مديرة اللوفر تقرّ بنقص كاميرات المراقبة خلال سرقة المتحف الفرنسي

زوار مصطفون أمام هرم اللوفر مع متحف اللوفر في الخلفية باريس 22 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
زوار مصطفون أمام هرم اللوفر مع متحف اللوفر في الخلفية باريس 22 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
TT

مديرة اللوفر تقرّ بنقص كاميرات المراقبة خلال سرقة المتحف الفرنسي

زوار مصطفون أمام هرم اللوفر مع متحف اللوفر في الخلفية باريس 22 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)
زوار مصطفون أمام هرم اللوفر مع متحف اللوفر في الخلفية باريس 22 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

أقرّت مديرة متحف اللوفر الفرنسي، الأربعاء، بضعف تغطية كاميرات المراقبة للجدران الخارجية للمتحف، وذلك بعد ثلاثة أيام من عملية سرقة في وضح النهار وسط باريس أثارت صدمة في فرنسا وخارجها.

استجوب أعضاء مجلس الشيوخ الفرنسي لورانس دي كار ليحاولوا أن يعرفوا كيف تمكّن أربعة لصوص الأحد من سرقة مجوهرات قُدّرت قيمتها بـ88 مليون يورو (102 مليون دولار) من المتحف الأكثر استقطاباً للزوار في العالم خلال سبع دقائق فقط، وفق ما نقلته «وكالة الصحافة الفرنسية».

مديرة متحف اللوفر لورانس دي كار (يسار) قبل بدء جلسة استماع أمام لجنة الثقافة في مجلس الشيوخ الفرنسي برئاسة السيناتور الفرنسي لوران لافون (يمين) في مجلس الشيوخ الفرنسي في باريس 22 أكتوبر 2025 (أ.ف.ب)

أعادت عملية السرقة تسليط الضوء على إجراءات الأمن في المتاحف الفرنسية، مع الإبلاغ عن عملية سرقة أخرى طالت مؤسسة تقع في شرق البلاد بعد أقل من 24 ساعة من اقتحام اللوفر.

وقالت دي كار لأعضاء مجلس الشيوخ في أول تصريح علني لها منذ الأحد «هذه السرقة تُلحق الضرر بمؤسستنا في أهم مهامها».

وأضافت: «على الرغم من جهودنا، وعلى الرغم من عملنا الدؤوب يومياً، فقد فشلنا».

وشرحت دي كار كيف وقعت عملية السرقة، قائلة إن جميع أجهزة الإنذار كانت تعمل، لكنها أقرت بأن كاميرات المراقبة لم تُغطِّ نقطة دخول اللصوص بشكل كاف.

وقالت: «الكاميرا الوحيدة المثبّتة موجّهة غرباً، ومن ثمّ لم تغطِّ الشرفة التي وقعت فيها السرقة».

لكنها دافعت عن خطة أمن المتحف البالغة قيمتها 80 مليون يورو، معترضة على تقرير أشار إلى «تأخيرات مستمرة» في تنفيذها.

ودعت دي كار إلى استحداث «مركز شرطة داخل المتحف».

في وقت سابق، الأربعاء، أمر الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بـ«تسريع» الإجراءات الأمنية في متحف اللوفر، بعد أن أعاد المتحف الباريسي فتح أبوابه أمام السياح.

وأكدت دي كار معلومات صحافية أفادت بأنها قدّمت استقالتها الأحد عقب السرقة، لكن وزارة الثقافة رفضتها.

وعاد الزوار للتوافد إلى المتحف لحضور الافتتاح، ابتداء من الساعة التاسعة صباحاً (07.00 بتوقيت غرينيتش)، رغم أن قاعة أبولو التي شهدت عملية السرقة الأحد ظلّت مغلقة.

