فرنسا تُكرّم تضحيات جنودها الأفارقة بعد عقود على تغييب دورهم

في ذكرى إنزال قوات الحلفاء على شاطئها المتوسطي قبل ثمانين عاماً

الرئيس الفرنسي يقلد الجندي المغربي العربي جوى الذي شارك في عدد من معارك الجيش الفرنسي وسام جوقة الشرف (أ.ب)
الرئيس الفرنسي يقلد الجندي المغربي العربي جوى الذي شارك في عدد من معارك الجيش الفرنسي وسام جوقة الشرف (أ.ب)
TT

فرنسا تُكرّم تضحيات جنودها الأفارقة بعد عقود على تغييب دورهم

الرئيس الفرنسي يقلد الجندي المغربي العربي جوى الذي شارك في عدد من معارك الجيش الفرنسي وسام جوقة الشرف (أ.ب)
الرئيس الفرنسي يقلد الجندي المغربي العربي جوى الذي شارك في عدد من معارك الجيش الفرنسي وسام جوقة الشرف (أ.ب)

لا سبيل للمقارنة بين احتفالات إنزال الحلفاء في منطقة النورماندي الفرنسية بمناسبة مرور 80 عاماً على حصوله في يونيو (حزيران) عام 1944، والاحتفال المشابه الذي جرى، الخميس، في مقبرة بولوريس القريبة من مدينة سان رافاييل على الريفييرا، لتكريم ذكرى القوات التي نزلت على الشاطئ الفرنسي المتوسطي يوم 15 أغسطس (آب)، ونجحت خلال 4 أسابيع في تحرير كل الجنوب الفرنسي، بما فيها مدن رئيسية، مثل مرسيليا وتولون ومونبلييه وغيرها.

في بداية الصيف، توافد كبار قادة الدول الحليفة منهم ملك بريطانيا ورئيس حكومته، والرئيس الأميركي، ورئيس الوزراء الكندي، ونظيره الأسترالي، وعشرات من القادة الآخرين للاحتفال بالحدث الذي غيّر صورة العالم من خلال التسريع بإنزال الهزيمة بقوات ألمانيا النازية، وتحرير قسم كبير من الأراضي الفرنسية، بما فيها باريس العاصمة، ما عدّه مقدمة لانهيار الجيوش الألمانية ونهاية أدولف هتلر.

بالمقابل، اتسمت احتفالات سان رافاييل بالتواضع. ومن أصل نحو 20 رئيس دولة وحكومة مدعوين للمشاركة في الاحتفالات، غالبيتهم العظمى من الأفارقة، لم يحضر سوى 6 رؤساء؛ من الكاميرون وتوغو ووسط أفريقيا والغابون وجزر القمر ورئيس الحكومة المغربية، في حين دول أخرى مثل ساحل العاج وجيبوتي وغينيا والسنغال تمثلت على المستوى الوزاري.

واللافت أن الجزائر واثنتين من دول الساحل؛ هما مالي والنيجر، لم ترسل ممثلين عنها، فيما تشاد وبنين تمثلت على مستوى السفراء، وأرسلت بوركينا فاسو القائم بأعمال سفارتها في باريس.

ويعكس هذا الواقع، وفق المراقبين، تراجع النفوذ الفرنسي في أفريقيا بشكل عام وفي بلدان الساحل على وجه الخصوص. وغياب الجزائر، رغم الدور الذي لعبه مقاتلوها، يعكس الأزمة المستجدة أخيراً بين باريس والجزائر، بسبب التقارب بين فرنسا والمغرب بشأن ملف الصحراء.

مساهمة الأفارقة في تحرير فرنسا

ماكرون في صورة تذكارية إلى جانب قدامى مقاتلين أفارقة ساهموا في معارك الإنزال قبل 80 عاماً على شاطئ فرنسا المتوسطي (أ.ف.ب)

بيد أن الأهم ليس التمثيل بحد ذاته بقدر ما هو الاعتراف بالمساهمة التي قدمها الأفارقة من بلدان المغرب العربي بداية، ومن المستعمرات الأفريقية الأخرى في تحرير فرنسا من النير النازي. من هنا، أهمية الكلمة التي ألقاها رئيس الكاميرون بول بيا، في بداية حفل التكريم في مدافن بولوريس التي تضم رفات 464 جندياً، سقطوا في معارك الجنوب. وجاء فيها: «ما كان لانتصار الحلفاء أن يحصل من غير المساهمة التي قدمتها الشعوب الأخرى (من غير الدول الحليفة)، ومن دون الأجانب، ومن دون السود، ومن غير المقاتلين الأفارقة الآخرين».

