السلطات الإسبانية أكّدت انخفاض خطر تفشٍ أوسع... وإنزال بريطاني نادر في جزيرة نائية
نقل ركاب سفينة «إم في هونديوس» إلى تينيريف ضمن عملية الإجلاء يوم 10 مايو (رويترز)
لندن :«الشرق الأوسط»
TT
لندن :«الشرق الأوسط»
TT
إجلاء ركاب «سفينة هانتا» وسط إجراءات صحية صارمة
نقل ركاب سفينة «إم في هونديوس» إلى تينيريف ضمن عملية الإجلاء يوم 10 مايو (رويترز)
بدأ رُكّاب سفينة سياحية شهدت تفشياً قاتلاً لفيروس «هانتا»، العودة إلى بلدانهم من جزر الكناري الإسبانية، الأحد، ضمن عملية إجلاء دقيقة وإجراءات صحية صارمة.
وأودى الفيروس بحياة ثلاثة ركاب على متن السفينة «إم في هونديوس»، وهم زوجان هولنديان وامرأة ألمانية، فيما أصيب آخرون بالمرض النادر الذي ينتقل عادة بين القوارض. ولا توجد لقاحات أو علاجات محددة لفيروس «هانتا»، الذي يعتقد أنه ظهر في أوشوايا بالأرجنتين التي انطلقت منها السفينة في أبريل (نيسان) الماضي. لكن مسؤولين صحيين شددوا على أن الخطر على الصحة العامة العالمية لا يزال منخفضاً، مستبعدين المقارنات مع جائحة «كوفيد - 19».
رحلات الإجلاء
قالت وزيرة الصحة الإسبانية مونيكا غارسيا، إن إجلاء معظم ركاب وطاقم السفينة، البالغ عددهم نحو 150 شخصاً، سيستمر حتى رحلة الإعادة النهائية إلى أستراليا الاثنين.
إجراءات صحية صارمة رافقت إجلاء ركاب السفينة الموبوءة في جزيرة تينيريف يوم 10 مايو (أ.ف.ب)
ونقلت وكالة الصحافة الفرنسية صور ركاب يرتدون بدلات طبية زرقاء وهم يغادرون السفينة التي ترفع العلم الهولندي على متن قوارب صغيرة للوصول إلى ميناء غرانياديّا في جزيرة تينيريف، ثم استقل المُجلون حافلة عسكرية إسبانية حمراء اللون إلى مطار تينيريف الجنوبي ضمن موكب، مع وجود حاجز واقٍ يفصل السائق عن الركاب.
وقام الركاب بتبديل معدات الحماية الخاصة بهم قبل صعودهم إلى رحلات العودة إلى بلدانهم. وأقلّت أول رحلة 14 إسبانياً إلى مدريد، حيث سيخضعون للحجر الصحي في مستشفى عسكري. فيما أقلّت طائرة متجهة إلى هولندا 27 شخصاً، بينهم مواطنون من بلجيكا واليونان وألمانيا وغواتيمالا والأرجنتين. كما غادرت رحلات منفصلة لنقل رعايا فرنسيين وبريطانيين وآيرلنديين وأتراك وأميركيين.
وقال المُجلى الفرنسي رولان سيتر لوكالة الصحافة الفرنسية، قبيل إقلاع طائرته، إن «كل شيء يسير على ما يرام»، مضيفاً أن «الجميع كانوا رائعين» خلال عملية الإجلاء.
سباق مع الوقت
شدّدت سلطات جزر الكناري على ضرورة استكمال عملية الإجلاء بحلول الاثنين، حيث يتوقّع تدهور الأحوال الجوية حينها، ما سيجبر السفينة على المغادرة. وقالت رئيسة هيئة الحماية المدنية الإسبانية فيرجينيا باركونيس، للتلفزيون الرسمي الإسباني: «إذا سار كل شيء وفق الخطة... فستبحر السفينة باتجاه هولندا عند الساعة السابعة مساءً (19:00) الاثنين».
وكانت سلطات الأرخبيل الأطلسي قد رفضت باستمرار استقبال السفينة، ولم تسمح لها إلا بالرسو قبالة الساحل بدلاً من دخول الميناء. وأكّدت منظّمة الصحة العالمية، فضلاً عن وزيرة الصحة الإسبانية، أن الركاب الذين تمّ إجلاؤهم لا تظهر عليهم أعراض المرض، وخضعوا لتقييم طبي نهائي قبل بدء عملية إنزالهم. كما أكّدت السلطات الإسبانية أنه لن يكون هناك أي احتكاك بين الركاب والسكان المحليين في تينيريف.
