ما مصير «فاغنر» وزعيمها بريغوجين؟

بعد «الصفقة الغامضة» التي قضت بإنهاء التمرد

لقطة من فيديو نشره زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين، يوم الجمعة الماضي (أ.ب)
لقطة من فيديو نشره زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين، يوم الجمعة الماضي (أ.ب)
TT

ما مصير «فاغنر» وزعيمها بريغوجين؟

لقطة من فيديو نشره زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين، يوم الجمعة الماضي (أ.ب)
لقطة من فيديو نشره زعيم «فاغنر» يفغيني بريغوجين، يوم الجمعة الماضي (أ.ب)

أثار إعلان الكرملين جانباً من تفاصيل الاتفاق الذي أنهى تمرد مجموعة «فاغنر» وقضى بانتقال زعيم المجموعة يفغيني بريغوجين إلى بيلاروسيا، في مقابل إنهاء ملاحقته جنائياً بتهمة «الخيانة العظمى»، كثيراً من التساؤلات، حول آليات تنفيذ «الصفقة» التي جرت بوساطة بيلاروسية. أبرز التساؤلات كانت عن مضمون الاتفاق الغامض، ولماذا تراجع الرئيس فلاديمير بوتين عن وعيده بعقاب حازم لزعيم التمرد الذي «احتل» مدناً ودعا الروس إلى حمل السلاح، وتوعد برحيل بوتين، وأن «يكون في روسيا رئيس جديد قريباً».

لم تشهد كل سنوات تربع بوتين الـ23 على رأس هرم السلطة في البلاد، أن يتراجع الرئيس عن وعيد أطلقه أمام ملايين الروس. ولم يغض الكرملين الطرف في أي مرحلة سابقة عن تحدٍ صارخ وقوي مثلما حدث مع بريغوجين.

تغص شبكات التواصل الاجتماعي الروسية بنقاشات حول هذا الموضوع، وأسئلة من نمط؛ ما سر قوة زعيم «فاغنر» إلى هذه الدرجة؟

يتحدث البعض عن خيانات داخل الجيش، وأن بريغوجين كان قد اعتمد على وجود «حلفاء» داخل المؤسسة العسكرية سهلوا مهمته. إذا صحت هذه الفرضية فهي تفسر سبب سهولة سيطرة قوات «فاغنر» على مقر القيادة العسكرية في روستوف، وهو المقر الذي تدار منه عملياً الحرب في أوكرانيا. كانت السيطرة السهلة عليه وانتشار جنود بريغوجين على سطحه وهم يلوّحون للمارة بإشارات النصر، مشهداً مذهلاً للغاية. أيضاً قد يفسر ذلك، سهولة انتقال قوات «فاغنر» من روستوف إلى فورونيج ثم ليبيتسك ثم التقدم نحو موسكو والوصول إلى مسافة تقل عن 200 كيلومتر عن الكرملين. جرى ذلك في ظل إغلاق الطريق الدولية «إم فور» الرابطة بين روستوف وموسكو. وفضلاً عن ذلك، فإن هذه المنطقة سهلية منبسطة ولم يكن من الممكن مرور آليات ومدرعات وحاملات جنود عليها من أن تغدو هدفاً سهلاً للقصف الكامل والتدمير.

يقول أصحاب نظرية المؤامرة إن بريغوجين امتلك أعواناً كثراً داخل المؤسسة العسكرية وهذا هو السبب الرئيسي لإغلاق المدن وفرض حال التأهب في القطعات العسكرية وتلويح نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري ميدفيديف بأن «انتصار الانقلاب قد يعني وقوع الأسلحة النووية في أيدي مسجونين سابقين»، في إشارة إلى أن غالبية مقاتلي «فاغنر» هم من أصحاب السوابق.

لكن الجملة المهمة هنا هي «الانقلاب العسكري»، وقد فتحت على تساؤل كبير؛ هل كان التحرك فعلاً مقدمة لانقلاب عسكري كامل؟

ثمة ما يشير إلى التردد والشلل الذي أصاب المؤسسة العسكرية ومراكز صنع القرار لبعض الوقت، وكذلك سرعة تحرك مجموعة «فاغنر»، إلا أن واقع الوضع في البلاد خلال الساعات الـ24 التي هزت روسيا، كان أسوأ من المعلن، وأن ثمة تفاصيل كثيرة لهذا التحرك ما زالت خفية، ولن ترغب السلطات في الكشف عنها.