وأضاف بيا: «هذه الحرب قمنا بها معاً من أجل الدفاع عن قيم ومثل السلام والعدالة»، مشدداً على أن هؤلاء المقاتلين هم «ورثة التقاليد الحربية (الأفريقية)، شجاعتهم محل إعجاب، وكذلك جرأتهم وولاؤهم».

جاءت كلمة ماكرون شاعرية إلى حد بعيد، وقال متحدثاً عن هؤلاء المقاتلين الذين وصفهم بـ«الأبطال»: «هؤلاء، ضباط الإمبراطورية (الفرنسية)، أبناء الصحراء، منهم من جاء من كازامانس (حالياً في السنغال) أو من مدغشقر أو من غيرهما من البقاع الأفريقية، لم يكونوا من جيل واحد، أو من ديانة واحدة، لكنهم كانوا جيش الأمة (الفرنسية) الأكثر شجاعة والأكثر تنوعاً».

ومرة أخرى، شدّد ماكرون على انتماء هؤلاء المقاتلين، الذين انخرط الكثيرون منهم إرادياً في صفوف القوات الفرنسية، فيما آخرون جرى تجنيدهم إلى «الأمة» للدفاع عن «مصالحها». ولهؤلاء «الأبطال»، جدد ماكرون «اعتراف فرنسا الذي لا يزول بفضلهم عليها، وامتنانها» الدائم لما قدموا لها من تضحيات.

وخلاصته أن فرنسا «لن تنسى أبداً تضحيات المقاتلين الذي جاءوا من الكونغو وبنين أو من بوركينا فاسو ومالي والنيجر (وهي الدول التي تلاشت علاقتها بفرنسا)، أو من الدول البلدان الأخرى. كلا. لا شيء من ذاكرة هؤلاء الرجال لن ينسى». وبوصفها بادرة عملية، دعا ماكرون إلى مواصلة إعطاء أسماء هؤلاء المقاتلين لشوارع وساحات في جنوب البلاد، إذ يجب مواصلة هذا العمل «لتخليد آثارهم التي لا تمحى في تاريخنا».

عودة إلى التاريخ وعملية «التنين»

أراد ماكرون أن يقرن الكلمة بالفعل. من هنا، عمد إلى تكريم 6 أشخاص من الذين ساهموا في تحرير جنوب البلاد، بمنحهم وسام جوقة الشرف. لكن لم يكن بينهم سوى «أجنبيين»: الأول، اسمه بيار سالسيدو، وقد ولد في تونس، والثاني مقاتل من المغرب اسمه العربي جوى، وعمره حالياً 98 عاماً. وهذا المقاتل شارك في إطار الجيش الفرنسي «الفرقة ب»، في معارك في إيطاليا؛ بعدما جرح في معركة «جبل كاسينو» الشهيرة، ثم في جنوب فرنسا، ولاحقاً شارك في معارك الجيش الفرنسي في السنوات بين 1950 - 1955 في الهند - الصينية الفرنسية، التي كانت تضم فيتنام ولاوس وكمبوديا، والتي خسرتها فرنسا، واضطرت بنتيجتها إلى الانسحاب من هذه المناطق. والعربي جوى واحد من «الجيش ب» الذي تشكل في المستعمرات الأفريقية، والذي كان يقوده المارشال الفرنسي الشهير دو لاتر تاسنيي. وتفيد أرقام وزارة الدفاع أن عديده وصل إلى 250 ألفاً، أكثريته من الأفارقة الذين جيء بهم من المستعمرات الفرنسية ليقاتلوا على الأراضي الفرنسية في الأسابيع الأولى، وأطلق عليهم اسم «الجيش الأسود».

ماكرون وأمير موناكو والرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي خلال احتفال قرب مدينة سان رافاييل (أ.ب)

وخلال المعارك، بيّن الجنود القادمون من 20 بلداً (حالياً) على رأسها بلدان المغرب العربي، عن شجاعة استثنائية. إلا أنه بعد النجاحات الأولى لـ«الجيش الأسود» وانسحاب الألمان من المدن الساحلية؛ حيث حصلت أولى المعارك، جرى استبدال مقاتلين أوروبيين (فرنسيين بالدرجة الأولى) من «البيض» بالغالبية منهم، عن قصد، الأمر الذي أوجد لدى أولئك شعوراً بالإحباط.