صورة ملتقطة في 22 أكتوبر 2025 في متحف اللوفر بالعاصمة الفرنسية باريس تظهر لافتة تحذيرية تحجب مدخل قاعة أبولو في المتحف وهي القاعة التي تعرّضت للسرقة الأخيرة (د.ب.أ)

«ملء الثقة»

سرق اللصوص ثماني قطع أثرية، من بينها عقد من الزمرد والماس أهداه نابليون الأول لزوجته الإمبراطورة ماري لويز، وإكليل كان للإمبراطورة أوجيني مرصّع بما يقرب من 2000 ماسة.

وقال وزير الداخلية لوران نونيز لوسائل الإعلام المحلية، الأربعاء، إن التحقيق «يتقدم»، مشيراً إلى حشد «أكثر من 100 محقق» لهذه الغاية.

وأضاف: «لدي ملء الثقة... بأننا سنعثر على مرتكبي» عملية السرقة.

وقالت المدعية العامة في باريس لور بيكو إن الخسارة المالية الناجمة عن السرقة «استثنائية»، لكنها عدّت أن الضرر الأكبر هو ذلك اللاحق بالتراث الفرنسي.

استقبل المتحف الأكثر استقطاباً للزائرين في العالم، الذي تضم مجموعته الواسعة لوحة الموناليزا، العام الماضي تسعة ملايين زائر في أروقته ومعارضه الواسعة.

خلال جلسة الاستماع للجنة الثقافة والتعليم والاتصالات والرياضة في مجلس الشيوخ الفرنسي 22 أكتوبر 2025 (رويترز)

سرقة ثانية

تُعدّ سرقة متحف اللوفر الحلقة الأحدث في سلسلة سرقات تستهدف المتاحف الفرنسية، ما يثير تساؤلات حول أمن المؤسسات الثقافية في فرنسا.

وصرّح الممثل النقابي كريستيان غالاني الذي يعمل في اللوفر، بأنّ المتحف يفتقر إلى العدد الكافي من حراس الأمن بعد تسريح أعداد كبيرة من الموظفين خلال الأعوام الخمسة عشر الماضية، حتى مع ازدياد أعداد الزوار بشكل كبير.

وقال: «يمكن التجول في أنحاء عدة (في المتحف) من دون رؤية حارس واحد».

وكشف خبير فني فرنسي لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، طالباً عدم الكشف عن هويته، عن أن زائرين تمكنوا في عام 2024 من الاقتراب كثيراً من عمل فني لرسام عصر النهضة الإيطالي رافائيل، لدرجة أنهم لمسوه «من دون أن ينطلق إنذار».

بعد أقل من 24 ساعة من السرقة في اللوفر، أبلغ متحف في شرق فرنسا مُخصّص لفيلسوف عصر التنوير دوني ديدرو، عن سرقة عملات ذهبية وفضية بعد العثور على خزانة عرض محطمة.

والشهر الماضي، اقتحم لصوص متحف باريس للتاريخ الطبيعي وسرقوا قطعاً ذهبية تزيد قيمتها على 1.5 مليون دولار.

وفي الشهر الماضي أيضاً، سرق لصوص طبقين ومزهرية من متحف في مدينة ليموج بوسط البلاد، وقُدرت الخسائر بنحو 7.6 مليون دولار.

لكن السرقات من متحف اللوفر كانت نادرة.

في عام 1911، سرق إيطالي لوحة الموناليزا، ولكن جرى استرداد اللوحة وهي اليوم محفوظة خلف زجاج واق.


مقالات ذات صلة

المتحف المصري في «التحرير»... حكاية تاريخية بثوب عصري

يوميات الشرق المتحف المصري بالتحرير له طابع أثري ومعماري مميز (المتحف المصري)

المتحف المصري في «التحرير»... حكاية تاريخية بثوب عصري

تسعى مصر لإعادة تقديم المتحف المصري في ميدان التحرير للعالم بحُلَّة جديدة وثوب عصري عبر خطة لتطويره.

محمد الكفراوي (القاهرة)
يوميات الشرق يأمل «معرض الطبيعة» في استكشاف علاقة الناس بالطبيعة (متحف هورنيمان)

متحف «هورنيمان» في لندن يفتتح صالة جديدة للطبيعة

يستعد متحف هورنيمان في جنوب شرقي لندن لافتتاح صالة جديدة مخصصة للطبيعة في فبراير (شباط) 2027، في خطوة تمثل المرحلة الأخيرة من مشروع التحول والتطوير.

