في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

أسسه الفنان التركي رفيق أناضول مع زوجته إركيليتش

رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
TT

في متحف الذكاء الاصطناعي تشعر بالفن... وهو بدوره يشعر بك

رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)
رفيق أناضول (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

قال أحد الطلاب بصوت خافت: «هذا جنون!». تمتم الطالب المجاور له: «جنونٌ حقاً». «جنون» هنا تعبيرٌ مُبالغ فيه عن روعة «الروعة». كنا في وسط مدينة لوس أنجليس، في «داتالاند»، المتحف الذي سيُفتتح قريباً والمُخصّص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، وبالفعل، كان الأمر مُذهلاً. كان الطلاب، من دورة الذكاء الاصطناعي بجامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، يحظون بفرصة الاطلاع المُسبقة بناءً على دعوة من أستاذهم، نجم الفن الرقمي رفيق أناضول. يُعدّ «داتالاند»، الذي أسّسه أناضول وزوجته الرسامة إفسون إركيليتش، إضافةً مُرتقبةً بشدة إلى المشهد الفني - التقني المُزدهر في المدينة، وربما يكون المتحف الأكثر طموحاً لفن الذكاء الاصطناعي حتى الآن.

«داتالاند» المتحف الذي سيُفتتح قريباً والمُخصص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، في لوس أنجليس (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

محاكاة حركة الفراشات خوارزمياً

في لحظة، انزلقت صورٌ زاهية الألوان لنباتات وحيوانات غابات الأمازون البرازيلية على الجدار والأرضية؛ ثمّ، انجرفت صورٌ مماثلة نحونا بتقنية ثلاثية الأبعاد قبل أن تتسارع فجأةً ثمّ تتباطأ؛ وظهرت خطوطٌ ودوائر من الضوء الأبيض في أنماطٍ معقدة؛ وتناثرت خطوطٌ تجريدية من الأخضر والأصفر، والأحمر والأصفر في أرجاء الغرفة.

«أنماطٌ جميلة من أجنحة الفراشات»، هكذا شرح أناضول. أجنحة فراشات؟ أجل، صحيح. يقوم نظام الذكاء الاصطناعي الذي طوره أناضول واستوديو عمله للمتحف الجديد بتحويل بيانات فراشات الغابات المطيرة صوراً متحركة باستمرار يصفها طلابه بأنها «مذهلة». «البيانات ليست مجرد أرقام»، أشار أناضول. كانت كذلك في السابق، ولكن مع انفجار المعلومات الذي بدأ في ستينات القرن الماضي، يُمكن عدّ أي شيء تقريباً بيانات - الصور، والفيديوهات، والتسجيلات الصوتية، وحتى أجنحة الفراشات. تأتي بيانات أناضول عن الفراشات - أصولها، وأعمارها، وأنماط ألوانها، وسلوكها - بشكل رئيسي من موسوعة الحياة، وهي مستودع على الإنترنت جمعه المتحف الأميركي للتاريخ الطبيعي في نيويورك.

قال أناضول: «تمكّنا من محاكاة حركة الفراشات خوارزمياً». ومن خلال إدخال هذه البيانات في البرنامج المتطور للغاية الذي يُشغّل «داتالاند»، والذكاء الاصطناعي الذي يُشغّله - وهو برنامج، كما قال أناضول، يتألف من أكثر من 10 ملايين سطر برمجي - يُنتج عملاً فنياً فائق الحركة.

الفنان الرقمي رفيق أناضول في جناح البيانات بمتحف «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

انطلاقة أناضول

بدأ أناضول في بناء اسمه قبل عقد من الزمن بعروض أصغر حجماً وأكثر تأملاً لأنماط تجريدية - أمواج من الألوان تتدفق عبر الشاشة، وتعكس دواماتها وحركاتها بيانات الطقس وغيرها من الظواهر. وجاءت انطلاقته الكبرى عام 1988 بتكليف من أوركسترا لوس أنجليس الفيلهارمونية لعرض أرشيفها المُرقمن حديثاً - كل أداء لكل سيمفونية، وكل عزف على البوق، وكل عزف على الأوبوا، وكل نغمة عزفتها الأوركسترا على الإطلاق - على السقف الفولاذي المُتموج لقاعة والت ديزني للحفلات الموسيقية، التي صممها فرانك جيري.