والغرض من عملية الاستبدال كان إعطاء الانطباع بأن الفرنسيين، وليس الأفارقة، هم من لعبوا الدور الأول في تحرير بلادهم، وليس المقاتلين من دول أفريقيا، وهذا وارد في وثائق رسمية. ولذا، فإن التكريم الذي حظوا به «أخيراً» كان من باب تصحيح الخطأ التاريخي الذي ارتكب بحقهم، والإجحاف الذي لحق بهم طيلة عقود طويلة.

ونقلت صحيفة «لو موند» في عددها، أمس، شهادة مقاتل كاميروني جاء فيها: «فرنسا نسيتنا لعقود، لكنها تحاول (اليوم) استلحاق ما فات». وقال زميل له واسمه دونغو ديانغ، «إنه إذا نجحت فرنسا في المحافظة على شعارها حرية مساواة وإخاء، فإن الفضل في ذلك يعود للمقاتلين الأفارقة».

وكان من المقرر، في أوساط الحلفاء، أن يكون إنزال النورماندي (أوفرلورد) متزامناً مع إنزال المتوسط (عملية التنين)، أي الاثنتين يوم 6 يونيو 1944. بيد أن العملية الثانية لم تحصل بسبب النقص في الإمكانيات، ما جعلها تتأخر أكثر من شهرين بقليل. ولم تواجه القوات الحليفة، وبينها بشكل خاص القوات الأميركية، سوى مواجهة محدودة باستثناء في معركتي مرسيليا وكولون، بعدما أمر هتلر قواته بالقتال حتى آخر طلقة.

الرئيس الفرنسي يصافح نظيره الكاميروني بول بيار الذي عدّ أن انتصار الحلفاء «ما كان ليتم» من غير مساهمة القوات الأفريقية (أ.ف.ب)

وبعكس معارك النورماندي الهائلة التي شهدت مقتل آلاف المقاتلين من الحلفاء، فإن خسائر اليومين الأولين في معارك المتوسط بقيت محدودة، إذ سقط، وفق وزارة الدفاع الفرنسية، نحو 1300 جندي. وأهمية الإنزال، الذي شمل في أيامه الأولى 260 ألف رجل، بينهم 100 ألف أميركي، أنه حرر واجهة فرنسا المتوسطية من الحضور الألماني، وحرم القوات الألمانية من استخدام موانئها، وعلى رأسها ميناء تولون الرئيسي.

وجاء تقدّم القوات الحليفة سريعاً إلى درجة أنها نجحت في ملاقاة قوات نزلت في النورماندي في شهر سبتمبر (أيلول)، أي بعد شهر واحد من نزولها في مقاطعة بورغوني الواقعة جنوب شرقي باريس.

وفي أوجها، عبّأت «عملية التنين» ما لا يقل عن 350 ألف رجل، بينهم 250 ألفاً تحت العلم الفرنسي، وجرى إنزال الجنود في 18 موقعاً على ساحل منطقة فار، و10 آلاف مظلي وراء الخطوط الألمانية.


مقالات ذات صلة

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

المشرق العربي الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون يلقي خطاباً بقصر الإليزيه في باريس 21 أبريل 2026 (أ.ب)

ماكرون: فرنسا ملتزمة بدعم وقف النار في لبنان

أعلن مكتب الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون أنه سيجدد خلال لقائه رئيس الحكومة اللبنانية، تأكيد التزام فرنسا الكامل بوقف إطلاق النار في لبنان.

«الشرق الأوسط» (باريس)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون وتوسك يعطيان زخماً جديداً للتعاون الدفاعي بين بلديهما

أعطى الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك زخماً جديداً لتعاون بلديهما في مجالات الردع النووي والأقمار الاصطناعية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (غدانسك)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ورئيس الوزراء البولندي دونالد توسك يعقدان مؤتمراً صحافياً مشتركاً في قاعة المدينة الرئيسية في غدانسك... بولندا 20 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

ماكرون يحض إيران وأميركا على خفض التصعيد على خلفية إغلاق مضيق هرمز

دعا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، اليوم (الاثنين)، الولايات المتحدة وإيران إلى خفض التصعيد وسط تصاعد التوتر في مطلع الأسبوع بشأن مضيق هرمز.