«قوة بريغوجين»

العنصر الآخر المهم في تفسير سبب «قوة بريغوجين» وقدرته على تحدي الكرملين بشكل صارخ، وفقاً لتحليل أوساط، يكمن في أن الرجل يمتلك كثيراً من الأسرار التي لا يفضل الكرملين أن تنشر، أو أن تصل إلى الغرب بشكل خاص. الحديث يدور عن آليات تمدد روسيا في القارة الأفريقية، وخلفيات نشاط «فاغنر» في هذه المنطقة ومناطق أخرى. هذا الملف قد يفتح على الكرملين مشكلات جدية، في ظل المواجهة القائمة حالياً، وفي ظل احتدام التنافس مع الغرب على النفوذ في القارة السمراء.

بهذا المعنى، فإن «الصفقة» لا تضمن فقط عدم ملاحقة بريغوجين جنائياً، بل تضمن أيضاً صمته بطريقه أو بأخرى. وهذا يفتح على تساؤل آخر؛ ماذا حصّل بريغوجين في المقابل، بعدما خسر شركاته وعناصر قوته والعقود المجزية التي كان يحصل عليها، في مقابل تقديم خدمات «فاغنر» خارج البلاد وداخلها؟

وثمة سؤال آخر؛ لماذا اختار الكرملين بيلاروسيا لتكون وسيطاً؟ المعلوم حتى الآن أن الكرملين طوال ليلة الأحد حاول فتح قنوات اتصال عدة مع بريغوجين وإقناعه بعدم خوض المغامرة حتى النهاية. ومع اشتراك صديق بريغوجين، سيرغي سوروفيكين، الذي كان قائداً للعملية العسكرية في أوكرانيا لبعض الوقت، في محاولات إقناع الرجل بالتراجع في وقت مبكر وضمان عدم ملاحقته، فإن مبعوثين آخرين زاروا بريغوجين في روستوف، بينهم مسؤول في الديوان الرئاسي، ومسؤولان بارزان في وزارة الدفاع، أحدهما يشغل منصب نائب الوزير. كل هذا لم يقنع بريغوجين بالتراجع.

يبدو أن الوساطة البيلاروسية كانت بمبادرة من الكرملين، وهي ضمنت للرجل أنه سيكون في مأمن فعلياً من الملاحقة خارج الأراضي الروسية.

لكن هذا يفتح أيضاً على أسئلة صعبة؛ ماذا سيفعل بريغوجين الطَموح والمسلح بأسرار كثيرة للكرملين في البلد الجار؟ هل سيكون لديه الوقت الكافي لممارسة السياسة، أم أنه سوف يكتفي بمتابعة أعماله التي تدر مليارات سنوياً؟

يقول بعض الروس العارفين بمطبخ الكرملين، إن الصفقة الحالية لا يمكن أن يظل مفعولاً سارياً إلى الأبد. إذ لا يمكن ترك الرجل ينشط على هواه، كما أن المشكلة الكبرى تكمن في وجود «صقور» في وزارة الدفاع ليسوا راضين تماماً عن تفاصيل الصفقة الخفية، ولن يرضيهم إلا «تصفية الحسابات بشكل نهائي مع بريغوجين»، الذي تجرأ وتوعد بتعليق مشنقة وزير الدفاع في الساحة الحمراء.

مقاتلون تابعون لـ«فاغنر» يسحبون أسلحتهم الثقيلة من منطقة روستوف، السبت (أ.ب)

مصير قوات «فاغنر»

عنصر آخر مهم يظهر هنا؛ ما مصير قوات «فاغنر»؟ المؤكد أن روسيا تحتاج لهؤلاء المقاتلين بشدة، لذلك كان الخيار الأمثل منذ اندلاع الأزمة أن يتم «قطع رأس فاغنر» مع المحافظة على التشكيل والهيكلية التي ما زالت قادرة على لعب دور مهم في الحرب الأوكرانية وفي مناطق أخرى كثيرة.

الحديث يدور حول نحو 25 ألف مسلح مدربين بشكل جيد ولا يمتهنون شيئاً سوى القتال. فضلاً عن أنهم يمتلكون كل طرازات الأسلحة والمعدات الثقيلة التي تعز في حالات كثيرة على دول كاملة.