لم يعد وجه أناضول طفولياً في الأربعين من عمره، لكنه لا يزال مفعماً بالحيوية والنشاط، ويرتدي ملابس سوداء بالكامل، ونادراً ما يقف ساكناً. انتشرت أعماله في جميع أنحاء العالم تقريباً في المتاحف: متحف غوغنهايم بلباو، ومعارض سربنتين في لندن، ومتحف هامر في جامعة كاليفورنيا في لوس أنجليس، وغيرها في إسبانيا، وفرنسا، وبلجيكا، وكوريا الجنوبية وتركيا، موطنه الأصلي. لكن أول تكليف كبير له في متحف، وهو متحف الفن الحديث في نيويورك، جعله متورطاً في جدل واسع.

حظي عمل أناضول الفني «غير الخاضع للإشراف»، الذي عُرض في بهو متحف الفن الحديث (MoMA) بين عامي 2022 و2023، بشعبية واسعة لدرجة أنه استمر عرضه لمدة عام تقريباً. انبهر زوار المتحف، وأطفالهم، بالعرض المتغير باستمرار لديناميكيات السوائل على شاشته التي تبلغ مساحتها 24 × 24 قدماً. في صحيفة «واشنطن بوست»، وصفه سيباستيان سمي بأنه «تحفة فنية مبكرة للفن المُولّد بالذكاء الاصطناعي». لم يُبدِ نقاد آخرون إعجاباً مماثلاً. ففي «مجلة نيويورك»، وصفه جيري سالتز بأنه «مصباح حمم بركانية ضخم بتقنية التكنو» يعرض «مزيجاً من الألوان المهلوسة والكتل البكتيرية».

مع عمل «غير خاضع للإشراف»، ربما لم يكن واضحاً ما إذا كان أناضول قد فقد بوصلته الفنية أم أن نقاده لم يتمكنوا من فهمها؟

الرسامة إفسون إركيليتش بجناح البيانات في «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

أحلام الآلة

مع عمل «غير خاضع للإشراف»، ربما لم يكن واضحاً ما إذا كان أناضول قد فقد بوصلته الفنية أم أن نقاده لم يجدوا ضالتهم؟ يُسلّط معرض «داتالاند» الافتتاحي، «أحلام الآلة: الغابة المطيرة»، الضوء على هذه القصة... قبل خمس سنوات، حثته إركيليتش على مرافقتها إلى الأمازون بحثاً عن الإلهام. وبعد رحلة شاقة تضمنت استخدام الطائرات والسيارات وعشر ساعات في زورق آلي، انتهى بهما المطاف بين شعب ياواناوا، وهم من السكان الأصليين الذين يعتمدون بشكل أساسي على «ستارلينك» و«واتساب» للتواصل مع العالم الخارجي.

«لقد شعرتُ بإلهامٍ كبير»، هكذا استذكر. «شعب ياواناوا، وكيف يعيشون في الغابة - لا أستطيع نسيان ذلك الشعور. لكن بالطبع، لا ينبغي لنا الذهاب إلى الغابة المطيرة كل يوم. كان السؤال: هل يمكن أن تأتي إلينا؟» في «داتالاند»، يتحقق ذلك بشكلٍ ما. يُعدّ «غرفة اللانهاية» محور «أحلام الآلة: الغابة المطيرة» - وهي عبارة عن مكعب كبير يُعرض فيه فيلم مدته ثماني دقائق، مُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي، بشكلٍ متواصل على الجدران، وينعكس على أرضية وسقف عاكسين. يُظهر الفيلم طائراً طناناً زجاجياً و«شجرة حكمة» مُصممة على غرار شجرة في الأمازون. «كنتُ أرى هذا الطائر الطنان الزجاجي في أحلامي»، قال أناضول. «سألتُ الزعيم: لماذا أرى هذا الطائر؟ فأجابني: إنه طائر مميز لا يُغرّد في الغابة إلا عندما يُحلّق ليأخذ أنفاسه الأخيرة من شجرة الحكمة». في غرفة اللانهاية، تُركّز على عينه وتدخل عالماً خيالياً من الزهور والأنابيب والبيانات. وصفها أناضول بأنها «حكايات شعبية خوارزمية»، «نوع من أنواع السرد القصصي الجديد».

