ما أبرز بنود اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)
TT

ما أبرز بنود اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)

نجحت بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية، والإمارات، وقطر، وسلطنة عُمان، والكويت، والبحرين) في إبرام اتفاقية تجارة حرة تاريخية وشاملة، بعد اختتام الجولة النهائية من المفاوضات المكثفة في العاصمة البريطانية لندن.

وتُمثل هذه الاتفاقية محطة استراتيجية بارزة لتعزيز النمو الاقتصادي، وخفض الحواجز التجارية، وجذب الاستثمارات الطموحة بين بريطانيا والكتلة الخليجية التي تُعد واحدة من أهم القوى الاقتصادية الناشئة عالمياً.

كما تأتي هذه الاتفاقية لتُمثل نجاحاً كبيراً لبريطانيا في تحويل بوصلتها التجارية نحو الأسواق الناشئة ذات الملاءة المالية العالية. أما بالنسبة لدول الخليج فلا تتعلق الاتفاقية فقط ببيع النفط لبريطانيا، بل تتعلق بنقل المعرفة وجذب الاستثمارات.

وجاء الإعلان المشترك خلال اجتماع رسمي ضم وزير الدولة البريطاني لسياسة التجارة، السير كريس براينت، والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم محمد البديوي.

أبعاد اقتصادية واعدة

وتضع هذه الاتفاقية التاريخية بريطانيا في الترتيب بوصفها أول دولة من مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى التي تنجح في إبرام اتفاقية تجارة حرة شاملة مع مجلس التعاون الخليجي. وتُمثل السوق الخليجية المشتركة اليوم قوة اقتصادية ضخمة بناتج محلي إجمالي مجمع يبلغ 1.9 تريليون جنيه إسترليني، وسوقاً استيرادية هائلة تقدر قيمتها الحالية بنحو 1.04 تريليون دولار، وفق ما نشرته وزارة الاقتصاد البريطانية، مع توقعات تُشير إلى تضاعف حجم هذا السوق من الناحية الفعلية بحلول عام 2050، تماشياً مع خطط التحول الاقتصادي الإقليمية.

وتُشير التقديرات الرسمية البريطانية إلى أن الاتفاقية ستسهم في دعم الاقتصاد البريطاني بنحو 3.7 مليار جنيه إسترليني سنوياً على المدى الطويل (مقارنة بتوقعات عام 2040)، إلى جانب رفع الأجور الحقيقية للعمال البريطانيين بمقدار 1.9 مليار جنيه إسترليني سنويّاً.

وبإضافة هذه النتائج إلى الاتفاقيات البريطانية المبرمة مؤخراً مع الهند، يتوقع أن يضيف الاتفاقان معاً أكثر من 8 مليارات جنيه إسترليني سنوياً للاقتصاد البريطاني. كما يتوقع الخبراء أن تشهد حركة التجارة البينية -البالغة حالياً 53 مليار جنيه إسترليني- قفزة بنسبة 19.8 في المائة، ما يُضيف نحو 15.5 مليار جنيه إسترليني سنوياً إلى مجمل التبادل التجاري البريطاني-الخليجي على المدى الطويل.

تحرير جمركي واسع وتسهيلات غير مسبوقة

وفي شق النفاذ إلى أسواق السلع، التزم مجلس التعاون الخليجي بتحرير كامل لـ90 في المائة من خطوط التعريفة الجمركية لديه خلال 10 سنوات من دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ. وسيترتب على ذلك إلغاء الرسوم الجمركية عن نحو 93 في المائة من الصادرات البريطانية إلى الخليج، وهو ما يوفر على الشركات البريطانية تكلفة رسوم تقدر بنحو 580 مليون جنيه إسترليني سنوياً، على أن يتم إلغاء ما قيمته 360 مليون جنيه إسترليني من هذه الرسوم فوراً في اليوم الأول لتفعيل الاتفاقية.

