مصير «الناتو» بين ترمب وبايدن

هل نجح الرئيس الأميركي في إسكات المشككين؟

زعماء «الناتو» خلال انعقاد القمة في واشنطن في 9 يوليو 2024 (د.ب.أ)
زعماء «الناتو» خلال انعقاد القمة في واشنطن في 9 يوليو 2024 (د.ب.أ)
TT

مصير «الناتو» بين ترمب وبايدن

زعماء «الناتو» خلال انعقاد القمة في واشنطن في 9 يوليو 2024 (د.ب.أ)
زعماء «الناتو» خلال انعقاد القمة في واشنطن في 9 يوليو 2024 (د.ب.أ)

تململ وقلق وترقب، حالات عكست مشاعر المسؤولين في حلف «الناتو»، الذين اجتمعوا هذا الأسبوع في العاصمة الأميركية واشنطن، في ذكرى تأسيس الحلف الـ75. فرغم الأجندة الحافلة للقمة التي تمحورت بشكل أساسي حول أوكرانيا، فإن التشنجات السياسية الأميركية في موسم الانتخابات الحامي والمتقلب خيّمت على أجوائها، وألقت بظلالها على فعالياتها، خصوصاً في ظل الأداء المثير للجدل للرئيس الأميركي جو بايدن في المناظرة الرئاسية، الذي أثار موجة من المخاوف المتعلقة بقدرته على المضي قدماً في السباق الرئاسي، وهزيمة خصمه ومؤرق نوم كثيرين في «الناتو»، دونالد ترمب، المعروف بمواقفه المتقلبة والمنتقدة للحلف.

يستعرض تقرير واشنطن، وهو ثمرة تعاون بين «الشرق الأوسط» و«الشرق»، ما إذا كان بايدن تمكّن من طمأنة المشككين وإثبات أنه أهل للقيادة الأميركية التي يحتاج إليها الحلف للاستمرار، وإلى أي مدى يؤثر شبح ترمب الحاضر الغائب على ثقة الحلف بالولايات المتحدة، إضافة إلى أبرز التحديات أمام الالتزام بأجندة القمة والحفاظ على مستقبل العلاقات الأميركية بالحلفاء.

بايدن مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في واشنطن في 11 يوليو 2024 (أ.ف.ب)

تعهدات الحلف الطموحة

يعتبر جيم تاونسند، نائب مساعد وزير الدفاع السابق لسياسة «الناتو»، وكبير الباحثين في مركز الأمن الجديد أن قمة «الناتو» كانت «أكثر نجاحاً من التوقعات» ويفسر قائلاً: «كنا نخشى ألا تحظى أوكرانيا بالاهتمام الذي تحتاج إليه. كما أننا بدأنا نشعر بالقلق بشأن وضع بايدن ودونالد ترمب. لكننا الآن متفائلون جداً فيما يتعلق بأوكرانيا على وجه الخصوص». وذلك في ظل تعزيز المساعدات والدعم لكييف.

وتوافق نجلاء حبريري، محررة الشؤون الدولية في صحيفة «الشرق الأوسط» التي ترافق وفد «الناتو» الصحفي، مع تقييم تاونسند، فتعدد 3 قضايا أساسية ناقشتها القمة: «الأولى هي أوكرانيا؛ حيث جرى الإعلان عن أكبر حزمة مساعدات عسكرية نوعية ومادية لكييف كطائرات (إف 16)، والثانية هي موضوع الردع والدفاع في (الناتو)؛ إذ جرى الإعلان عن استعداد 500 ألف من قوات (الناتو) لأي تدخل عسكري في حال تطلبت الحاجة، والثالثة هي التركيز على المحيط الهادئ والهندي، تحديداً الصين؛ إذ كانت هناك رسائل قوية جداً، موجهة لبكين بسبب دعمها روسيا في حربها ضد أوكرانيا».

