في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

حوار مع المهندس المعماري ديوا كانغ عن إعادة تصور المباني الثقافية وتصميم المتاحف

التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)
التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)
TT

في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)
التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)

متحف الذهب الأسود في الرياض الذي فتح أبوابه في أبريل (نيسان) الماضي لم يكن فقط فريد من نوعه وطرحه؛ حيث إنه يتحدث عن النفط وتاريخه من خلال الفن المعاصر، بل تميز أيضاً بوجوده داخل مبنى كابسارك الذي صممته الراحلة زها حديد. المبنى بتصميمه المميز والمنساب برشاقة يعد تحفة معمارية وبتخصيص قاعاته بعد إعادة تصميمها إلى متحف للذهب الأسود تحول إلى مركز ثقافي فني بامتياز، أو كما وصفه البيان الصحافي وقت الافتتاح «معلم معماري أعيد تصوره».

متحف الذهب الأسود «كابسارك» مبنى أيقوني بتصميم زها حديد (هيئة المتاحف)

نتحدث مع المعماري ديوا كانغ الذي كُلف بتصميم المساحات الداخلية عن المبنى وعن عملية التغيير التي أخذته من كونه مكتبة بحثية لصورته الحالية كأول متحف عن تاريخ النفط وارتباطه بالفن المعاصر. حين كلف كانغ بتصميم المتحف لم تكن الفكرة تشييد مبنى جديد، بل الاستفادة من المبنى القائم في الرياض، وبالفعل انطلق العمل لتأهيل المساحة لتصبح مناسبة للعرض المتحفي. يرى ديوا كانغ أن مشروع تصميم المتحف هو «أكثر مشاريع إعادة استخدام المباني الثقافية طموحاً في السعودية»، ويرى الفرص الهائلة أمام الاستفادة من المباني الموجودة بأقل تدخل إنشائي ممكن.

ديوا كانغ (جيرمين بينز)

أطلق حواري مع ديوا كانغ بالحديث حول تصميم المتحف الممتد على 4 طوابق من القاعات الدائمة.

بداية يشير إلى نقطة مهمة، وهي أنه كان أحد المصممين في مكتب زها حديد التي صممت مبنى «كابسارك» منذ 20 عاماً. يقول: «طوّرتُ علاقة رائعة مع المملكة والشعب السعودي من خلال هذا المشروع، وكنتُ دائماً على اتصال وثيق بمركز كابسارك للأبحاث. كان لديهم مركز أبحاث نابض بالحياة، يضمّ العديد من الباحثين، وكان هناك مركز مؤتمرات، وكانوا يقيمون فعاليات متنوعة». ولكن التطور الرقمي أدى إلى تقلص استخدام المكتبة، وهو ما دفع في التفكير لاتجاه جديد للاستفادة من المساحة الموجودة. وقتها كان كانغ قد أسس استوديو تصميم خاص به «دايو كانغ ديزاين» في لندن. يقول إن فكرة تصميم متحف داخل المبنى جاءت من رغبة المسؤولين في «التوصل إلى أفضل طريقة لتفعيل المبنى بشكل يتجاوز استخدامه السابق».

جانب من التصميم الداخلي للمتحف (ديوا كانغ ديزاين-حسن الشطي)

البداية... فكرة وقائمة

بدأ المشروع بفكرة وقائمة بالأعمال الفنية المقترح إضافتها للمتحف كما يقول: «أدركنا أنها فكرة رائعة حقاً، وأن المساحة كانت مثالية، وإن كانت صعبة للغاية. كان علينا تغيير التصميم المعماري بالكامل لتحويله إلى متحف، لكنه الآن أصبح مثالياً لعرض الاعمال المقترحة، وقد نجحنا بالفعل في ابتكار مساحة لا يمكن تخيلها. أعتقد أن الناس عندما يزورون المكان، يندهشون ويقولون: يا له من متحف! لم يتخيلوا قط أن له وظيفة مختلفة من قبل؛ لذا، أشعر بفخر كبير بهذا الإنجاز».

فصل الأحلام في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

من مكتبة بحثية إلى متحف

يتحدث عن تغييرات جذرية لتحويل المكان من وضعه السابق إلى متحف وأسارع بالسؤال عن التفاصيل، يجيب: «التغيير الأكبر هو الانتقال بالمكان من كونه مكتبة بحثية ذات رفوف مفتوحة، حيث تجد كتابك، ثم تعود إلى ركن قراءة صغير للدراسة»، وبين مساحة لعرض الأعمال الفنية. «في المكتبة لا يُستخدم إلا جزء صغير جداً من المساحة. أما بالنسبة للمتاحف التي تضم مجموعة دائمة كبيرة كما هو الحال لدينا، فيجب تحويل المساحة بأكملها إلى صالات عرض».

