النيجر: شكوك فرنسية إزاء نوايا واشنطن وتساهلها مع المجلس العسكري

ألمانيا بعد إيطاليا لا ترى حلاً عسكرياً وتقترح مخرجاً سياسياً لا ينص على رحيل الانقلابيين

سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
TT

 النيجر: شكوك فرنسية إزاء نوايا واشنطن وتساهلها مع المجلس العسكري

سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)
سيارات محروقة أمام مقر حزب الرئيس المخلوع في نيامي (إ.ب.أ)

من بين الدول الأربع الغربية التي لها حضور عسكري في النيجر: فرنسا والولايات المتحدة الأميركية وألمانيا وإيطاليا، تجد الأولى نفسها معزولة إلى حد بعيد لجهة تمسكها بالسياسة الأكثر تشدداً إزاء المجلس العسكري الانقلابي، ووقوفها الصارم وراء المجموعة الاقتصادية لغرب أفريقيا (إيكواس)، وعدم ممانعتها «الحل العسكري» الذي تلوّح به الأخيرة من أجل تحرير الرئيس محمد بازوم، وإعادة الانتظام الدستوري إلى النيجر.

وتجد باريس نفسها في وضع لا تحسد عليه؛ إذ إن التطورات الجارية في مستعمرتها السابقة تعد «انتكاسة استراتيجية». وإذا اضطرتها التطورات إلى سحب قواتها من النيجر، فإن ذلك سيعني تقليص حضورها العسكري بعد أن أجبرت على الخروج في 2022 و2023 من مالي وبوركينا فاسو.

آخر «طعنة» تعرضت لها باريس جاءت (الاثنين) من ألمانيا، وتحديداً من وزيرة التنمية سيفينيا شولتسه التي استبقت جولتها في غرب أفريقيا بتصريحات تشدد فيها على ضرورة البحث عن «حل سلمي» للأزمة الحالية.

صورة أرشيفية أخرى للرئيس المخلوع محمد بازوم في أبريل 2022 (د.ب.أ)

وقالت الوزيرة الألمانية لصحيفة «نويه أوسنابروكر تسايتونغ»، إن «الاحتجاج على الانقلاب في النيجر يجب ألا يعني إعلان حرب». والأهم من ذلك أن سيفينيا شولتسه تقترح حلاً يقوم على الاعتراف بسلطة الأمر الواقع العسكرية، ولكن مع الحصول منها على ضمانات بخصوص إجراء انتخابات جديدة ونزيهة، والإفراج عن الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد بازوم، وضمان عدم تعرضه للأذى.

وخففت الوزيرة الألمانية من خطورة الانقلاب، عادّة إياه «انقلاباً غير عادي إلى حد ما»، مضيفة أن هناك طرقاً عديدة للتعامل مع الأمر بشكل مختلف، مثل ضمان إجراء انتخابات جديدة على نحو سليم قريباً، أو التوقف عن احتجاز الرئيس المنتخب ديمقراطياً محمد بازوم، وضمان عدم تعرضه للأذى.

وتسبب الانقلاب العسكري الذي وقع في النيجر قبل أسبوعين ونصف في أزمة إقليمية. وقالت شولتسه: «لم يمت أحد جراءه حتى الآن. وهذا يجعل من السهل العثور على طرق دبلوماسية، وهو أمر ممكن بالتأكيد».

مؤيدون للانقلاب في نيامي ومعهم علم روسيا (أ.ف.ب)

تكمن أهمية كلام المسؤولة الألمانية في أنها المرة الأولى التي تعلن عاصمة غربية عن استعدادها للتعايش مع الانقلابيين مقابل ضمانات. وسبق لـ«إيكواس» أن سارت على هذا النهج بمناسبة الانقلابين اللذين حدثا في مالي (2021) وبوركينا فاسو (2022). واكتفت «المجموعة الاقتصادية» بفرض عقوبات عليهما من غير التهديد بالتدخل العسكري مع الحصول على وعود بإجراء انتخابات تشريعية نزيهة وفق أجنده محددة. ولكن في الحالتين، لم يجرِ احترام الوعود، وما زال العسكر ممسكين بالسلطة في باماكو وواغادوغو. والأمر نفسه ينسحب على غينيا. والدول الثلاث شكلت ما يشبه الجبهة للوقوف إلى جانب انقلابيي نيامي في حال نفذت «إيكواس» تهديداتها العسكرية.

لا يختلف موقف روما عن موقف برلين؛ فقد استبق وزير الخارجية الإيطالي أنطونيو تانيان الجميع في التشديد على ضرورة الحل السلمي. وقال قبل أسبوع لصحيفة «لا ستامبا» إنه «يتعين أن نعثر على حل للأزمة... وليس مكتوباً أنه لن يعثر على حل غير عسكري». مضيفاً أنه «لا يتعين على أوروبا أن تسمح بحدوث مواجهة مسلحة، ولا يتعين أن ينظر إلينا على أننا مستعمرون جدد».

رغم أهمية الموقفين الألماني والإيطالي، فإن ما يهم باريس بالدرجة الأولى هو السياسة الأميركية. والحال أن ثمة اختلافاً في المقاربة بين باريس وواشنطن. الأولى تقول إنها «تدعم كافة مقررات (إيكواس)» بما فيها تفعيل القوة الاحتياطية لاستخدامها المحتمل ضد الانقلابيين والتلويح بالتدخل العسكري رغم عدّه «الملاذ الأخير». بينما الثانية تشدد على الحل السياسي. وأبرز تعبير عن ذلك جاء في بيان لوزير الخارجية الأميركي أنطوني بلينكن جاء فيه إن «الولايات المتحدة تقدر إصرار المجموعة الاقتصادية لدول غرب أفريقيا على استكشاف جميع الخيارات من أجل حلّ سلمي للأزمة».

