هل بدأ ترمب يفقد صبره مع بوتين؟

ضغط جمهوري و«ماغا» يعيدان أوكرانيا إلى الواجهة

أوكرانيون يبتعدون عن مكان استهدفته غارة جوية روسية في زابوريجيا يوم الأحد (إ.ب.أ)
أوكرانيون يبتعدون عن مكان استهدفته غارة جوية روسية في زابوريجيا يوم الأحد (إ.ب.أ)
TT

هل بدأ ترمب يفقد صبره مع بوتين؟

أوكرانيون يبتعدون عن مكان استهدفته غارة جوية روسية في زابوريجيا يوم الأحد (إ.ب.أ)
أوكرانيون يبتعدون عن مكان استهدفته غارة جوية روسية في زابوريجيا يوم الأحد (إ.ب.أ)

تتجمع في واشنطن مؤشرات تتجاوز التصريحات الفردية، وتوحي بأن الحرب الروسية - الأوكرانية تستعيد موقعها على أجندة الرئيس دونالد ترمب بعدما همّشتها الحرب مع إيران. فمجلس الشيوخ يتحرك لتشديد الخناق الاقتصادي على موسكو، وشخصيات مؤثرة داخل تيار «ماغا» تعيد النظر في عدائها السابق لكييف، فيما بات الدعم الروسي لطهران يُقدَّم دليلاً على أن فلاديمير بوتين ليس شريكاً موثوقاً للولايات المتحدة.

لكن هذه الضغوط لم تتحول بعد إلى انقلاب مكتمل في سياسة ترمب؛ إذ لا يزال حريصاً على إبقاء قنواته مع الرئيس الروسي مفتوحة، حتى وهو يقترب من زيلينسكي ويبحث إعادة إطلاق الوساطة.

جانب من لقاء ترمب وزيلينسكي يوم 28 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

ضغط يتجاوز الأفراد

أوضح دليل على اتساع المزاج الجمهوري الجديد جاء من مجلس الشيوخ، الذي صوّت بأغلبية 86 مقابل 12 لمصلحة المضي في مشروع عقوبات واسع على روسيا، حمل اسم السيناتور الراحل ليندسي غراهام. ويستهدف المشروع مسؤولين روساً، ويمنح ترمب صلاحية فرض رسوم تصل إلى 100 في المائة على الدول الكبرى المستوردة للطاقة الروسية. كما أضيفت إليه عقوبات مرتبطة بإيران بناءً على طلب الرئيس، ما ربط عملياً بين سلوكي موسكو وطهران.

المشروع يحظى بدعم أكثر من ستين سيناتوراً، بينهم قيادات جمهورية مثل رئيس لجنة العلاقات الخارجية جيم ريش، وزعيم الغالبية جون ثون، ورئيس لجنة القوات المسلحة روجر ويكر.

وقال ريش إن زيادة الضغط يمكن أن تغيّر حسابات بوتين وتقرب نهاية الحرب، فيما اعتبر مؤيدو المشروع أن العقوبات تمنح ترمب ورقة تفاوضية لا دعوة إلى حرب مفتوحة.

وفي السياق نفسه، دعا توماس غراهام، المسؤول السابق عن ملف روسيا في البيت الأبيض خلال عهد جورج دبليو بوش، في مقالة في صحيفة «نيويورك تايمز»، ترمب إلى إرسال مبعوثيه ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر فوراً إلى كييف، ثم إلى موسكو، لإطلاق دبلوماسية مكوكية مكثفة. حجته أن إنهاك الطرفين يفتح نافذة للتسوية، لكن استمرار التصعيد قد يغلقها سريعاً، محذراً من أن يكون ذلك على حساب الأمن القومي.

دخان يتصاعد من شارع أصيب بهجوم صاروخي روسي على كييف يوم السبت (أ.ب)

«ماغا» تعيد الحسابات

التحول الأكثر إثارة جاء من لورا لومر، المدونة المقربة من ترمب، التي عادت من زيارة استمرت عشرة أيام لأوكرانيا بعدما كانت من أشد منتقدي زيلينسكي والمساعدات الأميركية. لومر باتت تقول إن روسيا هي المشكلة وإن تأييد أوكرانيا ينسجم مع شعار «أميركا أولاً»، وتعتزم عرض استنتاجاتها على ترمب في البيت الأبيض، حيث تخطط لزيارة الرئيس في الأيام المقبلة، بعدما أعاد نشر مقابلتها مع زيلينسكي، بحسب صحيفة «واشنطن بوست».

