قال وزير الدولة البريطاني للتجارة، كريس براينت، إنَّ اتفاقية التجارة الحرّة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي تاريخية، ليس لقيمتها الاقتصادية فحسب، بل لأنَّها أول اتفاق يُبرمه المجلس مع دولة من مجموعة السبع.
وكشف الوزير، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن أنَّ الاتفاقية قد تدخل حيّز التنفيذ «خلال عام تقريباً، أو 14 شهراً حداً أقصى» بعد التوقيع النهائي. وتأمل لندن، وفق الوزير، في توقيع الاتفاقية بحلول سبتمبر (أيلول) أو أكتوبر (تشرين الأول)، بعد استكمال المراجعة القانونية للنصوص.
ورجَّح براينت أن تُولّد الاتفاقية نحو 3.7 مليار جنيه إسترليني من التجارة الإضافية للمملكة المتحدة، مع أرقام مماثلة تقريباً لدول الخليج. ولفت إلى أنَّها تحمل «دلالة رمزية» في توقيت إقليمي حساس، بعد التوترات المرتبطة بحرب إيران و«الهجمات المروّعة التي شنّتها طهران على حلفائنا في الخليج». كما نوّه الوزير بشمولية الاتفاق، لافتاً إلى أنَّه يتجاوز خفض الرسوم الجمركية إلى قطاع الخدمات، والاقتصاد الرقمي، والذكاء الاصطناعي، وتسهيل عمل الشركات على الجانبين.
توقيع مرتقب في الخريف
شدَّد براينت على أنَّ أهمية الاتفاقية لا تقتصر على البُعد الاقتصادي، بل تشمل أيضاً دلالةً سياسيةً واستراتيجيةً، خصوصاً في ضوء التطورات الإقليمية الأخيرة. وقال إنّ الاتفاق يحمل رسالةً مفادها أن على الجانبين «المضي قدماً في التجارة»، بوصفها وسيلةً لتعزيز الازدهار، ودعم جهود دول الخليج في تنويع اقتصاداتها بعيداً عن الهيدروكربونات. وأضاف أن الاتفاقية تكتسب أهميةً إضافيةً؛ لأنَّها تأتي في لحظة سعت فيها لندن إلى تأكيد التزامها بعلاقاتها مع شركائها الخليجيين، سواء على المستوى الاقتصادي أو الأمني أو الاستراتيجي.
Absolutely delighted that after four years we have concluded negotiations with the GCC on an ambitious FTA worth £3.7bn a year, offering big opportunities to businesses with a 20في المائة increase in trade. Many thanks to my @biztradegovuk team especially Tom and Anna pic.twitter.com/y72WI5TdVJ
— Chris Bryant (@RhonddaBryant) May 20, 2026
وعن الجدول الزمني المُتوقَّع، قال براينت إنَّ ما تحقَّق حتى الآن هو اختتام المفاوضات والاتفاق على العناصر الرئيسية ومعظم النصوص، موضحاً أنَّ المرحلة المقبلة تتمثَّل في المراجعة القانونية للاتفاقية قبل التوقيع الرسمي. وأضاف: «آمل أن نتمكَّن من القيام بذلك في سبتمبر أو أكتوبر»، مشيراً إلى تجربة اتفاق بريطانيا مع الهند، الذي أُعلن دخوله حيز التنفيذ بعد أقل من عام على توقيعه. وتابع أن لندن تأمل في إدخال اتفاق الخليج حيز التنفيذ «خلال عام تقريباً، أو 14 شهراً حداً أقصى».
وكان مسار التفاوض على بنود الاتفاقية بين لندن وحلفائها في مجلس التعاون الخليجي قد انطلق في 22 يونيو (حزيران) 2022، واختُتم بإعلان الاتفاق في 20 مايو (أيار) 2026.
الخدمات في قلب الشراكة
سألت «الشرق الأوسط» الوزير البريطاني عمّا يميّز بلاده عن غيرها من الشركاء التجاريين لدول الخليج؛ كالولايات المتّحدة والصين والاتحاد الأوروبي، فجاء ردّه مباشراً: «قطاع الخدمات».
وأكّد براينت أن هذا القطاع يُمثِّل أحد أبرز مجالات التعاون بين المملكة المتحدة ودول الخليج، مشيراً إلى قوة بريطانيا في الخدمات المالية والقانونية، والهندسة المعمارية، والبناء، والقطاعات الإبداعية، والتكنولوجيا المالية، وعلوم الحياة.
