حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

بادرت إلى اتِّخاذ إجراءات تمنع انتقال «الصدمات الخارجية» إلى الداخل

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
TT

حرب إيران تمنح بكين مكاسب دبلوماسية وتُكبِّلها بأزمة طاقة

ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)
ناقلة نفط ترسو في ميناء تشينغداو يوم 7 مارس (أ.ف.ب)

في الظاهر، تبدو بكين من أكبر المستفيدين من الحرب على إيران. فالولايات المتحدة تعود للتورط عسكرياً ومالياً في الشرق الأوسط، وتعيد تحويل حاملات وصواريخ ومنظومات دفاع جوي من آسيا إلى جبهة أخرى، بينما تزداد شكوك الحلفاء الآسيويين في صدقية التعهد الأميركي بأن يبقى «المحيطين الهندي والهادئ» أولوية استراتيجية.

هذا وحده يُقدِّم للصين هدية سياسية ثمينة؛ لأنه يُخفّف الضغط النسبي عنها في جوارها البحري، ويمنحها مادة دعائية جاهزة عن «تراجع» واشنطن وتشتت مواردها. ولكن هذه الصورة ليست مكتملة. فالصين، رغم استعدادها الأفضل مقارنة بكثير من الاقتصادات الآسيوية، تبقى أكبر مستورد للطاقة في العالم، وما يمر عبر مضيق هرمز يمسّ قلب أمنها الاقتصادي والصناعي. لذلك، فإن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت بكين تربح فقط؛ بل ما إذا كانت مكاسبها السياسية يمكن أن تصمد أمام كلفة طاقة أعلى، واضطراب سلاسل الإمداد، وحدود قدرتها على ترجمة التعثر الأميركي إلى تفوق استراتيجي حاسم.

ميزان الردع

المكسب الصيني الأول سياسي واستراتيجي. فالحرب دفعت واشنطن إلى نقل أصول دفاعية مُتقدّمة من آسيا إلى الشرق الأوسط، وبينها منظومة «ثاد» في كوريا الجنوبية، كما زادت المخاوف من تأخير تسليم أسلحة وذخائر لحلفاء آسيويين، مثل اليابان وتايوان.

هذا التحوّل يضرب الرسالة التي كررتها الإدارات الأميركية منذ سنوات عن أولوية مواجهة الصين في آسيا، ويُعزّز سردية بكين بأن الولايات المتحدة قوة مُثقلة بأزمات متعددة وغير قادرة على التركيز طويل الأمد في مسرح واحد. كما أن التكلفة الأميركية نفسها تتضخّم بسرعة؛ إذ تجاوزت -حسب تقديرات أُبلغ بها الكونغرس- 11.3 مليار دولار في الأيام الستة الأولى فقط، ما يُضيف إلى الشّكوك بشأن استدامة هذا الانخراط.

ومن زاوية صينية بحتة، فإن أي استنزاف للترسانة الأميركية، وخصوصاً الدفاعات الجوية والاعتراضات الصاروخية مرتفعة التكلفة، يُعدّ خبراً جيداً لبكين. فالولايات المتحدة أنتجت نحو 600 صاروخ «باتريوت» اعتراضي فقط في 2025، بينما أشارت تقديرات تداولتها وسائل إعلام أميركية إلى استخدام مئات الصواريخ خلال أقل من أسبوعين من الحرب، ما يُسلّط الضوء على فجوة بين وتيرة الاستهلاك العسكري والطاقة الصناعية في التعويض. وهذا تحديداً هو النوع من المؤشرات الذي تراقبه الصين وهي تفكر في ميزان الردع حول تايوان وبحر الصين الجنوبي.

ولا يقتصر الأمر على تآكل المخزون الأميركي. فهناك أيضاً فسحة مناورة رمزية وميدانية. فقد أشار تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» إلى تكثيف أعمال الردم والبناء الصينية في مواقع متنازع عليها في بحر الصين الجنوبي، بينما تبدو القوى الإقليمية أكثر توتراً وأقل ثقة بأن واشنطن قادرة على تغطية جميع الجبهات في وقت واحد. ولكن هذه الفسحة ليست تفويضاً مفتوحاً؛ فهي تمنح بكين مجال ضغط أكبر، لا نصراً جاهزاً.