وستستفيد قطاعات رئيسية في بريطانيا من هذا الإلغاء؛ حيث ستُعفى صادرات محركات الطائرات التوربينية وأجزاء الفضاء (التي تواجه حالياً رسوماً بنسبة 5 في المائة) فوراً، إلى جانب قطاعات الآلات والإلكترونيات والسيارات؛ إذ ستُلغى الرسوم مباشرة عن 90 في المائة من صادرات السيارات البريطانية الحالية، بما فيها السيارات الهجينة، في حين ستُلغى الرسوم عن السيارات الكهربائية وبطارياتها بعد 10 سنوات لدعم سلاسل التوريد والتحول نحو الحياد الصفري.

وزير الدولة البريطاني للتجارة كريس براينت والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في حفل توقيع في «داونينغ ستريت» (رويترز)

كما ستنال الصادرات الزراعية والغذائية البريطانية (البالغة قيمتها 839 مليون جنيه إسترليني) ميزة تنافسية كبرى عبر الإلغاء الفوري للرسوم على منتجات الأجبان والشوكولاته والبسكويت وسلمون اسكوتلندا المدخن. وفي المقابل، ستقوم بريطانيا بتحرير التعريفة الجمركية على كل الصادرات الخليجية الحالية إليها منذ اليوم الأول لدعم سلاسل الإمداد وخفض تكاليف المدخلات للشركات البريطانية، مع استثناء منتجات لحوم الخنزير والدواجن والبيض من هذا التحرير. وتعهّدت أجهزة الجمارك في الجانبين بتسريع إجراءات الفسح الجمركي للبضائع المطابقة للاشتراطات خلال 48 ساعة فقط، مع تقليص المدة إلى 6 ساعات للسلع سريعة التلف، وإتاحة خيار التخليص الذاتي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

ثورة في قطاع الخدمات

تُقدم الاتفاقية حزمة من المزايا هي الأفضل من نوعها التي تمنحها دول الخليج لأي شريك دولي في قطاع الخدمات؛ حيث تضمن بيئة تنظيمية مستقرة ومتوقعة لقطاعات الخدمات المالية، والقانونية، والهندسية، والإنشائية البريطانية. وحصلت بريطانيا على التزامات ملزمة من دول الخليج، تضمن حرية التدفق الحر للبيانات المالية وحظر متطلبات توطين البيانات الجائرة أو غير المتناسبة، ما يتيح للبنوك وشركات التكنولوجيا المالية البريطانية تخزين ومعالجة بياناتها خارج المنطقة، وإدارة أعمالها بكفاءة ومرونة عالية.

كما تضمن الاتفاقية معاملة الشركات البريطانية في قطاعات خدمات عديدة على قدم المساواة مع نظيراتها المحلية الخليجية، وتضع قيوداً تمنع فرض قيود مستقبلية على نسب الملكية الأجنبية أو اشتراط تأسيس مقار محلية لتقديم الخدمة، وهو ما يُشكل انتصاراً كبيراً للشركات الناشئة والصغيرة التي تسعى للتوسع دولياً بتكلفة منخفضة. وتضمنت الاتفاقية ملحقاً خاصاً بالاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية لتسهيل حركة المهنيين والخبراء بين الجانبين، مع الحفاظ الكامل على استقلالية الجهات التنظيمية المحلية في بريطانيا والخليج لتقييم ووضع المعايير المهنية.

وزير الدولة البريطاني للتجارة كريس براينت يلتقط صورة جماعية مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي وأعضاء الوفد خلال حفل توقيع الاتفاقية (رويترز)

الخطوات المقبلة لدخول الاتفاقية حيّز التنفيذ

تضع هذه الاتفاقية اللمسات الأخيرة على جيل جديد من الشراكات الدولية البريطانية التي تسعى لتحويل الدبلوماسية العالمية إلى نتائج اقتصادية ملموسة ترفع مستويات المعيشة للجميع. ويعكف المفاوضون من كلا الجانبين حالياً على استكمال الصياغات القانونية النهائية للنص والتحقق منها رسمياً، تمهيداً لاتخاذ الترتيبات الرسمية لتوقيع الاتفاقية.