من ناحيتها، تعتبر رايتشل ريزو، كبيرة الباحثين في مركز أوروبا في معهد «ذي أتلانتيك» أن «الهدف من عقد هذه القمة هو تجنب السيناريو الذي حدث العام الماضي في فيلنيوس في قمة (الناتو) عام 2023»، مشيرة إلى أن «الناتو» وأوكرانيا غادرا تلك القمة «محبطين» بسبب وجود فارق واضح بين ما أرادته أوكرانيا وما كان «الناتو» مستعداً لتقديمه. وتشير رايتشل ريزو إلى أن القمة الحالية كانت أفضل بكثير؛ إذ كان الجانبان متوافقين بشكل أفضل، مضيفة: «ما سوف نسمعه عند الحديث عن علاقة أوكرانيا المستقبلية مع حلف شمال الأطلسي هو أنه جرى إضفاء الطابع المؤسسي على دعم (الناتو) لأوكرانيا خلال القمة».

ترمب مع رئيس الوزراء المجري في مارالاغو في 11 يوليو 2024 (أ.ف.ب)

ترمب «مؤرق نوم» «الناتو»

ويشدد تاونسند على أهمية إضفاء هذا الطابع المؤسساتي على العلاقة بين كييف و«الناتو»، معتبراً أن هذا يعني أنه بغض النظر عمن سيفوز في الانتخابات الأميركية في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، فإن حلف شمالي الأطلسي سيستمر في تقديم المساعدات لأوكرانيا، لكن تاونسند يحذر من استحالة توقع تصرفات ترمب في حال فوزه، قائلاً: «من الصعب للغاية التنبؤ بما سيفعله مع حلف شمال الأطلسي إن تم انتخابه، أو ما قد يفعله مع ألمانيا. فقد كانت لديه مشاكل مع ألمانيا عندما كان رئيساً، لكن أنغيلا ميركل لم تعد في الحكم بعد الآن، فهل سيتغيّر موقفه؟ لأن بعض خطواته كانت مبنية على الحالة المزاجية التي كان فيها، والصراعات الشخصية بينه وبين أنغيلا ميركل؛ لذلك علينا أن ننتظر ونرى».

وتوافق رايتشل ريزو مع تاونسند في تقييمه لترمب، مشيرة إلى أنه من الصعب جداً تكهن ماذا سيحدث في حال فوز ترمب «لأن الأمر يعتمد نوعاً ما على ما يشعر به في ذلك اليوم»، وذلك في إشارة إلى تقلب مزاجه. وتقول رايتشل ريزو: «من الواضح أن الحلفاء الأوروبيين يشعرون بالقلق بشأن ولاية ثانية لترمب وهم محقون في ذلك، لكنني أقول لهم، انظروا إلى السنوات الأربع التي قضاها في منصبه، كان خطابه قاسياً ومثيراً للتوتر، لكنه لم ينسحب من (الناتو)، وقال إنه لن ينسحب من (الناتو) في حال انتخابه مجدداً، كما أن الأوروبيين زادوا من الإنفاق الدفاعي، وبدأوا يتحملون مزيداً من المسؤولية عن أمنهم القاري».

من ناحيتها، تقول نجلاء حبريري، التي غطت أعمال القمة من واشنطن، إنه كان من اللافت من خلال حديثها مع مسؤولين رفيعين في الحلف إعرابهم عن قلقهم من حالة عدم اليقين التي ترافق عودة ترمب إلى البيت الأبيض، وتفسر قائلة: «لقد سُئل ينيس ستولتنبرغ (أمين عام الناتو) عشرات المرات حول هذه النقطة، وكان رده مؤلفاً من 3 عوامل، مؤكداً أن الالتزام الأميركي بـ(الناتو) مستمر وثابت. العامل الأول هو أن الولايات المتحدة تستفيد من (الناتو) كما أنه يستفيد من الولايات المتحدة. النقطة الثانية هي أن غضب ترمب وانتقاده لـ(الناتو) لم يكن موجهاً ضد الحلف بحد ذاته، وإنما لبعض الدول الأعضاء التي لم تكن تساهم بالـ2 في المائة من الناتج الإجمالي المحلي في المساهمات الدفاعية لـ(الناتو). والنقطة الثالثة هو أن (الناتو) اليوم ليس هو (ناتو) الأمس. (الناتو) اليوم ضم بلدين جديدين، السويد وفنلندا. (الناتو) اليوم غالبية دول الأعضاء تساهم بالـ2 في المائة، لا بل بعض دول الأعضاء تجاوزت هذا الهدف. (الناتو) اليوم موحد بشكل أكبر، وقد رأيناه في هذه القمة».

