بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

انتصار سياسي لماكرون وسط تحديات اقتصادية متصاعدة

ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)
ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)
TT

بنك فرنسا في اختبار الاستقلالية بعد تعيين إيمانويل مولان

ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)
ماكرون خلال ترؤسه مؤتمراً عبر الفيديو لقادة مجموعة السبع لمناقشة تداعيات الحرب إلى جانب مولان في مارس الماضي (رويترز)

في خطوة تحمل أبعاداً سياسية واقتصادية واسعة، صادق البرلمان الفرنسي على تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا، رغم الجدل الذي أثاره قربه من الرئيس إيمانويل ماكرون، مما أعاد النقاش حول استقلالية المؤسسات النقدية في البلاد.

ويُعد بنك فرنسا أحد أكثر البنوك المركزية تأثيراً داخل منطقة اليورو، نظراً لحجم الاقتصاد الفرنسي باعتباره ثاني أكبر اقتصاد في الاتحاد الأوروبي بعد ألمانيا.

وجاءت موافقة البرلمان بعد تصويت مشترك للجنتي المالية في الجمعية الوطنية ومجلس الشيوخ، حيث عارض 58 نائباً من أصل 110 تعيين مولان، وهي نسبة لم تبلغ حدّ ثلاثة أخماس الأصوات (60 في المائة) اللازمة لرفض الترشيح.

وبذلك، نجح مرشح الرئيس إيمانويل ماكرون في اجتياز العقبة البرلمانية، مما جنَّبه انتكاسة سياسية كانت ستُفسَّر على أنها رفض مباشر لخياراته في التعيينات العليا. كما أظهر التصويت أن القوى الوسطية والمحافظة المقرّبة من ماكرون لعبت دوراً حاسماً في تمرير التعيين، مقابل معارضة واسعة من اليمين المتطرف واليسار والاشتراكيين، دون أن تتمكن هذه القوى من توحيد صفوفها لتحقيق الأغلبية اللازمة لعرقلة القرار.

خلفيات الجدل حول التعيين

أثار ترشيح إيمانويل مولان موجة جدل واسعة في الأوساط السياسية، بسبب قربه الشديد من ماكرون، حيث شغل منصب الأمين العام لقصر الإليزيه وكان أحد أبرز مستشاريه. وقد اعتبرت أحزاب المعارضة أن تعيينه يمثل محاولة من ماكرون لتثبيت نفوذه داخل مؤسسات الدولة قبل مغادرته السلطة في عام 2027، خصوصاً أن منصب محافظ بنك فرنسا يمتد لسنوات طويلة.

في المقابل، دافع مولان عن نفسه خلال جلسات الاستماع البرلمانية، مؤكداً أنه «رجل حر» خدم الدولة لأكثر من 30 عاماً، وأنه سيتولى مهامه باستقلالية كاملة عن السلطة التنفيذية وأي مصالح خاصة.

ويكتسب الجدل حول استقلالية البنك المركزي حساسية خاصة في أوروبا، حيث تُعد استقلالية السياسة النقدية أحد المبادئ الأساسية التي يقوم عليها البنك المركزي الأوروبي منذ تأسيسه.

التحديات الاقتصادية الأوروبية

يتزامن تعيين مولان مع مرحلة حساسة تمر بها منطقة اليورو، حيث يدرس البنك المركزي الأوروبي إمكانية رفع أسعار الفائدة لمواجهة التضخم الناتج عن ارتفاع أسعار الطاقة والتوترات الجيوسياسية. وفي هذا السياق، أكد مولان أن القرارات النقدية يجب أن تبنى على البيانات، مع ضرورة تحقيق توازن دقيق بين كبح التضخم ودعم النمو الاقتصادي.

الوضع المالي الداخلي في فرنسا

وفي الشأن المالي الداخلي، اعتبر مولان أن فرنسا تواجه تحدياً جدياً يتمثل في تقليص عجز الموازنة العامة، غير أنه شدد على أن الوضع لا يصل إلى حد الأزمة. وأشار إلى أن بيانات المعهد الوطني للإحصاء أظهرت تحسناً في عجز عام 2025 مقارنة بالتوقعات، مما يسهّل على الحكومة بلوغ هدف خفض العجز إلى نحو 5 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي خلال العام الحالي.