الرسامة إفسون إركيليتش بجناح البيانات في «داتالاند» (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

الفراشات، والطيور، واليراعات، وكل أنواع الأشجار في الأمازون - جُمعت البيانات التي تُشكّل عمل «أحلام الآلة: الغابة المطيرة» من قِبل أناضول نفسه ميدانياً، أو من قِبل فريق من الفنانين والعلماء والمهندسين المعماريين والمهندسين في مختبره، استوديو رفيق أناضول، من خلال شراكات مع مختبر كورنيل لعلم الطيور، ومتحف التاريخ الطبيعي في لندن، وغيرها من المؤسسات المماثلة.

جناح البيانات في متحف «داتالاند» المُخصص للفن المُولّد بواسطة الذكاء الاصطناعي (سيلا شيلوني - نيويورك تايمز)

بيانات من الزوار

سيتم جمع كمية كبيرة من البيانات من الزوار أنفسهم. تعمل مستشعرات الليدار المثبتة في الجدران على معايرة حركاتك. السوار الإلكتروني الذي تحصل عليه عند الدخول هو جهاز طبي يراقب نبضات قلبك واستجابة جلدك الجلفانية - هل أنت متحمس، هادئ، مستمتع، أم تشعر بالقشعريرة؟ - ويرسل هذه البيانات إلى أنظمة الكمبيوتر في «داتالاند»؛ ما يسمح للشاشات بالاستجابة في الوقت الفعلي.

يُستخدم الذكاء الاصطناعي، مع تدخل بشري، لتوليد روائح «داتالاند»، التي تم ابتكارها بالشراكة مع قسم Luxe التابع لشركة «لوريال»، ونكهاتها - وهي عبارة عن شوكولاته مصنوعة بالتعاون مع شريك محلي، فاليري كونفيكشنز.

الفكرة

خطرت فكرة «داتالاند» لأناضول عندما كان هو وإركيليتش في إجازة في المكسيك، بعد رحلتهما الأولى في الغابات المطيرة. حينها فكرا في اسم - ولكن لم يكن لديهما أي فكرة أخرى. قالت إركيليتش: «أنا واقعية، وهو حالم. كان يُخبرني عن حلمه، وكنت أتساءل: كيف يُمكننا تحقيق هذا؟» كانا في حاجة إلى المال - الكثير منه. ثم بدأت الأمور تتضح. على الرغم من كل البيانات الموجودة في «داتالاند»، فإن تجربتك تحدث في العالم الحقيقي. لا يوجد جهاز واقع افتراضي يفصلك عن عالم الخيال. حتى أن هناك قطعاً تذكارية يمكنك أخذها معك إلى المنزل، بما في ذلك شوكولاته برائحة الغابات الاستوائية. كان بالإمكان شراء نسخة من 1000 «لوحة حية» مع نسخة مطبوعة أرشيفية مقابل 5000 دولار للواحدة، لكنها نفدت عبر الإنترنت في 34 دقيقة. مقابل 15000 دولار، يمكن لكبار الشخصيات الحصول على ذراع روبوتية تُدعى «كواليا» لرسم لوحة تجريدية مسترشدة ببياناتك الشخصية - لكن هناك بالفعل قائمة انتظار.

* خدمة «نيويورك تايمز»


مقالات ذات صلة

«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

يوميات الشرق تنطلق فعالية «ليلة المتاحف» في 16 يوليو الحالي (فيسبوك)

«ليلة المتاحف» تحتفي بوجه لبنان الثقافي المُضيء

تشارك في هذه الأمسية مجموعة من أبرز المتاحف، وتبدأ الزيارات من الـ5 مساءً حتى الـ11 ليلاً...