وعقب التوقيع، ستمر الاتفاقية بالقنوات والإجراءات البرلمانية والحكومية اللازمة في المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، لتدخل بعدها حيّز التنفيذ الفعلي، وتفتح فصلاً جديداً من الازدهار الاقتصادي المشترك.


مقالات ذات صلة

«البيئة العُمانية» تكشف عن تلوث زيتي يطال شواطئ «رأس مدركة»

الخليج النتائج جاءت نتيجة متابعة تداعيات حادثة السفينة الجانحة بالقرب من جزيرة القبلية الواقعة ضمن أرخبيل جزر الحلانيات (هيئة البيئة العمانية)

«البيئة العُمانية» تكشف عن تلوث زيتي يطال شواطئ «رأس مدركة»

كشفت هيئة البيئة العمانية، اليوم الأربعاء، عن تأثر شواطئ في منطقة رأس مدركة بالتلوث الزيتي، مع احتمال تأثر الشواطئ الجنوبية لـ«جزيرة مصيرة».

«الشرق الأوسط» (مسقط)
العالم العربي وزير الخارجية المصرية يلتقي الأمين العام لمجلس دول التعاون الخليجي في القاهرة الثلاثاء (الخارجية المصرية)

مصر تشدد على أمن الخليج واستقراره

جدد وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي التأكيد على "دعم مصر الثابت لأمن واستقرار دول الخليج"، معرباً عن تضامن بلاده مع دول مجلس التعاون الخليجي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
الخليج مساحة البقعة وشكلها وموقعها تتغير من عملية رصد إلى أخرى نتيجة الحركة والانتشار والتشتت الطبيعي للنفط (العمانية)

جهود لاحتواء بقعة نفطية قبالة سواحل عُمان إثر جنوح سفينة

تكثف سلطنة عُمان جهودها لاحتواء تسرب نفطي من السفينة «Caroline Bezengi» الجانحة قبالة جزر الحلانيات في محافظة ظفار وسط عمليات رصد جوي وبحري وفضائي

«الشرق الأوسط» (مسقط)
الخليج أمير قطر وسلطان عمان خلال جلسة المباحثات الثنائية (أ.ف.ب)

أمير قطر وسلطان عُمان يبحثان تعزيز العلاقات والقضايا المشتركة

بحث الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، والسلطان هيثم بن طارق، سلطان عُمان، الاثنين، سبل تعزيز العلاقات الثنائية وتطوير مجالات التعاون بين البلدين.

«الشرق الأوسط» (الدوحة)
الخليج سفينة تابعة لقوات البحرية اليمنية بالقرب من جزيرة حنيش في البحر الأحمر (أ.ف.ب)

«التعاون الخليجي» يدعو إلى موقف دولي حازم تجاه هجمات الحوثيين

دعا مجلس التعاون لدول الخليج العربية المجتمع الدولي إلى اتخاذ موقف حازم تجاه هجمات ميليشيا «الحوثي»، محذراً من تداعيات استهداف السعودية والسفن التجارية.

عزيز مطهري (الرياض)

طفرة الذكاء الاصطناعي والرقائق تقود صعود الأسواق الآسيوية

متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
TT

طفرة الذكاء الاصطناعي والرقائق تقود صعود الأسواق الآسيوية

متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)
متداولون يراقبون بالقرب من شاشة تعرض مؤشر «كوسبي» في قاعة تداول العملات الأجنبية بمقر بنك هانا في سيول (أ.ب)

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية، يوم الخميس، مدفوعةً بمكاسب أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية.