العالم العربي الرئيسان الفرنسي إيمانويل ماكرون والموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني في مؤتمر صحافي (الرئاسة الموريتانية)

الرئيس الموريتاني يختتم زيارة دولة إلى فرنسا

اختتم الرئيس الموريتاني محمد ولد الشيخ الغزواني، الأحد، زيارته إلى فرنسا والتي وصفها بأنها «خطوة مهمة» في مسار تعزيز «العلاقات القائمة على الثقة» بين البلدين.

الشيخ محمد (نواكشوط)
أوروبا الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون (أ.ف.ب)

ماكرون يستقبل رئيس الوزراء اللبناني الثلاثاء

أعلنت الرئاسة الفرنسية، اليوم (الأحد)، أن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون سيستقبل رئيس الوزراء اللبناني نواف سلام الثلاثاء.

«الشرق الأوسط» (باريس )

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
TT

الاتحاد الأوروبي يقرر توسيع عقوبات إيران لتشمل مسؤولي إغلاق «هرمز»

الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)
الممثلة العليا للاتحاد الأوروبي للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية كايا كالاس ووزير الخارجية الهولندي توم بيريندسن خلال اجتماع مجلس الشؤون الخارجية في مدينة لوكسمبورغ... 21 أبريل 2026 (إ.ب.أ)

قالت كايا كالاس مسؤولة السياسة الخارجية في الاتحاد الأوروبي، اليوم (الثلاثاء)، إن دول التكتل اتفقت على توسيع نطاق العقوبات المفروضة على إيران لتشمل المسؤولين عن إغلاق مضيق هرمز، وفق وكالة «رويترز» للأنباء.

وأضافت كالاس أنها طلبت من وزراء الخارجية خلال اجتماعهم في لوكسمبورغ تعزيز البعثة البحرية للاتحاد الأوروبي في الشرق الأوسط التي تعمل حالياً على حماية السفن من هجمات جماعة الحوثي اليمنية في البحر الأحمر.


ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا وإيطاليا ترفضان تعليق اتفاق التعاون بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)
وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني (يسار) ووزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول في لوكسمبورغ (إ.ب.أ)

رفضت ألمانيا وإيطاليا، اليوم الثلاثاء، الدعوات لتعليق اتفاق للتعاون مع إسرائيل رغم تصاعد الغضب حيال الحرب في لبنان والوضع في الضفة الغربية المحتلة.

واقترحت إسبانيا وآيرلندا مجدداً تعليق العمل بالاتفاق المبرم في يونيو (حزيران) 2000 أثناء اجتماع لوزراء خارجية الاتحاد الأوروبي في لوكسمبورغ.

ووصف وزير الخارجية الألماني يوهان فاديفول المقترح بأنه «غير مناسب». وقال في مستهل الاجتماع: «علينا التحدّث مع إسرائيل عن القضايا المهمة»، مضيفاً أن الأمر يجب أن يتم عبر «حوار بنّاء مع إسرائيل».

وأكد وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تاياني أنه «لن يتم اتّخاذ قرار اليوم» في هذا الشأن.

وبعدما نددت بممارسات إسرائيل خلال حرب غزّة، اتّخذت بلدان في الاتحاد الأوروبي مواقف أكثر تشدداً إزاء الدولة العبرية بعد عملياتها العسكرية في لبنان، وإقرارها قانوناً يجيز فرض عقوبة الإعدام في الضفة الغربية المحتلة ويطبقها بشكل فعلي بحق الفلسطينيين.

وقالت وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي: «علينا التحرّك. علينا ضمان حماية قيمنا الأساسية».

وزيرة الخارجية الآيرلندية هيلين ماكينتي في لوكسمبورغ (أ.ب)

وطرح الاتحاد الأوروبي العام الماضي سلسلة إجراءات محتملة لمعاقبة إسرائيل على خلفية حصيلة الضحايا المدنيين لحرب غزة، شملت قطع العلاقات التجارية معها وفرض عقوبات على وزراء الحكومة. لكن أياً من الخطوات التي طرحتها بروكسل لم تحصل بعد على دعم الدول الأعضاء ليتم تطبيقها.