وأوضح أن العودة إلى سقف الاتحاد الأوروبي المحدد عند 3 في المائة تتطلب إرادة سياسية قوية من السلطتين التنفيذية والتشريعية، خصوصاً لضبط الإنفاق العام والتحكم في تكاليف قطاعي الرعاية الصحية والمعاشات التقاعدية، اللذين ينموان بوتيرة أسرع من الاقتصاد.

وفي هذا السياق، أكَّد أن تحقيق الانضباط المالي لا يستدعي بالضرورة إجراءات تقشف قاسية، بل يعتمد على إصلاحات هيكلية وإدارة أكثر كفاءة للموارد.

وتكافح فرنسا في السنوات الأخيرة لضبط ماليتها العامة، وسط انقسامات سياسية حادة داخل البرلمان أدت إلى تعطيل أو إسقاط حكومات بسبب خطط التقشف. ومع ذلك، فإن تحسن أداء العجز في 2025 يجعل تحقيق الأهداف الجديدة أكثر واقعية، ويدعم جهود الحكومة في استعادة التوازن المال

المسار المهني لإيمانويل مولان

يعد مولان (57 عاماً) من كبار المسؤولين الماليين في فرنسا، إذ يتمتع بخبرة واسعة في الإدارة الاقتصادية والمالية. فقد عمل في وزارة الاقتصاد والمالية لسنوات طويلة، وشغل منصب مدير الخزانة الفرنسية بين 2020 و2024. كما كان مدير مكتب وزير المالية برونو لو مير، وتولى لاحقاً منصب الأمين العام للإليزيه، أحد أهم المناصب في الدولة. وشارك في إدارة ملفات اقتصادية حساسة، مثل برامج الإنفاق خلال جائحة «كورونا»، والتعامل مع الأزمات المالية الأوروبية، مما جعله يُعد من صناع السياسة الاقتصادية في فرنسا خلال العقد الأخير.

ويمثل منصب محافظ بنك فرنسا موقعاً محورياً في النظام المالي، إذ تشمل مهامه: الإشراف على النظام المصرفي الفرنسي وتنظيمه، والمشاركة في مجلس محافظي البنك المركزي الأوروبي، الذي يحدد أسعار الفائدة في منطقة اليورو، والمساهمة في صياغة السياسات النقدية التي تؤثر في 21 دولة عضو في الاتحاد الأوروبي. وبالتالي، فإن شاغل هذا المنصب لا يقتصر دوره على فرنسا فقط، بل يمتد تأثيره إلى الاقتصاد الأوروبي ككل.

التحديات الاقتصادية

يأتي تعيين مولان في وقت حساس للغاية بالنسبة للبنك المركزي الأوروبي، حيث تواجه منطقة اليورو تحديات كبيرة، أبرزها ضغوط تضخمية ناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط وارتفاع أسعار الطاقة، واحتمالات رفع أسعار الفائدة في اجتماع يونيو (حزيران) لمواجهة التضخم.

في المقابل، هناك مخاطر إضعاف النمو الاقتصادي إذا تم تشديد السياسة النقدية.

وأكد مولان أن قرار رفع الفائدة يجب أن يعتمد على البيانات الاقتصادية، مع ضرورة تحقيق التوازن بين مكافحة التضخم وعدم الإضرار بالنمو، مشيراً إلى أن الوضع يتطلب حذراً كبيراً في اتخاذ القرار.

دلالات التعيين سياسياً ومؤسسياً

يحمل تعيين مولان عدة دلالات مهمة، منها:

1- تعزيز موقع ماكرون: إذ نجح في تمرير أحد أهم التعيينات رغم المعارضة.

2- تصاعد الجدل حول استقلالية المؤسسات: حيث أعاد التعيين النقاش حول حياد البنوك المركزية.

3- توازن القوى في البرلمان: إذ أظهر التصويت انقسام المعارضة وعدم قدرتها على تشكيل جبهة موحدة.

4- أهمية المنصب أوروبياً: بالنظر إلى دور بنك فرنسا داخل منظومة البنك المركزي الأوروبي.

ختاماً، يمثل تعيين إيمانويل مولان محافظاً لبنك فرنسا لحظة مفصلية في السياسة الاقتصادية الفرنسية، إذ يجمع بين الرهانات السياسية الداخلية والتحديات الاقتصادية الأوروبية. وبينما يرى مؤيدوه أنه يمتلك الخبرة والكفاءة اللازمة، يخشى منتقدوه من تسييس مؤسسة يفترض أن تكون مستقلة. وفي ظل استمرار الضغوط التضخمية وعدم اليقين العالمي، سيبقى أداء مولان في هذا المنصب تحت اختبار دقيق من الأسواق وصناع القرار على حد سواء.


