هل تتحوّل الأزمة الفرنسية إلى زلزال يهزّ أركان الاتحاد الأوروبي؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
TT

هل تتحوّل الأزمة الفرنسية إلى زلزال يهزّ أركان الاتحاد الأوروبي؟

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

لا شيء في الأفق يوحي بأن الأزمة السياسية الفرنسية ستنتهي قريباً؛ فهي في الواقع معضلة يتداخل فيها الاقتصاد والسياسة وما يُعرف بطبائع الشعوب. ففي الاقتصاد الدين العام هائل والإنتاج يتراجع، وفي السياسة المسرح لا سيطرة فيه لطرف واحد، بل فوضى عارمة لا تولّد إلا أزمات متلاحقة، وفي الطبائع لا يبدو أن الفرنسي سيقتنع بأن عليه أن يعمل أكثر، ويتقشّف قليلاً، ويتخلى عن قسط من الرفاهية التي اعتاد عليها طوال عقود...

في الحقيقة ليس هذا موضوع البحث، بل هناك شق آخر لا يقل أهمية عن «الداخل»؛ لأن فرنسا هي العمود الأساسي للاتحاد الأوروبي، ومن دونها لا يمكن لهذا التكتل أن يضطلع بدور جيوسياسي كبير، خصوصاً أن دور العمود الثاني - ألمانيا - متراجع، وصوت برلين لا ينضح بشيء من الاستقلال والفرادة، بل أمسى صدى ضعيفاً لخطاب سياسي غير محلّي...

الاقتصاد الثاني

فرنسا هي ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا، وبالتالي قد تُلحق أزمة سياسية مطولة ضرراً باقتصاد منطقة اليورو. ولئن كانت المشاكل السياسية والاقتصادية الفرنسية لم تدقّ ناقوس الخطر بعدُ في أنحاء الاتحاد الأوروبي، فإن أوساطاً كثيرة تتحدث عن تزايد المخاوف غير المعلَنة من أن تؤثر أزمة مطولة على آفاق نمو منطقة اليورو (20 دولة من أصل 27 في الاتحاد)، ومفاوضات موازنة الاتحاد ذات الأجل الطويل البالغة تريليونَي يورو.

استطراداً، قد تعجز فرنسا التي تئن تحت وطأة الدين العام والعجز في الموازنة عن مواكبة الإصلاحات اللازمة للاتحاد للحفاظ على قدرته التنافسية في ظل المشهد الجيوسياسي العالمي المضطرب، والمنافسة المتزايدة من واشنطن وبكين.

مارين لوبن ورئيس حزب «التجمع الوطني» جوردان بارديللا (أ.ف.ب)

والأمر الأكثر إثارة للقلق هو أن الصعاب التي تواجهها فرنسا أصبحت تُشبه تلك التي تواجهها منطقة اليورو، وتحديداً تعاظم الدين العام. وأي صدمة في الاقتصاد الكلي الفرنسي ستكون لها عواقب على الدول الأوروبية الأخرى.

من منظور مؤسسات الاتحاد الأوروبي في بروكسل، تُثير الأزمة السياسية الفرنسية حالةً من عدم الفهم. فبعدما بعثت نتائج الانتخابات البرلمانية المبكرة التي أُجريت بقرار من الرئيس إيمانويل ماكرون في يونيو (حزيران) 2024 آمالاً لدى بعض الأوروبيين بأن فرنسا ستتبنى أخيراً «ثقافة التسوية»؛ ما لبثت هذه الآمال أن تبددت بعد التطورات الأخيرة.

وقد عكسَ الإعلام المخاوف الأوروبية مما يجري؛ فعنونت صحيفة «دي تسايت» الألمانية اليومية: «البلاد (فرنسا) تغرق في الفوضى». ويقول دانيال فرويند، النائب الألماني عن «حزب الخضر» في البرلمان الأوروبي: «تتابع وسائل الإعلام الألمانية الوضع الفرنسي عن كثب. ويتزايد القلق مع اتساع الفجوة بين أسعار الفائدة الألمانية والفرنسية».