قصة النفط في متحف الذهب الأسود بالرياض (هيئة المتاحف)

مسارات وزوار

تطلب الأمر تغيير مسار الحركة في المبنى بالكامل بحسب كانغ «في المتحف ينتقل الزائر من قطعة فنية إلى أخرى، وهكذا دواليك؛ ما يجعل التجربة أشبه برحلة؛ لذا، أزلنا جميع مسارات الحركة الرئيسية، واضطررنا إلى إنشاء مسارات جديدة تتمحور حول درج حلزوني كبير يصعد إلى الأعلى عبر 4 طوابق من المعارض، وهي رحلة أكثر استقامة، فأصبح المكان أشبه بمساحة عامة كبيرة؛ حيث يمكن للناس التجمع، ويتنقلون بين المعارض الواحد تلو الآخر».

من الأعمال في فصل الأحلام في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

يتكون المتحف من 4 قاعات رئيسة، وبحسب التصميم الداخلي يعود الزائر بعد الانتهاء من كل قسم إلى الدرج الحلزوني الفسيح ليصعد للطابق التالي: «هذا يخلق معلماً بارزاً وتجربة مشتركة لكل من يزور المتحف، مع إضافة درج آخر مختلف للنزول حتى لا يضطر الزوار للعودة من الطريق نفسه الذي أتوا منه».

ماذا عن حركة الزوار، والمساحات التي يمكنهم فيها الوقوف أو الجلوس؟ وما مدى سهولة رؤية المعروضات والتجول فيها؟ يجيب قائلاً: «من المهم، بل من الضروري، خاصةً في صالات العرض، مراعاة انسيابية حركة الزوار؛ لذا أنشأنا العديد من الأماكن المميزة المُخصصة للزوار للاسترخاء والجلوس. أما في صالات العرض، كما ذكرت، فنحن نُسهّل على الزوار التنقل بين المعروضات».

مساحات للراحة والتأمل

زيارة أي متحف تحتاج إلى مساحات للراحة أو التأمل، يوافق ويضيف: «أضيف إلى ذلك أهمية تصميم صالات عرض بأشكال وأحجام متنوعة يمكن استخدامها، لخلق إيقاعات ووتائر مختلفة لتجربة المتحف؛ لأنّ الأمر يستغرق فعلاً ساعتين أو أكثر، وربما 3 ساعات، إذا تجوّلت في المعرض بأكمله الذي يضمّ 350 قطعة؛ لذا، لا بدّ من وجود فتراتٍ تتنقل فيها بين أروقةٍ طويلة، وفتراتٍ أخرى تزور فيها قاعاتٍ كبيرة تضمّ قطعاً أثرية ضخمة؛ لذا، سعينا لخلق مساحاتٍ هادئةٍ بين هذه المساحات. ففي كلّ مرّةٍ تغادر فيها المعرض، وتنتقل إلى الطابق التالي، تجد مساحةً تُشجّعك على أخذ قسطٍ من الراحة الذهنية. ونعتقد أنّ هذا مهمٌّ للغاية، فدور هذه المتاحف هو أن تجعل الناس يُفكّرون مليّاً في موضوع المعرض».

من أعمال الفنانة السعودية منال الضويان في متحف الذهب الأسود (هيئة المتاحف)

عرض الأعمال الفنية

بالنسبة لتصميم مساحات العرض يقول: «كان علينا ابتكار مساحات مثالية لعرض الأعمال الفنية ففي تصميم زها حديد للمبنى كل شيء يتسم بالديناميكية، من دون جدران عمودية؛ لذا، ابتكرنا طرقاً مختلفة لإنشاء جدران لعرض الأعمال الفنية وأماكن لوضع المنحوتات.» كمثال يشير إلى صورة من داخل المبنى قبل إجراء التعديلات، ويقول: «هنا نرى الجدران المائلة، وكان علينا أن نجد طرقاً مختلفة لإنشاء مساحة عمودية لتعليق الأعمال الفنية».

أتابع السؤال حول التغييرات في المبنى: «ذكرتَ أنكم اضطررتم لإجراء بعض التغييرات لأن الجدران لم تكن مُهيأة تماماً لتعليق المعروضات. هل أجريتم أي تغييرات دائمة لاستيعاب المجموعة أو الوظيفة الجديدة للمكان كمتحف؟». يقول: «نعم، بالتأكيد. لقد بذلنا قصارى جهدنا، لإزالة جميع أجزاء التصميم الداخلي، وإعادة بنائها لإنشاء صالات العرض، أما الهيكل الرئيسي، فقد حافظنا عليه بالكامل لتقليل الأثر البيئي».