اعتبارات اقتصادية

المسار الثاني أكثر تعقيداً؛ لأنه اقتصادي. فقد استثمرت الصين خلال الأعوام الماضية بكثافة في بناء مخزونات استراتيجية من النفط وسلع حيوية أخرى، انسجاماً مع تحذيرات شي جينبينغ المتكررة من «أسوأ السيناريوهات».

تُقدِّر صحيفة «فايننشال تايمز» أن احتياطيات بكين النفطية تراوح الآن بين 1.1 و1.4 مليار برميل، بينما تذهب تقديرات أخرى إلى أكثر من ملياري برميل. بعض هذه التقديرات يعني أن لدى الصين ما يكفي لتغطية أكثر من مائة يوم من الواردات، وهو ما يجعلها أفضل استعداداً من معظم الاقتصادات الآسيوية لمواجهة صدمة مؤقتة في الإمدادات.

الرئيس الصيني شي جينبينغ يستقبل نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في «قاعة الشعب» ببكين خلال سبتمبر 2025 (الرئاسة الإيرانية)

والواقع أن بكين لم تكتف بتكديس الاحتياطيات؛ بل بدأت بالفعل استخدام أدوات إدارة الأزمة. فقد أمرت بوقف صادرات الوقود المكرر في مارس (آذار) لحماية السوق المحلية، وبدأت الإفراج مبكراً عن احتياطيات الأسمدة لاحتواء نقص الإمدادات وارتفاع الأسعار، بينما تتحرك شركات التكرير الكبرى لتقليص المعالجة وإعادة توجيه الإنتاج نحو الوقود المحلي، بدلاً من المنتجات البتروكيماوية الأقل ربحية. هذه الخطوات تكشف أن الصين ليست متفرجة؛ بل تدير الأزمة بمنطق دفاعي مبكر يهدف إلى منع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل الاجتماعي والصناعي.

مندوب الصين لدى الأمم المتَّحدة يصوِّت ضد فرض عقوبات على إيران في مجلس الأمن يوم 12 مارس (رويترز)

لكن هذه الحماية ليست مطلقة، فثُلث واردات الصين النفطية تقريباً، ونحو ربع وارداتها من الغاز وفق التقديرات المتداولة، يمُرّ عبر هرمز، بينما قالت «رويترز» إن نحو نصف إمدادات الصين النفطية يأتي من منطقة الخليج، وإن آسيا عموماً تعتمد على الشرق الأوسط في نحو 60 في المائة من نفطها. ومع أن جزءاً من الشحنات الصينية أو الإيرانية ما زال يمر من المضيق، فإن أي إغلاق طويل أو شبه كامل للمضيق يرفع تكلفة النقل والتأمين، ويضغط على هوامش المصافي، ويربك سلاسل المواد الأولية من الغاز إلى الأسمدة والكبريت والميثانول. وقد وصفت وكالة الطاقة الدولية ما يجري بأنه أكبر اضطراب نفطي في التاريخ، مع توقع تراجع الإمدادات العالمية هذا الشهر بنحو 8 ملايين برميل يومياً، ما يوضح أن المسألة لم تعد مجرد تقلب سعري عابر.

اختلال القوة مع أميركا

هنا تظهر حدود الربح الصيني، فبكين قادرة على استثمار الحرب دبلوماسياً، وقد تستفيد من اندفاع بعض دول آسيا إلى مزيد من «الاعتماد على الذات» بدل الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية. كما أن الأزمة قد تدفع الصين إلى تعميق روابط الطاقة مع روسيا التي ارتفعت صادراتها عبر خط «سيبيريا 1» إلى الصين العام الماضي إلى 38.8 مليار متر مكعب، بينما يظل مشروع «سيبيريا 2» مطروحاً رغم خلافات التسعير. كذلك، كانت المصافي الصينية قد راكمت بالفعل كميات كبيرة من الخامين الإيراني والروسي رخيصي السعر، ما وفر لها وسادة قصيرة الأجل، حسب «رويترز».

شي لدى استقباله الرئيس الإيراني الأسبق إبراهيم رئيسي في بكين يوم 14 فبراير (أ.ب)

غير أن تحويل هذا كله إلى مكسب استراتيجي كبير يصطدم بثلاثة قيود: أولها أن الصين -بعكس الولايات المتحدة- لا تملك حرية حركة بحرية وجيوعسكرية عالمية تكفي لتأمين طرق الطاقة إذا طال النزاع. ثانيها أن استفادتها من انشغال واشنطن لا تُلغي فجوة القوة الشاملة، سواء في الانتشار العسكري أو شبكات التحالف، أو السيطرة على التكنولوجيا المالية والبحرية. وثالثها أن بكين نفسها حذرة من الانزلاق إلى مجابهة مباشرة؛ لأن اقتصادها المتباطئ أصلاً أقل قدرة على تحمل صدمة طاقة طويلة ومكلفة.