ارتفعت معظم الأسهم الآسيوية يوم الخميس، مدفوعة بمكاسب أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بما في ذلك شركات تصنيع الرقائق الإلكترونية، في وقت تأثرت فيه الأسواق الإقليمية بموجة الصعود التي شهدتها «وول ستريت».

ولم تشهد العقود الآجلة للأسهم الأميركية تغيراً يُذكر، بينما تراجعت أسعار النفط بشكل طفيف. وصعد مؤشر «نيكا 225» الياباني 1.6 في المائة إلى 68.601.21 نقطة.

وفي كوريا الجنوبية، قفز مؤشر «كوسبي» 4 في المائة إلى 6. 844.65 نقطة، مع ارتفاع سهم «سامسونغ إلكترونيكس» 5.4 في المائة، بينما قفز سهم «إس كيه هاينكس» المتخصصة في تصنيع رقائق الذاكرة، 7.1 في المائة، وفق «وكالة أسوشييتد برس».

وفي هونغ كونغ، ارتفع مؤشر «هانغ سنغ» 0.3 في المائة إلى 3.967.28 نقطة، بينما صعد مؤشر «شنغهاي» المركَّب 0.5 في المائة إلى 3.967.65 نقطة.

وفي أستراليا، تراجع مؤشر «ستاندرد آند بورز/ إيه إس إكس 200» بنسبة 0.4 في المائة إلى 9. 155.80 نقطة.

جاءت التحركات في الأسواق الآسيوية بعدما أعلنت عدة شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، يوم الأربعاء، أرباحاً فصلية فاقت توقعات المحللين، في حين أظهر تقرير أن التضخُّم في الولايات المتحدة تباطأ قليلاً، وكان متماشيا مع التوقعات.

وفي «وول ستريت»، ارتفع مؤشر «ستاندرد آند بورز 500» بنسبة 0.3 في المائة، مسجلاً أول مكسب له منذ بلوغه مستوى قياسياً يوم الجمعة. وتراجع مؤشر «داو جونز» الصناعي بأقل من 0.1 في المائة، بينما صعد مؤشر «ناسداك» المركَّب 0.5 في المائة.

وكانت أسهم شركات تكنولوجيا الذكاء الاصطناعي في صدارة المكاسب، بعدما عزَّزت نتائج الأرباح القوية الآمال في استمرار هذه الشركات بتحقيق نمو كافٍ لتبرير الارتفاعات الكبيرة التي سجلتها أسهمها.

وشهدت أسهم الذكاء الاصطناعي تقلبات حادة في الآونة الأخيرة؛ إذ ارتفعت إلى مستويات قياسية، قبل أن تتعرض لضغوط بفعل مخاوف من تجاوز تقييماتها مستوياتها المبررة. ويرغب المستثمرون في رؤية الشركات التي تنفق مبالغ ضخمة على الذكاء الاصطناعي تثبت أن هذه الاستثمارات تحقق عوائد كافية على مستوى الأرباح والإنتاجية لتبرير تكلفتها، وقد يؤدي ذلك بدوره إلى دعم الطلب المستدام على الرقائق الإلكترونية وغيرها من البنية التحتية اللازمة لتشغيل تقنيات الذكاء الاصطناعي.

وانخفضت عوائد سندات الخزانة الأميركية بعدما أظهر تقرير أن المستهلكين الأميركيين دفعوا خلال الشهر الماضي أسعاراً للبنزين والمواد الغذائية وتكاليف المعيشة الأخرى أعلى بنسبة 3.4 في المائة مقارنة بالعام السابق. ورغم أن هذا المعدل لا يزال مرتفعاً، فإنه يمثل تحسناً طفيفاً مقارنة بمعدل التضخم البالغ 3.5 في المائة في يونيو (حزيران).