وكتبت صحيفة «دي ستاندارد» البلجيكية أن «فرنسا تبحر كسفينة هائمة منذ أشهر، وقد غيّرت رُبّانها مراراً». وعلّق رئيس الوزراء البلجيكي الاشتراكي السابق (2011 - 2014)، إليو دي روبو، وهو الآن عضو في البرلمان الأوروبي، بقوله: «ضعف فرنسا يعني ضعف أوروبا... إذا نظرنا إلى الوضع من الخارج، فإن ما يفعله السياسيون الفرنسيون يؤكد أنهم ليسوا جدّيين». والمقصود أن أقطاب اليمين المتطرف والوسط (أتباع الماكرونيّة) واليسار همّهم الفوز بسباق الانتخابات الرئاسية التي ستُجرى في ربيع 2027 بدل أن يسعوا إلى تسوية تضمن شيئاً من الاستقرار.

تجمّع خلال إضراب عمّالي في باريس (أ.ف.ب)

وتحدثت الصحيفة البرتغالية «بوبليكو» عن «أزمة نظام... نظام دستوري أصبح مختلاً»، ونددت بغياب نيّة التسوية وثقافة الحوار، ودعت فرنسا إلى اتباع المثال البرتغالي الذي يجمع بين «الاستقرار الحكومي والحيوية الديمقراطية».

الدواء المرّ

بلغة الأرقام، لا توجد دولة في الاتحاد الأوروبي تحمل عبء دين عام أكبر من دين فرنسا؛ فقد ارتفع الرقم إلى 3.35 تريليون يورو (3.9 تريليون دولار)؛ أي ما يعادل 113 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومن المتوقع أن ترتفع النسبة إلى 125 في المائة بحلول عام 2030. وتعاني باريس عجزاً في الموازنة يتراوح بين 5.4 في المائة و5.8 في المائة، علماً أن قواعد الاتحاد الأوروبي لا تسمح بعجز يفوق 3 في المائة، وبالتالي لا مفر لأي حكومة فرنسية من تقليص الإنفاق بشكل كبير.

وبينما يقول الخبير الاقتصادي الألماني فريدريش هاينمان، إنه ليس قلقاً من أزمة ديون جديدة قصيرة الأجل في الأشهر المقبلة، يستدرك: «منطقة اليورو غير مستقرة حالياً. وعلينا أن نتساءل: إلى أين يتجه هذا الوضع إذا كانت دولة كبيرة مثل فرنسا، التي شهدت ارتفاعاً مطرداً في نسبة الدين في السنوات الأخيرة، تواجه المزيد من عدم الاستقرار السياسي؟».

ويعتقد هاينمان أن الأمل معقود على تدخل البنك المركزي الأوروبي عبر شراء السندات الفرنسية لتحقيق الاستقرار في السوق، «لكن هذا الأمل قد يكون في غير محله؛ إذ يجب على البنك المركزي الأوروبي الحرص على عدم تقويض مصداقيته» عبر التدخل غير المدروس في حلّ أزمة ضخمة كهذه.

أعلام الاتحاد الأوروبي خارج مقر المفوضية في العاصمة البلجيكية بروكسل (رويترز)

المأزق الجيوسياسي

تواجه أوروبا فسيفساء من الصعاب: حرب روسيا وأوكرانيا، وسياسة الرئيس الأميركي دونالد ترمب في ما يخص التجارة العالمية، وصعود الشعبويين اليمينيين المتطرفين في مختلف دول القارة، ومشكلة الهجرة غير الشرعية عبر البحر الأبيض المتوسط...

في السياق، أعرب مسؤولون ودبلوماسيون في بروكسل وعواصم أوروبية أخرى عن مخاوفهم من أن تضعف قيادة ماكرون في قضايا دولية مثل أوكرانيا وغزة بشكل كبير.

ونسب موقع «بوليتيكو» إلى دبلوماسي من إحدى دول الاتحاد الأوروبي، طلب عدم كشف اسمه، قوله: «فرنسا دولة كبيرة، والاضطراب السياسي المستمر فيها يُعرّض منطقة اليورو بأكملها للخطر. هذا هو الموضوع الرئيسي في كل النقاشات اليوم».

فرنسا هي القوة النووية الوحيدة في الاتحاد الأوروبي، وعضو دائم في مجلس الأمن الدولي؛ لذا لا يمكن للاتحاد أن يكون ذا قوة جيوسياسية واقتصادية وعسكرية بوجود فرنسا ضعيفة. فألمانيا لا تستطيع الاضطلاع بالدور وحدها؛ لأسباب كثيرة، منها أنها لم تتخلص بعدُ من كل رواسب ماضيها في الحربين العالميتين الأولى والثانية. وإنصافاً، كان ماكرون على مدى سنوات وراء كل أفكار إنهاض الاتحاد الأوروبي اقتصادياً وتعزيز تماسكه سياسياً، حتى إنه دعا في ولايته الأولى إلى إنشاء جيش أوروبي بدل الاتكال على «حلف شمال الأطلسي» (ناتو) الذي تدير اللعبة فيه الولايات المتحدة.