الرواية الرسمية تشير إلى أن الجزء الذي لم يشارك في التمرد من قوات «فاغنر» سوف يوقع عقوداً مع وزارة الدفاع ويواصل نشاطه تحت قيادتها.

هذا يعني أن وزارة الدفاع سوف يكون لديها نوعان من العقود العسكرية لاحقاً، أو طبقتان من المقاتلين، واحدة منهما تحصل على مكافآت مجزية مثل التي كان يقدمها بريغوجين، وواحدة أقل شأناً، بالكاد تحصل على المكافآت المعلنة رسمياً للمتعاقدين. والفارق كبير، وهذا واحد من أسباب رغبة كثيرين في الانضمام إلى «فاغنر».

اللافت أن الكرملين عمل بسرعة خيالية على تسهيل التعاقد مع هؤلاء، وبعدما كان ممنوعاً على «المسجونين السابقين» الانضمام إلى نظام التعاقد مع الجيش، وقّع الرئيس الروسي مرسوماً خاصاً بهذا الشأن، مساء السبت مباشرة، بعد الإعلان عن الصفقة مع بريغوجين. أيضاً، وقع بوتين مرسوماً آخر يرفع السقف العمري للراغبين في التعاقد مع الجيش إلى 70 سنة. هذا المرسوم فصّل تفصيلاً على قياس مقاتلي «فاغنر». في كل الأحوال، هؤلاء سيعودون قريباً إلى الخطوط الأمامية للجبهة.

أما الجزء الآخر الذي شارك عملية التمرد، ولن يتم التعاقد معه، فقد حصل على ضمانات كافية بألا تتم ملاحقة أي عنصر فيه، نظراً «للدور البطولي والإنجازات التي حققوها خلال القتال في أوكرانيا». هكذا تمت تسوية ملف «فاغنر» في الداخل الروسي، لكن ثمة سؤالاً آخر لا يجد جواباً حتى اللحظة؛ ما مصير قوات «فاغنر» المنتشرة في بلدان أفريقية وفي سوريا؟ في الغالب سيكونون ضمن الفريق المتعاقد مع وزارة الدفاع. لكن هذا سوف يعني أن وزارة الدفاع سوف تتولى مباشرة مسؤولية مهام أمنية وعسكرية كان يقوم بها «مرتزقة» مهمتهم حماية مناجم ومنشآت نفطية في مقابل الحصول على جزء من عائداتها، أو دعم مجموعات مسلحة في بلدان مختلفة لتحقيق أغراض معينة، في مقابل مكافآت مالية. يبدو الموقف غامضاً بالنسبة لآلية تعامل وزارة الدفاع المنتظرة مع هذه الحالات.


مقالات ذات صلة

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»

أوروبا خلال إحياء ذكرى الجنود الأوكرانيين الذين سقطوا في الحرب... في المقبرة العسكرية بخاركيف في أوكرانيا - 24 فبراير 2026 (إ.ب.أ) p-circle

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»... وواشنطن قد ترفع العقوبات عن مزيد من النفط الروسي

«الشرق الأوسط» (لندن)
أوروبا كيم جونغ أون يزور موقع بناء غواصة تعمل بالطاقة النووية قادرة على إطلاق صواريخ «بحر - جو» (رويترز) p-circle

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا

موسكو تلوح بـ«تدابير مناسبة» لمواجهة نشر أسلحة نووية في فنلندا... النقاشات حولها تتزايد مع دخول حرب أوكرانيا عامها الخامس

رائد جبر (موسكو)
أوروبا مجندون جدد أوكرانيون يتدربون بالقرب من خط المواجهة في منطقة زابوريجيا بأوكرانيا 22 فبراير 2026 (رويترز) p-circle

حرب إيران تخلط أوراق بوتين وتُحرّك ملف أوكرانيا في اتجاهين متعاكسين

لا تبدو الحرب الجارية ضد إيران حدثاً بعيداً بالنسبة للكرملين عن معركة أوكرانيا، بل اختبار مباشر لما تبقّى من قدرة موسكو على التأثير خارج جبهتها الرئيسية.

