توتر بين أنقرة وأوروبا بشأن الوجود العسكري شمال قبرص

«البرلمان الأوروبي» يدرس إقامة نصب تذكاري لـ«نساء تعرضن لعنف تركي»

البرلمان الأوروبي يواصل سلسلة قراراته ضد تركيا بسبب وجودها العسكري في شمال قبرص (أ.ف.ب)
البرلمان الأوروبي يواصل سلسلة قراراته ضد تركيا بسبب وجودها العسكري في شمال قبرص (أ.ف.ب)
TT

توتر بين أنقرة وأوروبا بشأن الوجود العسكري شمال قبرص

البرلمان الأوروبي يواصل سلسلة قراراته ضد تركيا بسبب وجودها العسكري في شمال قبرص (أ.ف.ب)
البرلمان الأوروبي يواصل سلسلة قراراته ضد تركيا بسبب وجودها العسكري في شمال قبرص (أ.ف.ب)

شهد التوتر في علاقات تركيا بـ«الاتحاد الأوروبي» ومؤسساته فصلاً جديداً محوره الوجود العسكري التركي المستمر في شمال قبرص منذ عام 1974.

وفي أحدث فصول التوتر، قدمت «لجنة حقوق المرأة ومساواة الجنسين» في «البرلمان الأوروبي» مقترحاً بتخصيص تمويل ضمن ميزانية «الاتحاد الأوروبي» لعام 2027، لتشييد نصب تذكاري في نيقوسيا تخليداً لذكرى نساء «قبرصيات يونانيات» يُدّعى أنهن تعرضن للعنف الجسدي من قبل الجنود الأتراك خلال التدخل في شمال قبرص عام 1974.

تحذير تركي

ودعت تركيا مؤسسات «الاتحاد الأوروبي» إلى عدم الانسياق وراء مزاعم تروجها قبرص، تعدّ تشويهاً وتسييساً للحقائق التاريخية، يطرحها «الجانب الرومي» (جمهورية قبرص).

وقالت وزارة الخارجية التركية، في بيان، إن «القوات التركية حالت دون إبادة القبارصة الأتراك»، من خلال ما سمتها «عملية السلام (التدخل العسكري في شمال قبرص عام 1974)، «وأرست سلاماً في كامل الجزيرة لا يزال مستمراً منذ أكثر من نصف قرن».

تحافظ تركيا على وجود كثيف لقواتها في شمال قبرص منذ عام 1974 (وزارة الدفاع التركية)

وعدّت أن انسياق مؤسسات «الاتحاد الأوروبي» وراء «دعاية الجانب اليوناني في قبرص، وابتعادها عن الحياد والعدالة، بدلاً من الإسهام في حل القضية القبرصية، من شأنه تعميق انعدام الثقة بين المجتمعين التركي واليوناني» في الجزيرة المقسمة.

ودعا البيان مسؤولي «الاتحاد الأوروبي» إلى «عدم التحول إلى أداة في أيدي جهات تهدف بكل خطوة تتخذها إلى إبعاد تركيا عن التكتل الأوروبي».

مواقف أوروبية صارمة

وجاء ذلك بعدما وافق «البرلمان الأوروبي»، في 8 يوليو (تموز) الماضي، على قرار عدّ تدخل تركيا في شمال قبرص عام 1974 «غزواً»، متهماً جيشها «بارتكاب فظائع بحق القبارصة اليونانيين». وفي منتصف يوليو، أصدر الاتحاد الأوروبي «وثيقة التفاهم المشترك» التي فتحت فصلاً جديداً للتوتر مع تركيا لتجاهل وضعها بصفتها دولة مرشحة للانضمام.

واعترف «الاتحاد الأوروبي» بتركيا بصفتها دولة مرشحة للعضوية في عام 1999 بعد عقود من طلبها الحصول على العضوية، وبدأ مفاوضاته معها عام 2004، وفُتح 12 فصلاً من أصل 35 فصلاً تتضمن معايير على تركيا التزامها وتنفيذها لتكون مؤهلة للانضمام، لكن المفاوضات جمّدت تماماً منذ عام 2016، إثر هجوم من إردوغان على «الاتحاد» لعدم دعم بلاده في مواجهة محاولة انقلاب فاشلة على حكمه وقعت في 15 يوليو من ذلك العام.