أما الآن فتواجه فرنسا احتمال صعود أكبر لليمين الشعبوي، وتخشى الأوساط العليا في الاتحاد الأوروبي أن تصل زعيمة «التجمع الوطني» مارين لوبن إلى قصر الإليزيه؛ فتكبر دائرة الدول التي يحكمها هذا التوجه، من المجر مع فيكتور أوربان، وسلوفاكيا مع روبرت فيكو، وقريباً جمهورية التشيك مع أندري بابيش رئيس الوزراء السابق (2017 - 2021) الذي حقق فوزاً في الانتخابات البرلمانية الأخيرة يرجّح عودته إلى السلطة... يضاف إلى هؤلاء صعود اليمين المتطرف في ألمانيا وسواها...

كل هذا يعني أن الأصوات المشككة في جدوى الاتحاد الأوروبي وعملية الاندماج ستتعالى، وقد تفضي في موازاة تطورات أخرى إلى انفراط عقد التكتل مع ما يستتبعه ذلك من تداعيات سياسية واقتصادية هائلة... من هنا تتعاظم أهمية ما يجري في فرنسا، خصوصاً من الآن حتى نهاية ولاية ماكرون الثانية في مايو (أيار) 2027. وليس من المبالغة القول إن التطورات الجارية في العالم كله تشي بأن الفترة المقبلة ستكون «مثيرة للاهتمام» على أكثر من صعيد، بما يشمل السلام العالمي...


مقالات ذات صلة

احتجاجات الطلاب تهز فرنسا قبل الرئاسيات

أوروبا جانب من المواجهات بين المتظاهرين وقوات الأمن في باريس يوم 6 أكتوبر (أ.ف.ب)

احتجاجات الطلاب تهز فرنسا قبل الرئاسيات

اتهم رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان لوكورنو، الثلاثاء، اليسار الراديكالي بالسعي إلى إثارة الفوضى قبل الانتخابات الرئاسية.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تقرير إخباري طلاب المدارس الثانوية الفرنسية يتجمعون أمام مدرسة ليسيه صوفي جيرمان الثانوية في باريس (رويترز)

تقرير إخباري من الإنفاق السخي إلى «قنبلة الديون»... فرنسا أمام اختبار مالي وسياسي حاسم

تجد فرنسا نفسها أمام واحدة من أصعب أزماتها المالية منذ عقود، بعدما تحوّلت سنوات الإنفاق الحكومي المرتفع إلى عبء متزايد على المالية العامة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
خاص رجال الإطفاء يلوحون بالمشاعل وأعلام الاتحاد العام للعمل أثناء تسلقهم تمثال «انتصار الجمهورية» في ساحة الأمة خلال مسيرة للمطالبة بموارد إضافية (أ.ف.ب)

خاص فرنسا أمام ثلاثية صعبة: اقتصاد متعثر وديون وشارع غاضب

بين اقتصاد يكاد يتوقف عن النمو، ومالية عامة تستنزفها الديون، وشارع يستعيد لغة الاحتجاج، تجد فرنسا نفسها أمام معادلة شديدة التعقيد.

ميشال أبونجم (باريس)
الاقتصاد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)

فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

دخلت فرنسا أسبوعاً حاسماً على الصعيدين المالي والسياسي، مع اجتماع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو وحكومته لبحث موازنة عام 2027.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم.

«الشرق الأوسط» (باريس)

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
TT

إلى أين سيقود الخلاف بين ترمب وزيلينسكي؟ وهل يهدد الدعم الحيوي لكييف برمته؟

ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
ترمب مستقبلاً بوتين بمناسبة «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ب)

من التهديدات الأميركية بوقف دعم أوكرانيا بالمعلومات المخابراتية، إلى اتفاق للديزل قد يساعد روسيا على تمويل حربها، كان الأسبوع الماضي سيئاً للعلاقات بين كييف وواشنطن، أهم حلفائها. ووسط استياء الرئيس الأميركي دونالد ترمب من ارتفاع تكاليف الطاقة، الذي يلقي باللوم جزئياً فيه على الضربات الأوكرانية لمصافي النفط الروسية، وجَّه انتقادات متكرِّرة للرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي.