بايدن خلال مؤتمر صحافي في اختتام قمة «الناتو» في 11 يوليو 2024 (أ.ف.ب)

أداء بايدن و«العاصفة الصيفية»

ويعود سبب الحديث المتكرر عن عودة ترمب إلى البيت الأبيض إلى أداء بايدن المثير للجدل، خصوصاً بعد المناظرة الرئاسية الأولى، في وقت يواجه فيه الرئيس الأميركي دعوات متصاعدة للتنحي من قبل أعضاء حزبه. وقد سعى جاهداً للتصدي لها وإثبات أهليته خلال مشاركته في فعاليات القمة، وتقول رايتشل ريزو إن بايدن حاول إرسال رسالة إلى الحلفاء المتوترين وإلى الديمقراطيين والأميركيين بأنه مستعد للقيام بالمهمة الآن، وعلى مدى 4 سنوات أخرى، مشيرة إلى أنه نجح بذلك جزئياً خلال القمة، لكن هذا غير كافٍ، وتضيف: «إنه بحاجة إلى أن تتكرر تلك اللحظات الناجحة نسبياً مراراً وتكراراً خلال الأشهر الخمسة المقبلة. فلا يمكنه أن يتحمّل الأخطاء والزلات، إذ إنها أصبحت تسلط الضوء على قدرته على القيام بهذه المهمة وقدرته على الفوز». وتعتبر رايتشل ريزو أن بايدن لم يفعل ما يكفي لتهدئة المخاوف، مشيرة إلى استمرار موجة المطالبات له بالتنحي.

ويصف تاونسند الأجواء في واشنطن بـ«قرع الطبول»، مشيراً إلى أن الحديث عن عدم أهلية بايدن لم يتوقف بل يزداد تدريجياً. ويضيف: «إنها عاصفة صيفية، ونحن نشاهد الغيوم تتلبد». ويعتبر تاونسند أن على بايدن «أن يكون مثالياً في كل مرة بين اليوم ونوفمبر، محذراً من أن أي زلة ستكون لها آثار كبيرة، ويشدد تاونسند على أن القرار يعود لبايدن في تحديد مساره، مشيراً إلى أنه سيتأثر بعائلته، خصوصاً زوجته في اتخاذ هذا القرار، ويقول: «أما بالنسبة لكبار الديمقراطيين فعلينا بالانتظار»، محذراً من نفاد الوقت لاتخاذ قرار و«فوات الأوان للتغيير».


مقالات ذات صلة

«ناتو» يتيح لأوكرانيا شراء أسلحة عبر وكالته للمشتريات

أوروبا عَلم أوكرانيا أمام شعار حلف «الناتو» في ظل الهجوم الروسي على أوكرانيا وسط العاصمة كييف 11 يوليو 2023 (رويترز)

«ناتو» يتيح لأوكرانيا شراء أسلحة عبر وكالته للمشتريات

انضمت أوكرانيا إلى شراكة تتيح لها شراء الأسلحة عبر وكالة مشتريات «ناتو»، وتعزّز تعاونها الصناعي والعسكري مع «الحلف».

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
العالم غواصة هجومية روسية من طراز «أكولا» تم رصدها بالقرب من المياه البريطانية في شهر أبريل (أ.ف.ب)

تقرير: روسيا تنشر سفن صيد للتجسس على بريطانيا

كشف تقرير نشرته صحيفة «التلغراف» البريطانية عن أن روسيا تنشر سفن صيد للتجسُّس على الكابلات البحرية الحيوية التابعة للمملكة المتحدة.

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب) p-circle

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في…

رائد جبر (موسكو)
أوروبا رجل يُشتبه في توجيهه تهديدات باغتيال رئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يصل تحت حراسة الشرطة إلى مقر النيابة العامة في العاصمة البولندية وارسو يوم 13 أكتوبر 2026 (إ.ب.أ)

بولندا تعثر على متفجرات لدى متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء ووزير الدفاع

أعلنت النيابة البولندية العثور على متفجرات محلية الصنع في شقة رجل متهم بالتخطيط لاغتيال رئيس الوزراء دونالد توسك ووزير الدفاع فلاديسلاف كوسينياك-كاميش.