تسببت مواقف وتصريحات إردوغان المنتقدة «الاتحاد الأوروبي» في موقف متعنت تجاه عضوية تركيا (الرئاسة التركية)

وتسببت التصريحات الحادة، في كثير من المناسبات، لا سيما في الفترات التي شهدت فيها تركيا انتخابات برلمانية ورئاسية، في تعنت من جانب «الاتحاد» في استئناف المفاوضات؛ بذريعة «ابتعاد تركيا عن معايير الديمقراطية، وسيادة القانون، واحترام حقوق الإنسان، وحرية التعبير؛ بسبب التوسع في اعتقالات السياسيين والصحافيين المعارضين لإردوغان».

وقالت تركيا إن «(الوثيقة) أوردت ادعاءات بشأن شرق البحر المتوسط لا أساس لها من الصحة، وتدل على أن (الاتحاد الأوروبي) ما زال أسير فهم متحيز ومشوَّه للأحداث»، ووصفتها بأنها تفتقد «الموضوعية والإنصاف»، وبأنها «تبرهن، مجدداً، على انعدام الرؤية الاستراتيجية لـ(الاتحاد الأوروبي) تجاه المستقبل المشترك، لا سيما أنها صيغت بعد أيام من قمة (حلف شمال الأطلسي - ناتو) في أنقرة يومي 7 و8 يوليو (الماضي)، التي أكدت الدور الذي لا غنى عنه لتركيا في أمن أوروبا».

مساعٍ لتخفيف التوتر

والتقى إردوغان، على هامش قمة حلف «ناتو» في أنقرة، رئيسة «المفوضية الأوروبية»، أورسولا فون دير لاين، ورئيس «المجلس الأوروبي»، أنطونيو كوستا، لبحث العلاقات بين تركيا وأوروبا.

إردوغان خلال استقباله رئيس «المجلس الأوروبي» أنطونيو كوستا ورئيسة «المفوضية الأوروبية» فون دير لاين في أنقرة يوم 8 يوليو 2026 (الرئاسة التركية)

وسبقت ذلك استضافة أنقرة، في 30 يونيو (حزيران) الماضي، وفداً رفيع المستوى من «الاتحاد الأوروبي» ضم: الممثلة العليا لـ«الشؤون الخارجية والسياسة الأمنية»، كايا كالاس، ومفوضة «التوسيع»، مارتا كوس، ومفوض «الشؤون الداخلية»، ماغنوس برونر، في زيارة نادرة، وذلك عقب موافقة «البرلمان الأوروبي» على تقرير أعده المقرر الخاص بتركيا، النائب الإسباني ناتشو آمور سانشيز، أكد أنه «لا يمكن استئناف المفاوضات مع تركيا بسبب ما أرجعه إلى (التآكل الخطير والمستمر) لسيادة القانون مع التضييق على المعارضة، فضلاً عن الأزمات التي تدخل فيها تركيا مع دول أعضاء في (الاتحاد الأوروبي)، مثل اليونان وقبرص».

محادثات بين وزير الخارجية التركي هاكان فيدان ومسؤولين في وزارته مع وفد «الاتحاد الأوروبي» يوم 30 يونيو 2026 (الخارجية التركية)

وأجرى الوفد محادثات مع وزير الخارجية، هاكان فيدان، وعدد من مسؤولي الوزارة. وأكد الجانبان، في بيان مشترك، الأهمية الاستراتيجية للعلاقات التركية - الأوروبية لتحقيق الاستقرار الإقليمي والاقتصادي، وشددا على «ضرورة العمل معاً في مواجهة التحديات الجيوسياسية، وأهمية التعاون في مجالات التجارة والطاقة والنقل والرقمنة في سياق أجندة الربط الإقليمي»، لكن الوفد الأوروبي امتنع عن الإشارة إلى إمكانية استئناف مفاوضات انضمام تركيا.

لكن وزارة الخارجية التركية أكدت، في بيان، أن عضوية «الاتحاد الأوروبي» لا تزال «هدفاً استراتيجياً» لتركيا، وإنها على استعداد لتطوير العلاقات بـ«الاتحاد» على هذا الأساس.