ويتطلب تعليق اتفاق التعاون مع الاتحاد الأوروبي إجماع الدول الأعضاء الـ27 في التكتل، وهو أمر يرجّح بأن يعرقله حلفاء إسرائيل.

وقد يكون تعليق الجزء من الاتفاق الذي يسهّل تعزيز العلاقات التجارية أمراً قابلاً أكثر للتطبيق، إذ إن هذا الإجراء لا يتطلب سوى دعم أغلبية مرجِّحة من دول الاتحاد الأوروبي. إلا أنه سيتطلب تبديل مواقف القوى المؤثّرة في التكتل مثل ألمانيا أو إيطاليا.

ولمّحت روما إلى أنها قد تكون منفتحة على تشديد موقفها حيال إسرائيل بعدما علّقت اتفاقاً دفاعياً.

لكنّ مسؤولين ودبلوماسيين في الاتحاد الأوروبي قالوا إن الدول تبدو مترددة في اتخاذ خطوة من هذا النوع، خصوصاً بعد التوصل إلى وقف لإطلاق النار في لبنان.

في الأثناء، كانت هناك جهود لفرض تدابير أصغر بدلاً من ذلك. وجدّدت فرنسا والسويد دعوة سابقة من بعض دول الاتحاد الأوروبي للتكتل للنظر في وقف استيراد السلع من المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية المحتلة، التي تُعد غير قانونية بموجب القانون الدولي.

وعرقلت المجر مقترحاً منفصلاً لفرض عقوبات على مستوطنين إسرائيليين «متطرفين» في الضفة الغربية لعدة أشهر.

لكن الإطاحة مؤخرا برئيس الوزراء المجري الداعم بشدّة لإسرائيل فيكتور أوربان في الانتخابات المجرية عزّزت آمال بلدان أخرى في الاتحاد الأوروبي حيال إمكان تطبيقها قريباً.


الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
TT

الخلافات تطغى على أداء الحكومة الائتلافية الألمانية

المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)
المستشار الألماني فريدريش ميرتس ونائبه لارس كلينغبايل في برلين (إ.ب.أ)

لم يمض عام بعدُ على تشكيل حكومة المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، والخلافات بين الحزبين في الائتلاف الحاكم تزداد؛ مما بدأ يطرح تساؤلات بشأن مدى قدرة الحكومة على العمل في ظل أزمات متتالية تواجهها ألمانيا. ويواجه الحزبان تحديات في إقناع الألمان بقدرتهما على قيادة البلاد وإدخال إصلاحات ضرورية وانتزاع الاقتصاد مع السقوط.

وكان استطلاع للرأي، نشر قبل أيام، أظهر أن شعبية ميرتس في الحضيض، وأنه يحظى بتأييد لا يزيد على 19 في المائة مقابل 76 في المائة من غير الراضين عن أدائه؛ مما وضعه على رأس لائحة لأقل قادة العالم شعبية، وفق استطلاع أجراه معهد «مورنينغ كونسالت» الأميركي. وتتطابق نتائج الاستطلاع هذا مع استطلاعات أخرى أجرتها معاهد محلية، كان آخرها من معهد «فورسا» في نهاية مارس (آذار) الماضي أظهر أن نسبة غير الراضين عن أداء المستشار بلغت 78 في المائة. وحتى قبل وصوله إلى السلطة، لم يكن ميرتس، زعيمُ الحزب «المسيحي الديمقراطي» الذي قادته أنجيلا ميركل 20 عاماً، ذا شعبية كبيرة، على النقيض من ميركل التي تقاعدت وهي تحظى بشعبية مرتفعة.

وفي المقابل، يبدو شريكه في الائتلاف الحكومي في مأزق أيضاً؛ فقد مُني «الحزب الاشتراكي» بزعامة نائب المستشار وزير المالية، لارس كلينغبايل، بخسائر تاريخية في انتخابات محلية بولايتين الشهر الماضي... ففي ولاية بادن فرتمبيرغ، خسر مطلع مارس الماضي نصف الأصوات ولم يحصل على أكثر من 5.5 في المائة ليحقق أسوأ نتائج منذ عام 1945. وفي ولاية راينلاند بالاتينات التي كان يحكمها قبل الانتخابات، خسر نحو 10 نقاط وانخفض تمثيله إلى 26 في المائة.