ولهذا بدت الصين -حتى الآن- أقرب إلى إدارة المخاطر منها إلى استثمار الحرب هجوميّاً. فهي تتفاوض لضمان مرور بعض الشحنات، وتحبس الوقود داخل السوق المحلية، وتستخدم الاحتياطيات بحذر، من دون أن تتصرف كقوة واثقة بأنها قلبت موازين القوة العالمية.

الخلاصة أن الصين تستفيد فعلاً من حرب إيران، ولكن استفادتها ليست مباشرة ولا مجانية. فهي تربح من تشتت أميركا، ومن تصدُّع الثقة الآسيوية بواشنطن، ومن الفراغ النسبي الذي يفتحه الاستنزاف الأميركي. ولكنها -في الوقت نفسه- تواجه اختباراً قاسياً لأمنها الطاقي ولقدرتها على تحويل المخزون والمرونة الصناعية إلى حصانة حقيقية.

لذلك، تبدو بكين اليوم في موقع «المستفيد القَلِق»: أقوى دبلوماسياً، ولكنها ليست مطلقة اليد اقتصادياً أو استراتيجياً؛ ومُحصّنة نسبياً ضد الصدمة، ولكنها ليست بمنأى عنها.


مقالات ذات صلة

واشنطن وطهران تندفعان بحذر نحو استئناف الحرب

شؤون إقليمية عناصر «الحرس الثوري» خلال مناورة في محيط العاصمة الإيرانية طهران (إ.ب.أ)

واشنطن وطهران تندفعان بحذر نحو استئناف الحرب

نقلت مصادر إعلامية إسرائيلية عن مسؤولين، السبت، أن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب أبدت استعداداً لمنح «ضوء أخضر» لعمل عسكري ضد إيران.

«الشرق الأوسط» (لندن)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون خلال عملية استطلاع في هضبة الجولان السورية المحتلة (رويترز)

تركيا تطالب إسرائيل بالتزام اتفاق فض الاشتباك مع سوريا

أكدت تركيا أن أحد أبرز العوامل التي تهدد الاستقرار في المنطقة هو النشاطات العسكرية الإسرائيلية داخل الأراضي السورية، داعية لالتزام اتفاق فض الاشتباك لعام 1974.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال مؤتمر صحافي في البيت الأبيض يوم 6 أبريل 2026 (أ.ب)

حزمة خيارات أمام ترمب لاستئناف الحرب على إيران

يواجه الرئيس الأميركي دونالد ترمب قرارات كبرى بشأن إيران، في وقت أعد فيه كبار مساعديه خططاً للعودة إلى الضربات العسكرية.

«الشرق الأوسط» (نيويورك)
خاص محمد باقر السعدي مع قاسم سليماني (وزارة العدل الأميركية)​​​​​​​

خاص القصة الكاملة لاعتقال السعدي... «منسق هجمات» في 3 قارات

تفيد معلومات حصلت عليها «الشرق الأوسط» من أوساط فصائلية بأن السعدي كان على صلة وثيقة بما تسمى هيئة استخبارات «قوة القدس» الإيرانية.

فاضل النشمي (بغداد)
شؤون إقليمية سفن شحن تظهر بالقرب من مضيق هرمز (رويترز) p-circle

تقرير: إيران على تواصل مع دول أوروبية بشأن مرور سفنها عبر مضيق هرمز

كشف التلفزيون الإيراني الرسمي، السبت، عن أن دولاً أوروبية تجري محادثات مع طهران لتأمين مرور سفنها عبر مضيق هرمز.

«الشرق الأوسط» (لندن)

المحكمة العليا تمنح الجمهوريين أفضلية قبل انتخابات نوفمبر النصفية

أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
TT

المحكمة العليا تمنح الجمهوريين أفضلية قبل انتخابات نوفمبر النصفية

أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)
أشخاص أمام المحكمة العليا في واشنطن العاصمة (أ.ب)

لم تعُد معركة إعادة ترسيم الدوائر الانتخابية في الولايات المتحدة خلافاً تقنياً حول حدود جغرافية، بل تحوّلت إلى واحدة من أكثر ساحات الصراع حساسية على مستقبل السلطة في واشنطن.