أهمية التحول لا تكمن في لومر وحدها، بل في اللغة المستخدمة لإقناع القاعدة الجمهورية: أوكرانيا لم تعد تُعرض بوصفها دولة تطلب الأموال بلا نهاية، وإنما باعتبارها شريكاً يمتلك خبرة متقدمة في الطائرات المسيّرة ومواجهة الأسلحة الإيرانية، ويمكنه نقل التكنولوجيا والإنتاج إلى الولايات المتحدة. بهذا المعنى، نجحت كييف جزئياً في نقل النقاش من تكلفة دعمها إلى العائد الاستراتيجي الذي قد تقدمه.

رجل إطفاء يخمد النيران بعد هجوم روسي على سوق في كييف يوم 30 يوليو (أ.ف.ب)

ويعزز هذه المقاربة ملف التعاون الروسي - الإيراني. فقد قال زيلينسكي إن بلاده رصدت منذ مطلع يوليو نشاطاً لأقمار اصطناعية روسية فوق قواعد أميركية وخليجية، وإن الصور انتقلت لاحقاً إلى إيران. وأقر وزير الدفاع بيت هيغسيث، بصيغة حذرة، بأن روسيا والصين تساعدان طهران بدرجات مختلفة، بينما اختار ترمب تصديق نفي بوتين والزعيم الصيني شي جينبينغ، بحسب «سي بي إس نيوز».

بيد أن الموقف الأكثر حدة جاء من مايك بومبيو، وزير الخارجية ومدير وكالة الاستخبارات المركزية في ولاية ترمب الأولى. فقد ذهب أبعد، معتبراً أن المواجهة لم تعد حرباً إقليمية، بل «حرباً عالمية»، تربط إيران بروسيا والصين في محور يسعى إلى تقويض التفوق الغربي.

رجال الإطفاء أمام مبنى سكني في كييف أُصيب بضربة صاروخية روسية (رويترز)

موسكو تهاجم لغة الإنذارات الغربية

قال نائب وزير الخارجية الروسي، ميخائيل جالوزين، إن موسكو لم تتلق حتى الآن أي أفكار بناءة من الغرب بخصوص القضية الأوكرانية. وأضاف جالوزين، على هامش المنتدى الإعلامي الثالث بين كازاخستان وروسيا، «حتى الآن، لم نتلق أي أفكار بناءة من الجانب الآخر، أي من الغرب ومن الدول الغربية المعنية». وتابع: «على العكس، يلجأ هذا الجانب أحياناً إلى لغة الإنذارات، موهماً نفسه بأن حرب الاستنزاف، أو الحرب الهجينة التي يشنونها ضد روسيا، بما في ذلك عبر الوسائل الاقتصادية، والأساليب غير النزيهة التي تهدف إلى تحقيق مكاسب اقتصادية من خلال المنافسة غير العادلة واستغلال النفوذ على المؤسسات والأدوات المالية الدولية، (ستنجح) في تحقيق أهدافها»، بحسب ما ذكرته وكالة «تاس» الروسية للأنباء.

وقال جالوزين إن الدوائر الحاكمة في الغرب «تنحدر أحياناً إلى أسلوب حوار غير مقبول على الإطلاق، يتسم بالإنذارات، والنبرة المتعالية، والتشدد، انطلاقاً من وهم لا يستند إلى أساس مفاده بأن بإمكانها التأثير على روسيا من خلال سياسة الضغوط». وأضاف جالوزين أن «هذا النهج، بطبيعة الحال، لن ينجح».

دخان يتصاعد من منشأة لتكرير النفط عقب هجوم أوكراني تم الإبلاغ عنه في بلدة نوغينسك خارج موسكو بروسيا يوم 18 يوليو 2026 (أ.ف.ب)

الميدان يفرض إيقاعه

وبينما عَدّت تطورات الميدان بمثابة تعزيز لدعوات التحرك، لكنها كشفت أيضاً عن صعوبة التوصل إلى تسوية في ظل تصعيد يتسع جغرافياً ونوعياً. وفي الساعات الأولى من الرابع من أغسطس (آب)، قالت السلطات الروسية إن موجة جديدة من المسيّرات الأوكرانية أصابت مستودعين لشركة «وايلدبريز» في منطقتي لينينغراد وتفير، بعد هجمات سابقة على منشآت للشركة، كما ضربت مستودعاً في تشيخوف بمنطقة موسكو، حيث أُعلن مقتل خمسة أشخاص وإصابة عشرة. وأكدت شركة «وايلدبريز» اندلاع حريق في مستودعها في كراسني بور إثر الهجوم، بحسب ما أفاد حاكم منطقة لينينغراد ألكسندر دروزدينكو.

