فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
TT

فرنسا على حافة الانفجار... ديون تحاصر الدولة ورفاه بات مستحيلاً

شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)
شرطة مكافحة الشغب تستخدم خراطيم المياه لتفريق طلاب محتجين في رين بغرب فرنسا (أ.ب)

لم تعد الأزمة الفرنسية موجة احتجاجات اجتماعية عابرة، أو تعثّراً اقتصادياً يمكن احتواؤه بإجراءات عاجلة؛ فالتطورات المتلاحقة تكشف أزمة متعددة الأوجه، يتقاطع فيها ضعف المالية العامة مع تصاعد الغضب الشعبي، وشلل المؤسسات السياسية، وتراجع الثقة بقدرة الدولة على الوفاء بالتزاماتها. وبينما تستعد فرنسا لاستحقاق رئاسي حاسم في ربيع 2027، تتزايد المخاوف من أن تتحول هذه العوامل المتراكمة إلى تهديد خطير لاستقرار الجمهورية الخامسة، ولمكانة البلاد داخل الاتحاد الأوروبي وفي العالم.

زائرون ينتظرون خارج متحف اللوفر في باريس الذي أغلقه محتجون (إ.ب.أ)

في شوارع مدن وبلدات عديدة، تتعدد مظاهر الاحتقان؛ فقد شهدت البلاد احتجاجات صاخبة على تدهور أوضاع المدارس الحكومية ونقص المدرّسين، وانضم موظفون وعاملون في القطاع العام إلى التحركات اعتراضاً على تجميد الأجور. وقبل ذلك، أغلق صيادون موانئ ومحطات للوقود احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل. ولم تتوقف التطورات عند المظاهرات؛ إذ شهدت مدن فرنسية أعمال شغب ونهب وتخريب، أسفرت عن أضرار مادية كبيرة ومئات الإصابات والتوقيفات، في مشهد يعكس اتساع الهوة بين قطاعات من المجتمع ومؤسسات الدولة.

واكتملت الصورة بعودة «السترات الصفر» إلى الساحة، بعد «استراحة» استمرت سنوات، علماً بأن أحداً لا يعلم أين كان هؤلاء الذين عرقلوا الولاية الأولى لإيمانويل ماكرون، ومن هم قادتهم... والمهم أن «تحالف الشارع» في وجه السلطة صار مكتمل الأركان وعلى أتمّ الاستعداد لمواصلة «المعركة».

محتجون مقنعون قرب دراجات تحترق في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

ووسط فسيفساء المطالب، تجمع التحركات أزمة أعمق تتعلق بتراجع القدرة الشرائية، وتآكل الثقة بالخدمات العامة، والشعور بأن النموذج الاجتماعي الفرنسي لم يعد قادراً على توفير الوعود التي ارتبطت به لعقود؛ فالدولة التي اعتاد مواطنوها الاستفادة من شبكة واسعة من الحماية الاجتماعية، تواجه اليوم سؤالاً صعباً: كيف يمكن الحفاظ على هذه المكتسبات في ظل ارتفاع تكلفة تمويلها وتزايد أعباء الدين؟

* الدَّين يضيّق هامش المناورة

لا شك في أن المالية العامة تحتل موقعاً مركزياً في الأزمة؛ فقد اقترب الدين العام الفرنسي (4 تريليونات دولار) من 119 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي (3.55 تريليونات دولار)، فيما يتباطأ الاقتصاد إلى مستويات نمو تدور حول 0.4 إلى 0.5 في المائة لعام 2026. وفي الوقت نفسه، يُتوقع أن يتجاوز العجز العام 5 في المائة من الناتج المحلي، الأمر الذي يعقّد مهمة الحكومة في إعادة التوازن إلى الحسابات العامة.

وتزداد المشكلة خطورة مع ارتفاع أسعار الفائدة؛ إذ تصبح خدمة الدين أكثر تكلفة، وتُضطر الدولة إلى تخصيص موارد متزايدة لسداد التزاماتها بدلاً من توجيهها إلى الاستثمار والخدمات. وتشير التقديرات الواردة إلى أن فرنسا ستحتاج إلى إصدار ما قيمته 340 مليار يورو من السندات متوسطة وطويلة الأجل خلال العام المقبل، في وقت يتراجع فيه إقبال المستثمرين على شرائها في ظل المخاطر المالية والسياسية.