«الشرق الأوسط» (وارسو)
شؤون إقليمية عقد مسؤولون عسكريون ودبلوماسيون أتراك ويونانيون جولة جديدة من اجتماعات «بناء الثقة» في 9 أكتوبر وسط توتر متصاعد في الفترة الأخيرة (حساب وزارة الدفاع التركية في «إكس»)

تركيا: تحذير لليونان من استشعار القوة استناداً لدعم إسرائيلي - أميركي

يخيِّم التوتر على العلاقات بين تركيا واليونان على الرغم من التَّحرُّك باتجاه تخفيفه عبر استئناف اجتماعات «بناء الثقة» التي تحظى بدعم من حلف شمال الأطلسي (ناتو).

سعيد عبد الرازق (أنقرة)

إدارة ترمب أشرفت على ترحيل 980 ألف شخص خلال 18 شهراً

أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)
أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)
TT

إدارة ترمب أشرفت على ترحيل 980 ألف شخص خلال 18 شهراً

أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)
أحد عناصر إدارة الهجرة والجمارك الأميركية (أ.ب)

أظهر تقرير نُشر يوم الخميس في مركز أبحاث (معهد سياسات الهجرة) أن وزارة الأمن الداخلي الأميركية أشرفت على ​980 ألف عملية ترحيل خلال أول 18 شهرا من ولاية الرئيس دونالد ترمب الثانية.

وأشار التقرير إلى أن 20 بالمئة فقط من إجمالي عمليات الترحيل خلال هذه الفترة شملت أفرادا صدرت بحقهم أحكام جنائية، وأن 71 بالمئة من ‌عمليات ترحيل المهاجرين ‌الذين أقاموا في الولايات المتحدة ​لمدة ‌سنتين ⁠أو ​أكثر كانت ⁠لأشخاص لم تكن هناك إدانة جنائية بحقهم.

وأضاف التقرير الذي أعده مارك روزنبلوم الرئيس السابق لمكتب إحصاءات الأمن الداخلي التابع للوزارة، أن إجمالي عمليات الترحيل، على أساس سنوي، ارتفع مقارنة بفترة رئاسة الرئيس السابق جو بايدن والولاية الأولى لترمب، ⁠لكنه ظل أقل بكثير من ‌المستويات التي كانت تسجَل ‌بشكل معتاد في أوائل العقد الأول ​من القرن الحادي ‌والعشرين.

وقالت وزارة ⁠الخارجية ⁠الأميركية، الثلاثاء، إن إدارة ترمب ألغت أكثر من 300 ألف تأشيرة دخول إلى الولايات المتحدة خلال ولايته الثانية.


مجلس الشيوخ... معركة على الأغلبية تهدّد أجندة ترمب

الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)
الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)
TT

مجلس الشيوخ... معركة على الأغلبية تهدّد أجندة ترمب

الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)
الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)

تحتدم المنافسة على مجلس الشيوخ الأميركي، مع تضاؤل هامش الأمان الجمهوري أمام المدّ الديمقراطي الذي اكتسب زخماً في الأسابيع الأخيرة، ما يضع سيطرة الحزب على المجلس وصلاحياته الواسعة على المحك. فخسارة الجمهوريين أغلبيتهم قد تعرقل أجندة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في النصف الثاني من ولايته، ولا سيما ما يتعلق بالتعيينات الحكومية والقضائية والمصادقة على المعاهدات الدولية. وهو ما يبرّر تنقّله بوتيرة شبه يومية بين الولايات، التي يسعى حزبه إلى الدفاع عن مقاعده فيها، وسط احتدام السباق على الأغلبية.

ورطة جمهورية

مما لا شك فيه أن الجمهوريين في ورطة، أقلّه بحسب تصنيف «تقرير كوك السياسي» الذي رفع عدد المقاعد المتنافس عليها إلى 7 مقاعد، منها 6 يشغلها جمهوريون، ما يعني أن فرص الديمقراطيين في انتزاع المقاعد الأربعة التي يحتاجون إليها لضمان الأغلبية باتت أكبر في المجلس الذي يتألف من 100 مقعد، ويخوض ثلث أعضائه الانتخابات كل عامين.