We’ve just secured a historic trade deal with the Gulf.This is a huge win for British business, and for working people who will feel the benefits in the years ahead.We’ve secured five major trade deals with international partners - delivering on our commitment to drive... https://t.co/e35wHOJ5YP
— Keir Starmer (@Keir_Starmer) May 20, 2026
وقال إن مكانة لندن بوصفها مركزاً عالمياً للخدمات المالية تفسِّر توجه كثير من الاقتصادات الخليجية إلى الاستثمار في المملكة المتحدة، أو إدراج شركاتها في بورصة لندن، أو توسيع حضورها في الاقتصاد البريطاني. كما لفت إلى أن الخدمات القانونية تمثل جزءاً مهماً من العرض البريطاني، قائلاً: «إن سيادة القانون مفهوم راسخ جداً في الهوية البريطانية». وأشار إلى أنَّ مكاتب محاماة دولية وبريطانية باتت قادرةً على توسيع حضورها في السعودية ودول الخليج في ظلِّ الإصلاحات التنظيمية والانفتاح المتزايد على الخدمات المهنية.
وتوقَّف براينت كذلك عند قطاع الخدمات الإعلانية والإبداعية، الذي بلغت قيمة صادرات بلاده منه 19.4 مليار جنيه إسترليني العام الماضي، لتكون ثاني أكبر مُصدِّر لهذه الخدمات في العالم.
وأضاف أن النفوذ البريطاني في الصناعات الإبداعية لا يقتصر على الإعلان، بل يمتد إلى الموسيقى والأفلام والمحتوى الثقافي الذي يحظى بحضور واسع في الخليج. وعدّ أن هذه المجالات، إلى جانب التكنولوجيا الإبداعية والتكنولوجيا المالية وعلوم الحياة، تفتح فرصاً واسعة لتوسيع العلاقة الاقتصادية بين الجانبين.
خفض الرسوم على السلع
أثار إسهاب الوزير في الحديث عن أهمية الخدمات سؤالاً حول ما إذا كانت القيمة الحقيقية للاتفاقية تكمُن في هذا القطاع أكثر من السلع. فردَّ براينت بأنَّ للسلع حيّزاً مهماً، مشيراً إلى أنَّ خفض الرسوم الجمركية على 93 في المائة من السلع البريطانية المتجهة إلى الخليج سيُحدث أثراً مباشراً.
وأوضح أنَّ كثيراً من هذه التخفيضات سيدخل حيز التنفيذ فور بدء تطبيق الاتفاقية، بما يجعل المواد الغذائية وبعض السلع البريطانية أقل تكلفة بالنسبة للمستهلك الخليجي. كما أشار إلى أنَّ الاتفاق يتضمَّن مكاسب لقطاع السيارات، ويوفِّر مئات الملايين من الجنيهات الإسترلينية سنوياً من الرسوم الجمركية.
وقال إن هذه المكاسب ستكون «جيدة جداً للشركات البريطانية»، لكنها ستكون أيضاً في مصلحة المستهلك الخليجي.

إلى جانب الخدمات والسلع، تحمل الاتفاقية بنوداً تنظيمية ستجعل عمل الشركات البريطانية في الخليج، والشركات الخليجية في المملكة المتحدة، «أسهل بكثير» وفق الوزير الذي ذكّر بأنَّ الحواجز التجارية لا تقتصر على الرسوم الجمركية.
وقال براينت إنَّ الإجراءات الجمركية، والأوراق والتراخيص، ومتطلبات توطين البيانات، كلها تُشكِّل عوائق قد تكون أحياناً بأهمية الرسوم الجمركية نفسها. وأضاف أن شمول الاتفاقية لهذه الملفات يُمثِّل تقدماً مهماً في إزالة العقبات التي تواجه الشركات على الجانبين.
الذكاء الاصطناعي... والاقتصاد الرقمي
في ملف الذكاء الاصطناعي، قال الوزير البريطاني إن الاتفاقية تتضمَّن جزءاً كاملاً مُخصَّصاً للاقتصاد الرقمي، في وقت تمضي فيه دول الخليج باستثمارات متسارعة في مراكز البيانات، وتطوير النماذج اللغوية الكبيرة، ودمج الذكاء الاصطناعي في اقتصاداتها الوطنية.
وأوضح أنَّ من بين الالتزامات الواردة في الاتفاقية تعهداً دائماً من الجانبين بعدم فرض رسوم جمركية على عمليات النقل الرقمي للبيانات، إلى جانب ترتيبات تهدف إلى تسهيل ممارسة الأعمال رقمياً. وعدّ براينت أنَّ المملكة المتحدة «هي على الأرجح الدولة الرائدة في أوروبا في مجال الذكاء الاصطناعي»، ليس فقط بسبب مراكز البيانات، بل أيضاً بفضل قطاعات التكنولوجيا الإبداعية، والتكنولوجيا المالية، وغيرهما من المجالات التقنية القادرة على الاستفادة من التحولات الجديدة.
التعليم والتدريب
حرص براينت على تسليط الضوء على العلاقة التعليمية بين بريطانيا والخليج التي وصفها بـ«القوية للغاية».
وقال إنَّ لندن حريصة على استكشاف سبل تدريب الشباب الخليجي، خصوصاً في القطاعات المرتبطة بتنويع الاقتصاد. واستشهد براينت بالسعودية مثالاً على الفرص التي يتيحها التعاون في مجال تنمية المهارات، قائلاً: «تتحدَّث المملكة العربية السعودية عن حاجتها إلى 600 ألف شخص للعمل في قطاع السياحة الذي تسعى إلى تطويره بشكل كبير في إطار تنويع اقتصادها».

