ما أبرز بنود اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)
TT

ما أبرز بنود اتفاقية التجارة الحرة بين دول الخليج وبريطانيا؟

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر خلال لقائه الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في مقر رئاسة الوزراء البريطانية (د.ب.أ)

نجحت بريطانيا ودول مجلس التعاون الخليجي الست (السعودية، والإمارات، وقطر، وسلطنة عُمان، والكويت، والبحرين) في إبرام اتفاقية تجارة حرة تاريخية وشاملة، بعد اختتام الجولة النهائية من المفاوضات المكثفة في العاصمة البريطانية لندن.

وتُمثل هذه الاتفاقية محطة استراتيجية بارزة لتعزيز النمو الاقتصادي، وخفض الحواجز التجارية، وجذب الاستثمارات الطموحة بين بريطانيا والكتلة الخليجية التي تُعد واحدة من أهم القوى الاقتصادية الناشئة عالمياً.

كما تأتي هذه الاتفاقية لتُمثل نجاحاً كبيراً لبريطانيا في تحويل بوصلتها التجارية نحو الأسواق الناشئة ذات الملاءة المالية العالية. أما بالنسبة لدول الخليج فلا تتعلق الاتفاقية فقط ببيع النفط لبريطانيا، بل تتعلق بنقل المعرفة وجذب الاستثمارات.

وجاء الإعلان المشترك خلال اجتماع رسمي ضم وزير الدولة البريطاني لسياسة التجارة، السير كريس براينت، والأمين العام لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، جاسم محمد البديوي.

أبعاد اقتصادية واعدة

وتضع هذه الاتفاقية التاريخية بريطانيا في الترتيب بوصفها أول دولة من مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى التي تنجح في إبرام اتفاقية تجارة حرة شاملة مع مجلس التعاون الخليجي. وتُمثل السوق الخليجية المشتركة اليوم قوة اقتصادية ضخمة بناتج محلي إجمالي مجمع يبلغ 1.9 تريليون جنيه إسترليني، وسوقاً استيرادية هائلة تقدر قيمتها الحالية بنحو 1.04 تريليون دولار، وفق ما نشرته وزارة الاقتصاد البريطانية، مع توقعات تُشير إلى تضاعف حجم هذا السوق من الناحية الفعلية بحلول عام 2050، تماشياً مع خطط التحول الاقتصادي الإقليمية.

وتُشير التقديرات الرسمية البريطانية إلى أن الاتفاقية ستسهم في دعم الاقتصاد البريطاني بنحو 3.7 مليار جنيه إسترليني سنوياً على المدى الطويل (مقارنة بتوقعات عام 2040)، إلى جانب رفع الأجور الحقيقية للعمال البريطانيين بمقدار 1.9 مليار جنيه إسترليني سنويّاً.

وبإضافة هذه النتائج إلى الاتفاقيات البريطانية المبرمة مؤخراً مع الهند، يتوقع أن يضيف الاتفاقان معاً أكثر من 8 مليارات جنيه إسترليني سنوياً للاقتصاد البريطاني. كما يتوقع الخبراء أن تشهد حركة التجارة البينية -البالغة حالياً 53 مليار جنيه إسترليني- قفزة بنسبة 19.8 في المائة، ما يُضيف نحو 15.5 مليار جنيه إسترليني سنوياً إلى مجمل التبادل التجاري البريطاني-الخليجي على المدى الطويل.

تحرير جمركي واسع وتسهيلات غير مسبوقة

وفي شق النفاذ إلى أسواق السلع، التزم مجلس التعاون الخليجي بتحرير كامل لـ90 في المائة من خطوط التعريفة الجمركية لديه خلال 10 سنوات من دخول الاتفاقية حيّز التنفيذ. وسيترتب على ذلك إلغاء الرسوم الجمركية عن نحو 93 في المائة من الصادرات البريطانية إلى الخليج، وهو ما يوفر على الشركات البريطانية تكلفة رسوم تقدر بنحو 580 مليون جنيه إسترليني سنوياً، على أن يتم إلغاء ما قيمته 360 مليون جنيه إسترليني من هذه الرسوم فوراً في اليوم الأول لتفعيل الاتفاقية.