الرئيس الأميركي خلال فعالية انتخابية في بندلتون في ساوث كارولاينا يوم 21 أكتوبر (رويترز)

هذا العام، يصل عدد المقاعد المطروحة للتنافس في الانتخابات إلى 35 مقعداً، منها مقعدان تُجرى لشغلهما انتخابات خاصة. وبما أن الجمهوريين يتمتعون بأغلبية من 53 مقعداً مقابل 47 للديمقراطيين والمستقلين المتحالفين معهم، فعلى حزب الأقلية الاحتفاظ بكل المقاعد التي يشغلها حالياً وانتزاع 4 مقاعد إضافية من الجمهوريين. ولا يضمن التعادل بين الحزبين، بـ50 مقعداً لكل منهما، للديمقراطيين السيطرة على المجلس، إذ إن نائب الرئيس الأميركي جاي دي فانس، وهو جمهوري، يملك الصوت الحاسم.

وهنا تكمن أهمية تقرير «كوك»، الذي أظهر خريطة استثنائية في سباق هذا العام، شملت ولايات حمراء تُعدّ معاقل للجمهوريين، مثل تكساس وكنساس. ويرى الجمهوريون والديمقراطيون على حد سواء في هذه التوقعات مؤشراً إلى استياء الناخب الأميركي المتزايد من ملفي الاقتصاد والهجرة. وتشمل الولايات المصنفة في خانة المنافسة ألاسكا وأيوا وماين وأوهايو وتكساس وكنساس وميشيغان. وكلها مقاعد جمهورية باستثناء الأخيرة.

ألاسكا

في ألاسكا، يتنافس السيناتور الجمهوري الحالي دان سوليفان مع النائبة الديمقراطية السابقة ماري بيلتولا. وتظهر استطلاعات الرأي تقدّم بيلتولا في السباق، ما أثار قلق الجمهوريين ودفع ترمب إلى زيارة الولاية التي فاز بها عام 2024 بفارق 13 نقطة.

المرشح الجمهوري في ألاسكا دان سوليفان والديمقراطية ماري بيلتولا في 15 أكتوبر 2026 (رويترز)

ومن الجدير بالذكر أن فرز الأصوات في ألاسكا سيبدأ متأخراً مقارنة بولايات متأرجحة أخرى، نظراً لموقعها وفارق التوقيت. وتتأخر الولاية عن واشنطن العاصمة بـ4 ساعات، ما يعني أن التصويت سينتهي منتصف الليل بتوقيت واشنطن، على أن يبدأ فرز الأصوات بعد إغلاق الصناديق. كما أن نظام التصويت التفضيلي المعتمد في الولاية قد يستدعي جولات إضافية من فرز الأصوات إذا لم يحصل أي مرشح على أكثر من 50 في المائة من الأصوات في الجولة الأولى، ما يعني أن الحسم قد لا يُعرف ليلة الانتخابات.

أيوا

الرسوم الجمركية وارتفاع الأسعار جراء حرب إيران قلبا المعادلة في هذه الولاية التي صوّتت لصالح ترمب بفارق 13 نقطة عام 2024.

وتخوض النائبة الجمهورية آشلي هينسون السباق ضد الديمقراطي جوش توريك على مقعد شاغر، بعد تقاعد السيناتورة الجمهورية جوني إرنست. وتسعى هينسون إلى النأي بنفسها عن سياسات ترمب في الشرق الأوسط، ودعت إلى وقف فوري للحرب مع إيران. لكن الديمقراطيين يشنّون حملة انتخابية مكثّفة ضدّها، يسلّطون فيها الضوء على تصويتها المتكرر ضد مشاريع قوانين في الكونغرس تهدف إلى الحدّ من صلاحيات الحرب التي يتمتّع بها الرئيس، ووقف الحرب مع إيران.