وأفاد حاكم منطقة موسكو أندريه فوروبيوف في منشور على «تلغرام» باندلاع حرائق في منطقة نوفوسلكي الصناعية عقب الضربة. وقال إن «المعلومات الأولية تشير إلى مقتل خمسة أشخاص»، مشيراً إلى إصابة عشرة آخرين. كما تسببت هجمات بطائرات مسيّرة في إلحاق أضرار بمستودع قرب كراسني بور في شمال غربي روسيا، مما أسفر عن إصابة شخص واحد.

وتندرج الضربات في حملة أوكرانية تستهدف نقل كلفة الحرب إلى العمق الروسي وتعطيل منشآت تقول كييف إنها تخدم الاقتصاد والجهد الحربي لموسكو.

في المقابل لم يقتصر التصعيد الروسي على المدن والبنى التحتية الأوكرانية. ونقلت «وكالة الإعلام الروسية»، الثلاثاء، عن وزارة الدفاع قولها إن القوات الروسية قصفت سبع سفن شحن في ميناء ميكولايف الأوكراني وفي البحر الأسود. وقالت، من دون تقديم أدلة، إن جميعها كانت تنقل إمدادات عسكرية إلى أوكرانيا.

وأوضحت أنه نتيجة للغارات التي شنتها القوات الروسية في مقاطعة أوديسا، «تضرر كل من مصنع (تشورنومورسك) لمكونات السيارات، ومحطة ميناء كانت القوات المسلحة الأوكرانية تجري فيها إصلاحات للمركبات العسكرية وتخزن فيها الذخيرة والوقود».

الدخان يتصاعد من موقع تعرّض لقصف بمسيّرات أوكرانية قرب موسكو السبت (رويترز)

ونددت تركيا بهجوم بمسيَّرات وقع الاثنين في البحر الأسود واستهدف سفينتين عائدتين إلى شركتين تركيتين، كانتا تحملان الذرة. وقالت وزارة الخارجية التركية في بيان إن «السفينتين المدنيتين التابعتين لشركتي الشحن التركيتين (يسار) و(ناديزدا) تعرضتا لهجوم بطائرات مسيّرة بعد إبحارهما من ميناء نوفوروسيسك ليل الاثنين؛ ما أسفر عن إصابة بعض أفراد الطاقم، بمن فيهم مواطنون أتراك».

وبذلك لم يعد البحر الأسود مجرد ممر خلفي للحرب، بل تحول إلى ساحة مباشرة لضرب خطوط الإمداد والتجارة. هذا التوسع في الأهداف، بالتوازي مع استمرار القصف الروسي للموانئ والمدن الأوكرانية وضربات كييف في العمق الروسي، يجعل نافذة التفاوض أكثر إلحاحاً، لكنه يرفع أيضاً ثمن أي فشل جديد للوساطة الأميركية.

أوكرانيون يحتمون في محطة قطار الأنفاق بكييف خلال هجوم روسي فجر يوم 30 يوليو (أ.ف.ب)

ترمب لم يحسم

خلال لقائه زيلينسكي في 28 يوليو، ناقش ترمب إحياء المفاوضات وترخيص إنتاج صواريخ «باتريوت» في أوكرانيا. وذكرت «رويترز» أن مبعوثي ترمب ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر وافقا على زيارة كييف للمرة الأولى، وإن لم يُحدد بعد موعد الرحلة. وعَدّ ذلك إشارات إلى تصحيح في التوازن بعد جولات قام بها المبعوثان إلى موسكو من دون زيارة كييف.

لكن ترمب لا يزال يقول إنه «ينسجم مع كليهما»، بوتين وزيلينسكي، ويتجنب تحميل موسكو وحدها مسؤولية تعطيل التسوية. والكرملين بدوره يمدح صدق مساعيه، لكنه يتعهد بمواصلة القتال حتى «النصر الكامل» في انتظار مقترحات أميركية جديدة.