إيلي يوسف (واشنطن)
شؤون إقليمية مدمرات صواريخ موجهة تابعة للبحرية الأميركية تطلق صواريخ على الأراضي الإيرانية الثلاثاء الماضي (أ.ف.ب)

روسيا تزود إيران بمعلومات استخباراتية لاستهداف القوات الأميركية

أفادت صحيفة «واشنطن بوست» عن مسؤولين مطلعين على المعلومات الاستخباراتية بأن روسيا تزود إيران ببيانات استهداف تتعلق بمواقع القوات الأميركية في الشرق الأوسط.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)
شؤون إقليمية طائرة إيرانية مسيرة من طراز «شاهد» أطلقتها روسيا تحلق بالسماء قبل ثوانٍ من اصطدامها بالمباني في كييف (أ.ب)

أوكرانيا سترسل «قريباً» خبراء عسكريين في المسيّرات إلى الشرق الأوسط

ترسل أوكرانيا «قريباً» عسكريين إلى الشرق الأوسط؛ لمساعدة الولايات المتحدة وحلفائها في المنطقة على التصدي لهجمات إيران بالمسيّرات.

«الشرق الأوسط» (كييف)

انفجار قرب السفارة الأميركية في أوسلو ولا إصابات

سيارات الشرطة خارج السفارة الأمريكية في أوسلو (رويترز)
سيارات الشرطة خارج السفارة الأمريكية في أوسلو (رويترز)
TT

انفجار قرب السفارة الأميركية في أوسلو ولا إصابات

سيارات الشرطة خارج السفارة الأمريكية في أوسلو (رويترز)
سيارات الشرطة خارج السفارة الأمريكية في أوسلو (رويترز)

سُمع دوي انفجار قوي ليل السبت الأحد قرب السفارة الأميركية في أوسلو، ولم ترد أنباء عن وقوع إصابات على الفور، بحسب ما أعلنت الشرطة النروجية.

وقال قائد عمليات الشرطة مايكل ديليمير لهيئة الإذاعة العامة «NRK»، إن الانفجار أصاب مدخل القسم القنصلي للسفارة، مضيفا أن «الأضرار طفيفة».

وتابع «لن نعلق على طبيعة الأضرار، أو ما انفجر، أو أي تفاصيل أخرى (...) لأن التحقيق بدأ للتو».

ونشر عدد كبير من الشرطيين حول السفارة.

ووُضعت السفارات الأميركية في الشرق الأوسط في حالة تأهب قصوى بسبب الحرب الجارية، وقد تعرض عدد منها لهجمات فيما ترد طهران على أهداف صناعية ودبلوماسية.

لكن الشرطة لم تقدم أي إشارة على أن الحادثة التي وقعت قرب السفارة الأميركية في أوسلو مرتبطة بالنزاع.

وقال ديليمير لمحطة (TV2): «نحن لا نربط ذلك بالحرب (الجارية في الشرق الأوسط). من السابق لأوانه جدا للقيام بذلك».


أوروبا تعزّز انتشارها العسكري وتبحث «تحالفاً بحرياً»

جنود فرنسيون يقفون بالقرب من مقاتلة «رافال» على متن حاملة طائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون يقفون بالقرب من مقاتلة «رافال» على متن حاملة طائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
TT

أوروبا تعزّز انتشارها العسكري وتبحث «تحالفاً بحرياً»

جنود فرنسيون يقفون بالقرب من مقاتلة «رافال» على متن حاملة طائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)
جنود فرنسيون يقفون بالقرب من مقاتلة «رافال» على متن حاملة طائرات «شارل ديغول» (أ.ف.ب)

تُعزّز دول أوروبية انتشارها العسكري في منطقة الشرق الأوسط «لأغراض دفاعية»، كما فتحت قواعدها العسكرية أمام الطائرات الأميركية.

وبينما تستعدّ حاملة الطائرات البريطانية «إتش إم إس أمير ويلز» للإبحار إلى المنطقة، ألمح وزير الدفاع البريطاني جون هيلي إلى احتمال مشاركة بلاده في الحرب بقوله في قبرص، الجمعة، إنه «مع تغير الظروف في أي صراع، يجب أن تكون مستعداً لتكييف الإجراء الذي تتخذه». كما أرسلت فرنسا حاملة طائرات «شارل ديغول» إلى شرق المتوسط مع سفن المواكبة والحماية، إضافة إلى المدمرة «لونغدوك» وحاملة المروحيات «لا تونير».

إلى جانب هذه التعزيزات، يبحث الأوروبيون، بدعوة من الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، تأسيس تحالف دولي لضمان حرية الملاحة في مضيق هرمز.


دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»

عمال الإغاثة في خاركيف يبحثون في الدمار الذي أحدثته الهجمات الروسية (رويترز)
عمال الإغاثة في خاركيف يبحثون في الدمار الذي أحدثته الهجمات الروسية (رويترز)
TT

دوي صفارات إنذار أوكرانية مع استهداف روسيا «مجمعات صناعية عسكرية ومنشآت طاقة»

عمال الإغاثة في خاركيف يبحثون في الدمار الذي أحدثته الهجمات الروسية (رويترز)
عمال الإغاثة في خاركيف يبحثون في الدمار الذي أحدثته الهجمات الروسية (رويترز)

أطلقت روسيا وابلاً من الطائرات المسيَّرة والصواريخ على أوكرانيا، خلال الليل، مما ألحق أضراراً ببنية تحتية، وأودى بحياة ما لا يقل عن 10 أشخاص في مدينة خاركيف شمال شرقي البلاد، حسب مسؤولين أوكرانيين، السبت.

وأصدرت السلطات الأوكرانية تحذيرات من حدوث غارات جوية في عدة مناطق أوكرانية أخرى، مع استمرار التحذيرات من هجمات روسية محتملة، شملت العاصمة كييف ومدينة أوديسا المطلَّة على البحر الأسود. ودعا عمدة كييف، فيتالي كليتشكو، السكان، إلى التوجُّه فوراً إلى الملاجئ، والالتزام بإجراءات السلامة، ولم ترد أي أنباء عن سقوط ضحايا أو أضرار في العاصمة حتى اللحظة.

نقلت وكالة «إنترفاكس للأنباء»، السبت، عن وزارة الدفاع الروسية قولها إن القوات الروسية وجَّهت ضربات مكثفة خلال الليل لمجمعات صناعية عسكرية ومطارات عسكرية ومنشآت طاقة في أوكرانيا.

خبير أوكراني يعاين بقايا مسيرة سقطت قي خاركيف (ا.ب.أ)

وقال مسؤولون أوكرانيون إن روسيا هاجمت 4 محطات قطارات وبنية تحتية أخرى للسكك الحديدية في وسط أوكرانيا وبنية تحتية للمواني في منطقة أوديسا الجنوبية، مما أدى لاشتعال النار في حاويات تحتوي على زيت نباتي وتضرر مستودع حبوب.

وذكرت شركة «أوكرانرجو»، المشغِّلة للشبكة الوطنية للكهرباء، أنها تنفذ انقطاعات طارئة للتيار الكهربائي في 7 مناطق بأوكرانيا عقب هجمات روسية.

وقال الرئيس فولوديمير زيلينسكي إن روسيا أطلقت 480 طائرة مسيرة و29 صاروخاً، مُستهدِفةً قطاع الطاقة والبنية التحتية للسكك الحديدية في أنحاء أوكرانيا، مضيفاً على تطبيق «تلغرام»: «يجب أن يكون هناك رد من الشركاء على هذه الضربات الوحشية. روسيا لم تتخل عن محاولاتها لتدمير البنية التحتية السكنية والحيوية في أوكرانيا، ولذلك يجب أن يستمر الدعم»، وحث الشركاء على مواصلة تزويد كييف بإمدادات الدفاع الجوي والأسلحة.

وقالت القوات الجوية الأوكرانية إن وحدات الدفاع الجوي أسقطت 453 طائرة مسيرة و19 صاروخاً، مضيفة أن 9 صواريخ و26 طائرة مسيرة هجومية أصابت 22 موقعاً.

قال إيهور تيريخوف رئيس بلدية خاركيف إن طائرات مسيرة وصواريخ روسية استهدفت المدينة، وقتل 10 أشخاص، بينهم طفلان، بعد أن سقط صاروخ باليستي روسي على مبنى سكني مكون من خمسة طوابق. وقالت هانا، وهي من سكان المبنى المدمر، لـ«رويترز»: «من الجيد أنني لم أكن هناك مع طفلي وأن والدي كان معي. كان أناس عاديون يسكنون هناك. ما الذي كانوا يستهدفونه؟».

وفي تشوغويف بمنطقة خاركيف، كتبت رئيسة البلدية، غالينا ميناييفا، على «تلغرام» أن شخصين أُصيبا في «هجوم بطائرة مسيرة معادية» على منزل في وسط المدينة.