مبنى بلدية مدينة ليموج الذي أحرق جزءاً منه مشاغبون (أ.ف.ب)

لكن ذلك لا يعني أن فرنسا تتجه حتماً إلى أزمة شبيهة بما شهدته اليونان (2009 - 2010)، أو إلى انهيار مفاجئ في ثقة الأسواق؛ فحجم الاقتصاد الفرنسي ومكانته داخل الاتحاد الأوروبي يمنحان باريس ثقلاً مختلفاً. لكن هذا الثقل نفسه يجعل الأزمة أكثر أهمية: فأي تدهور حاد في قدرة باريس على إدارة دينها الثقيل، قد ينعكس على الاستقرار المالي الأوروبي برمته.

* أربعون عاماً من التأجيل

الواقع أنه لا يمكن تفسير الوضع الراهن بقرار حكومي واحد، أو تحميل رئيس معيّن المسؤولية الكاملة عنه؛ فقد تراكمت الاختلالات المالية على مدى عقود، وتعاقبت حكومات من اليمين واليسار من دون أن تنجح في وقف الزيادة الهيكلية للدين. ويعود أحد التحولات المهمة إلى عهد الرئيس الاشتراكي فرنسوا ميتران في ثمانينات القرن الماضي، حين توسعت السياسات الاجتماعية والإنفاق العام، وأدّت إصلاحات مثل خفض سن التقاعد إلى الستين وتقليص ساعات العمل وتعزيز دور الدولة في الاقتصاد، إلى زيادة الأعباء على المالية العامة.

غير أن اختزال الأزمة فيما حصل في تلك المرحلة سيكون تبسيطاً مضللاً؛ فالحكومات اللاحقة، من عهد جاك شيراك إلى نيكولا ساركوزي وفرنسوا هولاند وإيمانويل ماكرون، لم تتمكن بدورها من عكس مسار الدين، ويُعزى ذلك في المقام الاول إلى التخوف من رد فعل الجمهور على سلبه قسطاً من الرفاه. كما أسهمت الأزمة المالية العالمية عام 2008، وجائحة «كوفيد-19»، وموجة التضخم التي أعقبتها، في زيادة الضغوط على الموازنات العامة.

الرئيس المأزوم إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

والحقيقة أن النموذج الاجتماعي الفرنسي «الفضفاض» أصبح موضوع مواجهة سياسية متكررة؛ فكل محاولة لإصلاح التقاعد أو التأمين ضد البطالة أو الإنفاق العام، تصطدم بمقاومة شعبية عنيدة، فيما يؤدي تأجيل الإصلاحات إلى تضييق الخيارات المتاحة مستقبلاً. وهكذا تجد الدولة نفسها بين حاجتها إلى ضبط الإنفاق وخشيتها من تفجير احتجاجات جديدة.

* شلل سياسي وصعود اليمين المتطرف

لم يكن مفاجئاً في خضمّ الورطة الاقتصادية أن تتلبد الغيوم السوداء في سماء السياسة. ومنذ حل الجمعية الوطنية عام 2024، لم يتمكن المشهد البرلماني من إنتاج أكثرية مستقرة، وتوزعت القوى بين 3 كتل كبيرة متعارضة يصعب عليها التوصل إلى تسويات دائمة. وأصبح تمرير مشروع الموازنة اختباراً متكرراً لقدرة الحكومة على الصمود، فيما تتراجع ثقة المواطنين بفاعلية المؤسسات.

وليس مفاجئاً أيضاً أن يستفيد اليمين المتطرف، بقيادة مارين لوبن وحزب «التجمع الوطني»، من هذا المناخ؛ فخطابه يربط بين تدهور الأوضاع الاقتصادية وفقدان السيطرة على الأمن وأعباء الهجرة، ويقدم نفسه بديلاً قادراً على إعادة الانتظام إلى النظام. وفي المقابل، تستقطب حركة «فرنسا الأبية» اليسارية الراديكالية، بقيادة جان لوك ميلانشون، جزءاً من الغاضبين من السياسات الاقتصادية والاجتماعية. وبين الطرفين، يتراجع الوسط السياسي الذي شكّل القاعدة السياسية والشعبية لماكرون، فيما تتزايد المخاوف من أن يؤدي تشتت الأصوات المعتدلة إلى تعزيز فرص المتنافسين الأكثر تطرفاً.