وستستفيد قطاعات رئيسية في بريطانيا من هذا الإلغاء؛ حيث ستُعفى صادرات محركات الطائرات التوربينية وأجزاء الفضاء (التي تواجه حالياً رسوماً بنسبة 5 في المائة) فوراً، إلى جانب قطاعات الآلات والإلكترونيات والسيارات؛ إذ ستُلغى الرسوم مباشرة عن 90 في المائة من صادرات السيارات البريطانية الحالية، بما فيها السيارات الهجينة، في حين ستُلغى الرسوم عن السيارات الكهربائية وبطارياتها بعد 10 سنوات لدعم سلاسل التوريد والتحول نحو الحياد الصفري.

وزير الدولة البريطاني للتجارة كريس براينت والأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي في حفل توقيع في «داونينغ ستريت» (رويترز)

كما ستنال الصادرات الزراعية والغذائية البريطانية (البالغة قيمتها 839 مليون جنيه إسترليني) ميزة تنافسية كبرى عبر الإلغاء الفوري للرسوم على منتجات الأجبان والشوكولاته والبسكويت وسلمون اسكوتلندا المدخن. وفي المقابل، ستقوم بريطانيا بتحرير التعريفة الجمركية على كل الصادرات الخليجية الحالية إليها منذ اليوم الأول لدعم سلاسل الإمداد وخفض تكاليف المدخلات للشركات البريطانية، مع استثناء منتجات لحوم الخنزير والدواجن والبيض من هذا التحرير. وتعهّدت أجهزة الجمارك في الجانبين بتسريع إجراءات الفسح الجمركي للبضائع المطابقة للاشتراطات خلال 48 ساعة فقط، مع تقليص المدة إلى 6 ساعات للسلع سريعة التلف، وإتاحة خيار التخليص الذاتي للمنشآت الصغيرة والمتوسطة.

ثورة في قطاع الخدمات

تُقدم الاتفاقية حزمة من المزايا هي الأفضل من نوعها التي تمنحها دول الخليج لأي شريك دولي في قطاع الخدمات؛ حيث تضمن بيئة تنظيمية مستقرة ومتوقعة لقطاعات الخدمات المالية، والقانونية، والهندسية، والإنشائية البريطانية. وحصلت بريطانيا على التزامات ملزمة من دول الخليج، تضمن حرية التدفق الحر للبيانات المالية وحظر متطلبات توطين البيانات الجائرة أو غير المتناسبة، ما يتيح للبنوك وشركات التكنولوجيا المالية البريطانية تخزين ومعالجة بياناتها خارج المنطقة، وإدارة أعمالها بكفاءة ومرونة عالية.

كما تضمن الاتفاقية معاملة الشركات البريطانية في قطاعات خدمات عديدة على قدم المساواة مع نظيراتها المحلية الخليجية، وتضع قيوداً تمنع فرض قيود مستقبلية على نسب الملكية الأجنبية أو اشتراط تأسيس مقار محلية لتقديم الخدمة، وهو ما يُشكل انتصاراً كبيراً للشركات الناشئة والصغيرة التي تسعى للتوسع دولياً بتكلفة منخفضة. وتضمنت الاتفاقية ملحقاً خاصاً بالاعتراف المتبادل بالمؤهلات المهنية لتسهيل حركة المهنيين والخبراء بين الجانبين، مع الحفاظ الكامل على استقلالية الجهات التنظيمية المحلية في بريطانيا والخليج لتقييم ووضع المعايير المهنية.

وزير الدولة البريطاني للتجارة كريس براينت يلتقط صورة جماعية مع الأمين العام لمجلس التعاون الخليجي جاسم البديوي وأعضاء الوفد خلال حفل توقيع الاتفاقية (رويترز)

الخطوات المقبلة لدخول الاتفاقية حيّز التنفيذ

تضع هذه الاتفاقية اللمسات الأخيرة على جيل جديد من الشراكات الدولية البريطانية التي تسعى لتحويل الدبلوماسية العالمية إلى نتائج اقتصادية ملموسة ترفع مستويات المعيشة للجميع. ويعكف المفاوضون من كلا الجانبين حالياً على استكمال الصياغات القانونية النهائية للنص والتحقق منها رسمياً، تمهيداً لاتخاذ الترتيبات الرسمية لتوقيع الاتفاقية.