مقالات ذات صلة

فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

الاقتصاد رئيس الوزراء الفرنسي سيباستيان ليكورنو خلال حضوره المخيم الصيفي «مختبر الجمهورية» في مدينة سينس جنوب شرق باريس في 29 أغسطس (أ.ف.ب)

فرنسا أمام معركة موازنة 2027... السندات عند أعلى مستوياتها منذ 2008

دخلت فرنسا أسبوعاً حاسماً على الصعيدين المالي والسياسي، مع اجتماع رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو وحكومته لبحث موازنة عام 2027.

«الشرق الأوسط» (باريس)
تحليل إخباري الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ينتظر وصول ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان لحضور مأدبة عشاء رسمية أقيمت على شرفه في قصر الإليزيه (أرشيفية - أ.ف.ب)

تحليل إخباري فرنسا أمام معركة مالية محفوفة بالمخاطر قبل الانتخابات الرئاسية

تواجه فرنسا في الأشهر المقبلة واحدة من أكثر معارك الموازنة تعقيداً في السنوات الأخيرة، مع استعداد حكومة رئيس الوزراء لطرح موازنة 2027 أمام برلمان منقسم.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا شعارات منصات تواصل اجتماعي (أ.ف.ب) p-circle

فرنسا: المجلس الدستوري يلغي حظر وسائل التواصل لمن هم دون الـ15

أصدر المجلس الدستوري في فرنسا، الجمعة، قراراً بمنع مشروع قانون يحظر استخدام وسائل التواصل الاجتماعي لمن هم دون سن 15 عاماً، قائلاً إنه ينتهك حرية التعبير.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا أعضاء البرلمان الفرنسي يشاركون بجلسة التصويت على مشروع قانون الموت الرحيم في الجمعية الوطنية وهي المجلس الأدنى للبرلمان الفرنسي... باريس 15 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

«الجمعية الوطنية» الفرنسية توافق على مشروع قانون الموت الرحيم

أعطت «الجمعية الوطنية» الفرنسية موافقتها النهائية، الأربعاء، على مشروع قانون يسمح للبالغين المصابين بأمراض مستعصية بتلقي أدوية مميتة.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا جان لوك ميلينشون (في الوسط) زعيم حزب «فرنسا الأبية» اليساري الفرنسي يشارك في مظاهرة لدعم الشعب الفنزويلي في ساحة بيلكور في ليون بوسط شرق فرنسا 10 يناير 2026 (أ.ف.ب)

حزب «فرنسا الأبية» يعتزم تقديم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة لوكورنو

أعلن حزب «فرنسا الأبية» اليساري، اليوم (الاثنين)، أنه سيقدّم لائحة لوم لحجب الثقة عن حكومة سيباستيان لوكورنو.

«الشرق الأوسط» (باريس)

«أرامكو»: نستطيع إصلاح أي اضطرابات خلال أيام


الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)
الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)
TT

«أرامكو»: نستطيع إصلاح أي اضطرابات خلال أيام


الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)
الرئيس التنفيذي لـ«أرامكو» أمين الناصر يتحدث خلال مؤتمر صحافي (رويترز)

أكد الرئيس التنفيذي لشركة «أرامكو السعودية»، أمين الناصر، أن الشركة تتمتع بمرونة تشغيلية ولوجيستية تتيح لها مواصلة إمداد عملائها والتعامل مع الاضطرابات، مشيراً إلى أن العمليات المتضررة يمكن استعادتها «خلال أيام».

وأوضح الناصر أن منظومة أنابيب «شرق - غرب» تتكون من خطوط متعددة، ما يصعّب تعطيلها بالكامل ويتيح للشركة إعادة توجيه الإمدادات وفق الظروف التشغيلية.

وقال الناصر إن «أرامكو» تملك حالياً 3 مسارات رئيسية لتصدير النفط، وتدرس إنشاء مسارين إضافيين، وبحث خيارات لتعزيز قدراتها التخزينية خارج المملكة.