فقرار المحكمة العليا رفض طلب الديمقراطيين في فيرجينيا استخدام خريطة جديدة، أقرّها الناخبون في استفتاء منحهم أفضلية واضحة، جاء في لحظة تتداخل فيها الحسابات القضائية مع رهانات الانتخابات النصفية، ومع محاولة كل حزب أن يدخل نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل بأكبر قدر ممكن من المقاعد «المضمونة» قبل أن يبدأ الناخبون التصويت فعلياً. وبذلك، لم يُلغِ القرار خريطة محلية فحسب، بل ثبّت ميزاناً وطنياً يميل مؤقتاً إلى مصلحة الجمهوريين في حرب إعادة رسم التمثيل السياسي.

حكم إجرائي بأثر سياسي

حسب تحليلات صحافية أميركية، فقد استندت معركة فيرجينيا إلى مسألة إجرائية: هل كان يحق للديمقراطيين إطلاق مسار تعديل دستوري لإعادة رسم الخريطة بعد بدء التصويت المبكر في انتخابات الولاية؟

المحكمة العليا في فيرجينيا أجابت بالنفي، لافتة إلى أن العملية انتهكت دستور الولاية، ثم رفضت المحكمة العليا الأميركية التدخل لإحياء الخريطة. لكن الأثر السياسي كان أكبر بكثير من النص القانوني. فالخريطة الملغاة كانت ستجعل الديمقراطيين في موقع متقدم في 10 من أصل 11 دائرة، وربما تمنحهم ما يصل إلى أربعة مقاعد إضافية في مجلس النواب.

لهذا، بدا القرار، رغم صدوره في أمر مقتضب بلا تعليل أو أصوات مخالفة معلنة، بوصفه جزءاً من تسلسل أوسع من القرارات التي تعيد تشكيل قواعد المنافسة. الجمهوريون رأوا فيه تأكيداً أن الديمقراطيين حاولوا «تغيير الدستور عبر انتهاكه»، في حين اتهمت قيادات ديمقراطية المحاكم بأنها ألغت إرادة أكثر من ثلاثة ملايين ناخب صوّتوا في الاستفتاء.

حرب خرائط تتجاوز فيرجينيا

بدأت هذه الجولة من الصراع حين ضغط الرئيس دونالد ترمب على ولايات جمهورية لإعادة ترسيم الدوائر، وهي خطوة غير مألوفة في الفترة الممتدة بين إحصاءين سكانيين.

وبالفعل فتحت ولاية تكساس الباب، لترد ولاية كاليفورنيا بخريطة ديمقراطية، قبل أن تتوسع العملية إلى ولايات أخرى. لكن الفارق أن الجمهوريين يملكون فرصاً أكبر في الجنوب والولايات التي يسيطرون فيها على المجالس التشريعية والحكام، مما يجعل قدرتهم على تحويل الخريطة إلى مقاعد إضافية أكبر من قدرة الديمقراطيين على الرد بالمثل.

وتشير التقديرات التي حفلت بها وسائل الإعلام، إلى أن الجمهوريين قد يحققون مكاسب صافية تتراوح بين سبعة وعشرة أو حتى اثني عشر مقعداً بفعل إعادة الترسيم والقرارات القضائية الأخيرة. وفي مجلس النواب، حيث يكفي هامش ضئيل لتحديد الأغلبية، يصبح كل مقعد مرسوماً سلفاً بحجم ولاية سياسية كاملة. لذلك لا يمكن فصل قرار فيرجينيا عن قرارات أوسع، منها ما يتعلق بتقليص نطاق قانون حقوق التصويت، والسماح لولايات جنوبية بإعادة تفكيك دوائر كانت تمنح الأقليات، خصوصاً الناخبين السود، قدرة أكبر على التأثير.

الجنوب وسؤال تمثيل الأقليات

الأثر الأعمق لهذه المعركة يظهر في الجنوب، حيث تتداخل إعادة الترسيم مع تاريخ طويل من الصراع على تمثيل الأميركيين السود. فبعد تضييق المحكمة العليا إمكانية الطعن في الخرائط على أساس التمييز العرقي، وجدت ولايات جمهورية فرصة للتحرك سريعاً ضد دوائر ديمقراطية تميل إلى تمثيل الأقليات. فالولايات «الحمراء» مثل ألاباما وتينيسي وميسيسبي وجورجيا، ليست مجرد ساحات انتخابية، بل رموز لمعركة قديمة حول من يُحتسب صوته، ومن تُجزّأ قوته داخل دوائر مصممة بعناية.