وعقب التوقيع، ستمر الاتفاقية بالقنوات والإجراءات البرلمانية والحكومية اللازمة في المملكة المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي، لتدخل بعدها حيّز التنفيذ الفعلي، وتفتح فصلاً جديداً من الازدهار الاقتصادي المشترك.


مقالات ذات صلة

«آركابيتا» تعتزم استثمار 1.5 مليار دولار في العقارات الصناعية واللوجستية الخليجية

الاقتصاد «آركابيتا» تستهدف توسيع استثماراتها في العقارات الصناعية والمراكز اللوجستية الخليجية (الشرق الأوسط)

«آركابيتا» تعتزم استثمار 1.5 مليار دولار في العقارات الصناعية واللوجستية الخليجية

أعلنت مجموعة «آركابيتا»، المتخصصة في إدارة الاستثمارات البديلة، عزمها ضخ استثمارات تتجاوز 1.5 مليار دولار في قطاع العقارات الصناعية واللوجستية الخليجي.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الخليج «ناقلات» أكدت عدم إصابة أي من أفراد الطاقم على متن السفينة وعدم وجود أي تأثير على البيئة (رويترز)

السعودية تؤكد تضامنها مع قطر إثر استهداف ناقلة الغاز «المايده» بالخليج

أدانت السعودية، الأحد، بأشد العبارات، استهداف ناقلة الغاز الطبيعي المسال «المايده»، التابعة لشركة قطر لنقل الغاز، في مياه الخليج العربي.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج المهندس وليد الخريجي لدى لقائه لويجي دي مايو في المنامة الجمعة (الخارجية السعودية)

لقاء سعودي - أوروبي يبحث المستجدات والموضوعات المشتركة

بحث المهندس وليد الخريجي، نائب وزير الخارجية السعودي، مع لويجي دي مايو، الممثل الخاص للاتحاد الأوروبي لمنطقة الخليج العربي، المستجدات الإقليمية والدولية.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الخليج رؤساء هيئة الأركان للقوات المسلحة بدول الخليج خلال الاجتماع (قوة دفاع البحرين)

اجتماع خليجي يبحث مواصلة تفعيل التعاون العسكري المشترك

بحثت اللجنة العسكرية الخليجية العليا مواصلة تفعيل التعاون العسكري المشترك، وتوثيق عرى التعاون الدفاعي، وتقوية الترابط والتنسيق الأخوي بين القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (المنامة)
الخليج وزراء الإعلام بدول الخليج قبيل اجتماعهم الـ29 في البحرين الأربعاء (واس)

وزراء الإعلام الخليجيون يؤكدون رفض استهداف وحدة الصف

أكد وزراء الإعلام الخليجيون رفضهم القاطع لكل ما يستهدف وحدة الصف الخليجي أو الإساءة إلى دول مجلس التعاون ورموزها وشعوبها.

«الشرق الأوسط» (المنامة)

مسؤول في «المركزي» الأوروبي: رفع أسعار الفائدة مجدداً بات ضرورياً لاحتواء التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
TT

مسؤول في «المركزي» الأوروبي: رفع أسعار الفائدة مجدداً بات ضرورياً لاحتواء التضخم

مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)
مبنى البنك المركزي الأوروبي في فرانكفورت (رويترز)

قال بيتر كازيمير، محافظ البنك المركزي السلوفاكي، إن البنك المركزي الأوروبي سيضطر إلى رفع أسعار الفائدة مجدداً، لمنع ترسُّخ التضخم المرتفع، محذراً من أن الأسواق قد تقلِّل من حجم التشديد النقدي اللازم لاحتواء الضغوط السعرية.

وأبقى البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة دون تغيير الأسبوع الماضي، إلا أن عدداً من صانعي السياسة النقدية دعوا منذ ذلك الحين إلى استئناف رفعها في وقت أقرب، في ظل الارتفاع الحاد في تكاليف الطاقة، التي يرون أنها قد تؤدي في نهاية المطاف إلى ظهور آثار تضخمية من الجولة الثانية، وفق «رويترز».

وقال كازيمير، أحد الأصوات الأكثر تشدداً في مجلس محافظي البنك المؤلف من 27 عضواً، الاثنين: «بالنسبة إليَّ، لم يعد السؤال يتمحور بشكل متزايد حول ما إذا كانت هناك حاجة إلى مزيد من الإجراءات؛ بل حول حجم الزيادة المطلوبة».