فيفيان حداد (بيروت)
يوميات الشرق المتحف المصري الكبير (وزارة السياحة والآثار)

«المتحف المصري الكبير» لتعزيز حضوره دولياً بمكتبة ضخمة عن الآثار

يعزز المتحف المصري الكبير حضوره دولياً بافتتاح مكتبة ضخمة متخصصة في العلوم المرتبطة بالآثار والتاريخ.

محمد الكفراوي (القاهرة )
يوميات الشرق عناصر من الشرطة الفرنسية خلال مهمة أمنية (أ.ف.ب - أرشيفية)

سرقة مجوهرات في عملية سطو خاطفة بمتحف فرنسي

قال مسؤولون في متحف فرنسي إن لصوصاً سرقوا مجموعة من المجوهرات في عملية سطو خاطفة استهدفت أعمال صانع الزجاجيات والمجوهرات الفاخرة رينيه لاليك وعائلته.

«الشرق الأوسط» (باريس)
خاص التصميم الداخلي لمتحف الذهب الأسود «كابسارك» (هيئة المتاحف)

خاص في متحف الذهب الأسود بالرياض... التصميم في خدمة الفن

مبنى كابسارك الذي صممته الراحلة زها حديد بتصميمه المميز والمنساب برشاقة يعد تحفة معمارية وبتحوله إلى متحف للذهب الاسود أصبح مركزا ثقافيا وفنيا بامتياز.

عبير مشخص (لندن)
يوميات الشرق جانب من المقتنيات التي سيضمها المتحف (حسابه على «فيسبوك»)

متحف السينما المصرية لاستعادة «زمن الفن الجميل»

يواصل المنتج المصري هشام سليمان العمل على مشروع «متحف السينما المصرية»، الذي من المنتظر أن يضم مقتنيات خاصة لعدد من نجوم السينما المصرية.

أحمد عدلي (القاهرة )

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
TT

50 سفيراً يزورون «شارع الفن» في ذكرى تأسيس القاهرة التاريخية

جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)
جانب من فعاليات شارع الفن (وزارة الثقافة المصرية)

في إطار الاحتفالات بالعيد القومي الـ1057 لمحافظة القاهرة، شاركت وزارة الثقافة، ممثلةً في «أكاديمية الفنون» بتقديم برنامج فني متميِّز ضمن فعاليات «شارع الفن» بوسط المدينة، بحضور أكثر من 50 سفيراً ومبعوثاً دبلوماسياً.

​وقدَّمت أكاديمية الفنون خلال الاحتفالية «باقةً متنوعةً من العروض الإبداعية التي عكست ثراء وتنوع الهوية المصرية، حيث تضمَّنت الفعاليات مزيجاً فنياً راقياً جمع بين سحر التخت الشرقي والأغاني التراثية، وبين رقي الغناء الأوبرالي واللوحات الاستعراضية المبهرة»، وفق بيان للأكاديمية.

​وقالت رئيسة أكاديمية الفنون، الدكتورة نبيلة حسن: «إن وجود الأكاديمية شريكاً فاعلاً في هذه الاحتفالية الوطنية ترجمة لرسالتنا في مدِّ جسور التواصل بين الفن والمجتمع»، مؤكدة حرص الأكاديمية الدائم على دعم الفعاليات التي تثري الحياة الثقافية في العاصمة.

وشهد برنامج «شارع الفن»، الخميس، فعاليات متنوعة عكست ثراء وتنوع الإبداع المصري، حيث استمتع الضيوف بعروض الفنون الفلكلورية الشعبية، وفنون السمسمية، والغناء الأوبرالي، إلى جانب باقة من الأغنيات المصرية الأصيلة، في لوحة فنية جسَّدت أصالة التراث المصري وتنوعه.

ويُعدُّ مشروع «شارع الفن» إحدى أهم المبادرات الثقافية التي تتبناها أكاديمية الفنون، التابعة لوزارة الثقافة المصرية؛ لنشر الفنون في الفضاء العام، وتعزيز التواصل مع مختلف فئات المجتمع، وتقديم صورة حضارية تليق بمكانة مصر الثقافية، وفق رئيسة الأكاديمية، مشيرة إلى أنَّ استضافة هذا العدد الكبير من السفراء والدبلوماسيين تعكس نجاح المشروع في تقديم القوة الناعمة المصرية بصورة مشرفة أمام ضيوف مصر من مختلف دول العالم.