ماين

تُعدّ ماين ولاية فريدة من نوعها، إذ تواجه فيها السيناتورة الجمهورية سوزان كولينز، التي تشغل مقعدها منذ عام 1997، تحديات كبيرة في سعيها إلى الفوز بولاية جديدة أمام الديمقراطي تروي جاكسون.

ورغم أن كولينز سعت جاهدة للنأي بنفسها عن الرئيس الأميركي وسياساته، فإن استطلاعات الرأي لا تزال تظهر تقدّماً طفيفاً لجاكسون. لكن من تابع كولينز على مدى أعوام في المجلس يعلم أنه لا يمكن الاستخفاف بالسيناتورة التي تمكنت من الحفاظ على مقعدها، رغم تعاقب الإدارات على مدى 3 عقود.

أوهايو

المنافسة الانتخابية في أوهايو تحمل طابعاً رمزياً بامتياز، إذ إن المقعد كان يشغله نائب الرئيس جاي دي فانس.

المرشح الديمقراطي في أوهايو شارود براون في 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

ويعود السيناتور الديمقراطي السابق شارود براون إلى ساحة المعركة بعد خسارته مقعده عام 2024، ويواجه الجمهوري جون هوستد الذي عُيّن خلفاً لفانس. وتلعب أزمة غلاء المعيشة وتراجع فرص العمل والحرب مع إيران دوراً محورياً في السباق الذي بات من أكثر السباقات تكلفة في مجلس الشيوخ. وبلغت قيمة الإعلانات التي أنفقت عليها مجموعات جمهورية في الولاية 246 مليون دولار مقابل 177 مليون دولار للديمقراطيين.

تكساس

بعد تأييد ترمب لكين باكستون بدلاً من السيناتور الجمهوري الحالي عن ولاية تكساس جون كورنين، واجه الجمهوريون صعوبة في حشد الناخبين في مواجهة الديمقراطي جايمس تالاريكو.

المرشح الديمقراطي لعضوية مجلس الشيوخ جيمس تالاريكو يتحدث أمام تجمع في سان أنتونيو بتكساس في 29 مايو 2026 (أ.ف.ب)

ويسعى الجمهوريون جاهدين للاحتفاظ بالولاية التي لم تنتخب ديمقراطياً لمجلس الشيوخ منذ عام 1988، ولم يشغل أي ديمقراطي أحد مقعديها في المجلس منذ عام 1993. وستشكّل خسارتها، إن حصلت، ضربة موجعة للحزب في أحد أهم معاقله.

كنساس

في مفاجأة انتخابية تدل على صعوبة المشهد بالنسبة للجمهوريين، أصبحت ولاية كنساس مصنفة ضمن الولايات المتأرجحة بعدما كانت تُعدّ معقلاً جمهورياً ثابتاً، وفقاً لتقرير «كوك السياسي». ويواجه السيناتور روجر مارشال الديمقراطي آدم هاملتون في الولاية التي فاز فيها ترمب بفارق 16 نقطة عام 2024.

ونقل الجمهوريون مبالغ من الأموال المخصصة لسباق نورث كارولاينا، الذي بات يميل لصالح الديمقراطيين، إلى سباق كنساس، التي زارها ترمب في محاولة لحشد التأييد للسيناتور الجمهوري.

ميشيغان

قد تكون الولاية الأهم بالنسبة للديمقراطيين، إذ إن خسارتها تعني أنهم سيحتاجون إلى انتزاع 5 مقاعد جمهورية بدلاً من 4 للفوز بالأغلبية. ورصّ الحزب صفوفه تأهباً لتأييد عبد الرحمن السيد الذي يواجه النائب السابق مايك روجرز.

المرشح الديمقراطي في ميشيغان عبد الرحمن السيد في 18 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وتوجّه كل من الرئيس السابق باراك أوباما والمرشحة الرئاسية السابقة كامالا هاريس إلى الولاية لحشد الدعم. كما قدّمت النائبة التقدمية ألكساندريا أوكاسيو كورتيز مبلغ مليون دولار للمرشح الديمقراطي، في دلالة على أهمية فوزه بالنسبة للجناح التقدمي من الحزب. في المقابل، ألقى الجمهوريون بثقلهم خلف روجرز، إذ أنفقوا حتى الآن 104 ملايين دولار مقابل 55 مليوناً للديمقراطيين.