وأضاف: «قد تكون الأسواق لا تزال تقلِّل من حجم الإجراءات اللازمة. فالمسألة لا تتعلق باجتماع واحد ولا خطوة واحدة؛ بل بالمسار المطلوب لإعادة التضخم إلى المستوى المستهدف والحفاظ عليه عند ذلك المستوى».

وتتوقع الأسواق المالية حالياً أن يرفع البنك المركزي الأوروبي أسعار الفائدة مرتين إلى 3 مرات خلال العام المقبل، قبل أن يبدأ خفضها تدريجياً، في ظل مؤشرات التضخم المستمدة من الأسواق التي تشير إلى احتمال بقاء نمو الأسعار أعلى بكثير من مستهدف البنك البالغ 2 في المائة لسنوات مقبلة.

وكان البنك المركزي الأوروبي قد أبقى أسعار الفائدة دون تغيير الخميس الماضي، مستنداً إلى أن الآثار التضخمية من الجولة الثانية لم تظهر بعد، وأن نمو الأجور لا يزال محدوداً، فضلاً عن احتمال تأثر النمو الاقتصادي سلباً بالارتفاع الحاد في تكاليف الاقتراض على المدى الطويل.

لكن كازيمير رأى أن هذه العوامل لا توفر بالضرورة القدر نفسه من الطمأنينة الذي يعتقده البعض.

وأوضح أن ضغوط التكاليف قد تتراكم قبل أن تنقل الشركات الزيادات إلى المستهلكين، كما قد تتغير توقعات التضخم قبل أن تظهر الضغوط السعرية الأوسع في البيانات الاقتصادية.

وقال: «إن انتظار اليقين لا يشكل بالضرورة نهجاً سليماً في رسم السياسات».

وأضاف أن تباطؤ النمو الاقتصادي لا يعني بالضرورة تراجع التضخم، نظراً إلى أن ضغوط التكاليف تتراكم منذ أشهر. كما أشار إلى أن النمو لا يزال متماسكاً نسبياً، بفضل الدور الذي تؤديه الموازنات الحكومية في دعم الاقتصاد، محذراً من أن غياب الانضباط المالي قد يسهم بدوره في استمرار الضغوط السعرية.

وختم كازيمير بالقول: «إن التوقف الذي شهده الأسبوع الماضي لم يكن خط النهاية. وينبغي أن نتحرك قبل أن يصبح التضخم المرتفع أمراً طبيعياً في نظر الجميع».


واشنطن تسعى لإعادة الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا رغم العقوبات

الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
TT

واشنطن تسعى لإعادة الغاز الروسي إلى أوروبا عبر أوكرانيا رغم العقوبات

الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)
الناس يسيرون على طول ساحل خليج فنلندا وخلفهم برج مركز لاختا مقر شركة «غازبروم» الروسية للغاز بمدينة سانت بطرسبرغ (إ.ب.أ)

تتحرك إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب باتجاه إعادة صادرات الغاز الطبيعي الروسي إلى الأسواق الأوروبية عبر خطوط الأنابيب العابرة للأراضي الأوكرانية، في مقترح يهدف إلى التوصل إلى تهدئة على جبهة الطاقة بين موسكو وكييف، وتهيئة الأجواء لاتفاق أوسع ينهي الحرب، لكنه يصطدم بموقف أوروبي يرفض العودة إلى الاعتماد على إمدادات الطاقة الروسية.

ووفقاً لما أوردته صحيفة «وول ستريت جورنال»، فإن المبعوثين الأميركيين ستيف ويتكوف وجاريد كوشنر طرحا الفكرة خلال زيارتين إلى موسكو وكييف في سبتمبر (أيلول) الماضي. ويقوم التصور على استئناف بيع الغاز الروسي إلى أوروبا عبر وسيط أميركي، بما يتيح تجاوز العقوبات الأوروبية القائمة، ويخلق في الوقت نفسه فرصاً استثمارية أمام شركات ومستثمرين أميركيين.