وغداة صدور «وثيقة الاتحاد الأوروبي للتفاهم المشترك»، انتقد إردوغان «الاتحاد الأوروبي» بشدة، قائلاً إنه «لا يبدو راغباً في قبول تركيا عضواً»، وإن عضويته لم تعد أولوية بالنسبة إليها، متهماً قادة أوروبا بـ«الافتقار إلى الإرادة السياسية لقبول عضوية تركيا». وعدّ أن أوروبا «ستكون الخاسر الأكبر في نهاية المطاف، إذا استمر التعثر في جهود الانضمام».


مقالات ذات صلة

تركيا وفرنسا توقعان برنامج تعاون عسكري

أوروبا غيوم أولانييه المدير العام للعلاقات الدولية والاستراتيجية في الجيش الفرنسي مع نظيره التركي الفريق إلكاي ألتينداغ (وزارة الدفاع التركية)

تركيا وفرنسا توقعان برنامج تعاون عسكري

وقعت تركيا وفرنسا «خريطة طريق لتطوير علاقاتهما في مجالي الدفاع والأمن» في ظل النزاعات الدائرة في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وفق ما أفادت مصادر رسمية.

«الشرق الأوسط» (أنقرة)
شؤون إقليمية أعلن «حزب العمال الكردستاني» يوم 26 أكتوبر 2025 سحب 25 مسلحاً من تركيا في خطوة لتأكيد إنهاء النزاع المسلح (رويترز)

«الكردستاني» يسحب جميع مسلحيه من تركيا لتحفيز خطوات «السلام»

أعلن «حزب العمال الكردستاني» سحب جميع مسلحيه من تركيا ومناطق قريبة منها؛ «للقضاء على أي ذريعة» لحكومتها للتباطؤ في تنفيذ «القانون الإطاري» للسلام...

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
شؤون إقليمية أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مؤشراً قوياً على الترشح لرئاسة تركيا لولاية جديدة (الرئاسة التركية)

تركيا: إردوغان يعطي إشارة قوية على الترشح لولاية رئاسية جديدة

أعطى الرئيس التركي رجب طيب إردوغان مؤشراً قوياً على ترشحه لولاية جديدة عبر تقديم موعد الانتخابات الرئاسية المقررة عام 2028

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
العالم سفن تركية خلال مناورة «نصرت 2025» التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) التي أجريت العام الماضي (وزارة الدفاع التركية)

تركيا: انطلاق تدريبات لـ«ناتو» على مكافحة الألغام بالبحر الأسود وبحر إيجه

انطلقت في تركيا، الثلاثاء، مناورات «نصرت 2026» التابعة لحلف شمال الأطلسي (ناتو) للتدريب على مكافحة الألغام البحرية في بحر إيجه والبحر الأسود.

سعيد عبد الرازق (أنقرة)
الخليج المشاركون في الاجتماع الطارئ للجنة الاستراتيجية السياسية والدفاعية لحلف مكة الدفاعي (واس) p-circle 00:21

«حلف مكة» يُفعِّل الردع الجماعي ضد الاعتداءات على السعودية

قال الأمير خالد بن سلمان، وزير الدفاع السعودي، إن اجتماع «حلف مكة الدفاعي» أكد تفعيل الردع الجماعي ضد الاعتداءات على المملكة والمشاعر المقدسة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)

«الناتو» يستعد لمناورات «الردع النووي» السنوية وسط توتر مع روسيا

جنود يطلقون قذيفة من مدفع «هاون» خلال إحدى مناورات حلف «الناتو» (الحلف الأطلسي عبر «فيسبوك»)
جنود يطلقون قذيفة من مدفع «هاون» خلال إحدى مناورات حلف «الناتو» (الحلف الأطلسي عبر «فيسبوك»)
TT

«الناتو» يستعد لمناورات «الردع النووي» السنوية وسط توتر مع روسيا

جنود يطلقون قذيفة من مدفع «هاون» خلال إحدى مناورات حلف «الناتو» (الحلف الأطلسي عبر «فيسبوك»)
جنود يطلقون قذيفة من مدفع «هاون» خلال إحدى مناورات حلف «الناتو» (الحلف الأطلسي عبر «فيسبوك»)

أعلن حلف شمال الأطلسي (الناتو) أنه سيبدأ مناورات «الردع النووي» السنوية في إيطاليا اعتباراً من الثلاثاء، وسط مخاوف متزايدة بشأن روسيا.

وقال الحلف، الخميس، إن مناوراته «ستيدفاست نون» (الظهيرة الثابتة) ستُجرى في الفترة من 13 إلى 23 أكتوبر (تشرين الأول)، بمشاركة 17 دولة.