وقد يمنح تباطؤ التضخم مجلس الاحتياطي الفيدرالي مزيداً من المرونة لتأجيل رفع أسعار الفائدة. وينقسم مسؤولو البنك المركزي بشكل واضح بشأن توقيت البدء في رفع أسعار الفائدة، إلا أن بيانات التضخم الصادرة يوم الأربعاء دفعت المتداولين إلى تقليص رهاناتهم على رفع سعر الفائدة الرئيسي في الاجتماع المقبل للمجلس، في سبتمبر (أيلول).

وفي تعاملات أخرى في وقت مبكر من يوم الخميس، تراجع سعر خام غرب تكساس الوسيط الأميركي 0.3 في المائة إلى 83.06 دولار للبرميل، بينما انخفض سعر خام برنت، المعيار العالمي، 0.1 في المائة إلى 88.89 دولار للبرميل، ليعود إلى مستوياته المسجلة خلال الأيام الأخيرة.

وفي أسواق العملات، تراجع الدولار إلى 159.30 ين ياباني، مقارنة مع 159.42 ين، بينما بلغ سعر اليورو 1.1526 دولار، بانخفاض طفيف عن 1.1527 دولار.


تراجع طفيف للذهب ترقباً لبيانات أسعار المنتجين الأميركيين

موظف يعرض سبائك ذهبية في بورصة كوريا للذهب في سيول (رويترز)
موظف يعرض سبائك ذهبية في بورصة كوريا للذهب في سيول (رويترز)
TT

تراجع طفيف للذهب ترقباً لبيانات أسعار المنتجين الأميركيين

موظف يعرض سبائك ذهبية في بورصة كوريا للذهب في سيول (رويترز)
موظف يعرض سبائك ذهبية في بورصة كوريا للذهب في سيول (رويترز)

تراجع سعر الذهب بشكل طفيف يوم الخميس، بعدما لامس أعلى مستوى له في أكثر من شهرين في وقت سابق من الجلسة، إذ أخذ المتداولون استراحة مؤقتة بعد الارتفاع الذي أعقب تباطؤ التضخم في الولايات المتحدة، بينما تتجه الأنظار إلى تقرير أسعار المنتجين المرتقب بحثاً عن مؤشرات بشأن مسار أسعار الفائدة لدى مجلس الاحتياطي الفيدرالي على المدى القريب.

وانخفض سعر الذهب الفوري 0.5 في المائة إلى 4383.53 دولار للأونصة بحلول الساعة 06:01 بتوقيت غرينتش، بعدما قفز نحو 1 في المائة إلى أعلى مستوى له منذ 5 يونيو (حزيران). كما تراجعت العقود الآجلة للذهب الأميركي تسليم ديسمبر (كانون الأول) 0.6 في المائة إلى 4440.80 دولار، وفق «رويترز».

وقال تيم ووترر، كبير محللي السوق في شركة «كيه سي إم»: «يشهد الذهب اليوم مرحلة من الاستقرار بعد مكاسبه التي أعقبت صدور مؤشر أسعار المستهلك، مع تراجع توقعات رفع أسعار الفائدة من قبل الاحتياطي الفيدرالي على المدى القريب».

ويبدو أن المتداولين يفضلون انتظار تأكيد إضافي من بيانات مؤشر أسعار المنتجين المرتقبة قبل اتخاذ قرارات بشأن تحركاتهم المقبلة.

وارتفعت أسعار الذهب بأكثر من 8 في المائة منذ بداية الشهر، في ظل تراجع توقعات المتداولين بشأن رفع أسعار الفائدة الأميركية، بعد أن أظهرت البيانات الاقتصادية الأخيرة تباطؤاً في التضخم.

وعلى الصعيد الجيوسياسي، لا تزال إيران والولايات المتحدة على خلاف بشأن الجهود الرامية إلى التوصل إلى اتفاق دائم لإنهاء الحرب، وفقاً لمصدر إيراني رفيع المستوى، قال إنه لم يُحرز أي تقدم في المحادثات الرامية إلى إحياء الاتفاق المؤقت الذي تم التوصل إليه في يونيو.