جانب المعروضات في المتحف (واس)

بشكل ما لم تكن مهمة كانغ في إعادة تصور المبنى من الداخل صعبة؛ حيث إنه كان من فريق التصميم الذي أنشأ المبنى الأساسي: «بالنسبة لي، كنت أعرف أفضل طريقة لإجراء التغييرات دون الإخلال بالتصميم الأصلي، وكنت أعرف أيضاً أين تكمن إمكانية تحسينه، وتمكنا من تحقيق بعض ذلك في التصميم؛ لذا أعتقد أن بعض هذه العناصر أكثر ديناميكية وتفاعلية من الناحية المكانية مما كان عليه الوضع سابقاً. هناك الكثير من التفاصيل الجميلة».

«وماذا عن الإضاءة واستخدامها ضمن التجربة المتحفية؟». يجيب: «في العرض المقام في القبو شعرت مصممة العرض ناتالي بأن استخدام هذه المساحة يوفر فرصة عظيمة لعرض بعض المقاطع الارشيفية، عندما تنزلون إلى القاعة ستجدون الإضاءة خافتة وكأنكم في باطن الأرض. ساعدناها في تحقيق ذلك من خلال التصميم المعماري أيضاً. كل شيء أسود. ثم عندما تصعدون إلى المساحات الأخرى، تجدون مساحاتٍ زاهية الألوان، ثم مساحةً رمادية باهتة».

الدرج الحلزوني في متحف الذهب الأسود (ديوا كانغ ديزاين)

المستقبل

بعد 6 سنوات من العمل يلخص كانغ تجربته وانطباعه عن المتحف: «أعتقد أن مستقبل المتاحف يكمن في فكرة تكييف المباني القائمة، نظراً لأهمية العامل البيئي. من المهم جداً بالنسبة لي أن نُدرك أن الإبداع لا يقتصر على الأشياء الجديدة كلياً، بل يمكننا أيضاً العمل مع التراث والمباني القائمة، عبر تقديم تصميمات جذابة ومبتكرة. البعض يرى أن الأهم هو الحفاظ على التراث أو ترك كل شيء على حاله، لكنني أرى الفرق في حالة متحف الذهب الأسود، إنه أشبه بتحوّل حقيقي، ولكنه حافظ على ما قدمته المهندسة زها حديد».

عن المتحف

وبحسب البيان الصحافي، يتألف المتحف من 4 أقسام تفاعلية تحمل عناوين: «اللقاء»، و«الأحلام»، و«الشكوك»، و«الرؤى». ويستعرض قسم «اللقاء» بدايات اكتشاف النفط واستخداماته المبكرة في منتصف القرن التاسع عشر، وما أحدثه من تحولات في أنماط الحياة مع تسارع التصنيع. أما «الأحلام» فيتتبّع تحوّل النفط إلى مورد أعاد تشكيل المجتمعات، وعزز الطموحات التنموية. ويقدم «الشكوك» قراءة لتأثير النفط والمفارقات المعقدة للاعتماد البشري عليه، في حين يستشرف «الرؤى» المستقبل عبر برنامج متجدد يفتح المجال للحوار والاكتشاف.

ويتناول متحف الذهب الأسود النفط من منظور إنساني وثقافي وفني، ويقدم مجموعة دائمة تضم أكثر من 350 عملاً فنياً حديثاً ومعاصراً، أبدعها ما يزيد على 170 فناناً سعودياً وعالمياً بارزاً من أكثر من 30 دولة، من بينهم منال الضويان، وأحمد ماطر، ومهند شونو، ومحمد الفرج، وأيمن زيداني، ودوغ أيتكن، وجيمي دورهام، ودينيس هوبر، وألفريدو جار، ورينو لايراك، وجورج صبرة، وباسكال مارثين تايو، وآندي واومان، إلى جانب آخرين، كما يضم المتحف تركيبات فنية كبرى، وأعمالاً فوتوغرافية، ووثائق تاريخية تتيح للزوار استكشاف أثر النفط في تشكيل المجتمعات والاقتصادات وأنماط الحياة اليومية.