وأشار إلى إمكانية الاستفادة من خط أنابيب «سوميد» الذي ينقل الخام من البحر الأحمر إلى البحر المتوسط عبر مصر، مؤكداً استمرار الشركة في الوفاء بالتزاماتها تجاه عملائها، ولا سيما في اليابان وكوريا الجنوبية والصين، مع مواصلة تقييم خيارات إضافية لنقل الخام إلى الأسواق العالمية.


الحكومة المصرية تتوسع في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء

طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)
طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)
TT

الحكومة المصرية تتوسع في مبادرة «خفض الأسعار» لمواجهة الغلاء

طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)
طرح 18 سلعة جديدة في منافذ مبادرة «خفض أسعار السلع» بمصر (صفحة وزارة التموين على «فيسبوك»)

تتوسع الحكومة المصرية في مبادرة أطلقتها الشهر الجاري بهدف احتواء أزمة الغلاء، من خلال ضخ سلع أساسية بأسعار مخفضة على مدى ستة أشهر.

وأعلنت الحكومة، الخميس، طرح 18 سلعة جديدة في إطار المبادرة بدءاً من الجمعة، ليرتفع إجمالي السلع المطروحة فيها إلى 30 سلعة.

وقال وزير التموين والتجارة الداخلية شريف فاروق، إن نجاح المبادرة لا يقتصر على الإعلان عن السلع والأسعار المخفضة، إنما يرتبط بمدى توافرها الفعلي واستمرارية طرحها في المنافذ. وشدد على أن وصول السلع إلى المواطنين بالكميات المناسبة والأسعار المحددة «يمثل المعيار الأساسي لمتابعة تنفيذ المبادرة وتقييم نتائجها على أرض الواقع».

كان رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قد أكد مجدداً أهمية استمرار جهود مختلف الجهات المعنية بما يسهم في إتاحة السلع بالكميات والأسعار المناسبة. وشدد خلال اجتماعه مع أعضاء ومسؤولين بحكومته، منتصف الشهر الجاري، على «أهمية الاستمرار في تنفيذ المخططات الرامية إلى التوسع في مختلف المنافذ الثابتة والمتحركة لبيع السلع»، قائلاً إن ذلك من شأنه أن يسهم في مزيد من الاستقرار في حركة الأسواق وضبط الأسعار.

وترأس وزير التموين، الخميس، اجتماع غرفة عمليات متابعة تنفيذ مبادرة «خفض أسعار السلع» للتأكد من توافر السلع الأساسية وانتظام ضخ الكميات المطلوبة منها.

وزير التموين المصري مجتمعاً مع غرفة عمليات مبادرة «خفض أسعار السلع» يوم الخميس (صفحة مجلس الوزراء على «فيسبوك»)

ووفق إفادة لـ«مجلس الوزراء» استعرض الاجتماع معدلات توافر السلع بالمنافذ المشاركة، ومتابعة انتظام عمليات الإمداد وإعادة الضخ وفقاً لمعدلات الطلب. كما ناقش موقف التوسع في شبكة المنافذ المشاركة بالمبادرة ومتابعة دخول المنافذ والفروع الجديدة إلى منظومة الإتاحة.

ووجه وزير التموين بمواصلة العمل على زيادة عدد نقاط البيع وتوسيع نطاق التغطية الجغرافية، مع استمرار التنسيق مع الجهات المعنية لزيادة المعروض من السلع المخفضة بمختلف المحافظات، خصوصاً في المناطق ذات الكثافة السكانية المرتفعة والتي تشهد معدلات طلب متزايدة.

وقال: «بدءاً من الجمعة سيتم طرح 18 سلعة جديدة بفروع ومنافذ المبادرة ليرتفع إجمالي عدد السلع المطروحة من 12 سلعة حالياً إلى 30 سلعة، وذلك في إطار خطة الوزارة لزيادة المعروض وتنويع الأصناف المتاحة، وتوفير مجموعة متكاملة من السلع الأساسية والغذائية والاستهلاكية بأسعار مخفضة تناسب احتياجات المواطنين».

وحسب مراقبين، فإن «مبادرة خفض الأسعار» ستسهم مؤقتاً في توافر السلع لكنها «لن تحتوي موجة الغلاء». وقالوا إن المؤشرات تلفت إلى أن أسعار معظم السلع الغذائية تشهد ارتفاعاً عالمياً، وهو ما سينعكس بدوره على الأسواق المصرية.

وتشهد مصر موجات غلاء متتابعة وارتفاعاً متواصلاً في أسعار معظم السلع، زادت من حدته التوترات الإقليمية في المنطقة.