وبدأت عروض «شارع الفن» بالموسيقى والغناء بمشاركة المعهد العالي للموسيقى العربية، والمعهد العالى للكونسرفتوار، والفرقة القومية للموسيقى الشعبية، والفنانة ليديا سليمان، وتنوعت الفقرات بين الغناء الشرقي، والأوبرالي، والفلكلور الشعبي.

فعاليات شارع الفن تضم فقرات مختلفة (محافظة القاهرة)

كما اشتمل البرنامج على عروض فنون الأداء الاستعراضي، بمشاركة المعهد العالي للفنون الشعبية والمعهد العالي للباليه، وتضمنت استعراضات فلكلورية وإسبانية، إلى جانب أنشطة الفنون التفاعلية والبصرية، التي شملت ورشاً للرسم والتلوين، والرسم على الوجه، بمشاركة المكتبة المتنقلة لمكتبة مصر الجديدة، ومدرسة الفنون للتكنولوجيا التطبيقية.

واختُتمت الفعاليات بعروض فنون الأداء، والتي تضمَّنت عروض المطبخ الصيني، والسيرك القومي، و«شو ماريونت» الذي يقدمه مسرح القاهرة للعرائس.

وكان محافظ القاهرة، الدكتور إبراهيم صابر، استقبل في حديقة الأزهر نحو 50 سفيراً، ومبعوثاً دبلوماسياً، وعدداً من أعضاء السلك الدبلوماسي بالقاهرة، شاركوا في احتفالات محافظة القاهرة بعيدها القومي 1057.

واصطحبهم المحافظ في جولة حول سور القاهرة التاريخي داخل حديقة الأزهر، أعقبتها زيارة مسجد المارديني، والجامع الأزرق اللذين يعدان من أقدم المساجد التاريخية بمنطقة الدرب الأحمر، وانتهت الجولة بالتوجه لحضور احتفالية «شارع الفن» بمنطقة الشريفين بوسط المدينة.

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، فعاليات «شارع الفن» في مايو (أيار) الماضي بوصفه برنامجاً يتضمَّن فعاليات فنية تعزِّز القوى الناعمة المصرية، وتثري السياحة التراثية في منطقة القاهرة الخديوية (وسط البلد)، خصوصاً مثلث البورصة وشارع الشريفين.

وسبق أن وقعت محافظة القاهرة وأكاديمية الفنون المصرية بروتوكول «التعاون الفني المشترك ضمن استراتيجية جسور الإبداع لإتاحة الفنون واحتضان المواهب في ربوع القاهرة»، وتنفيذ عدد من المبادرات النوعية، من أبرزها مبادرة «شارع الفن»، التي تستهدف تحويل شوارع العاصمة إلى منصات مفتوحة للإبداع والفنون.


أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
TT

أكسل بيرثا: استلهمتُ «ضد الطبيعة» من جريمة حقيقية

اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)
اعتمد الفيلم على الصمت بشكل كبير لإيصال فكرته (الشركة المنتجة)

قال المخرج المكسيكي، أكسل بيرثا، إن فيلمه الروائي الطويل الأول «ضد الطبيعة» (Against Nature) انطلق من واقعة قتل حقيقية وقعت في شمال المكسيك، لكنه لم يكن معنياً بإعادة سرد تفاصيل الجريمة أو البحث في ملابساتها، بقدر ما رأى فيها مدخلاً للتأمل في أسئلة تتعلق بالعنف والطبيعة البشرية وعلاقة الإنسان بالعالم.

وأضاف بيرثا، في حديث مع «الشرق الأوسط» عبر «زووم»، أن فكرة إخراج فيلمه الأول كانت تراوده منذ سنوات، إلا أنه لم يكن قد عثر على القصة التي يرغب في تقديمها، حتى صادف تقريراً صحافياً عن جريمة قتل، فشعر أن الواقعة تحمل ما هو أبعد من الحدث نفسه، وهو ما دفعه إلى قضاء فترة طويلة في المنطقة التي شهدت الحادثة، حيث ترك المكان وسكانه أثراً مباشراً في تطور السيناريو، حتى أصبح الفيلم عملاً مستقلاً يستلهم الواقع دون أن يعيد تقديمه.