«الشرق الأوسط» (لندن)
يوميات الشرق الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أمام حفرية «السبينوصور المصري» والمعروضة في صندوق خلال مؤتمر مصر للتعدين (الصفحة الرسمية للهيئة العامة للاستعلامات بـ«فيسبوك»)

حفرية ديناصور تثير انتباه الرئيس المصري... ماذا نعرف عنها؟

أثارت حفرية معروضة في صندوق زجاجي أمام الرئيس المصري خلال مؤتمر مصر للتعدين، الانتباه إلى أحد أشهر الاكتشافات في تاريخ الحفريات، فماذا نعرف عنها؟

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
يوميات الشرق محمود درويش حاضر من الجهة التي يعجز عنها الغياب (الشرق الأوسط)

محمود درويش في بيروت... كلّما ابتعدَ زمنُه وجدناه في زمننا

المكان الذي تعذَّرت استعادته كما كان، ظلَّ حاضراً في القصيدة بأسمائه ووجوهه وروائحه...

فاطمة عبد الله (بيروت)
يوميات الشرق يلتقط زوارٌ صوراً لفندق «شلوس ليوبولدسكرون» (Schloss Leopoldskron) في سالزبورغ بالنمسا والذي استُخدم مقراً لإقامة عائلة «فون تراب» بفيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) (إسكندر خليف - نيويورك تايمز)

هل يمكن لمتحف جديد إقناع النمسا بأن تحب أخيراً فيلم «صوت الموسيقى»؟

على الرغم من أن فيلم «صوت الموسيقى» (The Sound of Music) يجذب آلاف السياح سنوياً إلى مدينة سالزبورغ، فإن هذا العمل السينمائي لم يجذب قطّ سكان المدينة.

كاثرين هيكلي (سالزبورغ (النمسا))

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
TT

«هدنة ترمب» لا توقف حرب الطاقة بين روسيا وأوكرانيا

تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)
تصاعد النيران والدخان بالقرب من منطقة صناعية في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

تبادلت روسيا وأوكرانيا هجمات واسعة استهدفت منشآت الطاقة والبنى التحتية الحيوية، في تصعيد جديد يهدد بتوسيع تداعيات الحرب على المدنيين، مع انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف واندلاع حرائق في منشآت نفطية روسية، رغم إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب التوصل إلى هدنة في قطاع الطاقة بين البلدين.

وتكشف الضربات المتزامنة عن هشاشة المساعي الرامية إلى الحد من استهداف المنشآت الحيوية، في وقت تتبادل موسكو وكييف الاتهامات بخرق التفاهمات، بينما تتزايد المخاوف من تأثير الهجمات على إمدادات الكهرباء والوقود مع اقتراب فصل الشتاء.

حرائق وهجمات بمئات المسيّرات

واستهدفت طائرات مسيّرة أوكرانية، ليل السبت - الأحد، منشآت نفطية وصناعية في سان بطرسبورغ ومقاطعة لينينغراد المحيطة بها، ما أدى إلى اندلاع حرائق في محطة سان بطرسبورغ النفطية ومنشأة روتشي لتخزين النفط ومستودعات صناعية في جنوب المدينة.

وقال حاكم سان بطرسبورغ ألكسندر بيغلوف إن الهجوم أسفر عن مقتل شخص وإصابة خمسة آخرين نُقلوا إلى المستشفى، فيما لحقت أضرار بنحو 12 مبنى سكنياً ومنزلين. كما أعلنت شركة «أوزون» الروسية للتجارة الإلكترونية تعرض أحد مراكزها اللوجستية لضربة بطائرة مسيّرة.