وأورد، في بيان، أن «هذا التمرين هو نشاط تدريبي روتيني مخطط له منذ فترة طويلة، ويُعد جزءاً من جهود الحلف للحفاظ على الجاهزية واختبار الإجراءات التي تساهم في قدرات الردع والدفاع».

وأضاف، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «لا تُستخدم أسلحة حية في مناورات (ستيدفاست نون)، كما أن التمرين غير مرتبط بالأحداث العالمية الراهنة، ولا يستهدف أي دولة».

وبينما شدد الأمين العام للحلف مارك روته على أن «الناتو» هو «تحالف دفاعي»، أشار إلى أن هذا التدريب «يساعدنا على ضمان امتلاك قدرة آمنة ومؤمّنة وفعّالة وموثوقة للحفاظ على السلام، ومنع الإكراه، وردع العدوان. كما أنه يبعث برسالة واضحة تعكس الوحدة والعزم».

وكانت روسيا اتهمت «الناتو» بالقيام بأعمال «استفزازية» حول جيب كالينينغراد التابع لها وغير المتصل بأراضيها، وحذّرت من أنها مستعدة لاستخدام «ترسانتها بأكملها» للرد على أي اعتداء.

ودان الحلف هذه التصريحات، لكن مسؤوليه يقولون إنه لم يرصد تغييرات جوهرية في الوضع النووي الروسي.


تركيا وفرنسا توقعان برنامج تعاون عسكري

غيوم أولانييه المدير العام للعلاقات الدولية والاستراتيجية في الجيش الفرنسي مع نظيره التركي الفريق إلكاي ألتينداغ (وزارة الدفاع التركية)
غيوم أولانييه المدير العام للعلاقات الدولية والاستراتيجية في الجيش الفرنسي مع نظيره التركي الفريق إلكاي ألتينداغ (وزارة الدفاع التركية)
TT

تركيا وفرنسا توقعان برنامج تعاون عسكري

غيوم أولانييه المدير العام للعلاقات الدولية والاستراتيجية في الجيش الفرنسي مع نظيره التركي الفريق إلكاي ألتينداغ (وزارة الدفاع التركية)
غيوم أولانييه المدير العام للعلاقات الدولية والاستراتيجية في الجيش الفرنسي مع نظيره التركي الفريق إلكاي ألتينداغ (وزارة الدفاع التركية)

وقعت تركيا وفرنسا «خريطة طريق لتطوير علاقاتهما في مجالي الدفاع والأمن» في ظل النزاعات الدائرة في الشرق الأوسط وأوكرانيا، وفق ما أفادت مصادر رسمية، الخميس.

يختلف البلدان العضوان في حلف شمال الأطلسي (ناتو) أحياناً، بل ويتنافسان حتى في بعض الملفات تبعاً للرهانات الجيوسياسية، غير أنهما يسعيان إلى إضفاء طابع مؤسسي على علاقاتهما العسكرية القائمة على المصالح المشتركة.

وتنص خريطة الطريق خصوصاً على «مواجهة التهديدات متعددة الوسائل، وتبادل المعلومات الاستخباراتية، وتعزيز التعاون في مجال الدفاع الجوي، وتحسين التوافق التشغيلي لأنظمة» التسليح، وفق وزارة الدفاع التركية.

من المقرر أيضاً تنظيم دورات تدريبية وتمارين مشتركة، فضلاً عن «تبادلات... بين الكليات الحربية»، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وستعقد اجتماعات دورية بالتناوب في باريس وأنقرة، على أن يكون الاجتماع الأول «في الربع الأخير من عام 2026»، وفق المصدر ذاته.

وأشاد المدير العام للعلاقات الدولية والاستراتيجية في الجيش الفرنسي، السبت، بلقائه في باريس مع نظيره التركي الفريق إلكاي ألتينداغ لإجراء حوار استراتيجي ثنائي.

وقال غيوم أولانييه، على منصة «لينكد إن»، إنه «في ظل بيئة جيوسياسية تتسم بالحرب في أوكرانيا والتوترات المستمرة في الشرق الأوسط، أتاح لنا هذا اللقاء تبادل تحليلاتنا وتحديد نقاط التقارب»، مشيراً حينها إلى «خريطة الطريق».