مقالات ذات صلة

«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

يوميات الشرق تنطلق فعالية «ليلة المتاحف» في 16 يوليو الحالي (فيسبوك)

«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

تشارك في هذه الأمسية مجموعة من أبرز المتاحف، وتبدأ الزيارات من الـ5 مساءً حتى الـ11 ليلاً...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

«المتحف المصري الكبير» لتعزيز حضوره دولياً بمكتبة ضخمة عن الآثار

يعزز المتحف المصري الكبير حضوره دولياً بافتتاح مكتبة ضخمة متخصصة في العلوم المرتبطة بالآثار والتاريخ.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عناصر من الشرطة الفرنسية خلال مهمة أمنية (أ.ف.ب - أرشيفية)

سرقة مجوهرات في عملية سطو خاطفة بمتحف فرنسي

قال مسؤولون في متحف فرنسي إن لصوصاً سرقوا مجموعة من المجوهرات في عملية سطو خاطفة استهدفت أعمال صانع الزجاجيات والمجوهرات الفاخرة رينيه لاليك وعائلته.

«الشرق الأوسط» (باريس)
يوميات الشرق رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

يُعدّ «داتالاند»، الذي أسّسه أناضول وزوجته الرسامة إفسون إركيليتش، إضافةً مُرتقبةً بشدة إلى المشهد الفني - التقني المُزدهر في لوس أنجليس.

يوميات الشرق جانب من المقتنيات التي سيضمها المتحف (حسابه على «فيسبوك»)

متحف السينما المصرية لاستعادة «زمن الفن الجميل»

يواصل المنتج المصري هشام سليمان العمل على مشروع «متحف السينما المصرية»، الذي من المنتظر أن يضم مقتنيات خاصة لعدد من نجوم السينما المصرية.

أحمد عدلي (القاهرة )

«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
TT

«بيت صغير على المرج»... دراما تبالغ بالمثاليّة في زمنٍ أميركي غير مثالي

مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)
مسلسل Little House on the Prairie يوجّه تحية إلى أميركا القرن التاسع عشر (نتفليكس)

إنها أميركا القرن التاسع عشر في ربعه الأخير، أو «الأرض الموعودة»؛ تلك التي قصدَها كلُ باحثٍ عن حلم أو ثروة أو مغامرة بدءاً من سنة 1870. هذه هي البلاد التي يصوّرها مسلسل «نتفليكس» الجديد Little House on the Prairie (بيت صغير على المرج)، حيث تتكاثر الشخصيات الوافدة من كل حدبٍ وصوب لتحطّ رحالها في ولاية كانساس. معظمهم غرباء عن بعضهم، تجمعهم تلك الأرضُ البِكر وأحلامٌ شخصية ووطنية كبيرة.

في قلب الحكاية المقتبسة من سلسلة الروائية لورا إنغالز، عائلتُها المؤلّفة من والدها تشارلز إنغالز ووالدتها كارولين وشقيقتيها ماري وكاري. بعد طريقٍ عاثر ورحلةٍ محفوفة بالمخاطر، حطّت لورا وعائلتها الرحال في بلدة إنديبندنس حيث يتطلّعون إلى بناء بيتهم على أرضٍ مجانية. وهناك، تجمعهم الغربة بغرباء مثلهم لكلٍّ منهم حكاية تضيف حبكاتٍ ثانويّة لافتة، إلى الحبكة الأساسية للمسلسل.

منذ العثرة الأولى أي نجاة العائلة من غرقٍ محتومٍ في النهر أثناء رحلة العبور، يتّضح المزاج العام للمسلسل. يمكن اختصاره بالقناعة التي يسير وفقها تشارلز إنغالز، والتي تقول: «الأمل هو كل شيء. هو الشيء الوحيد». كل الأزمات، مهما صعُبت، تجد الحل المناسب لها. وغالباً ما ينتهي عراكٌ أو وباءٌ جماعي أو حريق أو اختناقٌ في قعرِ بئر، برقصةٍ وأغنية على ألحان الكمان.

أرادت «نتفليكس» للمسلسل ولادةً جديدة تتميّز عن النسخة التي اشتُهرت في سبعينات وثمانينات القرن الماضي، وعرضتها شبكة «إن بي سي» الأميركية، مع العلم بأنّ تلك النسخة التلفزيونية القديمة ما زالت تلاقي رواجاً حتى الآن.

غالباً ما تنتهي أي أزمةٍ في المسلسل برقصة وأغنية برفقة الكمان (نتفليكس)

يمكن القول إن المنصة العالمية نجحت في الرهان، ففي الشكل المسلسل متعةٌ للعين لما فيه من ثراءٍ تصويريّ يحوّل حقول كانساس الشاسعة ومغيبَ شمسِها إلى لوحاتٍ ساحرة. أما مضموناً، فالعمل عائليٌ بامتياز كما ينخفض فيه منسوب التراجيديا فاتحاً الباب أمام التفاؤل والطمأنينة، ما يمنح مُشاهَدةً مريحة.