ويجب التنبّه إلى أن استمرار المواجهة بين القوى السياسية قد يعطل الإصلاحات الضرورية، ويطيل حالة عدم اليقين التي تؤثر في الاستثمار والاستهلاك وثقة الأسواق. كما أن ربط الاضطرابات حصراً بالهجرة، والاكتفاء بتشديد الإجراءات الأمنية، لا يعالجان حتماً الأسباب الاقتصادية والاجتماعية الجوهرية التي تؤجج نار الاحتقان.

محتجون بمواجهة الشرطة في باريس (أ.ب)

* الامتحان الانتخابي الصعب

تواجه فرنسا اليوم معادلة شديدة التعقيد: استعادة النظام من دون تجاهل أسباب الغضب، وضبط الدين من دون تقويض الخدمات العامة، وإعادة بناء الثقة السياسية قبل أن تتحول الانتخابات المقبلة إلى مواجهة «انتحارية» بين قوى متعارضة جذرياً.

فمن سينجح في اجتراح خطة واضحة توزع أعباء الإصلاح بصورة عادلة، وتحدد أولويات الإنفاق، وتحمي الفئات الأكثر هشاشة، بالتوازي مع استعادة القدرة على اتخاذ القرار داخل المؤسسات السياسية، لا سيما البرلمان؟

لقد وعد ماكرون، عند وصوله إلى السلطة عام 2017، بتقديم صورة متفائلة عن فرنسا قادرة على التجدد واستعادة موقعها الدولي. لكن تراجع شعبيته واتساع الإحساس بالتراجع يكشفان عمق الهوّة بين هذا الوعد والواقع. ومع ذلك جددت غالبية الفرنسيين الثقة به وأعادت انتخابه عام 2022.

ومع اقتراب انتخابات 2027، لن يكون التحدي محصوراً في تحديد هوية الرئيس المقبل؛ بل في تقرير ما إذا كانت فرنسا قادرة على إصلاح ماليتها العامة وتجديد عقدها الاجتماعي، أم إنها ستترك الأزمات المتراكمة تعيد تحديد هويتها السياسية.

جلسة للجمعية الوطنية الفرنسية (مجلس النواب) تحدث فيها رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو عن الاحتجاجات (إ.ب.أ)

ولنتذكّر أن فرنسا ليست مجرد اقتصاد كبير يواجه مشكلة ديون؛ بل إحدى ركائز المشروع الأوروبي. وأي إخفاق في احتواء أزمتها ستكون له تداعيات تتجاوز حدودها. أما نجاحها فلن يتحقق إلا بكسر حلقة التأجيل والانقسام، قبل أن يصبح ثمن الإصلاح أعلى من قدرة المجتمع والدولة على تحمّله.

فرنسا الأنوار والفكر والتقدّم تشعر بأنها ترهّلت، ويُدرك الفرنسيون أن نظامهم السياسي والاجتماعي لم يعد قابلاً للتطور ومواكبة الحياة العصرية... والأدهى أن الاقتصاد لم يعد قادراً على توليد ثروة كافية لاستعادة ما كان، خصوصاً أن «الوجود» في بلاد الغير انتهى أو يكاد...

الزمن يتغيّر!


مقالات ذات صلة

احتدام السجال السياسي في فرنسا قبل 6 أشهر من انتخابات الرئاسة

أوروبا متظاهر يرفع العلم الفرنسي خلال احتجاج على ارتفاع تكاليف المعيشة في ليون بفرنسا يوم 24 أكتوبر 2026 (أ.ب)

احتدام السجال السياسي في فرنسا قبل 6 أشهر من انتخابات الرئاسة

يتصاعد التوتر في المشهد السياسي الفرنسي قبل 6 أشهر من الانتخابات الرئاسية، وسط احتدام المواجهات داخل البرلمان والمظاهرات الجديدة المرتقبة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
الاقتصاد رئيسة البنك المركزي الأوروبي كريستين لاغارد (أ.ف.ب)

ماكرون يشيد بأداء لاغارد ويدعو لانتقال منظم في رئاسة «المركزي الأوروبي»