وحسب موقع «أكسيوس»، تستعدّ منظمات حقوق التصويت لـ«صيف من المظاهرات» في الجنوب، يبدأ من مدينة سلمى، بما تحمله من رمزية مرتبطة بإرث حركة الحقوق المدنية. فالرسالة التي يحاول المنظمون إيصالها أن ما يجري ليس نزاعاً حزبياً محدوداً، بل محاولة لإعادة هندسة التمثيل قبل انتخابات 2026، وتمهيداً لمعركة 2028. ويخشى ناشطون أن تؤدي الخرائط الجديدة إلى خسارة 10 أو 15 نائباً أسود مقاعدهم في «الكونغرس»، وهو رقم كفيل بتغيير صورة الحزب الديمقراطي نفسه، لا فقط موازين مجلس النواب.

في المقابل، لا يخوض الجمهوريون هذه المعركة بوصفها دفاعاً عن تمييز عرقي، بل بوصفها تصحيحاً لخرائط يرون أنها صُمّمت لمصلحة الديمقراطيين، أو بوصفها استعادة لسلطة الولايات في رسم دوائرها. غير أن توقيت التحرك، وتركيزه على دوائر الأقليات، يجعلان الخط الفاصل بين «الهندسة الحزبية» و«إضعاف التمثيل العرقي» أكثر ضبابية.

الاقتصاد والخرائط والمال السياسي

لا تأتي هذه الانتصارات القضائية في فراغ. فالجمهوريون يدخلون انتخابات نوفمبر وهم يواجهون تاريخاً انتخابياً لا يرحم الحزب الحاكم في الانتخابات النصفية، إلى جانب اقتصاد مُثقل بتداعيات الحرب في إيران وارتفاع الأسعار وتراجع ثقة الناخبين بإدارة ترمب للملف المعيشي.

لكن صحيفة «وول ستريت جورنال» قالت إن حملة الرئيس وحلفائه تراهن على ثلاثة عناصر لتعويض هذه الكلفة: خرائط أكثر ملاءمة، وكتلة مالية ضخمة، ورسالة هجومية تصوّر عودة الديمقراطيين إلى السيطرة بوصفها الرجوع إلى الفوضى والتضخم والجريمة والهجرة غير المضبوطة.

وتشير الصحيفة إلى دور لجنة سياسية متحالفة مع ترمب تملك 347 مليون دولار، فيما يتمتع الجمهوريون بفارق كبير في السيولة لدى اللجنة الوطنية للحزب مقارنة بالديمقراطيين. وإذا أُضيفت هذه الموارد إلى برنامج تعبئة انتخابية قائم على بيانات حملة 2024، وإلى خطة لمشاركة ترمب في نحو 30 فعالية انتخابية، فإن الحزب يحاول تحويل الانتخابات من استفتاء على الرئيس إلى مقارنة بين «ألم اقتصادي حالي» و«خوف من عودة الديمقراطيين».

ومع ذلك، يرى المحللون أن هذه الاستراتيجية تحمل تناقضها الداخلي. فالناخب الذي يملأ خزان سيارته ويدفع تكلفة أعلى للبقالة قد لا تكفيه خريطة انتخابية مواتية أو إعلان هجومي ضد الديمقراطيين. لكن في نظام انتخابي يقوم على الدوائر الفردية، قد يكون التحكم بالخريطة قادراً على تخفيف أثر المزاج الوطني، أو حتى تحييده جزئياً.


«لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة»... لماذا تخلّص الأميركيون من هدايا بكين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
TT

«لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة»... لماذا تخلّص الأميركيون من هدايا بكين؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب لدى صعوده إلى الطائرة الرئاسية في نهاية زيارته للصين (رويترز)

كان الليل يهبط ببطء على مطار بكين، بينما كانت الطائرة الرئاسية الأميركية «إير فورس وان» تستعد للإقلاع عائدة إلى واشنطن. في الأسفل، قرب السلم المعدني المؤدي إلى الطائرة، بدا المشهد غريباً حتى بالنسبة للصحافيين المخضرمين الذين رافقوا الرؤساء الأميركيين في زيارات لا تُحصى حول العالم.