يطرح المسلسل قضايا سجاليّة شائكة، لكن من دون التعمّق فيها ولا تشريحها على طاولة السياسة، في تجنّبٍ متعمّد للتعقيدات والتزامٍ اختياريّ بمنطقة الأمان. فروايات إنغالز كانت تتوجّه أساساً إلى قرّاء الجيل الصاعد وليس البالغين. إلّا أنّ قضية السكّان الأصليين على سبيل المثال، يُفرَد لها ما يكفي من مساحة. فبموازاة عائلة إنغالز، يتعرّف الجمهور إلى قبيلة «أوساج» من خلال عائلة ميتشل الناطقة بإحدى لهجات الهنود الحمر.

يفرد المسلسل مساحة لقضية السكّان الأصليين وحقوقهم (نتفليكس)

بعد لقاءٍ فاتر بين المستوطنين الجدد والسكّان الأصليين، تتوطّد العلاقة بين تشارلز إنغالز وويليام ميتشل. ويذوب حذر ابنة الأخير «غود إيغل» من لورا، فتصبحان صديقتَين تجسّدان بدفءٍ وبراءة التنوّع الأميركي.

الطفلة لورا إنغالز، التي تؤدّي شخصيتها ببراعة فائقة الممثلة أليس هالسي (11 سنة)، هي هديّة المسلسل وقلبُه النابض. تجسّد الخيال والإحساس والتمرّد والفطنة في آنٍ معاً. وكأنها البذرة التي سيثمر التغيير على يدِها. ترفض لورا التفرقة بين البشر على أساسِ عرقٍ أو لونٍ أو ثروة، وتذهب إلى آخر الطريق بحثاً عمّن تحب حتى وإن كان ذلك على حساب سلامتها.

أداء آسر للممثلة أليس هالسي بشخصية لورا إنغالز (نتفليكس)

من بين مَن تُصادِقُهم لورا كذلك «السيّد إدواردز» الذي يحاول ترميم نفسه والخروج من عزلته بعد خسارة زوجته وبناته جرّاء داء الكوليرا. رغم بعض العثرات، ينتهي به الأمر بإعادة اكتشاف الدفء والحنان إلى جانب عائلة إنغالز، وهو يساعدهم في بناء بيتهم الموعود.

كل شخصيات المسلسل تقريباً مسكونةٌ بماضٍ يأتيها أحلاماً وكوابيس ثم يوقظها مذعورة. لورا مشتاقة إلى جدّتها وأقربائها الذين تركتهم في ويسكونسن. أما والدُها فلا يفارقه طيف شقيقه جورج الذي انتحر شاباً، وهو يحمّل نفسه ذنب تلك الفاجعة. الوالدة كارولين مسكونةٌ هي الأخرى بصورتَي أمها وشقيقتها غير الراضيتَين عن زواجها، ولا عن تركها كل شيء والسير خلف تشارلز إلى ولايةٍ بعيدة.

كل شخصيات المسلسل مسكونة بماضٍ لا يفارقها (نتفليكس)

ليست لورا إنغالز وحدها مَن تخدم الصورة غير التقليدية التي يحاول المسلسل الجديد إظهارها. فصوت الأنثى الثائرة على واقعها وعلى مصيرها المحصور بإنجاب الأطفال والاهتمام ببيتها وعائلتها، ترفعه شخصياتٌ مثل الفرنسية لايسي أوبير الآتية إلى أميركا بكامل حريتها لتُديرَ حانةً وترتدي السراويل الرجّاليّة وتحمل السلاح.

تنضمّ إليهما صاحبة متجر البلدة، إميلي هندرسون، والتي تجسّد ببشرتها السمراء تنوّع المجتمع الأميركي. تفرض هويّتها رغم ما يظهره البعض من انعزاليّة وعنصريّةٍ تجاهها.

أما طبيب البلدة المحبوب فهو كذلك من أصحاب البشرة السمراء، أو الأميركيين الأفارقة، الذين يضعهم مسلسل «نتفليكس» في الواجهة كجزءٍ لا يتجزّأ من الصورة المسالمة والنموذجيّة لأميركا تلك الحقبة.

يرفع المسلسل صوت الأميركيين من أصحاب البشرة السمراء (نتفليكس)

رغم الحرفة الإخراجية والحبكات الجذّابة، يعاني المسلسل من مثاليّةٍ طافحة حيث يجري التغلّب على كل التحدّيات بالاتّحاد والحب والتكاتف الاجتماعي. إنها صورة بعيدة عن الواقع بعض الشيء، أو على الأقلّ غريبة عن اللحظة الحالية في الولايات المتحدة والعالم أجمع.