وأضاف: «أعلم أننا في المملكة المتحدة نقدِّم بعضاً من هذا النوع من التدريب بصورة جيدة، ونريد أن نبحث سبل توسيع هذا التعاون بشكل مشترك».
وأشار إلى أنَّ بريطانيا تمتلك خبرةً في التدريب المرتبط بالسياحة والضيافة، وترغب في توسيع التعاون مع دول الخليج في هذا المجال. كما لفت إلى أنَّ أعداداً كبيرة من الشباب السعوديين والإماراتيين والبحرينيين يدرسون إما في المملكة المتحدة، وإما ضمن برامج تؤدي إلى الحصول على مؤهلات بريطانية داخل الخليج.
شراكة تتجاوز التجارة
عدَّ براينت أنَّ اتفاقية التجارة الحرة تنقل العلاقة بين المملكة المتحدة ومجلس التعاون الخليجي إلى مستوى جديد، لافتاً إلى أنَّ حرب إيران لم تمنع التَّقدُّم في مسار المفاوضات. وبالتوازي مع أهمية الاتفاق التجاري مع دول المجلس، شدَّد الوزير البريطاني على أهمية العلاقات الثنائية بين لندن وشركائها الخليجيين.
وفي هذا السياق، ضرب الوزير البريطاني مثالاً بالسعودية، مشيراً إلى أنَّ بلاده تبحث مع الرياض كيفية المساهمة في الاستعدادات الخاصة بكأس العالم. وقال إنَّ المجالات التي يمكن أن تُقدِّم فيها بريطانيا خبرتها، تشمل تنظيم حفلَي الافتتاح والختام، وإدارة مناطق المشجعين، وأنظمة التذاكر، والجوانب الأمنية.
وأوضح أنَّ الخبرة البريطانية في تنظيم الفعاليات الكبرى لا تقتصر على الأمن بالمعنى الضيق، بل تشمل أيضاً تجربة الجماهير وإدارة الحشود، وضمان أن تكون الفعالية ممتعةً وآمنةً في الوقت نفسه.
عقد على «بريكست»
أحيت بريطانيا في 23 يونيو مرور 10 سنوات على استفتاء «بريكست»، الذي صوَّت فيه البريطانيون لمغادرة الاتحاد الأوروبي. وفي هذه الذكرى، قال براينت إن خروج بريطانيا من التكتل منحها القدرة على إبرام اتفاقات تجارية مستقلة، لكنه أوضح أنه لا ينظر إلى ذلك بوصفه «فائدة» مباشرة من «بريكست». وقال: «إن الأمر يشبه أن تقول إنه عندما تُفصَل من عملك يصبح لديك وقت أطول لتقضيه مع عائلتك، رغم أنَّك في الغالب كنت تفضِّل البقاء في وظيفتك».
وأضاف أن بريطانيا تسعى الآن إلى استكمال «أحجية التجارة الحرة» حول العالم، من خلال اتفاقات تقوم على التجارة الحرة والعادلة، مشيراً إلى إبرام لندن اتفاقات مع الهند وكوريا الجنوبية، ومفاوضات مع تركيا، إضافة إلى الاتفاق مع دول الخليج.
ولفت إلى أنَّ الاتحاد الأوروبي أبرم اتفاقاً مع الهند أيضاً، مرجِّحاً أن يسعى لاحقاً إلى طرق باب مجلس التعاون الخليجي.
تواتر رؤساء الوزراء
تزامنت المقابلة مع استعدادات في بريطانيا لاستقبال سابع رئيس وزراء خلال عقد، بعد استقالة كير ستارمر من منصبه، في مشهد يعكس وتيرة غير مسبوقة من تغيير ساكني «10 داونينغ ستريت»، ويطرح تساؤلات لدى شركاء لندن حول استمرارية سياستها الخارجية، والتزاماتها التجارية والدفاعية.

وأمام هذه المخاوف، شدَّد براينت على أنَّ الاتفاقية «تبرمها المملكة المتحدة، وليس شخصاً واحداً أو حكومة عابرة»، قائلاً: «الأمر لا يتعلق بي، بل يتعلق بالمملكة المتحدة، وهي تبرم اتفاقاً مع مجلس التعاون الخليجي». وأكد أنه أياً كان رئيس الوزراء في بريطانيا، فإنَّ الاتفاقية ستظل قائمةً بين المملكة المتحدة ودول الخليج، مؤكداً أنه «لا داعي للقلق بشأن ذلك».
ورداً على سؤال عمّا إذا كان يتوقَّع البقاء في منصبه بعد 3 أسابيع، وهو الموعد المتوقع لتسلّم رئيس الوزراء الجديد مهامه في حال لم يظهر منافس للمرشَّح الأوفر حظاً أندي بيرنهام، قال براينت إنَّ الأمر «ليس بيده»، مضيفاً بالعربية: «إن شاء الله».