وفي مقاطعة لينينغراد، قال الحاكم ألكسندر دروجدنكو إن الدفاعات الجوية أسقطت 145 طائرة مسيّرة خلال الليل، وهو أكبر عدد من المسيّرات تشهده المنطقة منذ بدء الحرب عام 2022؛ بحسب وكالة «تاس» الروسية. وأضاف أن الهجمات تسببت في انقطاع الكهرباء عن نحو 20 ألف شخص.

وأعلنت وزارة الدفاع الروسية إسقاط 1015 طائرة مسيّرة أوكرانية فوق نحو 15 منطقة روسية خلال الليل، بينها مناطق في جنوب البلاد وغربها ومنطقة موسكو.

وامتدت الهجمات إلى البنية التحتية الرقمية؛ إذ أعلنت شبكة «في كيه» الروسية تعرض مركز بيانات تابع لها في المنطقة لهجوم، مؤكدة استمرار خدماتها بصورة طبيعية. وقالت شركة «فاير بوينت» الأوكرانية المصنعة للطائرات المسيّرة إن الجيش الأوكراني استهدف المركز.

ووصف المتحدث باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الهجوم على سان بطرسبورغ بأنه دليل على مقاومة كييف، لكنه قال إن ذلك لن يغير مسار الأحداث، مؤكداً أن روسيا تواصل الرد على الهجمات الأوكرانية بضربات واسعة.

كييف تتهم موسكو بخرق الهدنة

صورة من مقطع فيديو تظهر تصاعد النيران بالقرب من محطة نفط في سانت بطرسبرغ عقب هجمات بمسيّرات أمس (رويترز)

في المقابل، أعلن الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي أن القوات الروسية استهدفت منشآت كهرباء في مقاطعات فينيتسا وجيتومير وخميلنيتسكي وأوديسا، ما أدى إلى انقطاع الكهرباء عن عشرات الآلاف من الأسر.

وقال زيلينسكي إن الهجمات الروسية خلال الأسبوع الماضي شملت نحو 2700 طائرة مسيّرة و1700 قنبلة جوية و66 صاروخاً، معظمها باليستية. وأضاف أن روسيا نفذت 76 هجوماً على قطاعات الطاقة والنفط والغاز الأوكرانية منذ إعلان ترمب الهدنة قبل أسبوع.

وأسفرت الضربات الروسية، وفق زيلينسكي، عن مقتل شخصين وإصابة 12 آخرين، بينهم طفلان، فيما تعمل فرق الإصلاح على مدار الساعة لإعادة التيار الكهربائي.

وتأتي هذه التطورات بعد انقطاعات واسعة للكهرباء شهدتها أوكرانيا خلال الأسابيع الثلاثة الماضية، في وقت تزيد فيه الحاجة إلى الطاقة مع اقتراب الشتاء.

خلاف أميركي أوكراني

كان ترمب قد دعا مراراً زيلينسكي إلى وقف استهداف مصافي النفط ومستودعاته الروسية، معتبراً أن هذه الهجمات تسهم في رفع أسعار الوقود. وتقول كييف إن ضرباتها تأتي رداً على القصف الروسي لمنشآت الطاقة الأوكرانية، وتهدف أيضاً إلى تقليص عائدات موسكو النفطية التي تمول الحرب.

لكن الهدنة المعلنة لم تمنع استئناف الهجمات؛ إذ أعلنت أوكرانيا الخميس عزمها استئناف ضرب مصافي النفط، متهمة روسيا بعدم الالتزام بالتفاهمات.

وزادت التوترات تعقيداً بعد توقيع ترمب، الجمعة، أمراً تنفيذياً علّق بموجبه عقوبات ورسوم جمركية تستهدف عائدات النفط الروسية، عقب اتفاق مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين على استئناف صادرات الديزل الروسية إلى الأسواق الأميركية والعالمية مقابل تخفيف العقوبات. وقوبلت الخطوة بتنديد أوكراني.

وبينما تسعى واشنطن إلى احتواء التصعيد، تشير الضربات المتبادلة إلى أن منشآت الطاقة لا تزال في صلب المواجهة العسكرية والاقتصادية، وأن أي هدنة لا تحظى بالتزام متبادل ستظل عرضة للانهيار، مع استمرار تعرض المدنيين لخطر انقطاع الكهرباء وتضرر إمدادات الوقود والخدمات الأساسية.


فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
TT

فرنسا تواجه تداعيات أسوأ اضطرابات تشهدها منذ سنوات

حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)
حريق يلتهم مبنى بلدية ليموج التاريخي بعد أن اقتحمته مجموعة من المحتجين (أ.ف.ب)

تواجه فرنسا تداعيات موجة من الاضطرابات الاجتماعية تعد من الأعنف منذ سنوات، بعدما تحولت احتجاجات واسعة على ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى أعمال عنف ونهب واشتباكات مع الشرطة، في تطور يعكس اتساع فجوة الثقة بين قطاعات من الشارع الأوروبي وحكوماتها. ولم تقتصر موجة الغضب على فرنسا، بل توسعت في دول أوروبية أخرى؛ إذ شهدت مدن إيطالية، بينها ميلانو وتورينو، مواجهات مماثلة خلال مظاهرات ضد غلاء المعيشة، فيما تصاعدت الاحتجاجات في ألبانيا على خلفية اتهامات بالفساد ونقص فرص العمل وتدهور التعليم.

وفي فرنسا، أسفرت أحداث السبت عن وفاة أحد المتظاهرين وإصابة مئات من أفراد الشرطة والمتظاهرين، فيما أوقفت السلطات نحو 1800 شخص، في حصيلة تعكس حجم التوتر الذي اجتاح مدناً عدة، من باريس إلى مرسيليا وليون وبوردو. ويزيد التصعيد الضغوط على الرئيس إيمانويل ماكرون وحكومته، مع اقتراب الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل، وسط مخاوف من أن تتحول المطالب الاجتماعية إلى أزمة سياسية أوسع.

احتجاجات تتحول إلى عنف

شارك أكثر من نصف مليون شخص في مسيرات شهدتها عشرات المدن الفرنسية، في حراك جمع بين احتجاجات طلابية مستمرة منذ نحو شهر واستياء اجتماعي أوسع من ارتفاع الأسعار وخفض الإنفاق العام وتراجع مستوى الخدمات الأساسية.

وبدأت التحركات على خلفية أوضاع المدارس ونقص المعلمين في ضواحي الطبقة العاملة، قبل أن تتسع لتشمل مطالب تتعلق بعدم المساواة وتكاليف المعيشة. ورغم أن غالبية المشاركين احتجوا سلمياً، استغلت مجموعات عنيفة المظاهرات لاستهداف مبانٍ عامة ومتاجر، ونهب محال فاخرة وكبرى، وإضرام النار في سيارات وممتلكات، والاشتباك مع قوات الأمن.

وفي باريس، سجلت الشرطة 855 حالة اعتقال، وهو رقم غير مسبوق في العاصمة، فيما تجاوز إجمالي الموقوفين في أنحاء البلاد 1800 شخص، وفق وزير الداخلية لوران نونيز، الذي أعلن إصابة أكثر من 500 من أفراد الشرطة. كما أُصيب متظاهرون، فيما توفي أحد المشاركين في الاحتجاجات إثر سكتة قلبية.

وقال رجل الأعمال الهولندي تايه دي بوير، الذي كان يزور باريس برفقة أطفاله، إن الأضرار التي لحقت بالفندق الذي يقيم فيه في ساحة الجمهورية اضطرته إلى إخلائه، واصفاً المشهد بأنه «أشبه بمنطقة حرب».

مدن تستيقظ على مشاهد الدمار

عامل في البلدية ينظف الشارع في اليوم التالي لاندلاع اشتباكات يوم السبت العنيفة في مدينة مرسيليا بفرنسا (رويترز)

مع بزوغ صباح الأحد، بدأت فرق النظافة والبلديات عمليات واسعة لإزالة آثار ليلة من العنف، فيما واجه السكان وأصحاب الأعمال حجم الخسائر التي خلفتها المواجهات.