لذلك، لا يتعلق الاختبار بما إذا كان ترمب سيقطع مع بوتين، بل بما إذا كان سيحوّل العقوبات والتقارب مع كييف إلى ضغط تفاوضي حقيقي. المؤشرات تدفعه في هذا الاتجاه، لكن القرار النهائي - كالعادة في سياسته الخارجية - لا يزال مرتبطاً بحساباته الشخصية وبما يعتقد أنه قادر على انتزاعه من الرئيس الروسي.


مقالات ذات صلة

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

تحليل إخباري أحد أجهزة «ستارلينك» (إكس)

ما الفرق بين «ستارلينك» و«ستارشيلد»؟

«ستارلينك» و«ستارشيلد»: كيف تداخلت شبكات الإنترنت الفضائي مع القرارات الأمنية والسيادية؟ تفاصيل دقيقة حول التنافس التنظيمي والعسكري الجديد في المدار.

كوثر وكيل (لندن)
أوروبا زيلينسكي في اليوم الثاني من القمة الأوروبية مع أنتونيو كوستا وأورسولا فون دير لاين (أ.ف.ب)

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية، غير أن الخلافات تفاقمت حول مواضيع أساسية مثل الهجرة والموازنة.

شوقي الريّس (بروكسل )
أوروبا الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي وخلفه شعار الاتحاد الأوروبي على هامش قمة لزعماء التكتل (د.ب.أ)

قادة الاتحاد الأوروبي يدعون إلى تقليص اعتماد أوروبا على «ستارلينك»

بحث قادة الاتحاد الأوروبي سبل الحد من اعتماد أوكرانيا على نظام «ستارلينك» الذي يدعم عملياتها العسكرية، بعدما شهد النظام الأميركي اضطرابات أثرت على استخدامه.

«الشرق الأوسط» (بروكسل)
أوروبا أوكراني وزوجته وابنتهما أمام بناية تعرضت لغارة في كييف أمس (أ.ب) p-circle

الكرملين لا يثق بزيلينسكي لكنه يرى أن التسوية السياسية من دونه «مستحيلة»

خلافاً للموقف المتشدد للرئيس الأميركي دونالد ترمب حيال العلاقة مع الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، جاء موقف الكرملين أكثر هدوءاً وتحفظاً، وبدا لافتاً في…

رائد جبر (موسكو)
الولايات المتحدة​ الرئيس الأميركي دونالد ترمب يلتقي بالرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي في البيت الأبيض بالعاصمة واشنطن يوم 28 فبراير 2025 (رويترز)

ترمب: زيلينسكي ليس شخصاً جيداً للتعامل معه

وصف الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي، بأنه شريك تفاوضي أكثر صعوبة من الروسي فلاديمير بوتين، مصوّراً إياه عقبةً أمام إنهاء الحرب.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
TT

المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» تستقيل من منصبها

هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)
هانا شتيرنه (مؤسسة نوبل)

أعلنت هانا شتيرنه، المديرة التنفيذية لمؤسسة «نوبل» المرموقة، استقالتها، الجمعة، بعد أيام من إعلان الفائزين بجوائز نوبل لهذا العام.

وقالت المؤسسة، في بيان، إن الصحافية السويدية والمديرة الإعلامية (57 عاماً)، ستتنحى عن منصبها، لأسباب «شخصية وصحية».

وقالت شتيرنه: «كانت رحلة رائعة لتطوير أنشطة مؤسسة نوبل والمساهمة في ضمان وصول جوائز نوبل إلى الناس في جميع أنحاء العالم».

وأضافت: «أشعر بالفخر إزاء ما حققناه معاً، وبالزملاء ذوي الكفاءة العالية في مختلف المجالات المرتبطة بنوبل».

وتولت شتيرنه إدارة المؤسسة في مطلع عام 2025. وقبل ذلك، كانت تتولى رئاسة هيئة البث العامة السويدية «إس في تي».

أُسست مؤسسة نوبل في عام 1900 لإدارة إرث رجل الصناعة السويدي ومخترع الديناميت ألفريد نوبل (1833-1896).


البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
TT

البابا ليو يقيم قداساً في المستشفى بعد خضوعه لجراحة لاستئصال ورم سرطاني

أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)
أشخاص يلتقطون صورة مع تمثال البابا جون بول الثاني خارج مستشفى جيميلي في روما (رويترز)

أقام البابا ليو الرابع عشر قداساً، الجمعة، في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج، بعد خضوعه لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في الرئة، وفق ما أظهرت صور له هي الأولى التي ينشرها الفاتيكان بعد إجراء العملية.

وأظهرت الصور البابا، البالغ (71 عاماً) والمولود في شيكاغو، واقفاً أمام مذبح في غرفة من المستشفى في روما، مرتدياً ثوباً كهنوتياً أخضر.

وبدا البابا في حالة جيدة، وإلى جانبه سكرتيره الخاص الكاهن البيروفي إدغارد ريمايكونيا، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

وذكر المكتب الإعلامي للفاتيكان أن البابا أقام القداس بحضور الطاقمَيْن الطبي والتمريضي في مستشفى جيميلي، إلى جانب أشخاص كانوا موجودين في المكان خارج أوقات دوامهم، كما انضم إليهم عناصر من الشرطة.

وأضاف أن البابا أعرب عن شكره لجميع العاملين من أطباء وممرضين وموظفي خدمات، على تفانيهم في العمل وقربهم من الناس واهتمامهم بضعف الإنسان، وخصوصاً على ما تلقاه شخصياً في الأيام الماضية من رعاية واهتمام وعلاج.

ومن المتوقع أن يترأس البابا صلاة «التبشير الملائكي» التقليدية، الأحد، لكن مصدراً في الفاتيكان لم يوضح ما إذا كانت الصلاة ستُقام من داخل المستشفى أم من الفاتيكان.

وتعوّد البابا إقامة صلاة «التبشير الملائكي» كل يوم أحد من نافذة القصر الرسولي المطلة على ساحة القديس بطرس، أمام حشود في الساحة.

البابا ليو الرابع عشر يقيم قداساً في المستشفى الذي يتلقى فيه العلاج (د.ب.أ)

فحوص مستمرة

أدخل البابا ليو، الثلاثاء، إلى مستشفى جيميلي في روما والواقع شمال الفاتيكان، حيث خضع لعملية جراحية لاستئصال ورم سرطاني في رئته اليمنى.

وذكر الأطباء أنه يتعافى بشكل طبيعي، لكن الفحوص المستمرة ستحدد المسار المقبل لعلاجه.

وأفاد أطباؤه، الخميس، بأن صورة الأشعة للصدر أظهرت «تعافياً جيداً للرئة التي أُجريت لها الجراحة».

وأفادوا، الجمعة، بأن الفحوص أظهرت «تحسناً مستمراً في حالته العامة»، لافتين النظر إلى أنه بات الآن يمارس «أنشطته اليومية المعتادة بشكل مستقل تماماً».

ولم تظهر بعد نتائج الفحوص التي ستحدد ما إذا كان السرطان قد انتشر. وقال مصدر في الفاتيكان إن «معنويات (البابا) جيدة، وهذا واضح. كما أن تعافيه يسير على ما يرام، بدليل أن البابا تمكن من إقامة القداس».

«أيام أفضل»

لم يدل المكتب بأي معلومات عن الموعد المحتمل لخروج البابا من المستشفى، مكتفياً بتكرار ما سبق أن ذكره الطبيب لجهة أن تعافيه سيستغرق نحو أسبوع.

وإذا قام البابا صلاة «التبشير الملائكي» من نافذة مستشفى جيميلي، فلن تكون سابقة في تاريخ الكنيسة الكاثوليكية.

ففي 6 فبراير (شباط) 2005، أطل البابا يوحنا بولس الثاني، الذي كان يبلغ حينها (84 عاماً)، من نافذة المستشفى خلال تعافيه من مشكلات تنفسية نجمت عن الإنفلونزا، فيما تولى أحد مساعديه تلاوة صلاة التبشير واقفاً إلى جانبه.

كما أقام البابا فرنسيس الصلاة ذاتها من نافذة المستشفى في 11 يوليو (تموز) 2021، وكان يبلغ حينها (84 عاماً) أيضاً، وذلك عقب خضوعه لجراحة في القولون. وقال يومها للحشود المجتمعة: «أنا سعيد لأنني تمكنت من الالتزام بموعد صلاة (التبشير الملائكي) ليوم الأحد، حتى من هنا».