وذكر أوليه سينيهوبوف حاكم المنطقة أن 15 شخصاً أُصيبوا بجروح وتضرر 19 مبنى سكنياً جراء الهجمات الروسية. وأضاف أن مباني تجارية وإدارية وخطوطاً لتوزيع الكهرباء وسيارات تعرضت أيضاً للهجوم.

عمال التنظيف خارج أحد الأبنية التي أصابتها المسيرات الروسية (رويترز)

وقالت رئيسة الوزراء، يوليا سفيريدينكو، إن 3 أشخاص أُصيبوا، وانقطعت التدفئة عن 2806 مبانٍ سكنية في 4 أحياء بالعاصمة كييف، بعد أن استهدفت غارات روسية منشأة للبنية التحتية للطاقة.

وقالت «وكالة الصحافة الفرنسية« إن مراسليها في خاركيف، ثاني كبرى مدن أوكرانيا، شاهدوا فرق الإنقاذ وهي تبحث بين أنقاض مبنى كان جزءاً من مجمع سكني من الحقبة السوفياتية مكون من 5 طوابق. ويُعتقد أن عدداً من الأشخاص ما زالوا محاصَرين تحت الأنقاض.

وأعلن سلاح الجو البولندي على منصة «إكس» نَشْر طائرات عسكرية لحماية المجال الجوي البولندي في المناطق الحدودية مع أوكرانيا، كما يحدث عادة عند وقوع ضربات روسية واسعة النطاق.

وزار الرئيس الأوكراني، الجمعة، خط المواجهة في منطقة دونيتسك بالشرق، مضيفاً أن روسيا تستعد لشن هجوم على بلاده في الربيع، فيما أكملت أوكرانيا وروسيا عملية تبادل أسرى حرب استمرت يومين. وقدّم زيلينسكي جوائز للقوات المدافعة عن المواقع قرب دروجكيفكا وكوستيانتينيفكا، وهما مدينتان في منطقة دونيتسك الشرقية حيث تحشد روسيا قواتها. وأشار زيلينسكي إلى أن موسكو تستعد لهجوم بالمنطقة في الربيع.

وقال زيلينسكي على تطبيق «تلغرام» للتراسل مع نشر مقطع مصوَّر: «هذا مهم، ليس فقط من منظور الدفاع عن دولتنا في ساحة المعركة، بل هو بالغ الأهمية أيضاً من الناحية الجيوسياسية». وأضاف: «كلما كنا أقوى في الاتجاه الشرقي، كنا أقوى في عملية التفاوض».

وتحت ضغط من إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، عقدت أوكرانيا وروسيا عدة جولات من المحادثات، في محاولة لإيجاد حل دبلوماسي لإنهاء الحرب التي دخلت عامها الخامس.

لكن لا يزال الجانبان متباعدين في مواقفهما. وتُعدّ الأراضي في منطقة دونيتسك الشرقية نقطة خلاف رئيسية. ومن بين النتائج الملموسة القليلة التي أسفرت عنها المحادثات، الاتفاق على تبادل أسرى الحرب.

الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يشير بيده في أثناء مخاطبته الجمهور خلال إحاطة إعلامية في العاصمة كييف - 5 مارس 2026 (أ.ف.ب)

يأتي هذا الهجوم بعد تبادل موسكو وكييف 500 أسير حرب من كل جانب، يومي الخميس والجمعة، بموجب اتفاقيات تم التوصل إليها خلال الجولة الأخيرة من محادثات السلام في جنيف. وتُعدّ عمليات تبادل الأسرى من المجالات القليلة للتعاون بين البلدين المتحاربين، في ظل تعثر المفاوضات لطي صفحة الحرب التي دخلت عامها الخامس.

وقال المبعوث الأميركي الخاص، ستيف ويتكوف: «أجرت أوكرانيا وروسيا هذا الأسبوع عملية تبادل أسرى أخرى، حيث عاد 1000 شخص بموجب الاتفاقات التي تم التوصل إليها خلال المفاوضات الثلاثية الأخيرة في جنيف مع الولايات المتحدة».

وتبادلت كييف وموسكو 300 فرد لكل منهما، الجمعة، كما جرى تبادل 200 أسير حرب لكل منهما في اليوم السابق. وهذه هي عملية تبادل أسرى الحرب الثانية، هذا العام.