أشاد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، الخميس، بما وصفه بـ«الالتزام الأوروبي» و«العمل الحازم» لكريستين لاغارد على رأس البنك المركزي الأوروبي.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا رجل شرطة يحمل قاذفة لرصاص مطاطي دفاعي لتفريق المتظاهرين في مدينة نيس الساحلية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

السلطات الفرنسية أمام استحقاقين رئيسيين والطلاب يواصلون حراكهم

السلطات الفرنسية أمام استحقاقين رئيسيين والطلاب يواصلون حراكهم والتخوف من مواجهات في الشارع بين مجموعات يمينية ويسارية متطرفة على هامش المظاهرات

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا ماكرون يلتقي ضباط الشرطة في مارسيليا الاثنين (رويترز)

فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»

فرنسا من «السبت الأسود» إلى «الخريف الساخن»، وماكرون لا يستبعد فرض حالة الطوارئ لحفظ الأمن؛ لأنه «ليس ممنوعاً ولا محرماً».

ميشال أبونجم (باريس)
أوروبا انتشار أمني خلال مناوشات رافقت مظاهرة دعت إليها حركة «السترات الصفراء» في باريس يوم 24 أكتوبر (رويترز)

الاستنفار الأمني يجنّب فرنسا «سبت أسود» جديداً

سار التلامذة والطلاب، السبت، إلى جانب النقابات العمالية و«السترات الصفراء»، ما يعكس الترابط بين الأطراف والتقاء مطالبهم حول غلاء المعيشة وتراجع القوة الشرائية.

ميشال أبونجم (باريس)

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
TT

السلطات الفرنسية تعمل لتجنب «سبت أسود» جديد... في مواجهة حراك لا تضعف ديناميته

عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)
عمال يحصنون الواجهة الزجاجية لأحد المحلات التجارية في باريس تخوفاً من تكرار ما حصل يوم «السبت الأسود» (أ.ف.ب)

تجهد السلطات الفرنسية لتجنب «سبت أسود» جديد شبيه بما عرفته البلاد في 17 الشهر الحالي، وذلك مع حلول موعد يوم التعبئة الجديد هذا السبت (31 أكتوبر/تشرين الأول) بدعوة من تنسيقية «السترات الصفراء»، وانضمام نقابات طلابية وغير طلابية إليها، ما يؤشر، مجدداً، إلى تداخل المطالب ووجود دينامية احتجاجية اجتماعية واقتصادية.

ماكرون دعا طلاب التعليم الثانوي لوضع حد لحراكهم والعودة بـ«هدوء» إلى صفوف الدراسة (أ.ف.ب)

ويأتي ذلك على خلفية احتدام السجال السياسي إن بشأن كيفية التعاطي مع المطالب والمظاهرات التي تبين أجندتها أنها متواصلة، أو بسبب التأزم السياسي الذي تعيشه فرنسا مع اقتراب استحقاق الانتخابات الرئاسية (بعد أقل من 200 يوم)، أو بسبب الأوضاع الاقتصادية والمالية المتدهورة التي تحرم الحكومة من إمكانية التجاوب مع بعض ما يريده الشارع.

ولخص رولان ليسكور، وزير الاقتصاد، في حديث صباحي لإذاعة «فرنس أنفو» العامة الوضع، بالاستناد إلى أرقام «المعهد الوطني الفرنسي للإحصاء والدراسات الاقتصادي»، بقوله إن الاقتصاد الفرنسي «أصبح، بحلول عام 2026، في حالة جمود بسبب مزيج غير مسبوق من الصدمات الخارجية والداخلية».

وأوضح ليسكور أن الاقتصاد انكمش بشكل غير متوقع في الفصل الثالث من العام الحالي، بينما التضخم الذي يلتهم مصادر العيش للشرائح الاجتماعية الأكثر هشاشة بلغت نسبته، في الشهر الحالي، 3.8 في المائة، وهي أعلى نسبة منذ عام 2023.