نيوهامشير

يدافع الديمقراطيون عن المقعد الذي شغلته السيناتورة المنتهية ولايتها جين شاهين في نيوهامشير. وفي حين تظهر الأرقام تقدّم المرشح الديمقراطي في الولاية كريس باباس على السيناتور السابق جون سنونو، يثير تاريخ عائلة سنونو في الولاية قلق الديمقراطيين. فإلى جانب أن المرشح الجمهوري شغل عضوية مجلس الشيوخ سابقاً، فقد شغل شقيقه منصب حاكم الولاية، فيما تولّى والده منصب حاكم الولاية ورئاسة موظفي البيت الأبيض في عهد الرئيس الأسبق جورج بوش الأب.

جورجيا

يواجه السيناتور الديمقراطي الحالي جون أوسوف النائب الجمهوري مايك كولينز في الولاية التي صوّتت لترمب بفارق نقطتين عام 2024، والتي شهدت مزاعم بتزوير الانتخابات عام 2020.

المرشح الديمقراطي في جورجيا جون أوسوف في 17 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

وساهمت هذه الادعاءات، التي لم تثبت صحتها، في خسارة الجمهوريين مقعدين في مجلس الشيوخ عن الولاية.

نورث كارولاينا

تبتعد الولاية تدريجياً عن دائرة السباقات الأشد تنافساً، مع تقدّم الديمقراطيين في المعركة على المقعد الذي يشغله السيناتور الجمهوري توم تيليس، الذي قرر عدم الترشّح لولاية جديدة، وعُرف بمواقفه المنتقدة لترمب. ويخوض الحاكم الديمقراطي السابق روي كوبر السباق في مواجهة رئيس اللجنة الوطنية الجمهورية السابق مايكل واتلي.

ثون يتحدث مع السيناتور الجمهوري جون كورنين في جلسة استماع 30 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

وإذا ما خسر الجمهوريون هذا المقعد، فسيكون على الديمقراطيين انتزاع 3 مقاعد جمهورية إضافية، مع الاحتفاظ بمقاعدهم الحالية في ميشيغان ونيوهامشير وجورجيا.

أهمية مجلس الشيوخ

من شأن فوز الديمقراطيين بأغلبية مجلس الشيوخ أن يقلب المعادلة السياسية في واشنطن رأساً على عقب، فوظائف المجلس تختلف عن وظائف مجلس النواب، وتتقاطع صلاحياته مع صلاحيات البيت الأبيض في أكثر من ملف.

فعلى سبيل المثال، يملك المجلس صلاحية المصادقة على تعيينات الرئيس، بما فيها قضاة المحكمة العليا والمحاكم الفيدرالية والوزراء والسفراء وكبار المسؤولين. وتكفي الأغلبية البسيطة عادة للمصادقة على هذه التعيينات. ورغم أن قرارات السياسة الخارجية تعود بشكل أساسي إلى البيت الأبيض، فإن مجلس الشيوخ يلعب دوراً أساسياً في المصادقة على المعاهدات التي تحتاج إلى موافقة ثلثي أعضاء المجلس الحاضرين.

زعيم الديمقراطيين في مجلس الشيوخ تشاك شومر في الكونغرس في 23 سبتمبر 2026 (أ.ف.ب)

يُضاف إلى ذلك دور المجلس في محاكمة الرئيس الأميركي، وإمكان عزله من منصبه في حال أقرّ مجلس النواب اتهامات العزل بحقّه. وتتطلب الإدانة موافقة ثلثي أعضاء مجلس الشيوخ الحاضرين.

ويتقاسم مجلس الشيوخ مع مجلس النواب صلاحيات تشمل إقرار القوانين وعقد جلسات استماع وإجراء تحقيقات في ممارسات الإدارة واستدعاء الشهود والمسؤولين. لكن الرقم السحري في المجلس، وعلى خلاف مجلس النواب، ليس الأغلبية البسيطة فحسب، بل 60 صوتاً لتجاوز عرقلة الأقلية لمعظم التشريعات. وهو رقم يبدو بعيد المنال بالنسبة للديمقراطيين رغم الأجواء السياسية الحالية.