وأثار تعطُّل خدمات الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية التي توفِّرها الولايات المتحدة مخاوف من أن تصبح أوكرانيا أكثر عرضةً للخطر، في وقت تستعد فيه لفصل شتاء جديد من الهجمات الروسية على بنيتها التحتية للطاقة.

الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والأوكراني فولوديمير زيلينسكي خلال لقائهما بالبيت الأبيض 28 فبراير 2025 (أ.ف.ب)

وردَّ زيلينسكي على انتقادات ترمب بسلسلة غير معتادة من التصريحات العلنية الحادة، ملمحاً إلى أن الولايات المتحدة باتت تميل إلى جانب روسيا. وقال إن أوكرانيا ستتجاهل مطلب ترمب بوقف استهداف منشآت الطاقة الروسية، مشيراً إلى استمرار الهجمات الروسية.

وأثار اتساع هوة الخلافات، كما قدَّمته «رويترز» في تحليلها هنا، مخاوف من أن تؤدي العلاقة المتقلبة بين ترمب وزيلينسكي إلى نتائج أسوأ بالنسبة لكييف. فما زال بإمكان ترمب تقييد إمدادات الأسلحة إلى أوكرانيا أو تنفيذ تهديداته بوقف تبادل المعلومات الاستخباراتية المتعلقة بساحة المعركة أو إبرام مزيد من الاتفاقات الاقتصادية مع موسكو.

وقال مسؤولان أوكرانيان مطلعان على المحادثات، طلبا عدم كشف هويتيهما، إنه رغم تصريحات زيلينسكي فإن كييف تريد مواصلة الحوار مع مبعوثَي ترمب، وهما صديقه ستيف ويتكوف وصهره جاريد كوشنر.

وقال دينيس سينيك، القائم بالأعمال في السفارة الأوكرانية بواشنطن، لقناة «نيوز ماكس»، الجمعة، إن كييف ممتنة لترمب وفريقه على جهودهما الرامية لإنهاء الحرب، وإنها مستعدة للدخول في محادثات مع روسيا. وقال ترمب للصحافيين، الجمعة، إنه سيواصل التعامل مع كل من زيلينسكي والرئيس الروسي فلاديمير بوتين. وأضاف: «أريد أن تنتهي تلك الحرب».

«فرصة ضائعة»

قال دانييل فرايد، المسؤول الكبير بوزارة الخارجية الأميركية لشؤون أوروبا بين عامَي 2005 و2009، إنه ليس من الواضح ما إذا كانت واشنطن تتجه نحو تغيير دائم في موقفها تجاه أوكرانيا، لكن التداعيات تضر بفرص إنهاء الحرب التي بدأت بالغزو الروسي الشامل في 2022. وأضاف فرايد، الذي يعمل حالياً في «مركز أبحاث المجلس الأطلسي» في واشنطن: «ليست مجرد فرصة ضائعة، بل إنها تتسبب في معاناة حقيقية في أوكرانيا، وتشجِّع بوتين على مواصلة الحرب، وبالتالي فهي ليست بلا تكلفة».

وظلت العلاقة بين ترمب وزيلينسكي متوترة منذ فترة طويلة. ووجَّه ترمب ونائبه جي دي فانس انتقادات علنية لزيلينسكي خلال اجتماع في المكتب البيضاوي في فبراير (شباط) 2025.

وأوقفت واشنطن، أو أبطأت، تقديم المساعدات العسكرية لأوكرانيا في عهد ترمب، بينما سمحت للحلفاء الأوروبيِّين بشراء أسلحة أميركية لصالح كييف. واستقرَّت العلاقة إلى أن بدأت الضربات الأوكرانية هذا العام على مواقع الطاقة في روسيا تسهم في ارتفاع أسعار الوقود.

بوتين مستقبلاً مبعوثَي ترمب جاريد كوشنر وستيف ويتكوف في الكرملين يوم 5 سبتمبر 2026 (رويترز)

وقال محللون إن ارتفاع أسعار البنزين والديزل يمثِّل صداعاً سياسياً لترمب قبل انتخابات التجديد النصفي المقررة في نوفمبر (تشرين الثاني)، التي قد يفقد فيها الحزب الجمهوري أغلبيته في الكونغرس الأميركي.