وفي وسط باريس، بدت الشوارع مغطاة بالنفايات والبضائع المنهوبة، فيما تناثرت الدراجات الهوائية المحطمة وظهرت آثار الحرائق على واجهات المباني والمتاجر. وتكررت المشاهد في مرسيليا وليون، فيما امتدت الأضرار إلى مدن أخرى في شمال البلاد وشرقها وجنوبها الغربي.

وفي مدينة ليموج، أضرم مثيرو شغب النار في مبنى البلدية التاريخي المدرج ضمن مواقع التراث المحمية. وقال موريس بارات، محافظ إقليم أوت فيين، إن تدخلات الطوارئ أسهمت في إنقاذ الجزء الخلفي من المبنى.

كما شهدت بوردو اقتحام مجموعة من الملثمين مقر إقامة مسؤول محلي، فيما أكد وزير الداخلية أن مئات المتاجر تعرضت لأضرار خلال أحداث يوم السبت.

وتعهد وزير الاقتصاد رولان ليسكور بتقديم الدعم لأصحاب الأعمال المتضررين، محذراً من أن المسؤولين عن التخريب والنهب سيواجهون المحاسبة، وأن عليهم تحمل تبعات الأضرار التي تسببوا فيها.

ماكرون أمام اختبار سياسي

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (رويترز)

وتضع الاضطرابات الحكومة الفرنسية أمام تحدٍّ مزدوج: احتواء العنف وإعادة النظام إلى الشوارع من جهة، والتعامل مع أسباب الاحتقان الاجتماعي التي غذت الاحتجاجات من جهة أخرى.

وألقى رئيس الوزراء، سيباستيان لوكورنو، بالمسؤولية عن أعمال العنف على اليسار المتطرف والمجرمين، في وقت تتزايد فيه الضغوط على السلطة التنفيذية لتقديم استجابة تتجاوز الإجراءات الأمنية.

وتكمن المعضلة الحكومية في أن الاحتجاجات لم تعد محصورة في مطالب طلابية أو اعتراضات قطاعية، بل اتسعت لتلامس قضايا تمس الحياة اليومية لشرائح واسعة، من القدرة على تحمُّل نفقات المعيشة إلى جودة الخدمات العامة والإنفاق على التعليم.

ومع اقتراب الاستحقاق الرئاسي، قد تؤثر طريقة تعامل الحكومة مع الأزمة في صورتها السياسية، خصوصاً إذا استمرت المواجهات أو لم تقترن التدابير الأمنية بخطوات ملموسة لمعالجة المطالب الاجتماعية.

إيطاليا: مواجهات مشابهة

وفي إيطاليا، شهدت بعض المدن مواجهات مشابهة لما حدث في فرنسا؛ إذ وقعت اشتباكات خلال مظاهرات خرجت احتجاجاً على ارتفاع تكاليف المعيشة، في مشهد يعكس امتداد الغضب الاجتماعي إلى خارج فرنسا.

وأفادت وكالة الأنباء الإيطالية «أنسا» بأن ميلانو كانت بؤرة المواجهات الأبرز، حيث رشق شبان ملثمون يرتدون ملابس سوداء الشرطة بالألعاب النارية والزجاجات في ساحة بيازا دومو، وسط المدينة، وأقاموا متاريس دفعت قوات الأمن إلى التراجع مؤقتاً وانتظار وصول تعزيزات.

وامتدت الاشتباكات إلى تورينو وبولونيا وبيرغامو، حيث ألقى متظاهرون الحجارة والألعاب النارية باتجاه الشرطة. وفي ميلانو وحدها، أُصيب أربعة من أفراد الشرطة على الأقل ونحو 20 متظاهراً، فيما أُلقي القبض على أكثر من 50 شاباً، نصفهم قاصرون، وفقاً للتقارير.

وتسلط هذه الأحداث الضوء على صعوبة احتواء الاحتجاجات عندما تتداخل المطالب المعيشية مع الغضب من الأوضاع الاقتصادية، ولا سيما في ظل تصاعد الضغوط على الأسر بسبب تكاليف الحياة.