وفيما يتعلق بالسياسة النقدية، من المرجح ألا يشعر صناع السياسة في مجلس الاحتياطي الفيدرالي بضرورة ملحة لرفع أسعار الفائدة الشهر المقبل، بعدما أظهرت بيانات يوم الأربعاء تباطؤ التضخم على أساس سنوي للشهر الثاني على التوالي.

وارتفع مؤشر أسعار المستهلك 3.4 في المائة خلال الاثني عشر شهراً المنتهية في يوليو (تموز)، مقارنة بزيادة قدرها 3.5 في المائة في يونيو، بما يتماشى مع توقعات الاقتصاديين. ويُسعّر المتداولون حالياً احتمال رفع أسعار الفائدة في اجتماع سبتمبر (أيلول) عند 40 في المائة فقط، انخفاضاً من 54 في المائة قبل أسبوع، وفقاً لأداة «فيد ووتش».

وعادة ما تدعم أسعار الفائدة المنخفضة الذهب، إذ تقلل من تكلفة الفرصة البديلة لحيازة المعدن الذي لا يدر عائداً.

وفي المعادن النفيسة الأخرى، تراجع سعر الفضة الفوري 0.3 في المائة إلى 65.09 دولار للأونصة، بعدما سجل أعلى مستوى له منذ 22 يونيو في الجلسة السابقة.

وانخفض البلاتين 0.8 في المائة إلى 1741.96 دولار للأونصة، بينما تراجع البلاديوم 0.9 في المائة إلى 1357.29 دولار.


«السيادي السعودي» يدخل مرحلة «تحقيق القيمة» مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص

برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
TT

«السيادي السعودي» يدخل مرحلة «تحقيق القيمة» مع تعزيز مشاركة القطاع الخاص

برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)
برج صندوق الاستثمارات العامة في مركز الملك عبد الله المالي بالعاصمة السعودية الرياض (الشرق الأوسط)

يدخل صندوق الاستثمارات العامة السعودي مرحلة جديدة في مسيرته الاستثمارية، عنوانها الأبرز الانتقال من النمو والتوسع إلى «تحقيق القيمة المستدامة»، مع تركيز أكبر على كفاءة توظيف رأس المال، وتعظيم أداء الأصول القائمة، وزيادة مشاركة القطاع الخاص، في تحول يعكس وصول عدد من القطاعات والمشاريع التي أسسها الصندوق خلال السنوات الماضية إلى مستويات أكثر نضجاً.

وتكشف استراتيجية الصندوق للفترة من 2026 إلى 2030 عن تحول في طبيعة دوره؛ فمن مرحلة اتسمت بتوظيف رأس المال على نطاق واسع لتأسيس القطاعات والشركات والمشاريع الكبرى، إلى مرحلة يصبح فيها الاستثمار النشط والأداء والانضباط المالي وتكامل المنظومات الاقتصادية محددات رئيسية للقرارات الاستثمارية.

وتأتي الاستراتيجية بعد مرحلة توسع رفعت الأصول تحت الإدارة إلى أكثر من 3.4 تريليون ريال (906.6 مليار دولار) بنهاية 2025، في حين بلغت مساهمة الصندوق نحو 11 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي غير النفطي للمملكة في العام نفسه، ووصلت نسبة المحتوى المحلي لدى الصندوق وشركات محفظته إلى 57 في المائة في 2024.

وقال ياسر الرميان، محافظ صندوق الاستثمارات العامة، في تقرير الاستراتيجية إن الصندوق ينفرد بطبيعة مهمته بوصفه مستثمراً محلياً ودولياً يسعى إلى تحقيق عوائد طويلة الأمد، وفي الوقت نفسه يمثل محركاً للتحول الاقتصادي في السعودية.