ويقول خبراء، حسب تحليل «رويترز»، إن القفزة في تكاليف الطاقة ترجع أساساً إلى الحرب الأميركية - الإسرائيلية مع إيران، التي أدت إلى هجمات إيرانية على منشآت طاقة وتسببت إلى حدٍّ كبير في إغلاق مضيق «هرمز» الحيوي. لكن شخصاً مطلعاً على المناقشات الداخلية، طلب عدم الكشف عن هويته، قال إن ترمب، المحبط من زيلينسكي، اتجه إلى روسيا لزيادة إمدادات الوقود واحتواء الأسعار. وقال ترمب في التاسع من أكتوبر (تشرين الأول) إنه توصَّل إلى اتفاق مع بوتين لرفع العقوبات مؤقتاً عن الوقود الروسي واستيراد الديزل الروسي.

مخاطر كبيرة بالنسبة لأوكرانيا

بالنسبة لكييف، فإن المخاطر كبيرة وفورية. وقال زيلينسكي، الثلاثاء، إن أوكرانيا لم تتلقَّ أي تحذير من الشركاء الغربيِّين قبل هجوم روسي دامٍ على العاصمة. ومن دون المعلومات المخابراتية الأميركية، قد تواجه أوكرانيا صعوبةً أكبر في رصد الهجمات الروسية بالصواريخ والطائرات المسيَّرة والتصدي لها، لا سيما تلك التي تستهدف البنية التحتية للطاقة التي دأبت موسكو على مهاجمتها خلال فصول الشتاء السابقة.

وقال ترمب إن الولايات المتحدة لا تزال تقدِّم المعلومات المخابراتية إلى أوكرانيا. لكن زيلينسكي قال لإذاعة «إن بي آر» إن مسؤولين أميركيين أبلغوا قادة عسكريين أوكرانيين بأن تبادل المعلومات المخابراتية قد يُخفَّض أو يوقف. وأفادت «رويترز»، الخميس، بأن نظام «ستارشيلد» الأوكراني، وهو النسخة العسكرية من خدمة «ستارلينك» التابعة لشركة «سبايس إكس»، تعطَّل بعد ما قال مسؤولان أميركيان ومسؤول غربي مطلع إنه نتيجة أمر صدر من البيت الأبيض.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وأُعيدت الخدمة جزئياً، لكن الواقعة سلطت الضوء على مكامن الضعف الناتجة عن اعتماد أوكرانيا على تكنولوجيا تسيطر عليها شركات أميركية وتخضع لقرارات إدارة ترمب. ويمنح هذا الاعتماد ترمب أداة ضغط محتملة، بينما يدفع كييف نحو إجراء مفاوضات مع موسكو.

وقد يواجه ترمب مقاومة إذا رأى الجمهوريون في الكونغرس أن نهجه يضعف أوكرانيا بينما يفيد روسيا. وما زالت أوكرانيا تحظى بدعم بين بعض الجمهوريين، الذين يرى بعضهم أن واشنطن يجب ألا تضغط على كييف للقبول بتسوية بشروط تصبُّ في مصلحة موسكو.

وقال بريت بروين، المستشار السابق للسياسة الخارجية في إدارة الرئيس الأسبق باراك أوباما ورئيس شركة «غلوبال سيتيويشن روم» للاستشارات، إن ردود زيلينسكي القوية على ترمب تنطوي على مخاطر، لكنه ربما يعول على تحول في موازين القوى في الكونغرس بعد انتخابات التجديد النصفي، بما يجعل من الصعب على ترمب تخفيف العقوبات على روسيا أو تقليص المساعدات العسكرية لكييف بصورة أكبر. وتابع «زيلينسكي يعرف جيداً مع مَن يتعامل. تهديدات ترمب لا تحدث الأثر نفسه الذي أحدثته عندما حاول جي دي فانس إحراجه في المكتب البيضاوي».