موظفون أميركيون يتحركون بسرعة، يجمعون بطاقات الاعتماد الرسمية، والهواتف المؤقتة، والشارات التعريفية، وحتى بعض الهدايا التذكارية التي وُزعت خلال الزيارة. لم تكن هناك حقائب مخصصة للحفظ، ولا صناديق للشحن الدبلوماسي، بل حاوية نفايات كبيرة عند أسفل الطائرة، انتهى فيها كل شيء تقريباً.

صورة متداولة على مواقع التواصل الاجتماعي نشرتها وسائل إعلام آسيوية وأميركية

الصحافية الأميركية إيميلي غودين، التي كانت ضمن الوفد الإعلامي المرافق، كتبت لاحقاً في منشور لافت على منصة« إكس»:

«الموظفون الأميركيون أخذوا كل ما وزعه المسؤولون الصينيون بطاقات الاعتماد، الهواتف المؤقتة الخاصة بموظفي البيت الأبيض، شارات الوفد جمعوها قبل أن نصعد إلى الطائرة الرئاسية وألقوها في سلة قمامة عند أسفل الدرج. لا شيء من الصين يُسمح له بالصعود إلى متن الطائرة».

في الظاهر، بدا المشهد أقرب إلى مبالغة أمنية، لكن داخل العقل الاستراتيجي الأميركي، لم تكن المسألة مرتبطة بهدايا أو أوراق تعريف، بل بحرب كاملة تُخاض بصمت بين القوتين الأكبر في العالم، حرب لا تستخدم فيها الصواريخ فقط، بل البيانات والشرائح الإلكترونية والإشارات الرقمية.

من المجاملة الدبلوماسية إلى «الخطر المحتمل»

في الأعراف الدبلوماسية، تُعدُّ الهدايا جزءاً من لغة السياسة الناعمة. سجاد فاخر، أقلام مذهبة، تحف تقليدية، أو مقتنيات تحمل رمزية ثقافية، كلها أدوات تستخدمها الدول لتليين المناخ السياسي وبناء صورة إيجابية لدى الضيوف.

لكن ما حدث في بكين كشف أن العلاقات الأميركية الصينية تجاوزت منذ وقت طويل مرحلة المجاملات التقليدية.

فبحسب تقارير نشرتها صحف أميركية وآسيوية، تلقى أعضاء الوفد الأميركي تعليمات أمنية صارمة قبل الزيارة وبعدها.

التعليمات شملت استخدام «هواتف حارقة» مخصصة للاستخدام المؤقت، وعدم حمل الأجهزة الشخصية، إضافة إلى التخلص من أي معدات أو أدوات مصدرها الجانب الصيني بعد انتهاء الزيارة مباشرة، «لا شيء من الصين يصعد إلى الطائرة».

داخل المؤسسات الأمنية الأميركية، هناك قناعة راسخة بأن أي جهاز إلكتروني مهما بدا بسيطاً يمكن أن يتحول إلى أداة اختراق أو جمع معلومات. ولهذا، لم يعد التعامل الحذر مقتصراً على الحواسيب أو الهواتف الذكية، بل امتد إلى بطاقات الدخول، وكابلات الشحن، وحتى الهدايا البروتوكولية العادية.

أميركا التي تخشى «التجسس الصامت»

خلال العقد الأخير، تحولت الصين في العقيدة الأمنية الأميركية من «شريك اقتصادي صعب» إلى «منافس استراتيجي شامل».

ومع هذا التحول، تضاعفت المخاوف المرتبطة بالتجسس الإلكتروني والاختراقات السيبرانية.

الولايات المتحدة اتهمت مراراً جهات صينية باستهداف مؤسسات حكومية وشركات تكنولوجية أميركية، وسرقة بيانات حساسة، ومحاولة اختراق بنى تحتية رقمية حيوية. كما أن الصراع بين البلدين لم يعد اقتصادياً فقط، بل بات معركة مفتوحة على التكنولوجيا والذكاء الاصطناعي وأشباه الموصلات وشبكات الاتصال.

في هذا السياق، يصبح التخلص من «هاتف مؤقت» أو «بطاقة تعريف» جزءاً من بروتوكول أمني أوسع، يقوم على فكرة أساسية داخل أجهزة الاستخبارات الأميركية: أي شيء قادم من الصين يجب التعامل معه باعتباره قابلاً للاختراق.