تتسم العلاقات الفرنسية التركية بالتباين، ففي عام 2020، وقعت مواجهة بين القوات البحرية للبلدين في البحر الأبيض المتوسط على خلفية محاولة اعتراض شحنة أسلحة متوجهة إلى ليبيا تدخلت سفن تركية لحمايتها.

لكن رغم كثيرة المواضيع الخلافية، فإن هناك نقاط التقاء عديدة أيضاً.

والبلدان عضوان في «تحالف الراغبين» المستعد لتطبيق ضمانات أمنية لأوكرانيا عقب وقف محتمل لإطلاق النار مع روسيا.

ومن منظور صناعي، تبدي تركيا اهتماماً منذ سنوات بنظام الصواريخ الفرنسي- الإيطالي أرض - جو المتحرك «سامب-تي» (مامبا).


بريطانيا تعرض على ألمانيا الانضمام إلى مشروع «مقاتلة الجيل المقبل»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)
TT

بريطانيا تعرض على ألمانيا الانضمام إلى مشروع «مقاتلة الجيل المقبل»

المستشار الألماني فريدريش ميرتس مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس مستقبلاً رئيس الوزراء البريطاني أندي بيرنهام في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)

في وقت تلف فيه ألمانيا فضيحة الاتهامات بالتجسس المرتبطة بالرئيس الأسبق لمخابراتها أوغست هانينغ، وصل رئيس الحكومة البريطانية أندي بيرنهام إلى برلين في زيارة هي الأولى له منذ تسلمه مهامه.

وبحسب بيان بريطاني، فإن بيرنهام يريد تعميق التعاون مع ألمانيا في مكافحة الهجمات السيبرانية وأعمال التخريب والتهديدات الهجينة، مشيراً إلى أن هذا التهديد «الذي يشكله خصومنا - خاصة روسيا - يهدد أمننا المشترك». وأضاف البيان أن البلدين «يلتزمان بشراكة لمواجهة التهديدات الهجينة والتصدي للأنشطة العدائية التي تهدد الأمن والرخاء في بلدينا».

ومن غير الواضح ما إذا فضحية تورط هانينغ مع مخابرات أجنبية ستؤثر على شكل هذا التعاون، أو ما إذا كان الرجلان قد تطرقا إليه خلال لقائهما. ولم يعقد الزعيمان مؤتمراً صحافياً بل اكتفيا ببيانات لخصت النقاط التي ركز عليها اللقاء. وتتزايد المخاوف من أن تتراجع الثقة بالمخابرات الألمانية بعد اعتقال هانينغ، خاصة أن صحيفة «تيليغراف» نقلت مخاوف المخابرات البريطانية من تراجع الثقة بالمخابرات الألمانية بعد اعتقال رئيسها الأسبق بتهمة التجسس.

وتتزايد المخاوف من هجمات هجينة في أوروبا، خاصة في ألمانيا، تتسبب بها روسيا. وقد عثرت السلطات الألمانية في أغسطس (آب) الماضي على مسيرات محملة بمتفجرات في مطار لايبزيغ، اتهمت برلين موسكو بالوقوف خلفها. وبعد إثبات التحقيقات تورط الكرملين، أعلنت ألمانيا عن إغلاق المركز الثقافي الروسي في برلين والقنصلية الروسية في بون. وردت موسكو بالمثل، مُعلنةً إغلاق المركز الثقافي الألماني في عدد من المدن الروسية.

مشروع مقاتلات مشتركة

وفي ملف دفاعي آخر برز خلال الزيارة، قال بيرنهام إنه منفتح على انضمام ألمانيا إلى مشروع المقاتلة من الجيل المقبل «برنامج القتال الجوي العالمي» (GCAP)، الذي تعمل عليه بريطانيا وإيطاليا واليابان، ويهدف إلى استبدال مقاتلات «يوروفايتر تايفون» و«ميتسوبيشي إف - 2» المستخدمة حالياً في هذه الدول، وفق «وكالة الصحافة الفرنسية».

ميرتس وبيرنهام على شرفة المستشارية في برلين يوم 8 أكتوبر (أ.ف.ب)

وقال بيرنهام خلال زيارته إلى برلين إنه أبلغ المستشار فريدريش ميرتس خلال محادثاتهما بـ«انفتاح بريطانيا على انضمام ألمانيا إلى GCAP»، مُضيفاً أنه يأمل في العمل مع إيطاليا واليابان «خلال الفترة المقبلة» بشأن إمكان انضمام برلين إلى البرنامج. ولم يعلق ميرتس على هذه المسألة خلال ظهوره إلى جانب بيرنهام.