وسجل معدل التضخم السنوي في المدن المصرية 14.5 في المائة خلال أغسطس (آب) الماضي مقابل 14.9 في المائة في يوليو (تموز)، وفقاً لبيانات «الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء».

ويرى عضو مجلس النواب أيمن محسب، أن «مبادرة خفض الأسعار» خطوة مهمة في إطار التعامل مع ملف الأسواق من خلال رؤية تتجاوز فكرة التخفيض المؤقت للأسعار، إلى العمل على زيادة المعروض وتوسيع قنوات التوزيع والوصول المباشر إلى المواطنين، بما يعزز استقرار الأسواق ويحد من الضغوط السعرية.

وأشار في تصريحات نقلتها مواقع محلية إلى أن أهمية المبادرة لا تتوقف عند الأسعار المخفضة التي تقدمها المنافذ المشاركة، إنما تمتد إلى خلق بدائل متعددة أمام المستهلك، بما يدعم المنافسة ويحد من قدرة أي حلقات وسيطة على فرض زيادات غير مبررة على الأسعار.

وفيما يتعلق بالرقابة على الأسواق، شدد وزير التموين، الخميس، على تكثيف الحملات الرقابية والمتابعة الميدانية للتأكد من الالتزام بالأسعار المعلنة وجودة السلع وتوافرها، وكذلك سرعة رصد أي مخالفات أو ممارسات من شأنها التأثير على انتظام طرح السلع أو وصولها إلى المواطنين، والتعامل الفوري معها واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة حيال المخالفين.


«وول ستريت» تتراجع مجدداً تحت ضغط ارتفاع عوائد السندات

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
TT

«وول ستريت» تتراجع مجدداً تحت ضغط ارتفاع عوائد السندات

متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)
متداولان يعملان في بورصة نيويورك (أ.ب)

لا تزال «وول ستريت» ترزح تحت ضغوط مصدرها سوق السندات، ما دفع الأسهم الأميركية إلى التراجع مجدداً يوم الخميس.

وانخفض مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.4 في المائة، متجهاً نحو تسجيل تراجع لليوم الثالث على التوالي، بعدما كان قد اقترب من أعلى مستوى قياسي له على الإطلاق الذي سجله الشهر الماضي. وفي الوقت نفسه، تراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي 124 نقطة، أو 0.2 في المائة، بحلول الساعة 9:35 صباحاً بتوقيت الساحل الشرقي، فيما انخفض مؤشر «ناسداك» المجمع 0.6 في المائة، وفق «رويترز».

وتباطأ أداء الأسهم تحت وطأة ارتفاع العوائد في سوق السندات، ما يزيد تكلفة الاقتراض على الجميع، بما في ذلك الأفراد الذين يحاولون مواجهة معدلات التضخم المرتفعة، والشركات التي تسعى إلى إنشاء مراكز بيانات لتقنيات الذكاء الاصطناعي، والحكومة الأميركية التي تحاول سد الفجوة الهائلة بين إنفاقها وإيراداتها.

وقد قفزت العوائد إلى أعلى مستوياتها منذ سنوات، ما يبطئ الاقتصاد ككل، ويضغط في الوقت نفسه على أسعار الأسهم والاستثمارات الأخرى. واقترب عائد سندات الخزانة لأجل 10 سنوات لفترة وجيزة من مستوى 5.15 في المائة صباح الخميس، قبل أن يتراجع إلى 5.09 في المائة، مقارنة بـ5.11 في المائة في نهاية تعاملات الأربعاء.

ويقترب هذا المستوى من مستوياته في عام 2007، ويمثل ارتفاعاً حاداً مقارنة بمستوى 3.97 في المائة المسجل قبل أن تؤدي الحرب مع إيران إلى رفع أسعار النفط بشكل كبير. وارتفع سعر برميل خام برنت 1.8 في المائة أخرى يوم الخميس، ليصل إلى 99.88 دولار.

وأدى ذلك إلى ارتفاع متوسط سعر غالون البنزين العادي إلى 4.48 دولار، مقارنة بأقل من 4.10 دولار قبل شهر و3.16 دولار قبل عام، وفقاً لبيانات جمعية السيارات الأميركية.

