تتجمع في واشنطن مؤشرات تتجاوز التصريحات الفردية، وتوحي بأن الحرب الروسية - الأوكرانية تستعيد موقعها على أجندة الرئيس دونالد ترمب بعدما همّشتها الحرب مع إيران. فمجلس الشيوخ يتحرك لتشديد الخناق الاقتصادي على موسكو، وشخصيات مؤثرة داخل تيار «ماغا» تعيد النظر في عدائها السابق لكييف، فيما بات الدعم الروسي لطهران يُقدَّم دليلاً على أن فلاديمير بوتين ليس شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة.
لكن هذه الضغوط لم تتحول بعد إلى انقلاب مكتمل في سياسة ترمب؛ إذ لا يزال حريصاً على إبقاء قنواته مع الرئيس الروسي مفتوحة، حتى وهو يقترب من زيلينسكي ويبحث إعادة إطلاق الوساطة.

ضغط يتجاوز الأفراد
أوضح دليل على اتساع المزاج الجمهوري الجديد جاء من مجلس الشيوخ، الذي صوّت بأغلبية 86 مقابل 12 لمصلحة المضي في مشروع عقوبات واسع على روسيا، حمل اسم السيناتور الراحل ليندسي غراهام. ويستهدف المشروع مسؤولين روساً، ويمنح ترمب صلاحية فرض رسوم تصل إلى 100 في المائة على الدول الكبرى المستوردة للطاقة الروسية. كما أضيفت إليه عقوبات مرتبطة بإيران بناءً على طلب الرئيس، ما ربط عملياً بين سلوكي موسكو وطهران.
المشروع يحظى بدعم أكثر من ستين سيناتوراً، بينهم قيادات جمهورية مثل رئيس لجنة العلاقات الخارجية جيم ريش، وزعيم الغالبية جون ثون، ورئيس لجنة القوات المسلحة روجر ويكر.
وقال ريش إن زيادة الضغط يمكن أن تغيّر حسابات بوتين وتقرب نهاية الحرب، فيما اعتبر مؤيدو المشروع أن العقوبات تمنح ترمب ورقة تفاوضية لا دعوة إلى حرب مفتوحة.
وفي السياق نفسه، دعا توماس غراهام، المسؤول السابق عن ملف روسيا في البيت الأبيض خلال عهد جورج دبليو بوش، في مقالة في صحيفة «نيويورك تايمز»، ترمب إلى إرسال مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر فوراً إلى كييف، ثم إلى موسكو، لإطلاق دبلوماسية مكوكية مكثفة. حجته أن إنهاك الطرفين يفتح نافذة للتسوية، لكن استمرار التصعيد قد يغلقها سريعاً، محذراً من أن يكون ذلك على حساب الأمن القومي.

«ماغا» تعيد الحسابات
التحول الأكثر إثارة جاء من لورا لومر، المدونة المقربة من ترمب، التي عادت من زيارة استمرت عشرة أيام لأوكرانيا بعدما كانت من أشد منتقدي زيلينسكي والمساعدات الأميركية. لومر باتت تقول إن روسيا هي المشكلة وإن تأييد أوكرانيا ينسجم مع شعار «أميركا أولاً»، وتعتزم عرض استنتاجاتها على ترمب في البيت الأبيض، حيث تخطط لزيارة الرئيس في الأيام المقبلة، بعدما أعاد نشر مقابلتها مع زيلينسكي، بحسب صحيفة «واشنطن بوست».
أهمية التحول لا تكمن في لومر وحدها، بل في اللغة المستخدمة لإقناع القاعدة الجمهورية: أوكرانيا لم تعد تُعرض بوصفها دولة تطلب الأموال بلا نهاية، وإنما باعتبارها شريكاً يمتلك خبرة متقدمة في الطائرات المسيّرة ومواجهة الأسلحة الإيرانية، ويمكنه نقل التكنولوجيا والإنتاج إلى الولايات المتحدة. بهذا المعنى، نجحت كييف جزئياً في نقل النقاش من تكلفة دعمها إلى العائد الاستراتيجي الذي قد تقدمه.

ويعزز هذه المقاربة ملف التعاون الروسي - الإيراني. فقد قال زيلينسكي إن بلاده رصدت منذ مطلع يوليو نشاطاً لأقمار اصطناعية روسية فوق قواعد أميركية وخليجية، وإن الصور انتقلت لاحقاً إلى إيران. وأقر وزير الدفاع بيت هيغسيث، بصيغة حذرة، بأن روسيا والصين تساعدان طهران بدرجات مختلفة، بينما اختار ترمب تصديق نفي بوتين والزعيم الصيني شي جينبينغ، بحسب «سي بي إس نيوز».
بيد أن الموقف الأكثر حدة جاء من مايك بومبيو، وزير الخارجية ومدير وكالة الاستخبارات المركزية في ولاية ترمب الأولى. فقد ذهب أبعد، معتبراً أن المواجهة لم تعد حرباً إقليمية، بل «حرباً عالمية»، تربط إيران بروسيا والصين في محور يسعى إلى تقويض التفوق الغربي.