رجال من شرطة مكافحة الشغب يتعاملون مع أحد المتظاهرين المثبت أرضاً خلال المظاهرة التي حصلت في باريس يوم 24 أكتوبر (د.ب.أ)

ويترافق الانكماش مع ارتفاع المديونية الفرنسية (3600 مليار يورو)، وارتفاع فوائد الاستدانة الحكومية (5 في المائة)، وهي من بين النسب الأسوأ داخل الاتحاد الأوروبي. وما يكبل قدرة السلطات على التحرك في الميدان الاجتماعي أن فائدة الديون تثقل بكاهلها على الدولة، بحيث ستصل مع نهاية العام الحالي إلى 77.5 مليار يورو. وتواجه الحكومة صعوبات غير مسبوقة في تمرير ميزانيتها لعام 2027 في البرلمان بسبب الانقسامات السياسية. بيد أن الانكماش لا ينطبق على كبريات الشركات الفرنسية؛ وأولاها «توتال إنيرجيز»، التي حققت في الفصل الثالث من العام الحالي أرباحاً صافية تزيد على 7 مليارات يورو.

متظاهرون يسيرون وسط الغاز المسيل للدموع خلال احتجاج على غلاء المعيشة في ليل شمال فرنسا يوم 17 أكتوبر الحالي (أ.ف.ب)

مطالب بالجملة

بناء على ما سبق، تبدو السلطات مكبلة في التعاطي مع مطالب النقابات، ومنها رفع الرواتب؛ وأولها رواتب الحد الأدنى وربطها بنسبة التضخم ومحاربة الغلاء وتحقيق العدالة الاجتماعية والضريبية وتحسين الخدمات العامة، كما في المستشفيات والنقل والخدمات الاجتماعية والقطاع التعليمي، وتوفير مزيد من الإمكانات المالية لتحقيق النقلة البيئوية، وإطلاق المفاوضات في قطاع الوظائف العامة فوراً بخصوص الرواتب.

متظاهر يرمي قنبلة مسيلة للدموع في اتجاه أفراد من الشرطة بمرسيليا (رويترز)

وتدعو حركة «السترات الصفراء» إلى خفض أسعار المشتقات النفطية والكهرباء والغاز التي ارتفعت في الأشهر الأخيرة بنسب عالية، بينما المطالب الأخرى تندمج فيما تدعو إليه النقابات العمالية. ورغم العروض التي قدمتها الحكومة لطلاب التعليم الثانوي والجامعي (مزيد من الأساتذة وبرنامج لتحسين الأوضاع المادية للثانويات والكليات وتعديل آلية اختيار الاختصاصات لما بعد التعليم الثانوي، وإيجاد 15 ألف مقعد جامعي في الاختصاصات المهنية والتقنية...)، فإن العديد من النقابات يعتبر أن المعروض «ليس سوى الفتات»، وبالتالي «غير كافٍ» لا يتوافق مع المطالب المرفوعة، وبالتالي فإن حراكهم «متواصل». وسبق للرئيس ماكرون أن دعا تلامذة التعليم الثانوي الى «العودة بهدوء» إلى مدارسهم، وهو ما دعا إليه أيضاً إدوار جيفراي، وزير التربية. وتجدر الإشارة إلى أن فرصة الخريف تنتهي الأحد، ويعود التلامذة، مبدئياً، إلى مدراسهم الاثنين.

الإجراءات الاستباقية

ولأن الأمور تسير على هذا المنوال، فإن الحكومة العاجزة تستبق الاستحقاق الراهن بالعمل على منع تفاقمه، وذلك من خلال اتخاذ التدابير الأمنية الأكثر صرامة والتي جربتها السبت الماضي، ونجحت في تجنيب البلاد كثيراً من أعمال العنف والاشتباكات. ولتبرير الإجراءات الأمنية المكثفة، نبه لوران نونيز، وزير الداخلية، في لقاء صحافي، إلى أن يوم السبت الذي يعدّ «الفصل الثالث» من حراك «السترات الصفراء» سيكون صعباً، ما يبرر تحشيد 70 ألف رجل شرطة ودرك وأمن، مضافاً إليهم بعض وحدات الجيش والوحدات الأمنية المتخصصة.

إطفائي يكافح ناراً أشعلها محتجون في مرسيليا (أ.ف.ب)

ونبه الوزير المذكور الذي قدم استقالته لرئيس الجمهورية بعد «السبت الأسود» لكن الأخير رفضها، إلى أن رد القوى الأمنية سيكون «حازماً للغاية»، مضيفاً أن «يوم 31 أكتوبر ينطوي على مخاطر بالغة على النظام العام». والسبب وجود «العديد من الدعوات إلى التجمعات الصادرة عن الحركة العمالية واليسار المتطرف، وبعض المواقع الإلكترونية المتطرفة التابعة لحركة (السترات الصفراء) التي تحث الناس على المشاركة في تجمعات بالشوارع العامة في عدد ​من المدن بأنحاء ‌فرنسا، مصحوبة برسائل متنوعة يمكن القول إنها ‌متطرفة للغاية».