وأكد أن المرحلة الجديدة تستند إلى نهج استثماري طويل الأجل يركز على بناء محفظة متينة، وتعظيم قيمة الأصول، ودعم القطاعات التحولية، وتعزيز الشراكة مع القطاع الخاص، مع توزيع الاستثمارات بصورة منضبطة وتحقيق قيمة مستدامة عبر منظومة الصندوق. وشدد على أن قياس النجاح لا يقتصر على النتائج المالية قصيرة الأجل، بل يمتد إلى تنويع الاقتصاد، وبناء القدرات الوطنية، وتعزيز مرونته على المدى الطويل.

من «النمو» إلى «القيمة»

وتتمثل إحدى أهم رسائل الاستراتيجية في أن حجم الاستثمار وحده لم يعد المعيار الأساسي للمرحلة المقبلة. فالسنوات الخمس حتى 2030 ستشهد تركيزاً أكبر على رفع أداء المحفظة ومرونتها وتعظيم أثرها عبر الدورات الاقتصادية، مع تحقيق توازن بين استمرار نمو أصول الصندوق والتوسع المنضبط في المنظومات الاقتصادية، إلى جانب توطين التقنيات والمعرفة وبناء الشراكات الاستراتيجية.

ويعني ذلك أن الصندوق سيواصل توظيف رأس المال محلياً ودولياً، لكن بصورة أكثر انتقائية، مع التركيز على التوقيت والقطاعات التي توفر فرص نمو واعدة، والحفاظ في الوقت نفسه على القدرة على اقتناص الفرص التي تفرزها التحولات الاقتصادية العالمية.

وتحدد الاستراتيجية سبعة أهداف رئيسية، تشمل تنفيذ الاستثمارات والمشاريع المحفزة للمنظومات الاقتصادية المحلية، والإدارة الفعالة للأصول الاستراتيجية، وتعظيم العوائد المالية المعدلة حسب المخاطر، وتعزيز مصادر التمويل، وزيادة التكامل بين المحافظ الاستثمارية، وتعظيم الأثر الاقتصادي وسلاسل القيمة بالتعاون مع القطاعين الخاص والحكومي، فضلاً عن رفع الكفاءة المؤسسية والاستفادة من الذكاء الاصطناعي والبيانات.

ثلاث محافظ

وتعيد الاستراتيجية تنظيم استثمارات الصندوق ضمن ثلاث محافظ رئيسية: محفظة الرؤية، والمحفظة الاستراتيجية، والمحفظة المالية، في هيكل يهدف إلى تحقيق توازن أوضح بين العوائد المالية والأهداف الوطنية ومستويات المخاطر المختلفة.

وتقود «محفظة الرؤية» جانباً رئيسياً من التنمية المحلية عبر ست منظومات اقتصادية متكاملة، تشمل السياحة والسفر والترفيه، والتطوير العمراني والتنمية الحضرية، والصناعات المتقدمة والابتكار، والصناعة والخدمات اللوجستية، والبنية التحتية للطاقة النظيفة والمتجددة والمياه، و«نيوم».

أما «المحفظة الاستراتيجية»، فتركز على إدارة وتعظيم عوائد الأصول الاستراتيجية وتحويل شركات الصندوق إلى شركات عالمية رائدة، مع الاستثمار في مجالات مستقبلية مرتبطة بالتقنية والاستدامة والتحول الصناعي، إضافة إلى تعزيز السيولة من خلال الإدراج والأنشطة في الأسواق المالية. في المقابل، تستهدف «المحفظة المالية» تحقيق عوائد مالية مستدامة من الاستثمارات المباشرة وغير المباشرة عالمياً، وتنويع المحفظة وتعزيز قدرتها على تنمية الثروة الوطنية للأجيال المقبلة.

القطاع الخاص

ولعل الرسالة الاقتصادية الأكثر وضوحاً في الاستراتيجية الجديدة تتمثل في توسيع انتقال دور القطاع الخاص من الشريك والمستفيد إلى قيادة النمو والتشغيل والتوسع في المنظومات التي أسسها الصندوق.