ونُصبت خيام بيضاء على رصيف الميناء، فيما أغلقت الشرطة، وبين عناصرها أفراد يرتدون بدلات طبية واقية، جزءاً من الميناء الصناعي الصغير. وقال رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز، الأحد، إن إسبانيا «تقوم بما يجب عليها القيام به، بصرامة تقنية وعلمية وشفافية كاملة، وبالتعاون المؤسسي والدولي».
قلق دولي
أكّدت السلطات الصحية أنه تمّ رصد «فيروس الأنديز»، وهو النوع الوحيد من فيروس «هانتا» القابل للانتقال بين البشر، لدى المصابين الذين جاءت نتائج فحوصهم إيجابية، ما أثار قلقاً دولياً. وأكّدت منظمة الصحة العالمية، الجمعة، ست حالات إصابة من أصل ثماني حالات مشتبه بها، مشيرة إلى عدم وجود أي حالات مشتبه بها متبقية على متن السفينة.
جانب من إجلاء راكب بريطاني من سفينة «إم في هونديوس» في تينيريف يوم 10 مايو (رويترز)
ووصلت السفينة «إم في هونديوس» إلى تينيريف صباح الأحد قادمة من الرأس الأخضر، حيث جرى في وقت سابق من الأسبوع إجلاء ثلاثة مصابين إلى أوروبا. وكانت السفينة قد أبحرت من مدينة أوشوايا الأرجنتينية في الأول من أبريل في رحلة عبر المحيط الأطلسي باتجاه الرأس الأخضر.
وترجح منظمة الصحة العالمية أن تكون العدوى الأولى قد حدثت قبل انطلاق الرحلة، لينتقل الفيروس بعد ذلك بين الركاب على متن السفينة. لكن مسؤولاً صحياً أرجنتينياً بارزاً، يُدعى خوان بيترينا، قال إن احتمال إصابة الرجل الهولندي المرتبط بالتفشي بالفيروس في أوشوايا «يكاد يكون معدوماً»، استناداً إلى فترة حضانة الفيروس التي تمتد لأسابيع وعوامل أخرى.
وتواصل السلطات الصحية في عدة دول تتبع الركاب الذين غادروا السفينة سابقاً، وكل من خالطهم.
إنزال جوي بريطاني
بالتوازي مع جهود منع انتشار الفيروس بين ركاب السفينة ومخالطيهم، هبطت قوات مظلات بريطانية في جزيرة تريستان دا كونيا، وهي أبعد الأراضي التابعة لبريطانيا في الخارج، مصحوبة بطاقم طبي ومستلزمات طبية، بعد تأكيد وجود حالة يشتبه في إصابتها بفيروس «هانتا» هناك. وقفز فريق مكون من ستة مظليين واثنين من الأطباء العسكريين من «اللواء 16» المحمول جواً، من طائرة تابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني من طراز «إيه 400 إم» التي قطعت مسافة 6788 كيلومتراً من قاعدة «بريز نورتون» الجوية التابعة لسلاح الجو الملكي البريطاني في أوكسفوردشير إلى جزيرة أسنسيون، ثم ثلاثة آلاف كيلومتر أخرى جنوباً إلى تريستان دا كونيا.
جانب من إنزال بريطاني في جزيرة تريستان دي كونيا يوم 9 مايو (أ.ب)
وقالت وزارة الدفاع، في بيان، إن هذه العملية هي الأولى من نوعها التي ينشر فيها الجيش البريطاني كوادر طبية لتقديم الدعم الإنساني عبر القفز بالمظلات. وكانت الإمدادات موجهة إلى رجل بريطاني قالت السلطات الصحية البريطانية إنه كان أحد ركاب سفينة «هونديوس»، التي رست في الجزيرة بين 13 و15 أبريل. وقالت منظمة الصحة العالمية إن الرجل أبلغ عن أعراض تتفق مع فيروس «هانتا» في 28 أبريل، وإن حالته مستقرة وهو في العزل. وقال بيان وزارة الدفاع: «مع وصول إمدادات الأكسجين في الجزيرة إلى مستوى حرج، كان الإنزال الجوي برفقة أفراد طبيين هو الطريقة الوحيدة لتقديم الرعاية الحيوية للمريض في الوقت المناسب».