وتتجاوز أهمية المقترح الجانب التجاري، إذ تراهن واشنطن على أن عودة روسيا إلى سوق الغاز الأوروبية ستشكل حافزاً اقتصادياً للرئيس فلاديمير بوتين للموافقة على اتفاق لوقف التصعيد في قطاع الطاقة، في حين يمكن أن تستفيد أوكرانيا من رسوم عبور الغاز عبر أراضيها، بما يوفر لها مورداً مالياً تحتاج إليه في ظل الحرب.

وبحسب مسؤول أميركي رفيع نقلت عنه الصحيفة، اقترح مسؤولون في البيت الأبيض إيداع عائدات مبيعات الغاز الروسي في حساب ضمان لدى جهة قضائية في دولة ثالثة، للحيلولة دون استخدام الكرملين هذه الأموال في تمويل الحرب. كما حاولت الإدارة الأميركية تسويق الفكرة أمام القادة الأوروبيين باعتبارها وسيلة لخفض أسعار الطاقة قبل الشتاء، في وقت تراجعت فيه مخزونات الغاز الأوروبية إلى مستويات موسمية متدنية مقارنة بالسنوات الماضية.

نموذج توضيحي لأنبوب الغاز نورد ستريم تحت سطح البحر يظهر عليه عَلَمَا الاتحاد الأوروبي وروسيا (إكس)

موقف أوروبي يصعب تغييره

لكن المقترح يواجه عقبة رئيسية تتمثل في الموقف الأوروبي، إذ أقر الاتحاد الأوروبي تشريعات تقضي بالتخلص التدريجي من واردات الغاز الطبيعي الروسي بحلول نهاية عام 2027. كما أكد قادة أكبر الدول الأوروبية عدم رغبتهم في العودة إلى الاعتماد على إمدادات الطاقة من روسيا، التي باتت تُعدّ تهديداً استراتيجياً لأمن القارة.

ونقلت «وول ستريت جورنال» عن مفوض الطاقة الأوروبي دان يورغنسن قوله، في مقابلة مع صحيفة مجرية خلال أكتوبر (تشرين الأول)، إن الحظر المفروض على واردات الغاز الروسي ينبغي أن يكون دائماً، مضيفاً أنه لا يثق بروسيا حتى في حال التوصل إلى اتفاق سلام.

وفي حين تراهن إدارة ترمب على أن الضغوط الاقتصادية وارتفاع تكاليف الطاقة قد يدفعان العواصم الأوروبية إلى إعادة النظر في موقفها، نقلت الصحيفة عن مسؤولين أوروبيين تحفظات شديدة على الفكرة. واعتبر مسؤول من إحدى دول الشمال الأوروبي أن استئناف شراء الغاز الروسي يتعارض مع المبادئ التي تتبناها أوروبا، بينما شبّه مسؤول رفيع من دولة أوروبية كبرى المقترح بتنازلات رئيس الوزراء البريطاني الأسبق نيفيل تشامبرلين أمام ألمانيا النازية مقابل الحفاظ على المصالح التجارية.

ويمثل هذا التوجه تحولاً لافتاً في موقف ترمب مقارنة بولايته الرئاسية الأولى، حين انتقد المستشارة الألمانية السابقة أنجيلا ميركل بسبب مشروع خط أنابيب «نورد ستريم 2»، محذراً من أن اعتماد ألمانيا عليه سيجعلها رهينة للإمدادات الروسية. وفرضت واشنطن آنذاك عقوبات على المشروع في أواخر عام 2019.

وترى الإدارة الأميركية الحالية أن إعادة فتح خطوط «نورد ستريم» مستقبلاً قد تكون جزءاً مهماً من تسوية أوسع، لا تقتصر على إنهاء الحرب في أوكرانيا، بل تشمل أيضاً معالجة الخلافات القائمة بين روسيا وحلفاء واشنطن الأوروبيين. ونقلت الصحيفة عن مسؤول أميركي قوله إن خطأ ميركل تمثل في السعي إلى تنفيذ المشروع من دون العمل أولاً على ترتيب أمني أوسع مع موسكو.