وتصف بعض الدوائر الأمنية هذا النمط بـ«التجسس الصامت»، أي استخدام أدوات يومية عادية لجمع المعلومات أو اختراق الأنظمة من دون إثارة الانتباه.

ولهذا السبب تحديداً، لم يكن مسموحاً وفق روايات مرافقي الوفد بأن يصعد «أي شيء صيني» إلى متن الطائرة الرئاسية.

الحرب الباردة الجديدة... ولكن بأدوات رقمية

المشهد عند سلم الطائرة لم يكن تفصيلاً بروتوكولياً صغيراً، بل اختصاراً مكثفاً لطبيعة العلاقة الحالية بين واشنطن وبكين.

قبل سنوات، كانت الصين بالنسبة إلى الولايات المتحدة مصنع العالم وشريكاً اقتصادياً ضخماً يمكن احتواؤه عبر المصالح التجارية.

أما اليوم، فهي تُعامل داخل واشنطن باعتبارها التهديد الاستراتيجي الأول للتفوق الأميركي في القرن الحادي والعشرين.

هذه ليست حرباً باردة تقليدية على الطريقة السوفياتية، حيث تتواجه الدبابات والصواريخ النووية فقط، بل صراع على البيانات، والتكنولوجيا، وسلاسل الإمداد، والرقائق الإلكترونية، والسيطرة على المستقبل الرقمي للعالم.

ومن هنا، تبدو الحساسية الأميركية تجاه أي أجهزة أو أدوات صينية مفهومة ضمن منطق الأمن القومي الأميركي، حتى لو بدت مبالغاً فيها من الخارج.

بكين ترى «هوساً أميركياً»

في المقابل، تنظر الصين إلى هذه التصرفات باعتبارها انعكاساً لحالة خوف أميركية من الصعود الصيني المتسارع.

وسائل إعلام صينية ومعلقون على منصات التواصل الاجتماعي سخروا من واقعة التخلص من الهدايا، معتبرين أن واشنطن تتعامل مع الصين بعقلية «الارتياب الدائم».

بالنسبة إلى بكين، فإن الولايات المتحدة تستخدم ذريعة الأمن القومي لتبرير سياسة أوسع هدفها إبطاء التقدم التكنولوجي الصيني ومحاصرة نفوذها الاقتصادي.

لكن المفارقة أن هذه الحساسية المتبادلة تكشف في الوقت نفسه حجم التشابك بين الطرفين.

فالولايات المتحدة والصين تخوضان أشرس تنافس استراتيجي في العالم، لكنهما أيضاً أكثر اقتصادين ترابطاً واعتماداً على بعضهما البعض.

لماذا أصبحت حتى الهدايا موضع شك؟

في عالم السياسة التقليدي، كانت الهدايا تُحفظ للذكرى. أما اليوم، فهي تُفحص، وتُعزل، وأحياناً تُلقى في القمامة. وما جرى في بكين يعكس حقيقة أعمق من مجرد إجراءات أمنية: الثقة بين واشنطن وبكين تآكلت إلى درجة أن المجاملات الدبلوماسية نفسها لم تعد محصنة من الشك.

فحين تصل المنافسة بين قوتين عظميين إلى مرحلة يُنظر فيها إلى بطاقة تعريف أو هاتف مؤقت باعتبارهما «خطراً محتملاً»، فهذا يعني أن العالم دخل بالفعل زمناً جديداً من الصراع الدولي، صراع لا تُقاس فيه القوة بعدد الجنود فقط، بل بمن يملك البيانات... ومن يستطيع اختراق الآخر أولاً.


ترمب: شي متفق معي في ضرورة فتح إيران «هرمز»

ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته الرسمية للرئيس الصيني (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته الرسمية للرئيس الصيني (رويترز)
TT

ترمب: شي متفق معي في ضرورة فتح إيران «هرمز»

ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته الرسمية للرئيس الصيني (رويترز)
ترمب يتحدث إلى الصحافة على متن طائرة الرئاسة في طريقه إلى الولايات المتحدة عقب زيارته الرسمية للرئيس الصيني (رويترز)

أعلن الرئيس ​الأميركي دونالد ترمب، أن الرئيس الصيني شي جينبينغ، متفق معه في ضرورة أن تعيد طهران فتح مضيق هرمز، لكن الصين لم تُبدِ إشارة إلى أنها ستتدخل في هذا الشأن، وفق «رويترز».