وتقع جزيرة تريستان دا كونيا، التي يبلغ عدد سكانها نحو 200 فقط، في منتصف الطريق بين جنوب أفريقيا وأميركا الجنوبية. وهي الجزيرة المأهولة الأبعد في العالم، حيث تبعد أكثر من 2400 كيلومتر وتستغرق الرحلة إليها ستة أيام بالقارب من سانت هيلينا، أقرب جزيرة مأهولة مجاورة لها. وعادة ما تعتمد الجزيرة على فريق طبي مكون من شخصين لتلبية احتياجاتها الصحية، ولا يمكن الوصول إليها عادة إلا بالقارب لأنه لا يوجد بها مدرج للطائرات.
السلطات الصحية الهولندية تسمح للسفينة هونديوس بالإبحار مجدداًhttps://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7/5278790-%D8%A7%D9%84%D8%B3%D9%84%D8%B7%D8%A7%D8%AA-%D8%A7%D9%84%D8%B5%D8%AD%D9%8A%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D9%87%D9%88%D9%84%D9%86%D8%AF%D9%8A%D8%A9-%D8%AA%D8%B3%D9%85%D8%AD-%D9%84%D9%84%D8%B3%D9%81%D9%8A%D9%86%D8%A9-%D9%87%D9%88%D9%86%D8%AF%D9%8A%D9%88%D8%B3-%D8%A8%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%A8%D8%AD%D8%A7%D8%B1-%D9%85%D8%AC%D8%AF%D8%AF%D8%A7%D9%8B
تبحر سفينة الرحلات البحرية الهولندية «إم في هونديوس» التي أصيبت بفيروس «هانتا» قبالة سواحل هولندا وهي تقترب من ميناء روتردام (أ.ف.ب)
«الشرق الأوسط»
لاهاي:«الشرق الأوسط»
TT
«الشرق الأوسط»
لاهاي:«الشرق الأوسط»
TT
السلطات الصحية الهولندية تسمح للسفينة هونديوس بالإبحار مجدداً
تبحر سفينة الرحلات البحرية الهولندية «إم في هونديوس» التي أصيبت بفيروس «هانتا» قبالة سواحل هولندا وهي تقترب من ميناء روتردام (أ.ف.ب)
سُمح لسفينة رحلات سياحية كانت قد استدعت حالة استنفار صحي عالمي بسبب تفشّ لفيروس هانتا الفتاك بالإبحار مجدّداً السبت، بعد إنجاز أعمال التنظيف، والتعقيم.
وقال جهاز الصحة العامة في ميناء روتردام الهولندي في بيان إنه بعد معاينة أخيرة أُجريت الجمعة «لم تعد هناك، من منظور الصحة العامة، أي عوائق تحول دون إبحار السفينة هونديوس مجدداً».
وأوضح الجهاز أنه خلال عمليات الفحص «خلص خبراء مكافحة العدوى إلى أن تنظيف السفينة هونديوس أُجري بفاعلية، وأن التعقيم نُفّذ وفقاً للإرشادات المعتمدة».
في هذا الأسبوع، قالت شركة «أوشنوايد إكسبيديشنز» المالكة للسفينة إن «هونديوس» ستغادر روتردام فور استكمال عمليات المعاينة، على أن تستأنف برنامج رحلاتها السياحية اعتباراً من 13 يونيو (حزيران).
وكانت «هونديوس» تقوم برحلة من أوشوايا في الأرجنتين إلى الرأس الأخضر، وأصبحت محور اهتمام دولي منذ أعلنت منظمة الصحة العالمية وفاة ثلاثة ركاب بعد تفشي فيروس هانتا على متنها.
وغادر بعض الركاب السفينة في جزيرة سانت هيلينا قبل إطلاق الإنذار الصحي.
وهانتا فيروس نادر ينتشر عادة عن طريق القوارض المصابة، وخصوصاً عبر ملامسة بولها، وبرازها، ولعابها، ولا لقاحات مضادة له، أو علاجات محدّدة.
وجرى إنزال غالبية الركاب في جزيرة تينيريفي في أرخبيل جزر الكناري الإسباني، ونُقلوا جواً إلى بلدانهم.
ووصلت السفينة التي ترفع علم هولندا في 18 مايو (أيار) إلى روتردام، أكبر موانئ أوروبا، ووضع طاقمها في الحجر الصحي.