ونشر الفاتيكان، الجمعة، مجموعة من الرسوم والرسائل التي أرسلها أطفال في المستشفى، بالإضافة إلى رسالة من شابة تبلغ (18 عاماً) كتبت فيها «سنحيا أياماً أفضل».

وكتب طفل في السابعة اسمه أنجيلو نقل إلى الطابق العاشر من مستشفى جيميلي قبل 36 يوماً، حيث خضع لجراحة في الرأس: «أمي وأنا نصلي من أجلك كل ليلة. أتمنى أن تتحسن صحتك قريباً».


الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
TT

الحرب في أوكرانيا جمعت شمل القمة الأوروبية

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)
الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مع أورسولا فون دير لاين رئيسة المفوضية الأوروبية في بروكسل (رويترز)

تفرّق الأوروبيون حول كل الملفات التي كانت مطروحة على طاولة القمة الأوروبية يومي الخميس والجمعة، وتعمّقت خلافاتهم حول مواضيع أساسية، مثل الهجرة والموازنة التي ستحدد سياسات الاتحاد خلال السنوات السبع المستقبلة، لكن الحرب في أوكرانيا جمعت شملهم حول موقف موحد لمواصلة تقديم الدعم العسكري والمالي واللوجستي إلى كييف، وتكريس القطيعة بين واشنطن وبروكسل، في مقاربة أخطر أزمة تواجه القارة الأوروبية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي كان هو نجم هذه القمة بلا منازع، إذ وصل العاصمة البلجيكية مساء الخميس، وأجرى محادثات وصفها بالممتازة مع رئيس الوزراء البلجيكي حول الأصول المالية الروسية المجمدة في بلدان الاتحاد، ومعظمها لدى المصارف البلجيكية، التي قالت عنها مسؤولة السياسة الخارجية الأوروبية، كاياك آلّاس، ظهر الجمعة، إنها «لا يجب أن تعاد إلى روسيا، قبل أن تحصل منها أوكرانيا على التعويضات التي تستحقها جراء الدمار الذي خلّفته الاعتداءات الروسية عليها».

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس في بروكسل (أ.ف.ب)

في اليوم الثاني من القمة، حلّ عليها ضيفاً الرئيس الأوكراني طيلة الجلسة الصباحية، واستقبله القادة الأوروبيون بحفاوة لافتة وتصفيق طويل، كما لو أنهم كانوا يشعرون بحاجة ملحة لإظهار موقف موحد بعد سلسلة الخلافات العميقة التي ميّزت معظم اللقاءات الأخيرة. وكانت حفاوتهم تلك، وما تبعها من مواقف صدرت عن مسؤولة السياسة الخارجية ورئيس المجلس، رداً واضحاً على الموقف الأميركي الذي أكدت انكفاءه تصريحات الرئيس دونالد ترمب، التي دعا فيها إلى البحث عن بديل لرئاسة أوكرانيا، وتحميله زيلينسكي مسؤولية عدم التوصل إلى حلّ لإنهائها.

أما الملف الخلافي الذي استهلك معظم النقاش الذي دار يوم الخميس في القمة، فكانت موازنة الاتحاد للفترة 2028 - 2034، التي ستحدد العناوين السياسية الكبرى خلال السنوات المقبلة، التي برزت فيها خلافات عميقة حولها، تبدّت في المواجهة الشرسة بين مجموعة الدول «المقتصدة» التي تقودها ألمانيا وتدعو إلى خفض كبير في المقترح الذي أعدته المفوضية، ومجموعة «أصدقاء التضامن» بقيادة إسبانيا وإيطاليا، وتطالب بتخصيص مزيد من الموارد لمواجهة المرحلة المقبلة.

زيلينسكي في طريقه للقمة الأوروبية (أ.ف.ب)

وليس أدلّ على عمق الخلافات حول هذا الإطار المالي المتعدد السنوات من تصريحات رئيس الوزراء السويدي كريسترسون، الذي قال: «بصراحة، لسنا في عجلة من أمرنا للتوصل إلى اتفاق، والمواطن السويدي ليس صرّافاً آلياً للاتحاد الأوروبي». وردّ عليها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بقوله: «هذا الاقتراح ليس كافياً على الإطلاق».