أوكرانيا تمر بـ«أحلك لحظاتها»

يرى الخبير الجيوسياسي الألماني، كليمنس فيشر، أن أوكرانيا تواجه وضعاً يائساً، بعد أن أوقف الرئيس الأميركي حزمة العقوبات الأميركية الجديدة ضد روسيا. وقال أستاذ العلاقات الدولية والجيوسياسية بجامعة كولونيا الألمانية في تصريحات لإذاعة «دويتشلاند فونك» الألمانية: «هذه بالتأكيد أحلك لحظة يمر بها الأوكرانيون في هذه الحرب حتى الآن». وذكر الخبير أن ترمب لم يقدِّم منذ البداية لأوكرانيا الدعمَ الذي كانت الدول الغربية تأمل فيه، بل ويتصرَّف الآن بصورة أكثر تشدداً.

وفي إشارة إلى انتخابات التجديد النصفي المقررة في 3 نوفمبر المقبل وارتفاع تكاليف الطاقة نتيجة حرب إيران التي بدأها ترمب بالتعاون مع إسرائيل، قال فيشر: «يريد الآن محاولة قلب نتائج انتخابات التجديد النصفي سريعاً لصالحه، ويحتاج إلى عدو إذا ارتفعت أسعار الديزل والبنزين في محطات الوقود الأميركية... لقد حدَّد أخيراً العدو الذي يعتقد أنه يستطيع تسويقه، ولذلك انقلب الوضع برمته».

زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

وأوضح فيشر، كما نقلت عنه «الوكالة الألمانية»، أن ترمب لم يكن ينظر بود إلى زيلينسكي منذ فترة طويلة، بعدما رفض الأخير في عام 2019 تقديم أدلة لترمب بشأن صفقات مشبوهة مزعومة لهانتر بايدن، نجل الرئيس الأميركي السابق جو بايدن، في أوكرانيا. وقال فيشر إن ذلك كان «الخلية الأولى لهذا النفور».

وحذَّر فيشر من أن الأسابيع المقبلة قد تلحق أضراراً طويلة الأمد بأوكرانيا، حتى لو عاد ترمب إلى دعمها بعد انتخابات التجديد النصفي، موضحاً أن أوكرانيا تعتمد على الولايات المتحدة بنسبة تقارب 100 في المائة في مجال الدفاع الجوي، وقال: «حتى في مجال الهجمات على عمق الأراضي الروسية، لا يمكنهم الاستغناء عن البيانات الأميركية».

وبحسب بيانات أوكرانية، أدى خفض مؤقت وغير معلن لخدمة الإنترنت عبر الأقمار الاصطناعية الأميركية «ستارلينك»، المستخدمة عسكرياً والمعروفة باسم «ستارشيلد»، ليلة الثلاثاء - الأربعاء الماضية إلى فقدان أجسام طائرة اتصالها عندما تجاوزت سرعتها 160 كيلومتراً في الساعة.

ويُعتقد أن ذلك أدى إلى فشل عمليات أوكرانية بطائرات مسيّرة، وعدم التصدي لطائرات مسيّرة روسية. وحذَّر فيشر قائلاً: «إذا أوقف الأميركيون بالفعل خدمة ستارشيلد خلال الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة، وأصبحت أوكرانيا أقل قدرة على الدفاع عن نفسها نتيجة لذلك، فقد يلحق ذلك أضراراً بالدفاعات الأوكرانية لا يمكن تعويضها بسهولة». وشبه فيشر الأمر بالمرض، قائلاً: «عندما يتعافى المرء ويستعيد استقراره، يكون ذلك عند مستوى منخفض».


زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
TT

زيلينسكي: أميركا سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)
الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي (أ.ب)

رأى الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، اليوم (السبت)، أن الولايات المتحدة سترفع مزيداً من العقوبات عن روسيا، غداة تعليق الرئيس دونالد ترمب العمل ببعضها، حسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

وقال زيلينسكي للصحافيين: «للأسف، سيتواصل رفع العقوبات. وأعتقد أن ما يُعرف باتفاق الديزل ليس سوى الخطوة الأولى»، في إشارة إلى الاتفاق الذي أعلن ترمب إبرامه مع نظيره الروسي فلاديمير بوتين، للسماح لموسكو بتصدير كميات من هذه المادة سعياً للحد من ارتفاع أسعار المحروقات عالمياً.