إلى الآن، سجّلت منظمة الصحة العالمية 13 حالة مؤكدة مرتبطة بتفشي المرض، بينها الوفيات الثلاث.
هل تلجأ روسيا إلى سياسة «قطع الرأس» لإجبار أوكرانيا على الاستسلام؟https://aawsat.com/%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A7%D9%84%D9%85/%D8%A3%D9%88%D8%B1%D9%88%D8%A8%D8%A7/5278749-%D9%87%D9%84-%D8%AA%D9%84%D8%AC%D8%A3-%D8%B1%D9%88%D8%B3%D9%8A%D8%A7-%D8%A5%D9%84%D9%89-%D8%B3%D9%8A%D8%A7%D8%B3%D8%A9-%D9%82%D8%B7%D8%B9-%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A3%D8%B3-%D9%84%D8%A5%D8%AC%D8%A8%D8%A7%D8%B1-%D8%A3%D9%88%D9%83%D8%B1%D8%A7%D9%86%D9%8A%D8%A7-%D8%B9%D9%84%D9%89-%D8%A7%D9%84%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%B3%D9%84%D8%A7%D9%85%D8%9F
هل تلجأ روسيا إلى سياسة «قطع الرأس» لإجبار أوكرانيا على الاستسلام؟
عامل إنقاذ يبحث عن ناجين في موقع قصف روسي على مركز تسوق بكييف يوم 24 مايو (إ.ب.أ)
يبدو السؤال الأكثر إثارة بعد مرور نحو 4 سنوات ونصف سنة على اندلاع الحرب في أوكرانيا: لماذا لم تلجأ روسيا إلى اغتيال عدوها اللدود فولوديمير زيلينسكي وتصفية رموز القيادة العسكرية والسياسية في أوكرانيا؟ كان يمكن، وفقاً لتقديرات بعض النخب الروسية لسيناريو من هذا النوع، أن يضعف من عزيمة المقاومة في أوكرانيا، ويفاقم الخلافات الداخلية، وأن يضع العالم أمام استحقاق التعامل مع واقع جديد. لكن الرئيس فلاديمير بوتين لم يتخذ هذا القرار الحاسم.
والزعيم الذي يتربع على عرش الكرملين منذ 26 سنة، واجه خصومه خلال كل تلك الفترة أقداراً غامضة ومختلفة. ولاحق الموت كل من وجّه سلاحه أو نشاطه السياسي ضده. من أصلان مسخادوف في الشيشان عام 2005، إلى ألكسندر ليتفينينكو (2006)، ثم بوريس بيريزوفسكي (2013)، وبوريس نيمتسوف (2015)، وصولاً إلى يفغيني بريغوجين في 2023، ثم ألكسندر نافالني في العام التالي. وصحيح أنه باستثناء مسخادوف الذي قُتل خلال مواجهات عسكرية مباشرة في حرب الشيشان الثانية، فإن الكرملين تبرأ من دم كل المعارضين الآخرين. مع ذلك، بدا أن الأقدار واجهت دائماً خصوم الزعيم القوي.
والسؤال المهم هنا: لماذا لم يحسم بوتين قراره تجاه زيلينسكي حتى الآن؟ وهل يحمل التهديد الروسي حالياً بتقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا، إشارات إلى تبدّل محتمل في موقف الكرملين حيال سياسة «قطع الرأس» التي طالما دعا إليها رموز معسكر «الصقور» في روسيا؟
إزاحة زيلينسكي
كانت المطالبات بإزاحة الرئيس الأوكراني المُتّهم في موسكو بأنه يقود «عصابة نازية» قد بدأت في وقت مبكر بعد اندلاع الحرب. وقد عبّر جزء مهم من النخب السياسية والأمنية والعسكرية عن قناعة بضرورة أن تُوجّه موسكو ضربة حاسمة تستهدف أركان القيادة الأوكرانية. وارتفعت الأصوات أكثر عند منعطفات ميدانية حاسمة، أو بعد ضربات موجعة عسكرياً أو سياسياً تعرّضت لها موسكو؛ مثل هجوم المسيرات الذي استهدف الكرملين بشكل مباشر في عام 2023، أو عند نجاح الهجوم الأوكراني المباغت في منطقة كورسك والذي أسفر عن سيطرة القوات الأوكرانية على مساحات شاسعة داخل الأراضي الروسية، واحتاجت موسكو بعد ذلك نحو 8 أشهر، ومساعدة قوية قدمتها الوحدات الخاصة في كوريا الشمالية لطرد المتوغلين داخل أراضيها.