ولا تقتصر أسباب ارتفاع عوائد سندات الخزانة على المخاوف المتعلقة بالتضخم، إذ يواصل الاقتصاد الأميركي نموه، ما يدعم أيضاً مستويات العوائد. وشهدت سوق السندات اضطراباً كبيراً يوم الأربعاء، بعدما أشار تقرير أولي إلى أن نشاط الأعمال في الولايات المتحدة ينمو بأسرع وتيرة له منذ سنوات، في حين تزداد تكاليف الشركات الأميركية بسرعة أيضاً.

وأظهر تقرير صدر يوم الخميس انخفاض عدد العمال الأميركيين المتقدمين بطلبات للحصول على إعانات البطالة الأسبوع الماضي، ما عزز التوقعات الإيجابية بشأن الاقتصاد.

وقد تقنع هذه البيانات مجلس الاحتياطي الفيدرالي بأن الاقتصاد قادر على تحمل مزيد من الزيادات في أسعار الفائدة قصيرة الأجل. وكان الاحتياطي الفيدرالي قد رفع سعر الفائدة الرئيسي الأسبوع الماضي للمرة الأولى منذ ثلاث سنوات، بهدف إبطاء وتيرة الاقتصاد والحد من العوامل المسببة للتضخم.

ويرى المتداولون الآن احتمالاً يقارب 50 في المائة لقيام الاحتياطي الفيدرالي برفع أسعار الفائدة مرتين إضافيتين قبل نهاية العام، وهي احتمالية تشبه رمية العملة، وفقاً لبيانات مجموعة «سي إم إي».

وحتى الآن، ساعدت متانة الاقتصاد الأميركي الشركات على مواصلة تحقيق نمو قوي في الأرباح. وساعد ذلك بدوره في الحفاظ على استقرار أسعار أسهمها نسبياً، رغم المخاوف المتعلقة بالحرب والتضخم والرسوم الجمركية.

وكتب محللون استراتيجيون في بنك «باركليز» في تقرير: «لقد أصبحت العناوين الإخبارية أكثر قتامة، لكن المحركات الأساسية للنمو لا تزال قائمة. وما دام استمرت الاستثمارات المتعلقة بالذكاء الاصطناعي، وربحية الشركات الأميركية، وإنفاق المستهلكين في تجاوز التوقعات، فإن الاقتصاد والأسواق يبدوان قادرين على استيعاب سياسات التشديد النقدي من البنوك المركزية وارتفاع أسعار الفائدة».

وفي وقت متأخر من يوم الأربعاء، انضمت شركة «ستيتش فيكس» إلى قائمة الشركات التي أعلنت نتائج للربع الأخير تفوق توقعات المحللين. ومع ذلك، هوى سهم الشركة 22 في المائة بعد أن أشارت إلى أن «بيئة استهلاكية أكثر صعوبة» قد تعوق نمو إيراداتها في السنة المالية المقبلة.

كما تراجع سهم شركة «داردن ريستورانتس»، المالكة لسلسلتي «أوليف غاردن» و«لونغ هورن ستيك هاوس»، بنسبة 2.6 في المائة، بعدما أعلنت أرباحاً للربع الأخير جاءت متوافقة مع توقعات المحللين.

وتؤثر العوائد المرتفعة في سوق السندات سلباً على أسعار الأسهم بمختلف أنواعها، وعادة ما تلحق الضرر الأكبر بالأسهم التي تُعد مرتفعة التقييم، أو «باهظة الثمن».

ويضع ذلك أسهم شركات الذكاء الاصطناعي في دائرة الاستهداف، بعدما شهدت ارتفاعاً صاروخياً في السنوات السابقة وسط حالة من الهوس بهذه التكنولوجيا. كما قد تؤدي العوائد المرتفعة إلى إبطاء إنشاء مراكز بيانات الذكاء الاصطناعي، ما سيحد بدوره من الطلب على رقائق الذكاء الاصطناعي.

وانخفض سهم شركة «إنفيديا» بنسبة 1.4 في المائة، ليشكل أكبر عامل ضغط على مؤشر «ستاندرد آند بورز 500»، نظراً إلى الحجم الضخم للشركة.

أما في أسواق الأسهم الخارجية، فتباين أداء المؤشرات وسط تحركات طفيفة في الغالب؛ إذ انخفض المؤشر في شنغهاي بنسبة 1.2 في المائة، بينما ارتفع في طوكيو بنسبة 0.8 في المائة، مسجلين بذلك اثنين من أبرز التحركات السعرية في الأسواق العالمية.