رجل شرطة يحمل قاذفة لرصاص مطاطي دفاعي لتفريق المتظاهرين في مدينة نيس الساحلية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

ولم يكتفِ وزير الداخلية بما قاله في مؤتمره الصحافي؛ بل عمد، الجمعة، إلى توجيه برقية إلى المحافظين في جميع أنحاء فرنسا، لتنبيههم إلى وجود مخاطر مرتفعة جداً لاندلاع أعمال عنف واضطرابات في المدن يوم السبت، بمناسبة الاحتفال بـ«عيد الهالوين».

ودعا إلى رفع جاهزية العناصر الأمنية إلى نسبة 75 في المائة، وتكثيف مراقبة التجمعات والمظاهرات غير المرخصة التي قد تتحول إلى مسيرات عشوائية وإجراء عمليات تفتيش ومراقبة استباقية في محطات القطارات ومحاور النقل، للكشف عن الأدوات التي قد تُستخدم في ارتكاب أعمال عنف؛ مثل الأقنعة وأغطية الوجه والألعاب النارية والمقذوفات النارية. كذلك حثهم على اللجوء إلى التدابير الأمنية الإدارية المتوافرة بين أيديهم؛ مثل حظر التجمعات أو المظاهرات، وفرض قيود على التنقل والتجمع في مراكز المدن، إضافة إلى فرض حظر التجول في محاولة للإكثار من العوائق التي من شأنها إضعاف ديناميات التظاهر ومنع الوصول إلى الأماكن «الحساسة» والشوارع التجارية لتجنب الحرائق وأعمال السلب والنهب.

قوات مكافحة الشغب خلال مواجهات بينها وبين المتظاهرين في مدينة نيس المتوسطية يوم 24 أكتوبر (أ.ف.ب)

حوار الطرشان بين الحكومة والنقابات

ثمة «معركة» تحصل دوماً بين النقابات ومديريات الشرطة لرسم مسار المظاهرات؛ ففي باريس قدمت «تنسيقية السترات الصفراء» ونقابة «الكونفدرالية العامة للعمل» منذ عدة أيام، مقترحاً لمظاهرة تنطلق من «ساحة الباستيل» وتجتاز «ساحة لا ريبوبليك» و«ساحة الأوبرا»، وصولاً إلى «ساحة الكونكورد»؛ أي إن المظاهرة تمر في قلب باريس وتنتهي قريباً من قصر الإليزيه ووزارة الداخلية، وفي أسفل «جادة الشانزليزيه».

وكان واضحاً، سلفاً، أن طلب التنسيقية المذكورة سيرفض. وكان غرضها دفع المديرية المعنية إلى تقديم عرض بديل، علماً بأن الرئيس ماكرون ووزير الداخلية شددا أكثر من مرة على منع التظاهر في وسط المدن وتوجيهها إلى خارجها، وهو ما حصل السبت الماضي. وكما كان منتظراً، جاء الرد بالرفض، واقترحت المديرية دمج المسارين المطلوبين، واقتراح بديل عنهما عند أطراف الشرقية للعاصمة، تحديداً ما بين المدخل المسمى «شارونتون» ومدخل «بانيوليه».

عمليات شغب في باريس يوم 17 أكتوبر ومحاولة لإقامة حاجز لمنع الشرطة من ملاحقة المتظاهرين (أ.ف.ب)

وبالطبع، رفضت النقابتان العرض، وتقدمتا باستدعاء أمام المحكمة الإدارية لاستبداله. لكنّه معروف سلفاً ما سيصدر عن هذه المحكمة والحجج التي ستقدمها (المحافظة على الأمن، ومنع الإضرار بالممتلكات العامة ...). والقرار النهائي يعود لهذه المحكمة التي ستضع المتظاهرين بين حلين أحلاهما مر: إما تجاهل المعروض عليهم، وبالتالي مواجهة القوى الأمنية، وإما الإذعان، ما سيعني أن المرتجى من المظاهرة لن يتحقق.