زيلينسكي يتحدث بعد لقائه رئيس الوزراء السويدي وتبدو خلفه مقاتلة من طراز «إف - 16» في أوبسالا يوم 28 مايو (أ.ف.ب)
وفي عام 2023، وصف نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف، وأحد أبرز «الصقور» الذين دعوا باستمرار إلى استخدام الترسانة النووية للقضاء على «العدو»، التصفية الجسدية لزيلينسكي و«زمرته»، بأنها الخيار الوحيد أمام روسيا. كانت موسكو لم تستفِق بعد من صدمة هجوم المسيرات على الكرملين، والتي صُنّفت بوصفها محاولة اغتيال مباشرة لبوتين. وقال السياسي الروسي آنذاك إنه «لم يتبقَّ أي خيار سوى التصفية الجسدية لزيلينسكي وفريقه، حتى إنه ليس مطلوباً منه توقيع وثيقة الاستسلام غير المشروط. و(أدولف) هتلر، كما نعلم، لم يوقعها أيضاً. سيتم دائماً إيجاد بديل، لإعلان الاستسلام وتوقيعه».
وفي السياق ذاته، وصف رئيس مجلس النواب (الدوما) فياتشيسلاف فولودين، زيلينسكي بأنه «إرهابي دولي»، وأكد أن البرلمان «سيطالب (الرئيس) باستخدام أسلحة قادرة على إيقاف وتدمير نظام كييف الإرهابي»، في إشارة إلى المطالبة باستخدام أسلحة غير تقليدية لحسم الحرب.
شقة مدمرة بمبنى سكني بموسكو عقب هجوم بطائرة مسيرة يُرجّح أن تكون أوكرانية في 30 مايو (إ.ب.أ)
وخلال الفترات اللاحقة، تكرّرت مثل هذه الدعوات كثيراً، وشكّلت دائماً «الخيار النهائي» لإجبار أوكرانيا على السلام. لكنّ اللافت هنا أن جزءاً من النخب الروسية كان يرى أن هذا السيناريو كان يجب استخدامه مباشرة في بداية الحرب، عندما جاءت النتائج الأولى بعد مرور أشهر عدّة مُخالفة لتوقّعات الكرملين بأن تكون الحرب خاطفة وحاسمة؛ أي أنه كان ينبغي، وفقاً لبعض التعليقات، عدم السماح بتحويل المواجهة إلى حرب استنزاف طويلة مكّنت الأوكرانيين من حشد قدراتهم بشكل جيد، ومنحت فرصة للأوروبيين - والغرب عموماً - لتشكيل تحالف قوي زاد من صعوبة قرار حسم الحرب.
بهذا المعنى، فإن تأخر الكرملين في تبنّي قرار «قطع الرأس» في وقت مُبكّر، جعل هذه المهمة أصعب في المراحل اللاحقة.
زيلينسكي الضعيف أفضل من زيلينسكي الميت
يرى خبراء أن إحجام الكرملين عن الحسم المباشر والسريع باستهداف القيادة الأوكرانية، له أسباب عدة؛ بينها تجارب روسيا في صراعات سابقة، وتشعب المواجهة في أوكرانيا وامتدادها إلى أوروبا ومناطق أخرى في العالم، وانعكاساتها المحتملة على العلاقات طويلة الأمد مع الجيران في الفضاء السوفياتي السابق، وفي محيط روسيا الإقليمي والدولي.
ترمب مستقبلاً بوتين خلال «قمة ألاسكا» في 15 أغسطس 2025 (أ.ب)
وفي هذا الإطار، يتذكّر البعض أن إزاحة مسخادوف بعملية اغتيال مُوجّهة، أسفرت عن إطالة أمد الحرب الشيشانية الثانية لسنوات تالية، وباتت روسيا تواجه ليس «رئيساً منتخباً قادراً على الجلوس إلى طاولة المفاوضات؛ بل مجموعة من الإرهابيين والمتشددين المتطرفين للغاية مثل شامل باسايف وأنصاره».