ألبانيا: الاحتجاجات ضد الحكومة

عناصر من الشرطة يسيرون وسط غاز مسيل للدموع خلال احتجاج مناهض للحكومة نظمه طلاب في تيرانا بألبانيا (رويترز)

وفي ألبانيا أيضاً، اتخذت الاحتجاجات منحى سياسياً أكثر وضوحاً، مع تصاعد الدعوات إلى استقالة رئيس الوزراء إيدي راما، على خلفية اتهامات بالفساد ونقص الوظائف وتراجع معايير التعليم.

واجتاحت مظاهرات يقودها طلاب وسط العاصمة تيرانا، قبل أن تمتد إلى مدن أخرى خلال الأسبوع الماضي. وأضرم محتجون النار في مبانٍ حكومية ومصارف، واقتلعوا حجارة الأرصفة لإلقائها على الشرطة، التي ردت باستخدام الغاز المسيل للدموع وخراطيم المياه والرصاص المطاطي.

ورفض راما دعوات التنحي، معتبراً أن التحدي الحقيقي لا يتعلق بمستقبل حكومته وحدها، بل بمسار ألبانيا نحو الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي. وقال في خطاب بث عبر «فيسبوك» إن على الألبان التفكير ملياً في الاتجاه الذي يريدون أن تسلكه بلادهم، محذراً من أن الاضطرابات قد تهدد هذا المسار.

وتشكل الاحتجاجات أكبر تحدٍّ يواجه راما منذ توليه السلطة عام 2013، وفوزه بولاية رابعة العام الماضي. وقد جاءت بعد أشهر من احتجاجات اتسمت بالسلمية إلى حد كبير ضد مشروع تطوير ساحلي فاخر يدعمه جاريد كوشنر، صهر الرئيس الأميركي دونالد ترمب.

وتواجه ألبانيا منذ سنوات انتقادات تتعلق بالفساد والجريمة المنظمة وغسل الأموال، في حين تؤكد الحكومة أنها تكثف جهود مكافحة الفساد. وتسعى البلاد، إلى جانب الجبل الأسود، إلى الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي بحلول عام 2030.

وقالت الشرطة الألبانية إن 388 شخصاً وُجهت إليهم اتهامات بارتكاب جرائم خلال المظاهرات، فيما أصيب عشرات من أفراد الشرطة والمتظاهرين.

ترمب: الهجرة سبب اضطرابات فرنسا

شخص يركل عبوة غاز مسيل للدموع فيما يتجمع متظاهرون بساحة الجمهورية في باريس يوم 18 أكتوبر 2026 (رويترز)

ودخل الرئيس الأميركي دونالد ترمب على خط الأزمة الفرنسية، مستخدماً منصته «تروث سوشيال» لربط الاضطرابات بالهجرة. وكتب أن هجرة أشخاص من «عالم مختلف كلياً» مزقت، على حد تعبيره، دولة كانت عظيمة في السابق، مضيفاً أن «فرنسا تحترق»، وداعياً إلى إغلاق الحدود والسيطرة على الأوضاع قبل فوات الأوان.

وكان نائبه، جي دي فانس، قد تبنى موقفاً مماثلاً؛ إذ اتهم السياسات الليبرالية الغربية باستقدام مهاجرين من دول العالم الثالث تحت شعارات التنوع والتعاطف، معتبراً أن الحكومات تجاهلت قضايا الاندماج والتوافق المجتمعي.

غير أن هذه التصريحات تمثل قراءة سياسية أميركية لأحداث فرنسا، ولا تثبت أن الهجرة هي سبب الاضطرابات. فالمعطيات الواردة عن الاحتجاجات تشير أيضاً إلى عوامل اقتصادية واجتماعية، من ارتفاع تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات العامة إلى عدم المساواة ونقص فرص العمل، فضلاً عن المطالب المرتبطة بالتعليم والفساد في البلدان الأخرى.