ويأتي الطرح البريطاني بعد انهيار المشروع المنافس الذي كانت تعمل عليه ألمانيا مع فرنسا وإسبانيا، المعروف باسم «نظام القتال الجوي المستقبلي» (FCAS)، في يونيو (حزيران) الماضي، وسط خلافات بين الشركات المشاركة. وكان المشروع قد تعثّر بعدما طالبت مجموعة «داسو» الفرنسية لصناعات الطيران بسيطرة أكبر على المبادرة، ما أثار اعتراضات في برلين ولدى قطاع الدفاع في شركة «إيرباص» الذي يتخذ من ألمانيا مقراً له.

وكانت فرنسا وألمانيا قد شدّدتا في إطار المشروع على ضرورة الحفاظ على دور الصناعات المحلية في برامج الدفاع المتطورة، وهو ما قد يشكل عقبة أمام انضمام ألمانيا إلى «GCAP»، بعدما اقتسمت شركات كبرى في الدول الثلاث المشاركة، بينها «بي إيه إي سيستمز» البريطانية و«ليوناردو» الإيطالية و«ميتسوبيشي» اليابانية، جزءاً كبيراً من الأعمال بالفعل. كما طُرحت شركة «ساب» السويدية كشريك محتمل لألمانيا و«إيرباص» في تطوير مقاتلة من الجيل المقبل.

ورغم انهيار برنامج «FCAS» بشكله المتعلق بالمقاتلة، يؤكد مسؤولون فرنسيون وألمان أن أجزاء أخرى من المشروع، بينها أنظمة الحوسبة القتالية المترابطة وأسراب الطائرات المسيّرة التي يُفترض أن ترافق المقاتلة، ستستمر. كما عرض تحالف يضم ثماني شركات، من بينها «إيرباص»، على برلين تطوير المقاتلة الجديدة بنفسه بديلاً عن المشروع الفرنسي - الألماني المتعثر، بحسب «وكالة الصحافة الفرنسية».

«معاهدة كنزنغتون»

خلال الزيارة، وقع بيرنهام وميرتس على معاهدة الصداقة التي تعرف بـ«معاهدة كنزنغتون»، والتي تهدف إلى تحديد أطر تعاون بين البلدين مع خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي. وكانت الوثيقة التي تضم 27 صفحة، قد وقعت خلال الزيارة الأولى التي أجراها ميرتس إلى بريطانيا في يوليو (تموز) من العام الماضي مع سلف بيرنهام المستقيل، كير ستارمر.

ميرتس وبيرنهام يشاركان في «مؤتمر النمو الإقليمي» في برلين يوم 8 أكتوبر (د.ب.أ)

وتُركّز وثيقة العمل على تعزيز التعاون في مجالات العلوم والتكنولوجيا والدفاع والأمن والنمو. وكان في صلب الزيارة كذلك تبادل الطلاب بين البلدين، وقد التقى بيرنهام بموجة منتقاة من الطلاب الألمان من مدرسة عامة في برلين يدرسون الإنجليزية. وقال ميرتس في بيان إن المعاهدة ستفتح «فرصاً جديدة للتعاون بين بريطانيا وألمانيا بعد الخروج المؤسف لبريطانيا من الاتحاد الأوروبي، وهي توفر في المقام الأول وصولاً أفضل لكلا البلدين من دون تأشيرات بما في ذلك الإقامات الطويلة لأطفال المدارس وطلاب الجامعات والتبادل الطلابي». وشدّد ميرتس أن المعاهدة هدفها «أن تظهر لجيل الشباب مدى جودة التعاون بين الأوروبيين وارتباطنا ببعضنا».

وكان بيرنهام قد لمح إلى استعداده لطرح إعادة بريطانيا إلى الاتحاد الأوروبي، قائلاً إن الخروج تسبّب بأذى أكثر مما أفاد بريطانيا، ليصبح أول رئيس وزراء بريطاني يطرح الفكرة منذ «بريكست». وأبدت ألمانيا انفتاحاً على عودة بريطانيا للاتحاد الأوروبي، وقال متحدث باسم الحكومة الألمانية إن الانضمام من جديد «لن يفشل بسبب الاتحاد الأوروبي».