العنصر الثاني المهم هنا أن اغتيال زيلينسكي وبعض رموز قيادته في وقت مُبكّر كان سيجعله «بطلاً قومياً» ورمزاً للإلهام لمواجهة روسيا لعقود مقبلة، كما كتبت الصحافية الأوكرانية ديانا بانشينكو. ورأت الصحافية المعارضة حالياً لزيلينسكي، أنه «لو أن روسيا قضت على زيلينسكي قبل عامين، لما تغير شيء، لكنه كان سيصبح بطلاً قومياً لأوكرانيا لقرون، وكان سيُخلّد اسمه، وكان الشعب الأوكراني سيقاتل باسم تضحيته. وكان العالم أجمع سيُحيي ذكراه بوصفه شهيداً».
في المقابل، فإن تضييق الخناق عليه ومحاصرته بالأزمات وتسهيل عمليات فساد في الداخل، بدت سياسة أكثر جدوى بالنسبة إلى الكرملين لإضعاف زيلينسكي، وتحويله إلى «قائد لرزمة من الفاسدين الذين يُحمّلهم جزء واسع من الشعب الأوكراني قدراً من المسؤولية عن المأساة التي أصابت بلادهم».
إذن، فإن زيلينسكي الضعيف الذي يستجدي المساعدات الغربية، ويُحاصَر بالأزمات، وفقد جزءاً من شرعيته لأنه لم ينجح في ترتيب انتخابات رئاسية بعد انتهاء ولايته في مايو (أيار) 2024، أفضل لروسيا من زيلينسكي «البطل القومي الذي واجه الغزو الروسي بشجاعة».
عمليات إنقاذ في موقع قصف روسي على مركز تسوق في كييف، يوم 24 مايو (إ.ب.أ)
يُضاف إلى ذلك تبدّل المزاج العام حيال زيلينسكي في بعض عواصم القرار. ولا يخفى أن الرئيس الأميركي دونالد ترمب وفريقه لا يرتبطون مع زيلينسكي بعلاقة وثيقة، خلافاً للإدارة السابقة، وقد وصفه مراراً بأنه عقبة في طريق السلام. كما أن جزءاً مهماً من مباحثات روسيا مع الوسيط الأميركي، ركّز على أنه لا دور مستقبلاً لزيلينسكي في «اليوم التالي»، وأن بين شروط السلام إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية في أوكرانيا تُبعد الرئيس الأوكراني وفريقه عن المشهد السياسي نهائياً.
وفي وقت سابق، وصف ترمب زيلينسكي بأنه «ممثل كوميدي ناجح إلى حد ما»، و«ديكتاتور بلا انتخابات»، ونصحه «بالتحرك بسرعة، وإلا فلن يبقى له بلد». وقد صرّح ترمب مراراً وتكراراً بأن الوقت قد حان لإجراء انتخابات في أوكرانيا. وأشار إلى أن سلطات البلاد تستخدم العمل العسكري لتجنب إجراء استفتاء، لكن يجب أن تُتاح للشعب الأوكراني فرصة التعبير عن رأيه.
وفي هذا الإطار، زعم عالم السياسة يوري بارانتشيك، أن زيلينسكي قد يُعزل (أو يقتل) من قبل السلطات الأميركية أو البريطانية، وهذا أفضل من أن تفعل روسيا ذلك بنفسها.
الرئيسان الأميركي دونالد ترمب والروسي فلاديمير بوتين خلال «قمة ألاسكا» يوم 15 أغسطس 2025 (أ.ف.ب)
العنصر الآخر المهم لروسيا في مسعى تقويض صورة زيلينسكي بدلاً من اغتياله يكمن في رد الفعل المحتمل في الفضاء السوفياتي السابق، حيث يُهدّد سيناريو أوكرانيا بالتحول إلى شبح يؤرق مستقبل علاقات موسكو مع جيرانها. ويكفي أن استهداف القيادة الأوكرانية كان سيعني التفافاً شعبياً أوسع حول السياسيين الذين يمكن أن يُظهروا تحدياً للكرملين، أو أن يعارضوا سياسات بوتين. وقد بدا ذلك واضحاً في مثال أذربيجان التي خرجت نهائياً من عباءة «الشقيق الأكبر»، وأرمينيا التي تحاول حالياً اللجوء إلى تكامل واسع مع أوروبا والحصول على غطاء سياسي وأمني من الولايات المتحدة، ناهيك بوضع مماثل في جورجيا وبعض جمهوريات آسيا الوسطى.