ويُعرض فيلم «ضد الطبيعة» ضمن الدورة التاسعة والخمسين من مهرجان «كارلوفي فاري السينمائي الدولي» في التشيك، وتدور أحداثه حول «جوناس» الذي يعود إلى بلدته ويعمل في نحت الحجارة، قبل أن يجد نفسه منجذباً إلى قوة خفية تتغلغل في المكان والناس والزمن، بينما ينزلق تدريجياً نحو مأساة تبدو وكأنها امتداد لصراع قديم بين الإنسان وطبيعته.

وأوضح المخرج المكسيكي أن اختياره الابتعاد عن معالجة الجريمة بوصفها حدثاً بوليسياً كان قراراً مقصوداً، إذ رأى أن الواقعة لم تكن سوى الشرارة التي أطلقت خياله، بينما تشكل الفيلم الحقيقي من خلال معايشة المكان والاقتراب من تفاصيل الحياة اليومية في تلك المنطقة، وهو ما جعله يبتعد تدريجياً عن الحادثة الأصلية ليقدم رؤية سينمائية تتناول الإنسان أكثر مما تتناول الجريمة.

وكشف بيرثا أن تصوير الفيلم كان من أصعب التجارب التي خاضها، موضحاً أنه «جرى في منطقة شبه صحراوية شمال المكسيك، حيث واجه فريق العمل ظروفاً مناخية قاسية، تراوحت بين البرودة الشديدة وحرارة الشمس والغبار المستمر، إلى جانب صعوبة الوصول إلى مواقع التصوير، وهو ما فرض تحديات إنتاجية متواصلة طوال فترة التنفيذ».

بدأت فكرة الفيلم من حادثة حقيقية (الشركة المنتجة)

وأضاف أن «التحديات لم تقتصر على طبيعة المكان، وإنما شملت أيضاً الاعتماد على ممثلين غير محترفين من أبناء المنطقة، إلى جانب التصوير وسط الحيوانات الطبيعية، ومواكبة تغير الفصول، فضلاً عن استخدام خام (35 ملم)، الأمر الذي فرض عدداً محدوداً للغاية من اللقطات، وجعل كل مشهد يحتاج إلى قدر كبير من الدقة قبل التصوير».

وأشار إلى أن فريق العمل لم يتجاوز 10 أشخاص، وهو ما وفّر قدراً من المرونة وساعد الجميع على التفرغ للحظة التصوير نفسها، موضحاً أن الفريق كان ينتظر أحياناً الوقت المناسب للحصول على الضوء الطبيعي المطلوب، بجانب مشاركة الجميع في أكثر من مهمة داخل موقع التصوير، ما خلق حالة من التفاهم والترابط بينهم طوال فترة العمل.

وأرجع بيرثا اختيار شخصية «جوناس» قليلة الكلام لاعتقاد البعض أن الإنسان عاش ملايين السنين قبل ظهور اللغة، واستطاع خلالها التكيف مع العالم وبناء حياته، بينما جاءت اللغة لاحقاً لتسرّع تطور الحضارة والفنون والثقافة، لكنها في الوقت نفسه خلقت مسافة بين الإنسان والواقع، لأن الكلمات لا تنقل الأشياء كما هي، بل تقدم لها صوراً ورموزاً ذهنية.

وأكد المخرج المكسيكي أن السينما تمنحه فرصة لاستعادة هذا الاتصال المباشر بالعالم، «لأنها قادرة على التعبير بالصورة والصوت والإيقاع والمونتاج، دون الحاجة إلى كثير من الحوار، وهو ما دفعني إلى تقليل الكلمات في الفيلم إلى الحد الأدنى، لإفساح المجال أمام المشاعر والإحساس بالمكان، بحيث يعيش المشاهد التجربة بدلاً من أن يتلقى شرحاً لها»، وفق تعبيره.