انطلاقة صاخبة للاحتجاجات ضد غلاء المعيشة في فرنسا

صدام بين شرطة مكافحة الشغب ومحتجين في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)
صدام بين شرطة مكافحة الشغب ومحتجين في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)
TT

انطلاقة صاخبة للاحتجاجات ضد غلاء المعيشة في فرنسا

صدام بين شرطة مكافحة الشغب ومحتجين في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)
صدام بين شرطة مكافحة الشغب ومحتجين في ساحة الجمهورية بباريس (رويترز)

انطلقت مظاهرات في أنحاء فرنسا، اليوم السبت، بدأت تتحول إلى احتجاجات صاخبة واسعة النطاق على مستوى البلاد ضد غلاء الأسعار وتآكل نموذج ​يهدف إلى توفير حد أدنى من الفرص والأمان الاجتماعي.

وانطلقت الاحتجاجات الشهر الماضي في المدارس الثانوية بالضواحي الشمالية الفقيرة لباريس، حيث تحول الغضب من غياب المعلمين وسوء المرافق سريعاً إلى حركة احتجاجية على مستوى البلاد على عدم المساواة وضعف الإنفاق العام وتراجع مستويات الخدمات.

وشوهد انتشار كثيف للشرطة في وسط باريس، حيث أطلقت الشرطة قنابل مسيلة للدموع، خصوصاً في ساحة الجمهورية، ومُنع على المحتجين سلوك جادة ‌الشانزليزيه وقوس النصر.

وفي الجنوب، اقتحم محتجون لفترة وجيزة مبنى بلدية مرسيليا، ثاني أكبر مدينة في فرنسا، وفق مراسل لوكالة الصحافة الفرنسية.وذكر المراسل أن محتجين ملثمين خلعوا الباب بواسطة حواجز أمنية، ثم دخل عدد منهم إلى المبنى حيث قام أحدهم برسم رمز خاص بالنشطاء الفوضويين على أحد الجدران، قبل أن تتدخل الشرطة. وهتف أحد المتظاهرين «نحن نقتحم سجن الباستيل»، في إشارة إلى اقتحام القلعة التي تحمل هذا الاسم خلال الثورة الفرنسية عام 1789.

وأغلق محتجون يرتدون السترات الصفراء شوارع، في مشهد يذكر بالاضطرابات التي شابت الولاية الرئاسية السابقة للرئيس إيمانويل ماكرون، بينما أضرمت النار في حاويات قمامة في مرسيليا، وفق وكالة «رويترز».

محتجون وسط دخان القنابل المسيلة للدموع في ساحة الجمهورية الفرنسية (أ.ف.ب)

وقالت لولا، وهي محتجة تبلغ من العمر 19 عاماً في باريس: «نناضل لأن ⁠تكاليف المعيشة أصبحت مرتفعة للغاية، ولأن أسعار ‌الوقود مرتفعة جداً، ولأن طلاب ‌المدارس الثانوية يتعرضون للعنف والإصابة في ​مختلف أنحاء البلاد لمجرد أنهم ‌يحاولون الاحتجاج والمطالبة بمزيد من المعلمين وظروف تعليمية لائقة».

ويدخل ‌ماكرون المرحلة الأخيرة من ولايته الرئاسية، تاركاً وراءه ناخبين منقسمين ومشهداً سياسياً شديد التشرذم. كما أن مساعيه الطويلة لخفض الدين العام المزداد لم تنجح في طمأنة المستثمرين الذين يتخلون عن السندات ‌الفرنسية، مما دفع تكاليف الاقتراض إلى أعلى مستوياتها في أكثر من عقدين.

وقال رئيس الوزراء ⁠سيباستيان لوكورنو، الخميس، إن السلطات تخشى وقوع اضطرابات خلال الاحتجاجات. واتهمت الحكومة حزب فرنسا الأبية اليساري المتشدد بتأجيج الاحتجاجات، وهو اتهام ينفيه الحزب.

ويبدو أن الدعوات المتداولة على وسائل التواصل الاجتماعي لانضمام مشاركين من حركات احتجاجية سابقة إلى التحركات الحالية قد لاقت استجابة، مما يشير إلى احتمال اتساع نطاق الاحتجاجات بشكل كبير.

يُذكر أن حركة السترات الصفراء انطلقت في 2018 احتجاجاً على الضرائب على وقود الديزل قبل أن تتوسع لتصبح موجة غضب ضد ارتفاع تكاليف المعيشة وعدم ​المساواة في الدخل.

لكن الأوضاع ​ظلت هادئة إلى حد بعيد منذ أن وافق ماكرون على تخفيضات ضريبية بمليارات اليورو.

Your Premium trial has ended