لافتة تُظهر مشروع «نورد ستريم» في ولاية غرب ماكلينبورغ بومرانيا شرق ألمانيا حيث تصل أنابيب «نورد ستريم» (د.ب.أ)

خطوط أوكرانيا أسرع في استئناف الضخ

وعلى المستوى العملي، تبدو خطوط الأنابيب العابرة لأوكرانيا أكثر قابلية لإعادة التشغيل السريع مقارنة بخطوط «نورد ستريم»، التي تعرضت لانفجارات تحت مياه بحر البلطيق في سبتمبر 2022، وألحقت أضراراً جسيمة بِخطَّي «نورد ستريم 1» و«نورد ستريم 2». وكان الأول قد توقف عن نقل الغاز في أغسطس (آب) 2022، بينما لم يدخل الثاني الخدمة أصلاً.

في المقابل، استمرت تدفقات محدودة من الغاز الروسي عبر شبكة الأنابيب الأوكرانية حتى يناير (كانون الثاني) 2025، عندما توقفت عمليات العبور. وتمتد هذه الشبكة من حقول الغاز في سيبيريا إلى أوروبا عبر أوكرانيا، مع ارتباطات بسلوفاكيا ومنها إلى النمسا وألمانيا.

وكانت روسيا وألمانيا قد أنشأتا خط «نورد ستريم 1» لتجاوز شبكات نقل الغاز عبر أوكرانيا، وبدأ تشغيله في عام 2011، قبل أن يتوقف لاحقاً مع تصاعد الحرب وتدهور العلاقات بين موسكو والعواصم الأوروبية.

أنابيب خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في بحر البلطيق (رويترز)

وتشير بيانات أوردتها الصحيفة إلى أن الغاز الروسي يمثل حالياً نحو 11 في المائة من إجمالي استهلاك أوروبا من الغاز الطبيعي، مقارنة بنحو 45 في المائة قبل اندلاع الحرب. وفي المقابل، تشكل إمدادات الغاز الطبيعي المسال الأميركي نحو 30 في المائة من الاستهلاك الأوروبي، بينما تصل كميات من الغاز الروسي إلى بعض الأسواق الأوروبية عبر ناقلات الغاز المسال أو من خلال خطوط «ترك ستريم» التي تغذي المجر وسلوفاكيا.

حارس أمن يقف أمام منشأة وصول خط أنابيب الغاز «نورد ستريم 2» في لوبمين بألمانيا (رويترز)

حرب إيران تضغط على حسابات أوروبا

وتأتي التحركات الأميركية في وقت تواجه فيه أوروبا ضغوطاً إضافية على أمن الطاقة نتيجة الحرب على إيران، التي أدت إلى تعطل شحنات الغاز الطبيعي المسال القطري داخل الخليج، وأسهمت في موجة ارتفاع عالمية لأسعار الطاقة.

ووفقاً للاتحاد الأوروبي، تكبدت دوله إنفاقاً إضافياً على الطاقة بقيمة 100 مليار يورو (نحو 112 مليار دولار) نتيجة الحرب. كما بلغت نسبة امتلاء مخزونات الغاز الأوروبية تحت الأرض نحو 75 في المائة، مع توقعات بدخول القارة فصل الشتاء بمستويات تقل عن متوسط السنوات التسع الماضية.

وتقر أوساط أوروبية بأن تداعيات الحرب على إيران قد تزيد صعوبة التمسك بالموقف الرافض لاستئناف واردات الغاز الروسي، خصوصاً مع ارتفاع الأسعار وتراجع الإمدادات المتاحة من مصادر أخرى.

وفي ألمانيا، جعل حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف استئناف واردات الغاز الروسي منخفض التكلفة أحد المحاور الرئيسية في حملته استعداداً للانتخابات الوطنية المقررة عام 2028.

ومع ذلك، يرى دبلوماسيون أن تغيير الموقف الأوروبي قد يصبح أكثر قابلية للنقاش إذا أيَّدت كييف استئناف تدفقات الغاز في إطار اتفاق لوقف الهجمات على منشآت الطاقة، بما يحول دون انقطاع الكهرباء وحدوث أزمة إنسانية في المدن الأوكرانية قد تدفع موجة جديدة من اللاجئين إلى مغادرة البلاد.

ويكتسب هذا الاحتمال أهمية إضافية في ظل تراجع قدرات الدفاع الجوي الأوكرانية، والقيود الأميركية على إمدادات صواريخ الاعتراض «باتريوت»، وسط نقص عالمي في هذه الصواريخ نتيجة تداعيات الحرب على إيران.