وتحدث بيرثا عن تجربته مع الممثلين غير المحترفين، مؤكداً أنه كان يبحث منذ البداية عن أشخاص ينتمون إلى البيئة التي تدور فيها الأحداث، حتى تبدو الشخصيات جزءاً طبيعياً من المكان، لأن هدفه لم يكن تدريبهم على الأداء التقليدي، وإنما منحهم الحرية الكاملة للتصرف بعفوية، وهو ما أدى في كثير من الأحيان إلى تغير بعض المشاهد أثناء التصوير.

وأوضح أنه كان يراقب الطريقة الطبيعية التي يتعامل بها كل ممثل مع الموقف، محاولاً أن يفاجئه الأداء بدلاً من فرض تصور مسبق عليه، ما جعل كثيراً من اللحظات التي ظهرت في الفيلم تبدو كنتيجة لتفاعل الممثلين مع المشهد أكثر من التزامهم الحرفي بما كُتب في السيناريو.

يعرض الفيلم للمرة الأولى في التشيك (الشركة المنتجة)

وأكد أن هذه العفوية كانت جزءاً أساسياً من رؤيته الإخراجية، لأنها سمحت للفيلم بالاقتراب أكثر من الواقع، ومنحت الشخصيات حضوراً إنسانياً يصعب الوصول إليه من خلال الأداء التقليدي.

وعدّ بيرثا أن «العنف يمثل أحد المحاور الرئيسية في الفيلم»، لكنه لا ينظر إليه باعتباره نتاجاً للظروف الاجتماعية وحدها، أو نتيجة لطبيعة الإنسان فقط، بل يراه سؤالاً مفتوحاً رافق البشرية عبر تاريخها، مشيراً إلى تأثره بأفكار الفيلسوف الألماني فريدريش نيتشه، خصوصاً ما يتعلق بفكرة الانتقام والمعاملة بالمثل.

ولفت المخرج المكسيكي إلى أن التاريخ الإنساني يكشف عجز البشر عن التخلص من العنف، رغم التطور الحضاري الذي حققوه، مشيراً إلى أن امتلاك الإنسان في العصر الحديث وسائل قادرة على تدمير العالم، مثل السلاح النووي، يجعل التفكير في هذه القضية أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى، خصوصاً في ظل ما يشهده العالم من صراعات متزايدة تقوم على الهيمنة والعدوان.

وحول ترك كثير من مشاهد الفيلم مفتوحة أمام التأويل، أوضح بيرثا أنه لا يؤمن بالأفلام التي تقدم إجابات جاهزة، وإنما يفضل الأعمال التي تستمر في مرافقة المشاهد حتى بعد انتهاء العرض، مشيراً إلى أن الفيلم، بالنسبة له، «يبدأ فعلياً عندما يغادر الجمهور قاعة السينما، لأن لحظة التفكير والتأمل ومحاولة تفسير ما شاهده لا تقل أهمية عن المشاهدة نفسها»، على حد تعبيره.

وأشار إلى أنه لم يتعمد الغموض من أجل إضفاء طابع فلسفي على العمل، وإنما سعى إلى تقديم تجربة تسمح لكل مشاهد بأن يبني قراءته الخاصة، لافتاً إلى أن أكثر الأفلام التي أثّرت فيه كانت تلك التي تركت لديه أسئلة أكثر مما قدمت له إجابات.


مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
TT

مصر: صنّاع محتوى في قفص الاتهام مجدداً لترويج «أفكار صادمة»

توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)
توقيف صانعة محتوى بمصر (وزارة الداخلية)

تجددت وقائع القبض على صناع محتوى بمصر بسبب ارتكاب مخالفات وصفتها بيانات وزارة الداخلية وخبراء بأنها مرتبطة بترويج أفكار «صادمة» تتنافى وقيم المجتمع، بغرض تحقيق أرباح مادية، مع ظهور قضايا في فترات سابقة تنوعت بين ترويج الأفكار التي «تنال من قيم المجتمع»، وفق التوصيف القانوني لها، ونشر صور وفيديوهات تتضمن مقاطع «خارجة»، وصدرت على بعض الحالات أحكام بالحبس.

