.

وأعلن أمودي والرئيس التنفيذي لـ«أوبن إيه آي» سام ألتمان أخيراً أن النماذج الأميركية المتطورة بالغة القوة لدرجة أنها خطيرة، وتحتاج إلى تنظيم واختبار مستقل قبل طرحها في الأسواق. وفي موقف نادر من التوافق، رسما سيناريوهات مقلقة في مقالات ومنشورات على وسائل التواصل الاجتماعي، فضلاً عن خطابات مع صنّاع القرار أمام الأمم المتحدة.

وتجاهل الرئيس ترمب الدعوات إلى سن قوانين جديدة للذكاء الاصطناعي، رافضاً الحديث عن المخاطر التي تهدد البشرية، باعتبارها «خدعة» تهدف إلى مساعدة الصين.

ووقع ترمب نفسه صفقات مع شركات «سيليكون فالي» تربط الاقتصاد بنجاحاتها بشكل أوثق. ورفض المستثمر في رأسمال المخاطر في سان فرانسيسكو ديفيد ساكس، الذي يشارك في رئاسة مجلس مستشاري ترمب للعلوم والتكنولوجيا، الدعوات إلى إبطاء وتيرة الذكاء الاصطناعي، واصفاً إياها بأنها مجرد ترويج للمخاوف من «مجموعة المتشائمين الصناعية».

وعي ثلاثي الأبعاد

ولكن مع انتقال شركات الذكاء الاصطناعي من بناء روبوتات الدردشة إلى «نماذج عالمية» متطورة لذكاء خارق ذي وعي ثلاثي الأبعاد، احتدم الجدل حول كيفية اختبار هذه التقنيات. وأظهرت حوادث الاختراق فشل شركات الذكاء الاصطناعي الرائدة في مراقبة نفسها، أو تصميم تجارب آمنة.

وصرح ممثلو «أوبن إيه آي» أخيراً بأنهم تحدثوا مع شركات الذكاء الاصطناعي، ومنها «أنثروبيك» و«غوغل»، بشأن تعليق التطوير. كما أكدوا حاجتهم إلى مدققين مستقلين للتحقق من تقدم المختبرات، في حال امتناع الحكومة عن تنظيمها.

في الواقع، تقيم إدارة ترمب بالفعل نماذج بعض عمالقة التكنولوجيا من خلال المركز الأميركي لمعايير وابتكارات الذكاء الاصطناعي، وهو وكالة فيدرالية غير معروفة على نطاق واسع أنشأها الرئيس السابق جو بايدن عام 2023 باعتبارها مركزاً لتبادل معلومات بصورة طوعية حول نماذج الذكاء الاصطناعي المتقدمة.

ولا يزال المركز قائماً، لكن مجال عمله توسّع منذ ذلك الحين ليشمل مجموعة من شركات التقييم المستقلة، مثل مؤسسة «إم إي تي آر» غير الربحية في كاليفورنيا، والتي أشار أمودي أخيراً إلى أنها قد تساعد في التحقق من ممارسات السلامة في «أنثروبيك». ولكن على عكس القطاعات الخاضعة للتنظيم، مثل المطاعم والخدمات المالية والطيران، لا توجد معايير عالمية لاختبار سلامة وأمن أنظمة الذكاء الاصطناعي.