وتتجه الأنظار إلى مفاوضات ثلاثية مرتقبة بين الولايات المتحدة وروسيا وأوكرانيا في أبوظبي خلال منتصف نوفمبر (تشرين الثاني)، وسط استمرار رفض موسكو حتى الآن محاولات واشنطن التوصل إلى اتفاق شامل لوقف الهجمات على منشآت الطاقة.


وزارة المال والمصارف اللبنانية أمام نزاع ضريبي بـ600 مليون دولار

جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
TT

وزارة المال والمصارف اللبنانية أمام نزاع ضريبي بـ600 مليون دولار

جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)
جابر أثناء لقائه وفداً من جمعية المصارف في أكتوبر من عام 2025 (الوكالة الوطنية)

على أرباح لم تدخل خزائنها، تجد المصارف اللبنانية نفسها أمام مطالبة ضريبية قد تصل إلى 600 مليون دولار، على خلفية فروقات محاسبية في تقييم سندات الدين الدولية (اليوروبوندز). وبينما تتمسك وزارة المال بحقها في احتساب هذه الفروقات ضمن الأرباح الخاضعة للضريبة، تعد المصارف أن التكليف يستند إلى أرباح دفترية غير محققة، وأن تحميلها هذه المبالغ في ظل أزمة الودائع وتراجع ملاءتها سيعمّق الضغوط على سيولتها وقدرتها على الوفاء بالتزاماتها.

ومع انتقال الخلاف من تبادل المراسلات القانونية إلى اجتماعات تقنية مباشرة مرتقبة بين الطرفين، وتمديد مهلة تنفيذ المطالبات إلى منتصف الشهر المقبل بدلاً من نهاية الشهر الماضي، تتجه الأنظار إلى مدى إمكان التوصل إلى تسوية بشأن تكليفات ضريبية تتصل بمحافظ المصارف من سندات «اليوروبوندز»، وتشمل فروقات أسعار الصرف عن سنوات سابقة.

وتكتسب المطالبة أهمية إضافية بالنظر إلى أن هذه السندات لا تزال مجمّدة منذ قرار الحكومة اللبنانية في ربيع عام 2020 تعليق سداد أصولها وفوائدها، فيما يجري تداولها في الأسواق بنحو 25 في المائة من قيمتها الدفترية. وتقدّر المصارف المبالغ المتوجبة بموجب التكليفات الضريبية بما يتراوح بين 500 و600 مليون دولار، وهو ما تعده عبئاً كبيراً على قطاع تراجعت أمواله الخاصة من نحو 20.6 مليار دولار عشية الأزمة المالية والنقدية في خريف 2019 إلى نحو 5.4 مليار دولار حالياً، وسط تأخير متماد في إقرار التشريعات اللازمة لاستعادة الانتظام المالي، والشروع بإصلاحات هيكلية للقطاع العام، والتقدم في آليات عقد اتفاق تمويلي مع صندوق النقد الدولي.

مبنى جمعية مصارف لبنان في بيروت (رويترز)

مؤونات قانونية

ويتركز اعتراض المصارف على المعالجة الضريبية للمؤونات التي خصصتها لمواجهة خسائر سندات الدين الدولية، والتي تقول إنها أُنشئت بموافقة لجنة الرقابة على المصارف، ما يجعلها مؤونات قانونية يجوز تنزيلها من الأرباح، وفقاً للمادة السابعة من قانون ضريبة الدخل.

كما تعترض على احتساب الخسائر وفق سعر الصرف الرسمي السابق للأزمة، البالغ 1515 ليرة للدولار، في مقابل احتساب الأرباح الخاضعة للضريبة وفق السعر الحالي البالغ 89.5 ألف ليرة للدولار، عادّةً أن هذا التفاوت ينطوي على ازدواجية مجحفة ترفع معدل الضريبة الفعلي بصورة غير قانونية. وترى المصارف أن المطالبة تتعارض أيضاً مع إصلاحات تشريعية وقرار لمصرف لبنان يحظر توزيع أنصبة أرباح دفترية ناتجة عن هذه المعالجات.