التصعيد الروسي
رغم كل ذلك، عاد الحديث عن احتمال التحرّك الروسي الحاسم لتقويض أركان القيادة الأوكرانية إلى الواجهة أخيراً، بعدما لوحت موسكو بسيناريو التصعيد القاتل وطالبت الغرب بسحب دبلوماسييه من كييف، موحيةً بأن خيار «الحسم النهائي» يقترب بقوة؛ وفقاً لسكرتير مجلس الأمن القومي سيرغي شويغو المقرب جداً من بوتين.
آثار هجوم بمسيّرة تقول الرئاسة الرومانية إنها «روسية» على مبنى سكني في مدينة غالاتي على الحدود الرومانية - الأوكرانية، يوم 29 مايو (أ.ف.ب)
ويرى خبراء أن عنصرين أساسيين يضغطان على موسكو حالياً لتصعيد المواجهة بقوة؛ أولهما تزايد التقارير عن تحضيرات أوكرانية لهجوم مضاد قوي، بعدما نجحت كييف في تعديل كفة خسائرها الميدانية والتقنية عبر تطوير قدرات حديثة للغاية في مجالات دقيقة مثل المسيرات الهجومية، وأجهزة تعطيل الرادارات وغيرها. ويقول خبراء إن استمرار استهداف المرافق الأساسية داخل العمق الروسي، أسفر عن تقليص فوائد روسيا من ارتفاع أسعار النفط، وأصاب بشلل في حالات كثيرة مطارات رئيسية في البلاد، مع التهديد المتفاقم بشن هجوم قوي يهدف إلى تحسين أوراق كييف التفاوضية يدفع موسكو أكثر وأكثر إلى تفضيل تحرك حاسم لمواجهة التطورات المحتملة.
والعنصر الثاني الضاغط على موسكو يكمن في تفاقم المخاوف الروسية من تحوّل أوروبا إلى تهديد طويل الأمد، مع زيادة الإنفاق العسكري والتحول بسرعة نحو العسكرة واستمرار تقديم المساعدات الواسعة لأوكرانيا. ولم تكن مجرد صدفة أن يصف معسكر الصقور الروسي أوروبا بأنها «تتحول بسرعة إلى تكتل عسكري أكثر خطورة وتهديداً على روسيا من حلف شمال الأطلسي».
صورتان للرئيسين الروسي فلاديمير بوتين والأميركي دونالد ترمب في محل للهدايا التذكارية بمدينة شنغهاي الصينية يوم 19 مايو (إ.ب.أ)
وفي هذا الإطار، بدا أن التلويح الروسي بتصعيد قوي يستهدف تقويض مراكز صنع القرار في أوكرانيا، وهو موجه بشكل مباشر وجدّي إلى الولايات المتحدة، لتسريع وتنشيط التدخل لوضع التسوية السياسية على سكة التنفيذ الفعلي بعد غياب واشنطن لأشهر بسبب انشغالها بحرب إيران.
وقد ظهرت نتائج أولية لذلك من خلال إعلان المبعوث الأميركي ستيف ويتكوف، نيته زيارة موسكو قريباً لإحياء جهود التسوية. كما أعلن وزير الخارجية ماركو روبيو خلال زيارته الهند، أن واشنطن ستعمل سريعاً على تخفيف حدة التوتر، ومحاصرة التصعيد المتوقع من خلال تنشيط جهود الوساطة.
تجربة إسرائيل
مع العناصر الضاغطة على موسكو للتصعيد، برز تطور مهم قد تكون له تأثيرات على آلية تفكير جزء من النخب السياسية والعسكرية، وقد تمثل في دروس الهجمات الإسرائيلية المتواصلة والقوية في غزة، ثم في لبنان، وبعد ذلك إيران.
لقاء سابق بين بوتين ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في الكرملين عام 2020 (أ.ب)
ويرى محللون أن الاستراتيجية الإسرائيلية التي قامت على قطع رأس الخصم، وبالتالي إضعافه داخلياً وشلّ قدراته على السيطرة والحكم، قد تُشكّل درساً مهماً يمكن الاحتذاء به في حال دفعت الضرورات روسيا لذلك.
ومع أن هذه النظرية تبدو متأخرة نسبياً بعد مرور سنوات على اندلاع الحرب، فإن بعض المحللين يرى ضرورة دراستها، وفحص مجالات تبنيها بشكل كامل أو جزئي لحسم المعركة لصالح روسيا.