موسكو تهاجم لغة الإنذارات الغربية
قال نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل جالوزين، إن موسكو لم تتلق حتى الآن أي أفكار بناءة من الغرب بخصوص القضية الأوكرانية. وأضاف جالوزين، على هامش المنتدى الإعلامي الثالث بين كازاخستان وروسيا، «حتى الآن، لم نتلق أي أفكار بناءة من الجانب الآخر، أي من الغرب ومن الدول الغربية المعنية». وتابع: «على العكس، يلجأ هذا الجانب أحياناً إلى لغة الإنذارات، موهماً نفسه بأن حرب الاستنزاف، أو الحرب الهجينة التي يشنونها ضد روسيا، بما في ذلك عبر الوسائل الاقتصادية، والأساليب غير النزيهة التي تهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال المنافسة غير العادلة واستغلال النفوذ على المؤسسات والأدوات المالية الدولية، (ستنجح) في تحقيق أهدافها»، بحسب ما ذكرته وكالة «تاس» الروسية للأنباء.
وقال جالوزين إن الدوائر الحاكمة في الغرب «تنحدر أحياناً إلى أسلوب حوار غير مقبول على الإطلاق، يتسم بالإنذارات، والنبرة المتعالية، والتشدد، انطلاقاً من وهم لا يستند إلى أساس مفاده بأن بإمكانها التأثير على روسيا من خلال سياسة الضغوط». وأضاف جالوزين أن «هذا النهج، بطبيعة الحال، لن ينجح».

الميدان يفرض إيقاعه
وبينما عَدّت تطورات الميدان بمثابة تعزيز لدعوات التحرك، لكنها كشفت أيضاً عن صعوبة التوصل إلى تسوية في ظل تصعيد يتسع جغرافياً ونوعياً. وفي الساعات الأولى من الرابع من أغسطس (آب)، قالت السلطات الروسية إن موجة جديدة من المسيّرات الأوكرانية أصابت مستودعين لشركة «وايلدبريز» في منطقتي لينينغراد وتفير، بعد هجمات سابقة على منشآت للشركة، كما ضربت مستودعاً في تشيخوف بمنطقة موسكو، حيث أُعلن مقتل خمسة أشخاص وإصابة عشرة. وأكدت شركة «وايلدبريز» اندلاع حريق في مستودعها في كراسني بور إثر الهجوم، بحسب ما أفاد حاكم منطقة لينينغراد ألكسندر دروزدينكو.
وأفاد حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف في منشور على «تلغرام» باندلاع حرائق في منطقة نوفوسلكي الصناعية عقب الضربة. وقال إن «المعلومات الأولية تشير إلى مقتل خمسة أشخاص»، مشيراً إلى إصابة عشرة آخرين. كما تسببت هجمات بطائرات مسيّرة في إلحاق أضرار بمستودع قرب كراسني بور في شمال غربي روسيا، مما أسفر عن إصابة شخص واحد.
وتندرج الضربات في حملة أوكرانية تستهدف نقل كلفة الحرب إلى العمق الروسي وتعطيل منشآت تقول كييف إنها تخدم الاقتصاد والجهد الحربي لموسكو.
في المقابل لم يقتصر التصعيد الروسي على المدن والبنى التحتية الأوكرانية. ونقلت «وكالة الإعلام الروسية»، الثلاثاء، عن وزارة الدفاع قولها إن القوات الروسية قصفت سبع سفن شحن في ميناء ميكولايف الأوكراني وفي البحر الأسود. وقالت، من دون تقديم أدلة، إن جميعها كانت تنقل إمدادات عسكرية إلى أوكرانيا.
وأوضحت أنه نتيجة للغارات التي شنتها القوات الروسية في مقاطعة أوديسا، «تضرر كل من مصنع (تشورنومورسك) لمكونات السيارات، ومحطة ميناء كانت القوات المسلحة الأوكرانية تجري فيها إصلاحات للمركبات العسكرية وتخزن فيها الذخيرة والوقود».

ونددت تركيا بهجوم بمسيَّرات وقع الاثنين في البحر الأسود واستهدف سفينتين عائدتين إلى شركتين تركيتين، كانتا تحملان الذرة. وقالت وزارة الخارجية التركية في بيان إن «السفينتين المدنيتين التابعتين لشركتي الشحن التركيتين (يسار) و(ناديزدا) تعرضتا لهجوم بطائرات مسيّرة بعد إبحارهما من ميناء نوفوروسيسك ليل الاثنين؛ ما أسفر عن إصابة بعض أفراد الطاقم، بمن فيهم مواطنون أتراك».
وبذلك لم يعد البحر الأسود مجرد ممر خلفي للحرب، بل تحول إلى ساحة مباشرة لضرب خطوط الإمداد والتجارة. هذا التوسع في الأهداف، بالتوازي مع استمرار القصف الروسي للموانئ والمدن الأوكرانية وضربات كييف في العمق الروسي، يجعل نافذة التفاوض أكثر إلحاحاً، لكنه يرفع أيضاً ثمن أي فشل جديد للوساطة الأميركية.

ترمب لم يحسم
خلال لقائه زيلينسكي في 28 يوليو، ناقش ترمب إحياء المفاوضات وترخيص إنتاج صواريخ «باتريوت» في أوكرانيا. وذكرت «رويترز» أن مبعوثي ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وافقا على زيارة كييف للمرة الأولى، وإن لم يُحدد بعد موعد الرحلة. وعَدّ ذلك إشارات إلى تصحيح في التوازن بعد جولات قام بها المبعوثان إلى موسكو من دون زيارة كييف.
لكن ترمب لا يزال يقول إنه «ينسجم مع كليهما»، بوتين وزيلينسكي، ويتجنب تحميل موسكو وحدها مسؤولية تعطيل التسوية. والكرملين بدوره يمدح صدق مساعيه، لكنه يتعهد بمواصلة القتال حتى «النصر الكامل» في انتظار مقترحات أميركية جديدة.
لذلك، لا يتعلق الاختبار بما إذا كان ترمب سيقطع مع بوتين، بل بما إذا كان سيحوّل العقوبات والتقارب مع كييف إلى ضغط تفاوضي حقيقي. المؤشرات تدفعه في هذا الاتجاه، لكن القرار النهائي - كالعادة في سياسته الخارجية - لا يزال مرتبطاً بحساباته الشخصية وبما يعتقد أنه قادر على انتزاعه من الرئيس الروسي.