وخلال عودة ترمب من بكين أمس (الجمعة)، بعد محادثات على مدى يومين مع شي، قال ترمب إنه يدرس رفع العقوبات الأميركية المفروضة على شركات النفط الصينية التي تشتري النفط الإيراني. والصين أكبر مشترٍ للخام الإيراني.

ورداً على سؤال أحد الصحافيين على متن طائرة الرئاسة عما إذا كان شي تعهد بالتزام قاطع بالضغط على ‌الإيرانيين لإعادة فتح المضيق ‌الحيوي، أجاب: «أنا لا أطلب خدمات، لأن المرء إذا طلب ​خدمات، فعليه ‌أن ⁠يقدم ​خدمات في ⁠المقابل».

ولم يدلِ شي بتعليقات بشأن محادثاته مع ترمب حول طهران، لكن وزارة الخارجية الصينية أصدرت بياناً عبرت فيه عن خيبة أمل بكين إزاء حرب إيران، وقالت الوزارة إنه صراع «ما كان ينبغي أن يحدث أبداً، ولا يوجد سبب لاستمراره».

«نريد المضيق مفتوحاً»

أغلقت إيران فعلياً المضيق الذي كان ينقل خُمس إمدادات النفط والغاز الطبيعي المسال العالمية قبل الهجمات الأميركية - الإسرائيلية التي بدأت في 28 فبراير (شباط). وتسبب تعطل حركة الملاحة في أكبر أزمة بإمدادات النفط على ⁠الإطلاق، وهو ما دفع أسعار الخام إلى ارتفاع حاد.

وقتلت الضربات الجوية ‌الأميركية - الإسرائيلية آلاف الإيرانيين، ولقي نحو 3 آلاف آخرين في ‌لبنان حتفهم منذ تجدد القتال بين إسرائيل و«حزب الله» اللبناني ​المدعوم من طهران.

وعلقت الولايات المتحدة هجماتها ‌على إيران الشهر الماضي، لكنها بدأت حصاراً على موانئها. وقالت طهران إنها لن ‌تفتح المضيق قبل أن تنهي الولايات المتحدة الحصار. وهدد ترمب بمهاجمة إيران مجدداً إذا لم تبرم اتفاقاً.

وقال ترمب في بكين: «لا نريدهم أن يمتلكوا سلاحاً نووياً، نريد المضيق مفتوحاً».

وتقول طهران إنها لا تعتزم تصنيع سلاح نووي. وترفض إنهاء أبحاثها النووية أو التخلي عن مخزونها من اليورانيوم المخصب.

وقال وزير الخارجية ‌الإيراني عباس عراقجي، إن طهران تلقت رسائل من الولايات المتحدة تشير إلى أن واشنطن مستعدة لمواصلة المحادثات والتواصل.

وقال للصحافيين في نيودلهي: «نأمل في ⁠أن نتوصل، مع ⁠تقدم المفاوضات، إلى نتيجة جيدة ليتسنى تأمين مضيق هرمز بالكامل، وتسريع عودة حركة المرور عبر المضيق إلى وضعها الطبيعي».

وكان ترمب قد قال في مقابلة بثت يوم الخميس لشبكة «فوكس نيوز»، إن صبره على إيران بدأ ينفد، وإن طهران «يجب أن تبرم اتفاقاً».

وارتفعت أسعار النفط بنحو 3 في المائة لتصل إلى نحو 109 دولارات للبرميل أمس، بسبب المخاوف من عدم إحراز تقدم في حل الصراع، في حين بلغت عوائد سندات الخزانة الأميركية أعلى مستوياتها منذ نحو عام، مع توقعات بأن يضطر مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) إلى رفع أسعار الفائدة.

وتوقفت المحادثات حول إنهاء الحرب، التي أصبحت عبئاً على ترمب قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني)، منذ الأسبوع الماضي، عندما رفضت إيران والولايات المتحدة أحدث المقترحات ​التي قدمتها كل واحدة للأخرى.

وقال عراقجي أمس (​الجمعة)، إن إيران سترحب بأي مساهمة من الصين، مضيفاً أن طهران تحاول إعطاء الدبلوماسية فرصة، لكنها لا تثق بالولايات المتحدة التي عرقلت جولات المفاوضات السابقة بشن غارات جوية.