3 سيناريوهات
بهذا المنطق، ومع رزمة كاملة من المحاذير المتعلقة بهذا الأمر، يضع البعض 3 سيناريوهات محتملة لتطور الموقف:
أولها، وهو الأضعف وفقاً لتقديرات محللين، أن تذهب موسكو فعلياً لتنفيذ تهديدها بتقويض مراكز القيادة والسيطرة الأوكرانية في حال شعرت بأنها تواجه خطراً داهماً بتعديل كفة الصراع لصالح أوكرانيا وحلفائها في أوروبا. وهنا يدخل في الحسابات انشغال الإدارة الأميركية أو ترددها في لعب دور حاسم لوقف العمليات العسكرية، وتثبيت شروط سلام مؤقت أو دائم.
بوتين محادثاً المتحدّث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف في أستانة يوم 29 مايو (إ.ب.أ)
الثاني يكمن في مواصلة التلويح بخيار الحسم العسكري النهائي، بما في ذلك في إطار التهديد بالقوة النووية التكتيكية بهدف إرباك الموقف الأوروبي وزيادة المخاطر بقدر محسوب، من دون الانزلاق نحو توسيع مواجهة مباشرة، ودفع واشنطن إلى تسريع خياراتها بالتدخل. وهنا تدخل التدريبات النشطة حالياً على السلاح النووي التكتيكي في بيلاروسيا، وزيادة استخدام الصواريخ القادرة على حمل رؤوس نووية مثل صاروخ «أوريشنيك» متوسط المدى الذي يمتاز بقدرة تدميرية هائلة، وقد استخدمته روسيا 3 مرات على الأقل منذ بداية الحرب.
السيناريو الثالث يتعلق بعودة متأخرة للسيناريو الذي كان يجب، وفقاً للبعض، القيام به منذ البداية؛ وهو تنفيذ عملية استخباراتية لاستهداف زيلينسكي وبعض أركان حكمه، على أن يبدو ذلك انقلاباً داخلياً، أو تدخلاً غربياً مباشراً لحسم مسار السلام. في هذه الحال، سيكون على موسكو أن تواجه تبعات اليوم التالي لهذه العملية، حتى لو لم يكن بمقدور أي طرف أن يثبت بشكل مباشر تورط أجهزتها الاستخباراتية في هذه العملية.
متظاهرون بالنمسا يغلقون طريقاً سريعاً حيوياً يربط ألمانيا بإيطاليا
سيارة شرطة في فيينا بالنمسا (أرشيفية- رويترز)
أغلق آلاف السكان المحليين اليوم (السبت) طريق برينر السريع في النمسا، وهو طريق حيوي يمتد بين ألمانيا وإيطاليا، احتجاجاً على عبور شاحنات وسياح بأعداد كبيرة تتسبب في ازدحام مستمر على الطرق.
وقاد الاحتجاج كارل مولشتايغر، رئيس بلدية غريس أم برينر، إحدى البلدات الواقعة على الطريق الذي يعبر وادي ويب الضيق ذا الجوانب شديدة الانحدار.
ولطالما كانت مسألة الازدحام المروري المفرط والتلوث في الوادي الذي يؤدي إلى ممر برينر، مصدر توتر بين النمسا وألمانيا على مدى عقود. واتخذت السلطات المحلية في ولاية تيرول النمساوية تدابير مختلفة للحد من تدفق حركة المرور التي أدت في كثير من الأحيان إلى احتجاجات.
ونقلت وكالة الأنباء النمساوية (إيه بي إيه) عن مولشتايغر قوله أمام حشد من 3 آلاف متظاهر تجمعوا على الطريق السريع في الواحدة ظهراً لإغلاقه بشكل رمزي: «أنتم تصنعون التاريخ!». واضطرت السيارات للعودة من حيث جاءت.
ولم يتسبب الإغلاق الذي استمر 8 ساعات بدءاً من الساعة 11 صباحاً في الفوضى التي كان يخشاها كثيرون؛ إذ استجاب السائقون إلى حد بعيد للتحذيرات بالابتعاد عن الطريق، حتى خلال عطلة مدرسية في بعض الولايات الألمانية، بما في ذلك ولاية بافاريا المجاورة.
وأفادت وسائل الإعلام المحلية بأن القطارات التي تمر على جانب الطريق كانت مزدحمة.