ويفترض أن تبتّ الاجتماعات التقنية، التي تم الاتفاق على انطلاقها في «أقرب وقت ممكن» بعد لقاء جمع وزير المال ياسين جابر، ورئيس جمعية المصارف سليم صفير، بالصوابية القانونية للمطالبة الضريبية، والواردة أساساً بموجب كتاب رسمي تبلغته البنوك، قبل شهرين، من دائرة كبار المكلفين في وزارة المال، وتم تعزيزه بكتاب ثان أوائل الشهر الماضي، ردت عليهما جمعية المصارف بمطالعة قانونية مفصّلة، قبل 10 أيام من انتهاء المهلة الأولى، لتختم المراسلات بعد الاجتماع الثنائي، بكتاب من وزير المال يؤكد الجاهزية للتباحث المباشر في «النقاط المثارة».

وبموجب هذه المراسلات المتبادلة، التي اطلعت عليها «الشرق الأوسط»، فإن طلب تعديل التصاريح الضريبية والتثبت من صحتها، يركز على بنود مؤونات «اليوروبوندز» واستردادها، وخسائر التقييم غير المحققة، ومخصصات هبوط القيمة الناتجة عن التفرغ عن سندات دين، إلى جانب أسعار الصرف المعتمدة في تسجيل بعض الإيرادات بالعملات الأجنبية، وفروقات الصرف والقطع، ووجوب مراجعة المعالجات الضريبية.

وفي سياق اعتراضها القانوني، تستند المصارف إلى المادتين 81 و82 من الدستور، اللتين تحصران فرض الضرائب وزيادتها بالقانون الصادر عن مجلس النواب، ولا تجيزان للإدارة استحداث ضرائب أو تعديلها بموجب قرارات تنظيمية. وتقول مطالعة المصارف إن ما تصفه الوزارة بأنه ربح محاسبي ناتج عن انهيار سعر صرف العملة الوطنية واحتساب الفارق بالليرة بين سعر التكلفة والسعر الفعلي، يمثل في الواقع خسارة فعلية، ولا يجوز بالتالي إدراجه ضمن الأرباح الخاضعة للتكليف الضريبي.

وفي المقابل، تحذّر المصارف من أن حصيلة الضريبة المطلوبة، التي تقدر بنحو 600 مليون دولار، ستؤدي إلى استنزاف سيولة القطاع بالمبلغ نفسه، بما يحدّ من قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه المودعين ورد حقوقهم. وتؤكد في مطالعتها أن القطاع المصرفي «لا قدرة له على تحمّل هذا المبلغ الضخم في ظل الظروف الحالية».

وزير المال ياسين جابر (رويترز)

في المقابل، يستند موقف وزارة المال إلى قرارات تنظيمية صادرة عن وزير المال، فضلاً عن رأي صادر عن هيئة التشريع والاستشارات مطلع عام 2025. وترى الوزارة، استناداً إلى هذه القرارات والرأي القانوني، أن من حقها تكليف المصارف ضريبياً عن الربح المحاسبي الناجم عن الفارق بين سعر التكلفة التاريخي وسعر صرف الدولار المعتمد بتاريخ التكليف.

أما فيما يتعلق بالأساس القانوني لموقفها، فتقول المصارف إن المؤونات المخصصة لمواجهة خسائر الديون المشكوك في تحصيلها لا تستلزم إعلان إفلاس المدين، بل يكفي أن تكون قد حظيت بموافقة لجنة الرقابة على المصارف.

وتعترض كذلك على إخضاعها لضريبة تُسدّد بالدولار النقدي (Fresh) على فوائد القروض التي قدمتها لمصرف لبنان، في حين أن المصرف المركزي لم يسدد هذه الفوائد بالدولار النقدي، بل بالدولار المصرفي، عادّةً أن ذلك يحمّلها عبئاً غير عادل ويفرض عليها، عملياً، ضرائب مقنّعة.

وفي خلفية هذا النزاع، تحمّل المطالعة المصرفية الدولة المسؤولية الأساسية عن الأزمة المالية، على خلفية استهلاكها الودائع الموظفة لدى مصرف لبنان، بما حال دون تمكّنه من إعادتها إلى المصارف لتتولى بدورها سداد حقوق المودعين. كما تشير إلى تخلّف الدولة عن سداد ديونها المباشرة للمصرف المركزي، والبالغة نحو 16.5 مليار دولار، واستمرارها في عدم الوفاء بالتزامها تغطية خسائره، وفقاً للمادة (113) من قانون النقد والتسليف.