أزمة تتجاوز الحدود الوطنية

تكشف التطورات في فرنسا وإيطاليا وألبانيا عن أزمات متباينة في أسبابها المباشرة، لكنها تتقاطع في اتساع السخط الشعبي وتراجع الثقة بقدرة السلطات على الاستجابة لمطالب المواطنين.

ففي فرنسا وإيطاليا، برزت تكاليف المعيشة وتراجع الخدمات بوصفهما من أبرز محركات الاحتجاج، فيما تركز الغضب في ألبانيا بدرجة أكبر على الفساد والوظائف والتعليم، وعلى أداء الحكومة ومسار الإصلاح السياسي.

ومع ذلك، فإن تحول بعض المظاهرات إلى أعمال عنف ونهب يضيف بعداً أمنياً إلى هذه الأزمات، ويضع الحكومات أمام اختبار قدرتها على حماية الممتلكات العامة والخاصة من دون تجاهل المطالب التي دفعت المواطنين إلى الشوارع.

وبالنسبة إلى فرنسا، لا يقتصر التحدي على إعادة تنظيف الشوارع وإصلاح الأضرار، بل يمتد إلى استعادة الثقة واحتواء الاستياء الاجتماعي قبل أن يتحول إلى عامل حاسم في المشهد السياسي مع اقتراب الانتخابات الرئاسية. أما في بقية الدول، فتشير الاحتجاجات إلى أن التعامل مع الضغوط المعيشية والفساد والخدمات العامة بات جزءاً أساسياً من معادلة الاستقرار الداخلي، في وقت تتسع فيه رقعة الغضب من باريس إلى مدن أوروبية أخرى.


البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
TT

البابا يخاطب حشوداً في الفاتيكان بعد خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني

البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)
البابا ليو الرابع عشر (إ.ب.أ)

خاطب البابا ليو الرابع عشر آلاف الذين احتشدوا في ساحة القديس بطرس، الأحد، وذلك في أول صلاة أسبوعية له منذ خضوعه لجراحة استئصال ورم سرطاني في الرئة.

وغادر رأس الكنيسة الكاثوليكية التي تضم 1.4 مليار شخص في العالم، المستشفى، في روما، السبت، بعد فترة نقاهة أمضاها فيه عقب خضوعه لجراحة الثلاثاء، تمَّ خلالها استئصال ورم سرطاني وجزء من رئته اليمنى.

وأطل البابا البالغ 71 عاماً من نافذة الشقة البابوية، وبدا في حالة جيدة، وتحدث بطريقة طبيعية ودون صعوبة.

وشكر البابا من صلُّوا لأجله، قائلاً: «بعد تجاوز هذه المرحلة الدقيقة -كما تعلمون- سأستأنف الآن أنشطتي تدريجياً»، وذلك على وقع هتافات: «يعيش البابا!» في الساحة.

وأُدخل ليو الرابع عشر الثلاثاء إلى مستشفى «جيميلي» في روما، الواقع شمال الفاتيكان؛ حيث خضع للعملية. وعاد إلى الفاتيكان السبت؛ إذ اعتبر طبيباه أنه «بات مؤهلاً لمغادرة المستشفى».

وقد ألغى ليو الرابع عشر كل استقبالاته حتى 20 أكتوبر (تشرين الأول).

وكان البابا قد تولى بنفسه في 11 أكتوبر إبلاغ الجمهور المحتشد في ساحة القديس بطرس أنه سيخضع «في الأيام المقبلة» لعملية جراحية لإزالة ورم اكتُشف «في مرحلة مبكرة جداً»؛ مشيراً إلى أن «الأطباء يرون أن التدخل الجراحي هو الخيار الأنسب».

ولا تزال نتائج الفحوص الرامية إلى تحديد ما إذا كان السرطان قد انتشر قيد الانتظار.

واستأنف البابا بعضاً من أنشطته في المستشفى؛ إذ أجرى اتصالاً الجمعة بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين، حثَّه فيه على وقف إطلاق النار في مدينة أوليشكي الأوكرانية التي تحتلها موسكو.