فوفق الاستراتيجية، يتدخل الصندوق في المراحل الأولى لدعم التوسع وتقليل المخاطر وتحفيز الطلب، لكن مع وصول المنظومات إلى مستويات متقدمة من النضج، يفترض أن تتولى شركات القطاع الخاص والمشغلون والمطورون والمصنعون ومقدمو الخدمات والمستثمرون قيادة مراحل التنفيذ والتشغيل والتوسع.

ويترافق ذلك مع تغيير في آليات التمويل، إذ تتجه الاستراتيجية نحو الاعتماد بصورة متزايدة على مزيج من رأس المال المملوك للصندوق، والأرباح المبقاة، والاستثمارات الخاصة المحلية والدولية، بما يسمح بإعادة تدوير رأس المال ورفع كفاءة الميزانية وتحويل الأصول تدريجياً من نموذج تطوير يقوده القطاع العام إلى نمو يقوده القطاع الخاص.

انضباط أكبر في رأس المال

كما تضع الاستراتيجية «الاستثمار النشط» في صميم المرحلة الجديدة، بحيث لا يقتصر دور الصندوق على امتلاك الأصول، وإنما يمتد إلى العمل المباشر مع شركات المحفظة لتحسين الحوكمة وإدارة المخاطر والكفاءة التشغيلية والمكانة الاستراتيجية.

وسيخضع تخصيص رأس المال لمراجعات مستمرة، بما يسمح بإعادة توجيهه وفق الأولويات والجدوى التجارية وقدرة المشاريع على جذب استثمارات من أطراف أخرى. كما قد يشمل تحسين إدارة المحفظة إعادة النظر في الجداول الزمنية للمشاريع، ودمج بعض الأنشطة ذات الصلة وتعزيز التكامل بينها عندما يؤدي ذلك إلى رفع الكفاءة.

ويبرز التوطين كذلك بوصفه أداة للانضباط المالي وليس مجرد هدف مستقل؛ إذ تربطه الاستراتيجية بتطوير الموردين المحليين، وتقوية سلاسل الإمداد، وتقليل مخاطر التنفيذ، وتحسين الكفاءة، وبناء قدرات وطنية أكثر استدامة.

العوائد

وفي رسالة أخرى لافتة، تؤكد الاستراتيجية أن أداء الصندوق، بصفته مستثمراً طويل الأجل، لن يقاس بالنتائج الربعية أو تقلبات الأسواق قصيرة المدى. ورغم أن العائد المالي يظل عنصراً أساسياً، فإنه ليس المعيار الوحيد للنجاح.

فالقياس سيمتد إلى جودة المحفظة، والمساهمة في الاقتصاد غير النفطي، وتنويع الاقتصاد، وبناء القدرات الوطنية، والتوطين، وتوسيع مشاركة القطاع الخاص، إضافة إلى قدرة الاستثمارات على تعزيز متانة الاقتصاد السعودي ومرونته على المدى الطويل.

وبذلك، ترسم استراتيجية 2026 - 2030 تحولاً في وظيفة الصندوق من «بناء القطاعات» إلى «تعظيم قيمة المنظومات»، ومن التوسع في توظيف رأس المال إلى رفع كفاءته، ومن قيادة القطاع العام للمراحل التأسيسية إلى تمكين القطاع الخاص من تولي مساحة أكبر في النمو.

وهو تحول يشير إلى أن المرحلة المقبلة لن تُقاس فقط بعدد المشاريع الجديدة أو حجم الأموال المستثمرة، وإنما بقدرة الأصول التي بُنيت خلال العقد الماضي على توليد عوائد مستدامة، وجذب رؤوس أموال جديدة، وخلق قطاعات قادرة تدريجياً على النمو والتوسع بآليات السوق، مع استمرار الصندوق في دوره باعتباره مستثمراً طويل الأجل ومحركاً للتحول الاقتصادي في المملكة.