أقارب وزملاء عسكريون لدى حضورهم جنازة جنود أوكرانيين قضوا في الحرب بمدينة خاركيف أمس (إ.ب.أ)

ويبدو أن المفاوضات قد وصلت إلى طريق مسدود، فيما ينصبّ اهتمام الولايات المتحدة الآن على الحرب في الشرق الأوسط. وكانت كييف قد أعلنت عن وجود خطة مبدئية لعقد محادثات في أبوظبي، هذا الأسبوع، وهي إحدى المدن التي استُهدفت بصواريخ وطائرات مسيّرة إيرانية. والاثنين اقترح زيلينسكي عقد الاجتماع المقبل في سويسرا أو تركيا اللتين استضافت كلتاهما جولات سابقة من المحادثات.

وقال وزير الخزانة الأميركي، سكوت بيسنت، الجمعة، إن حكومته تدرس إمكان رفع العقوبات عن المزيد من النفط الروسي، بعد يوم من سماحها مؤقتاً للهند بشرائه من موسكو مع ارتفاع أسعار النفط العالمية. وقال بيسنت لقناة «فوكس بيزنس» الجمعة: «قد نرفع العقوبات عن مزيد من النفط الروسي». وأضاف: «هناك مئات الملايين من براميل النفط الخام الخاضع للعقوبات في المياه (...)، من خلال رفع العقوبات عنها، تستطيع وزارة الخزانة تأمين إمدادات».

وأصرَّت واشنطن على أن الإجراءات الجديدة لا تهدف إلى تخفيف القيود التي فُرضت على موسكو، بسبب سلوكها في المفاوضات لإنهاء الحرب في أوكرانيا، بل إنها تطال فقط الإمدادات المحملة في الناقلات، وفي طريقها للتسليم.

زيلينسكي مع فيكتور أوربان (رويترز)

وتابع بيسنت: «سنواصل إعلان إجراءات لتخفيف الضغط على السوق خلال هذه الحرب»، فيما تمثل أسعار النفط المرتفعة نقطة ضعف على الصعيدين المحلي والدولي.

من جهته، قال المستشار الاقتصادي للكرملين كيريل ديميترييف إنه يناقش هذه المسألة مع الولايات المتحدة، وكتب على «إكس»: «أثبتت العقوبات الغربية أنها تضرّ بالاقتصاد العالمي». والخميس، خففت الحكومة الأميركية مؤقتاً العقوبات الاقتصادية للسماح ببيع النفط الروسي العالق حالياً في البحر إلى الهند. وأشارت إلى أن التعاملات، بما فيها تلك التي تتم من سفن محظورة بموجب أنظمة العقوبات المختلفة، مصرح بها حتى نهاية 3 أبريل (نيسان) 2026.

من جانب آخر، تعمل أوكرانيا على استعادة 80 مليون دولار نقداً، و9 سبائك من الذهب صادرتها المجر، عندما أوقفت السلطات 7 موظفين في مصرف أوكراني، الخميس، وفق ما أعلن رئيس البنك المركزي في كييف. وقالت بودابست إنها أوقفتهم في إطار تحقيق في غسل أموال، وأوضحت في بيان أنها «تقوم بإجراءات جنائية للاشتباه في غسل أموال».

وفي اليوم السابق، بدا أن زيلينسكي أصدر تهديداً مباشراً لأوربان، قائلاً إن القوات الأوكرانية «ستتحدث معه بلغتها الخاصة»، وهو تصريح دانته المجر والاتحاد الأوروبي الذي تُعد بودابست عضواً فيه.

كما نشرت الحكومة المجرية صوراً على وسائل التواصل الاجتماعي تُظهِر ما قالت إنه عملية توقيف الأوكرانيين ومصادرة أكوام من النقود.

تأتي هذه الحادثة وسط غضب المجر إزاء تأخر أوكرانيا في إعادة فتح خط أنابيب دروجبا الذي ينقل النفط الروسي إلى بودابست. وتقول أوكرانيا إن خط الأنابيب تضرر جراء هجوم روسي في يناير (كانون الثاني) وإصلاحه يحتاج إلى وقت. لكن المجر التي تُعد شريكاً وثيقاً لروسيا تقول إن أوكرانيا تعرقل إعادة فتح خط الأنابيب عمداً في شكل من أشكال «الابتزاز».