في «بيت المرج» ولدى جيرانه، يتصاعد التوتّر لينتهي دائماً بضحكةٍ وعناق. ثم يأتي وباءٌ جماعيّ مهدّداً عائلاتٍ بأكملها فينجو الجميع من دون أضرار. في عالم إنغالز النموذجي، تُشفى الكسور الحَرِجة بسِحر ساحر. حتى الكلاب والأحصنة الضائعة تجد طريقها إلى البيت ولو بعد شهور من التيه.

في Little House on the Prairie لا تتحوّل أي مشكلة إلى تراجيديا (نتفليكس)

لا تعكس هذه الحكاية حتماً حقيقة الصعوبات التي واجهها الأميركيون المؤسسون، لكنها تفتح باباً شاسعاً أمام المشاهدين كي يهربوا عبره من الواقع. هي استراحةٌ بصريّة من كل ما هو اصطناعيّ ومركّب، وفسحةٌ نفسيّة لضخّ الإيجابية والتفاؤل.

ويتجدّد الموعد مع مغامرات عائلة إنغالز قريباً، إذ أعلنت «نتفليكس» أنها في طور إنتاج الموسم الثاني، الذي من المرجّح أن تليَه مواسم أخرى بما أنّ سلسلة لورا إنغالز مكوّنة من 9 فصول.


تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
TT

تداعيات استقالة وزيرة الثقافة المصرية تثير جدلاً «أدبياً»

د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)
د. جيهان زكي خلال افتتاحها أحد المعارض الفنية قبل الاستقالة (وزارة الثقافة المصرية)

على الرغم من مضي نحو 5 أيام على قبول الحكومة المصرية استقالة الدكتورة جيهان زكي من منصبها كوزيرة للثقافة على خلفية حكم محكمة النقض بإدانتها بالتعدي على حقوق الملكية الفكرية للكاتبة الصحافية سهير عبد الحميد؛ إذ صدر الحكم بدفع تعويض لصالح الكاتبة قدره مائة ألف جنيه (الدولار يوازي نحو 49 جنيهاً مصرياً)، كما قضت المحكمة بسحب كتاب الوزيرة من التداول؛ فإن الجدل تواصل حول هذه الأزمة، وتردد صداها في أوساط ثقافية وصحافية مصرية، وظهرت تداعياتها في ادعاءات بوجود ما يمكن تسميته «كاتب ظل» تدخل في متن الكتاب، وربما تسبب في هذه الأزمة، حسب ما أُشيع.

ونشر عدد من الشخصيات العامة، من بينهم المخرج خالد يوسف، ما يشير إلى وجود «شخص آخر كان يقوم بمراجعة كتاب الوزيرة، وأن هذا الشخص ربما قام بإضافة فقرات دون علمها أو بعلمها، ولم تقدر حجم المشكلة» وفق ما ذكر عبر حسابه بـ«فيسبوك»، مؤكداً أن «الوزيرة مسؤولة في الحالتين».

في حين نشر الصحافي والناقد بـ«الأهرام» سيد محمود مقالاً بصحيفة «الشروق» بعنوان «الآن أتكلم»، نفى فيه مسؤوليته عن محتوى الكتاب، وقال إنه كتب فقط مقدمته بطلب من الدكتورة جيهان زكي التي كان يعرفها منذ رئاستها الأكاديمية المصرية للفنون بروما، وذكر أنه ركز في مقدمته التي تصدرها اسمه على فكرة المقارنة بين شخصية تنتمي للثقافة الغربية وأخرى تنتمي للثقافة الشرقية، وأنه انتبه بطبيعة الحال إلى ذكر اسم الأستاذة سهير عبد الحميد في أكثر من موضع بكتاب الوزيرة، وكذلك في قائمة المراجع التي جاءت في خاتمة الكتاب، وبالتالي لم يكن لديه شكوك في نسبة الكتاب لمؤلفته، مشدداً على أن مهمته لم تكن تقتضي البحث في مدى مطابقة المحتوى، أو مقارنة نسب الاقتباس، أو كشف عدد الفقرات التي ضمّنتها الدكتورة جيهان في كتابها، ولا سيما أنه لم يطالع كتاب الأستاذة سهير، وهدد محمود بملاحقة كل من يزج باسمه بغير دليل يعزز اتهامه، وفق ما جاء في مقاله.