هكذا تسير الأمور في فرنسا، وما سيحصل السبت سيتكرر في 5 نوفمبر (تشرين الثاني)، حيث سيتطور الحراك من مظاهرات إلى إضراب عام استجابة لدعوة غالبية النقابات. وما بين حكومة محدودة الموارد ومطالبات نقابية وشعبية مكلفة، يبدو الحوار (الغائب) بين الجانبين أشبه بـ«حوار الطرشان».


بدء احتجاجات وإضرابات واسعة في إيطاليا ضد حكومة ميلوني

مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)
TT

بدء احتجاجات وإضرابات واسعة في إيطاليا ضد حكومة ميلوني

مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)
مؤدّون يستلقون أمام متظاهرين يحملون لافتة كُتب عليها «نحن ننتج الثروة وأنتم تسرقون مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في روما بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)

بدأت في إيطاليا، اليوم الجمعة، احتجاجات على مستوى البلاد ضد الحكومة اليمينية برئاسة رئيسة الوزراء جورجيا ميلوني، إذ من المتوقع تنظيم مظاهرات في نحو 50 مدينة في جميع أنحاء البلاد، وفق ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية».

ومن المتوقع أن ينضم طلاب المدارس والجامعات إلى العديد من المسيرات، في حين دعا اتحاد نقابات العمال المستقلة إلى إضرابات في عدة قطاعات، من بينها النقل العام المحلي والبعيد المدى وقطاع الرعاية الصحية.

طلاب يسيرون خلف لافتة كُتب عليها «لنستعد مستقبلنا» خلال إضراب عام احتجاجاً على غلاء المعيشة وتدنّي الأجور والإنفاق العسكري في ميلانو بإيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ب)

وتم نشر قوات الأمن بأعداد كبيرة وسط مخاوف من وقوع أعمال عنف محتملة.

وتستهدف الاحتجاجات ائتلاف ميلوني، المكوّن من ثلاثة أحزاب من اليمين المتطرف والمحافظين الذي يتولى السلطة في إيطاليا منذ أربع سنوات، ويحمّله المتظاهرون المسؤولية عن ارتفاع معدلات التضخم وانخفاض الأجور. كما يطالب الطلاب بتوفير مزيد من التمويل للمدارس والجامعات.

متظاهرون يحملون لافتة كُتب عليها «المال للمدارس لا للحرب» خلال مظاهرة طلابية للمطالبة بزيادة تمويل التعليم ودعم السكن في ميلانو بشمال إيطاليا يوم 30 أكتوبر 2026 (أ.ف.ب)

كانت أعمال شغب قد اندلعت في ميلانو يوم 18من الشهر الحالي بعد احتجاجات كانت سلمية في البداية ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وخطط تشريعية حكومية مختلفة.


«تقرير»: أوكرانيا تعلق هجماتها على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من ترمب

منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)
منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)
TT

«تقرير»: أوكرانيا تعلق هجماتها على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من ترمب

منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)
منشأة لتخزين الوقود في مركز التصدير الروسي الرئيسي للنفط في ميناء نوفوروسيسك المطل على البحر الأسود (رويترز)

أفادت صحيفة «وول ستريت جورنال»، الخميس، نقلا ​عن مصادر مطلعة، بأن الجيش الأوكراني أوقف هجماته على مصافي النفط الروسية بعد ضغوط من الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وذكرت الصحيفة أن ‌الوحدات الأوكرانية ‌التي تنفذ ​غارات ‌بعيدة المدى ⁠تلقت ​تعليمات في ⁠منتصف أكتوبر (تشرين الأول) بأن الحملة ضد المصافي ستعلق فعليا بمجرد الانتهاء من المهام الجارية بالفعل.

وأضاف تقرير ⁠الصحيفة أن هذا ‌التعليق ‌غير الرسمي من ​المتوقع أن يستمر ‌لما بعد انتخابات ‌التجديد النصفي الأميركية، وربما يمتد إلى أواخر نوفمبر (تشرين الثاني). وفي الوقت نفسه، ‌صعدت روسيا من هجماتها على منشآت للطاقة والبنية ⁠التحتية ⁠المدنية في أوكرانيا.

وتأتي أنباء التعليق المؤقت للهجمات وسط جهود متجددة لإحياء محادثات السلام التي تدعمها الولايات المتحدة لإنهاء الصراع ​الأكثر دموية في ​أوروبا منذ الحرب العالمية الثانية.