وتأتي هذه النتائج في وقت تزداد فيه شعبية حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي وضعته أحدث استطلاعات الرأي في الطليعة بنسبة تأييد تصل إلى 26 في المائة، أي لو أُجريت انتخابات في ألمانيا اليوم فسيفوز بها الحزب المتطرف.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس خلال مؤتمر صحافي في هوسوم بألمانيا يوم 3 نوفمبر 2025 (د.ب.أ)

وتواجه حكومة ميرتس أزمات متتالية منذ تشكيلها العام الماضي وسط تحديات انتشال الاقتصاد الألماني الذي يواجه كثيراً من العقبات، وغير القادر على تحقيق نمو كاف. ومؤخراً زادت آثار حرب إيران وارتفاع أسعار البنزين والتأثير المباشر على المواطنين من النقمة الشعبية على الحكومة.

وتحاول الحكومة إدخال تعديلات على قوانين «الضرائب» و«النظام الاجتماعي»، وهما موضوعان يشكلان مادة جدل رئيسية بين الحزبين في الائتلاف الحكومي. ويسعى الحزب «المسيحي»، المنتمي إلى يمين الوسط بزعامة ميرتس، إلى إدخال تعديلات على نظام الضرائب تهدف إلى تقليل الضرائب على الشركات؛ بهدف جعل مناخ العمل في ألمانيا أكبر جاذبية؛ وهو ما يعارضه الحزب «الاشتراكي» الذي يريد تخفيف الأعباء عن الطبقةِ المنخفضة؛ قاعدتِه الأساسية، بمنحها إعفاءات ضريبية مقابل رفع الضرائب على ذوي الدخل الأعلى. ولكن حزب ميرتس يعارض رفع الضرائب ويقترح تخفيض الخدمات الاجتماعية وهو أيضاً ما يعارضه «الاشتراكيون».

وقد أمضى الحزبان في عطلة نهاية الأسبوع ما قبل الماضية يومين كاملين يجريان مشاورات سرية بشأن كيفية تخفيف الأعباء عن المواطنين بسبب ارتفاع أسعار الوقود إثر إغلاق مضيق هرمز. وكادت الخلافات بينهما بشأن المقاربة تتسبب في انهيار الحكومة، ولكن في النهاية اتفقا على تخفيض بعض الضرائب على الطاقة من دون فرض ضرائب أرباح على شركات الطاقة، وهو ما أراده «الاشتراكيون».

شعار حزب «البديل من أجل ألمانيا» اليميني المتطرف الذي بات الحزب الثاني في ألمانيا (د.ب.أ)

والآن تلوح في الأفق خلافات جديدة مع إعلان المستشار الحاجة إلى إدخال إصلاحات على نظام التقاعد، وتحويل مرتب التقاعد إلى «مرتب أساسي»، أي تخفيضه؛ بسبب ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل لا يتساوى مع دخول أعداد مناسبة سوقَ العمل. وقال ميرتس أمام مجموعة من الشركات المالية إنه سيتعين على الأفراد الاستثمار في معاشات تقاعد، خصوصاً أن الحكومة ستعمل على تشجيع ذلك عبر إقرار قوانين جديدة. واعترف ميرتس بأن هذه الاصلاحات ستُدخل حكومته مواجهةً جديدة، لكنه قال: «سيتعين فتح حوار جدي مع الحزب (الاشتراكي)» بشأن إصلاحات قانون التقاعد. وبالنسبة إلى «الاشتراكيين»، فإن قانون التقاعد يمس بقاعدتهم الأساسية، والموافقة على تخفيض المعاش التقاعدي ستؤثر من دون شك على شعبيتهم.

وقبل أن تبدأ المشاورات الحكومية بشأن إصلاح القانون، بدأت الخلافات على الإصلاحات، ورد النائب ديرك فيزه، من الحزب «الاشتراكي» بالقول: «يجب على الأشخاص أن يكونوا قادرين على الاعتماد على المعاش التقاعدي. كثيرون دفعوا لسنوات في التأمين التقاعدي مما جنوه من عملهم المضني، ولا يمكن لهذا أن يتحول فقط إلى معاش أساسي»، أي يغطي فقط الأساسيات. لكن السياسي الاشتراكي أبدى انفتاحاً على إصلاح قانون التقاعد، داعياً إلى توسيع قاعدة من يدفعون في التأمين التقاعدي، مقترحاً أن تطول النواب المُعفَين من ذلك حالياً.