الصحافية والكاتبة سهير عبد الحميد (حسابها على «فيسبوك»)

ويرى الناقد الأدبي مصطفى عبد الله أن «هذا الجدل اتسعت دائرته لطبيعة القضية وارتباطها بوزيرة الثقافة، وبحقوق ملكية مؤلفة الكتاب سهير عبد الحميد»، وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» أنه «كانت هناك وجهات نظر بين من قاموا بمضاهاة الكتابين وإبداء الرأي بالإدانة، وبين من قالوا إن الفاعل هو فلان بعينه، ومن وقفوا إلى جانب الوزيرة مدافعين عنها».

وتابع عبد الله: «لقد تعلمنا أن نحترم أحكام القضاء، وأرى أن تداول هذا الموضوع بهذا الشكل ستكون له آثار سيئة جداً»، مطالباً بـ«إغلاق هذا الملف؛ لأن حكم القضاء أدان الوزيرة، وقدمت استقالتها احتراماً لهذا الحكم».

وكانت وزيرة الثقافة قد أكدت في تصريحات لها بعد يومين من استقالتها أنها من الآن فصاعداً ستتصدى للدفاع عن حقها كمواطنة وعالمة مصريات ومحاضِرة دولية، وكذلك كأم، مشيرة إلى أنها سترد على ما وصفتها بـ«الافتراءات والمغالطات والأكاذيب» التي تعرضت لها، وأنها ستواصل «جميع السبل التي يكفلها القانون، بما في ذلك التماس إعادة النظر في الأحكام التي صدرت».

وقالت الكاتبة فاطمة المعدول: «لا بد من وقف هذا الجدل والصراع وحالة الانقسام التي نشهدها عبر مواقع التواصل الاجتماعي، وخصوصاً أن هناك حكماً قضائياً حسم المسألة»، وأضافت لـ«الشرق الأوسط»: «الوزيرة استقالت، والأستاذة سهير عاد لها حقها الأدبي والتعويض المادي، والأستاذ سيد محمود كتب مقالة مؤثرة نفى فيها أنه (كاتب ظل)، وأكد أنه كتب المقدمة فقط، وبذلك يكون كل شيء قد حُسم واتضح للجميع».


مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
TT

مصر: الكشف عن مقبرة أثرية بالبر الغربي في الأقصر

المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)
المقبرة المكتشفة في الأقصر (وزارة السياحة والآثار المصرية)

أعلنت البعثة الأثرية الهولندية العاملة في جبانة طيبة عن اكتشاف مقبرة بمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى بالبر الغربي بمدينة الأقصر، يرجح أنها تعود لعصر الرعامسة، وتتكون المقبرة الموجودة ضمن مقابر طيبة من فناء خارجي، ومقصورة منحوتة في الصخر على شكل حرف (T) مقلوب، بالإضافة إلى حجرات للدفن تحت سطح الأرض، وفق بيان لوزارة السياحة والآثار، الأحد.

وأكد رئيس قطاع الآثار المصرية بالمجلس الأعلى للآثار، محمد عبد البديع، أن التخطيط المعماري للمقبرة يتوافق مع الطراز المعتاد لمقابر الأفراد في طيبة خلال عصر الدولة الحديثة، موضحاً في البيان أن «فناء المقبرة يضم عدداً من العناصر المعمارية المحفوظة بحالة جيدة، من بينها مصطبة من الطوب اللبن تتوسطها فجوة مخصصة لتثبيت لوحة جنائزية إلى جانب سلم تحيط به منحدرات من الجانبين يؤدي إلى مدخل المقبرة».

وأشار إلى أن المقبرة تضم عدداً من المناظر التي تحمل اسم صاحبها ويدعى «باسر»، بينما تغطي طبقة رقيقة من الأتربة أجزاءً من الرسوم الجدارية الملونة، والتي تُظهره وهو يتعبد أمام عدد من المعبودات داخل مقاصير، كما تصوره مع زوجته أمام مائدة للقرابين.

نقوش جنائزية على حائط المقبرة (وزارة السياحة والآثار المصرية)

من جانبه، ثمّن وزير السياحة والآثار المصري شريف فتحي، جهود البعثات الأثرية العاملة في مصر، مؤكداً في البيان أنها «تسهم في الكشف عن مزيد من أسرار الحضارة المصرية القديمة، بما يعزز من مكانة مصر كوجهة عالمية».

وأوضح الأمين العام للمجلس الأعلى للآثار، الدكتور هشام الليثي، أن المقبرة المكتشفة تقع إلى الشرق من المقبرة الطيبية رقم (45) حيث ينفذ الفريق مشروعاً بحثياً وميدانياً منذ عام 2018، بالتعاون مع وزارة السياحة والآثار، بهدف تنفيذ برامج للحفاظ الوقائي وإدارة المخاطر بالمنطقة، إلى جانب إعداد أول دراسة أثرية متكاملة لها، ولفت إلى أنه من الأسلوب الفني لنقوش المقبرة فمن المرجح أنها تعود لعصر الرعامسة.