في ظل هذه المعطيات، تتضح أهمية معركة مجلس الشيوخ بالنسبة إلى ترمب. فخسارة الجمهوريين أغلبيتهم لن تعني تعثّر أجندته التشريعية فقط، بل قد تعرقل أيضاً تعييناته الحكومية والقضائية، وتفتح الباب أمام تحقيقات أوسع في سياسات إدارته. وفي حال تحقق سيناريو فوز الديمقراطيين بالأغلبية في المجلسين، فمن شأن ذلك أن يفرض على البيت الأبيض معادلة سياسية مختلفة في العامين المقبلين، يصبح فيها التفاوض مع المعارضة ضرورة لا خياراً.


قاضية تأمر ترمب بالإدلاء بشهادته في دعوى التشهير ضد «بي بي سي»

الرئيس دونالد ترمب يتوجه إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية - ميريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يتوجه إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية - ميريلاند (أ.ف.ب)
TT

قاضية تأمر ترمب بالإدلاء بشهادته في دعوى التشهير ضد «بي بي سي»

الرئيس دونالد ترمب يتوجه إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية - ميريلاند (أ.ف.ب)
الرئيس دونالد ترمب يتوجه إلى طائرة «إير فورس وان» الرئاسية في قاعدة أندروز الجوية - ميريلاند (أ.ف.ب)

أصدرت قاضية فيدرالية، اليوم الخميس، أمراً للرئيس الأميركي دونالد ترمب بالإدلاء بشهادته في 11 ديسمبر (كانون الأول) في دعوى التشهير التي رفعها ضد هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي).

وأصدرت القاضية إنجوليكي ليت، أمرها بعدما اشتكى محامو هيئة الإذاعة البريطانية من أن ترمب أخّر موعد الإدلاء بشهادته.

وقال المحامي تشارلز توبين إنه مع تبقي شهرين على انتهاء فترة الكشف عن الأدلة، «لم نتمكن بعد من الاستماع إلى أقوال المدعي».

شعار هيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) (رويترز)

وأشار توبين إلى أنه كان قد تم الاتفاق على تحديد يوم 16 أكتوبر (تشرين الأول) موعداً للإدلاء بالشهادة، لكن الرئيس الجمهوري ألغى الموعد بسبب «مسألة ذات أهمية وطنية». وأوضح توبين أن ترمب كان في الواقع يشارك في حملة انتخابية بولاية جورجيا في ذلك اليوم.

وأضاف توبين أن ترمب «كان يشارك في أنشطة سياسية حزبية، وأعطى الأولوية لها على الإدلاء بشهادته».

وقالت القاضية ليت إن على ترمب الإدلاء بشهادته في موعد أقصاه 11 ديسمبر، وإلا فسيواجه عقوبات قد تصل إلى إسقاط دعواه القضائية، ما لم تُمدد فترة كشف الأدلة إلى ما بعد 18 ديسمبر.

ورفع ترمب، الذي عادة ما تجنب الإدلاء بشهادات قضائية، دعواه ضد هيئة الإذاعة البريطانية في ديسمبر الماضي، مطالباً بتعويضات مقدارها 10 مليارات دولار.

واتهم ترمب هيئة الإذاعة البريطانية الممولة من المال العام بالتشهير، فضلاً عن اتباع ممارسات تجارية مضللة وغير عادلة، على خلفية فيلم وثائقي بعنوان «ترمب: فرصة ثانية».

وأقرت هيئة الإذاعة البريطانية بأن صناع الفيلم جمعوا مقتطفات من أجزاء مختلفة من الخطاب الذي ألقاه ترمب أمام أنصاره في 6 يناير (كانون الثاني) 2021، قبل اقتحام مبنى الكابيتول (الكونغرس)، بما يوحي بأنه كان يحثهم بشكل مباشر على ممارسة العنف.

واعتذرت هيئة الإذاعة البريطانية عن طريقة تحرير الفيلم، واستقال كل من المدير العام لهيئة الإذاعة البريطانية والرئيسة التنفيذية لقسم الأخبار فيها. ونفت الهيئة اتهامات ترمب بأنها شهرت به.