ورصدت وزارة الداخلية المصرية قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالترويج لما أسمته «فوائد تعدد الأزواج والزوجات والإنجاب غير المُنسب بصورة تحريضية تتنافى مع الآداب العامة والقيم المجتمعية»، وفق بيان وزارة الداخلية.

وعقب تقنين الإجراءات، تم ضبط صانعة المحتوى المقيمة بدائرة قسم شرطة المطرية بالقاهرة وضبط بحوزتها هاتف محمول «بفحصه تبين احتواؤه على دلائل تؤكد نشاطها الإجرامي»، وفق بيان الوزارة، وبمواجهتها اعترفت بارتكابها الواقعة على النحو المشار إليه ونشرها مقاطع الفيديو عبر صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي لزيادة نسب المشاهدات وتحقيق أرباح مالية.

ووصفت الخبيرة القانونية، هبة عادل، رئيسة مؤسسة «المحاميات المصريات لحقوق المرأة» الدعوات التي تروج لتعدد الأزواج أو غيرها من الأفكار التي تمس النظام العام والأسرة المصرية، بأنها «سلوك يتعارض مع القيم الدستورية والاجتماعية، حال ثبوت مخالفتها للقانون، وقد يرقى إلى صور من التحريض على الإفساد المجتمعي، بما يستوجب تطبيق القانون في إطارٍ من احترام ضمانات المحاكمة العادلة».

وأضافت لـ«الشرق الأوسط» أن «مواجهة الجرائم المرتكبة عبر منصات التواصل الاجتماعي لم تعد تقتصر على العقوبات التقليدية السالبة للحرية، وإنما تتطلب تطوير السياسة العقابية لتشمل تدابير تتناسب مع طبيعة الجريمة الرقمية، مثل تمكين القضاء من الأمر بحجب أو إغلاق الحسابات المستخدمة في ارتكاب الجريمة، أو تقييد استخدامها لفترات محددة، وفرض قيود على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي أو الأجهزة الإلكترونية في الحالات التي يجيزها القانون».

وأكدت أن «المرحلة الحالية تستدعي أيضاً دراسة منح الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات اختصاصات أوسع في مجال الضبطية القضائية، وفق ضوابط قانونية ورقابة قضائية تكفل تحقيق التوازن بين حماية الحقوق والحريات العامة، وإنفاذ القانون والتصدي للجرائم الإلكترونية والمحتوى الضار».

القبض على بلوغر لنشر فيديوهات بملابس خادشة للحياء في مصر (وزارة الداخلية)

وتنتشر هذه الظاهرة بشكل مطرد، أخيراً؛ إذ نشرت وزارة الداخلية المصرية على صفحاتها بوسائل التواصل نحو 5 حالات توقيف «بلوغرز» في مناطق مختلفة خلال 24 ساعة، لرصد ارتكابهن مخالفات خادشة للحياء، من بينها قيام صانعة محتوى بنشر مقاطع فيديو على صفحاتها بمواقع التواصل الاجتماعي تتضمن قيامها بالرقص بملابس خادشة للحياء تتنافى مع القيم المجتمعية.

ويرى الخبير في «السوشيال ميديا» والإعلام الرقمي محمد فتحي، أن «اقتصاد المنصات الرقمية القائم على المشاهدات والتفاعل قد يدفع بعض المؤثرين إلى تصعيد المحتوى المثير للجدل»، مضيفاً لـ«الشرق الأوسط»: «يبقى التحدي أمام الجهات التنظيمية هو تحقيق توازن بين حماية المجتمع، وصون حرية التعبير، وتطبيق القانون على الجميع وفقاً للضوابط والإجراءات القضائية».

وقال فتحي إنه «يجب على صناع المحتوى أن يكون لديهم الوعي والدراية الكافيَين لعدم التعرض لمحتوى جدلي أو خارج إطار القانون المحلي الذي يبث فيه المؤثر محتواه، فما يكون مسموحاً في مجتمع قد لا يكون مسموحاً في غيره».