مؤكداً أن فريق العمل سيواصل أعمال الدراسة والتوثيق داخل المقبرة، بهدف تحديد هوية الأشخاص الذين دُفنوا بها وإعادة بناء سيرهم الشخصية، إلى جانب دراسة المقبرة في سياقها التاريخي والأثري، بما يسهم في تقديم فهم أعمق للعلاقة بين مقابر المنطقة والبيئة المحيطة بها، وإلقاء الضوء على التطور التاريخي والثقافي لمنطقة الشيخ عبد القرنة السفلى.

وأكدت الدكتورة كارينا فان دن هوفن، رئيسة البعثة من جامعة لايدن، أن البعثة ستبدأ خلال المواسم المقبلة تنفيذ أعمال التدعيم الإنشائي والصيانة والترميم للزخارف الملونة بالمقبرة، معربة عن تطلعها إلى مواصلة أعمالها بالموقع وتحقيق المزيد من الاكتشافات الأثرية خلال المواسم المقبلة.

لوحات تصور مشاهد تقديم القرابين (وزارة السياحة والآثار المصرية)

ويرى عالم المصريات، الدكتور حسين عبد البصير، هذا الكشف «يمثل إضافة مهمة إلى سلسلة الاكتشافات الأثرية في البر الغربي بالأقصر، الذي لا يزال يثبت أنه من أغنى المواقع الأثرية في العالم»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط» أن «العثور على مقبرة تضم مشاهد جنائزية يرجح أنها من عصر الرعامسة يمنح الباحثين فرصة جديدة لدراسة الفن والعقيدة الجنائزية والحياة اليومية في الدولة الحديثة».

وتكمن أهمية مثل هذه المقابر، بحسب عبد البصير، في أن «مناظرها ليست مجرد زخارف، بل هي وثائق تاريخية تسجل أسماء أصحاب المقابر ووظائفهم، وتصور الطقوس الجنائزية والمعتقدات الدينية، وتكشف كثيراً من التفاصيل المتعلقة بالمجتمع المصري القديم».

وفي النهاية، يؤكد هذا الاكتشاف أن البر الغربي في الأقصر لا يزال يخفي الكثير من أسراره، وأن العمل الأثري المنهجي يواصل إثراء فهمنا لحضارة مصر القديمة وإبراز مكانتها العالمية.

وتضم الأقصر العديد من الآثار المصرية الشهيرة من بينها معابد الأقصر والكرنك وحتشبسوت ووادي الملوك وجبانة طيبة، وتعمل بالأقصر في مواسم مختلفة، العديد من البعثات الأثرية المصرية والأجنبية والمشتركة وفق بروتوكولات تعاون علمي وبحثي بين مصر وجامعات ومؤسسات علمية متخصصة في علم الآثار.

وترى المتخصصة في في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، أن هذا الكشف الأثري وعدّت المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى القديم بكلية الآثار والإرشاد السياحي في جامعة مصر للعلوم والتكنولوجيا، الدكتورة دينا سليمان، هذا الكشف الأثري «إضافة علمية مهمة إلى سجل مقابر الأفراد في جبانة طيبة»، مضيفة لـ«الشرق الأوسط» أن «قيمته لا تكمن في العثور على مقبرة جديدة فحسب، وإنما فيما تحمله من شواهد قادرة على إعادة قراءة جانب من المجتمع الطيبي خلال عصر الرعامسة»، وأوضحت أن «المقابر الخاصة كانت بمثابة سجل بصري يجمع بين العقيدة، والوظيفة، والمكانة الاجتماعية، وهو ما يجعل كل عنصر معماري أو نقش أو منظر جداري مصدراً تاريخياً قائماً بذاته».

وتكتسب المقبرة أهمية خاصة؛ لأن أسلوبها المعماري ينسجم مع تقاليد مقابر النخبة في الدولة الحديثة، وفق المتخصصة في آثار مصر والشرق الأدنى، «بينما تعكس مناظرها الجنائزية استمرار المفاهيم الدينية المرتبطة بالبعث والخلود، حيث لم تكن مشاهد التعبد والقرابين مجرد زخارف فنية، بل كانت تؤدي وظيفة عقائدية تضمن لصاحب المقبرة استمرار الحياة في العالم الآخر، وفق التصور المصري القديم».