وما يزيد من تعقيدات هذا الملف، ويعرقل بتّه قبل نهاية السنة، أن السنة المقبلة هي سنة انتخابات بامتياز في العديد من الدول الأعضاء، ما يجعل النقاش حول كل الملفات الحساسة سياسياً وموجهاً في الدرجة الأولى للاستهلاك الداخلي.

الرئيس إيمانويل ماكرون (يسار) مصافحاً المستشار الألماني فريدريش ميرتس الخميس بمناسبة قمة الاتحاد الأوروبي في بروكسل (أ.ف.ب)

ويعتبر هذا الإطار المالي بمثابة إعلان للأولويات السياسية، يحدد أين وكيف ستنفق الموارد المالية في السنوات السبع المقبلة. ويتضمن الاقتراح الذي وضعته المفوضية خفضاً ملحوظاً في بعض الأبواب الرئيسية التقليدية، مثل السياسة الزراعية المشتركة وسياسة التضامن، وزيادات في بعض الأبواب التي صارت من الأولويات الجديدة بسبب الظروف الجيوسياسية الراهنة، مثل الدفاع والأمن، وتعزيز القدرات التنافسية لمساعدة المؤسسات الأوروبية في السباق الذي تتصدره الولايات المتحدة والصين، وتتقدمان على بلدان الاتحاد الأوروبي بأشواط.

الرئاسة الدورية الحالية التي تتولاها آيرلندا تحاول منذ أشهر الدفع نحو اتفاق نهائي حول هذا الإطار المالي، رغم أنه لن يدخل حيز التنفيذ سوى في مطلع عام 2028. السبب التقني المعلن وراء هذا الاندفاع هو أن الإطار له تداعيات على البنى التحتية والإدارات التي ستتولى تنفيذه عندما يدخل حيز التنفيذ، وتحتاج وقتاً للاستعداد له. لكن ثمة سبباً سياسياً غير معلن، وهو أن فرنسا مقبلة على انتخابات رئاسية واشتراعية في أبريل (نيسان) المقبل، ولا يخفى على أحد أنه في حال وصول اليمين المتطرف إلى الإليزيه أو سيطرته على الأغلبية في الجمعية الوطنية، لن يكون من السهل أبداً التوصل إلى اتفاق، ناهيك عن الانتخابات المقررة أيضاً في بولندا وإيطاليا وفنلندا، حيث لن تتراجع الدول عن مواقفها المعلنة خشية تعرضها لخسارة في الأصوات.

مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي كايا كالاس (أ.ب)

الطبق الخلافي الآخر على مائدة القمة كانت الهجرة، التي أصبحت العنوان الرئيسي لمعظم الحملات الانتخابية في الدول الأعضاء، والمرشحة لمزيد من الاستقطاب والاستهلاك والمزايدات على أبواب الانتخابات، خاصة بعد الأحداث التي شهدتها مدينة سبتة الإسبانية هذا الصيف. ورغم أن الدول الأعضاء أبدت مؤخراً عن استعدادها للتضامن مع إسبانيا، بعكس ما حصل في بداية أحداث سبتة، لم تبخل في انتقاداتها لرئيس الوزراء الإسباني وسياسة الهجرة التي ينهجها، وقرار تسوية أوضاع مئات الآلاف من المهاجرين غير الشرعيين، الذي تعتبره بعض الدول الدافع الذي استقطب آلاف الشبان المغاربة الذين تدفقوا على سبتة هذا الصيف.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خلال افتتاح فعالية في بروكسل يوم 29 سبتمبر 2026 (أ.ب)

ولم يمنع ذلك رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني، ونظيرتها الدنماركية، من مطالبة سانشير بإعادة النظر في قرار تسوية أوضاع المهاجرين غير الشرعيين، الأمر الذي رفضه رئيس الوزراء الإسباني بشدة في المؤتمر الصحافي الذي عقده بعد القمة.

لكن سانشيز، الذي جاء إلى القمة مستعداً لهذه المواجهة، فنّد جميع الاتهامات التي وجّهت إليه بالأرقام والبيانات الصادرة عن أجهزة المفوضية، التي قالت رئيستها فون در لاين إن تدفق عشرات الآلاف من المهاجرين إلى سبتة لم يؤثر على سياسة الهجرة الأوروبية، وإن التدفقات غير الشرعية تراجعت العام الماضي بنسبة 55 في المائة، وبنسبة الثلث منذ بداية هذا العام.