بلينكن يصافح رئيس النيجر محمد بازوم خلال لقائهما في القصر الرئاسي في نيامي في 16 مارس 2023 (أ.ف.ب)

ورأى بلينكن في مناسبة أخرى أنه «ليس هناك من حل عسكري مقبول». وحتى اليوم، امتنعت الإدارة الأميركية عن عَدِّ ما حدث في نيامي «انقلاباً عسكرياً»، لأن أمراً كهذا سيلزمها بوقف مساعداتها لهذا البلد؛ حيث إنها اكتفت بتجميد بعض المساعدات المالية. كذلك، فإنها خضعت للمجلس العسكري عندما امتنع زعيم الانقلاب عبد الرحمن تياني عن مقابلة فيكتوريا نولاند مساعدة وزير الخارجية الأميركي عند زيارتها إلى نيامي. كما منعت من لقاء الرئيس المخلوع محمد بازوم.

ونقلت صحيفة «لو فيغارو» في عددها (الاثنين) عن مصادر دبلوماسية فرنسية قولها، إن الموافقة على تعيين كاثلين فيتزجيبون، سفيرة لبلادها في نيامي في 27 يوليو (تموز) أي في اليوم التالي للانقلاب، بعد عام ونصف على فراغ موقع السفير، «يمكن عَدُّه اعترافاً شبه رسمي» بالسلطات الجديدة. وفي ما يشبه التعبير عن الخيبة من واشنطن، قالت هذه المصادر إن الطرف الأميركي «قام بعكس ما كنا نأمل أن يقوم به».

وترى هذه المصادر أن واشنطن التي كانت تطالب سابقاً بالإفراج الفوري عن الرئيس بازوم وإعادته إلى موقعه الدستوري وتراجع الانقلابيين، خفضت من سقف مطالبها، وراحت تطالب فقط بتحسين شروط اعتقاله، وإطلاق سراحه، الأمر الذي تعده باريس خطوة أولى لقبول أميركي بالأمر الواقع.

* المصالح الأميركية

يذهب التشكيك الفرنسي بالنوايا الأميركية بعيداً؛ إذ ترى المصادر المشار إليها «أن هدف واشنطن بسيط، وهو المحافظة على قواعدها العسكرية... إذا كان المقابل لذلك تخلي واشنطن عن المطالبة بالعودة إلى الشرعية الدستورية، فهي لن تتردد في الاستجابة خصوصاً أن عسكر الانقلاب، على الأرجح، لا يرون في ذلك صعوبة؛ لأنهم يعون أنه من غير المساعدة الأميركية الميدانية التي توفرها لهم قدرات المراقبة الأميركية (من خلال القاعدة الجوية التي تنطلق منها المسيرات) فإن قدرتهم على محاربة الجهاديين ستتضاءل».

وتجدر الإشارة إلى أن القوات الأميركية تستفيد من قاعدتين: جوية تقع قريباً من مدينة أغاديس (شمال البلاد) وأخرى أرضية قريبة من نيامي؛ حيث ترابط مجموعات كوماندوس أميركية.

متحدث باسم المجلس العسكري يعلن التوجه لمحاكمة بازوم بجريمة «الخيانة العظمى» (أ.ف.ب)

ويبلغ عدد الجنود الأميركيين في القاعدتين نحو 1300 رجل. ومن المهم الإشارة إلى أن الانقلابيين لم يطالبوا برحيلهم، بعكس إمهالهم القوة الفرنسية المنتشرة خصوصاً في القسم العسكري من مطار نيامي، وفي منطقة المثلث الحدودي (بين النيجر ومالي وبوركينا فاسو) مدة شهر للرحيل عن النيجر، بعد نقض الاتفاقات العسكرية المبرمة بين الطرفين.

وفي الرؤية الأميركية، فإن الخروج من النيجر يعني فتح المجال لتغلغل روسي، ولوصول ميليشيا «فاغنر»، الأمر الذي لا يرغب فيه لا الأوروبيون ولا الأميركيون. يضاف إلى ما سبق، أن الخروج الغربي من النيجر، يعني هزيمة سياسية بالدرجة الأولى، ولكن أيضاً خسارة اقتصادية واستراتيجية نظراً لما يختزنه باطن الأرض من ثروات مهمة مثل اليورانيوم والنفط والمعادن النادرة... وعيون الغربيين من جهة، والصين وروسيا من جهة ثانية على هذه الثروات.

ولكل هذه الأسباب، يرجح الجانب الفرنسي أن تكون واشنطن مستعدة للاعتراف بسلطة الأمر الواقع، وتجنب حرب غير مضمونة النتائج ومن شأنها رمي دول غرب أفريقيا في أتون المواجهات وإحداث انقسامات عميقة داخل «إيكواس»، وتعبيد الطريق للمنافسين، فضلاً على إفقار منطقة تعد أصلاً من الأفقر في العالم.

الرئيس المخلوع محمد بازوم يتحدث في الأمم المتحدة في سبتمبر الماضي (رويترز)

بيد أن هذه الاعتبارات لا تشكل حلاً للأزمة النيجرية التي تفاعلت مع عزم الانقلابيين، كما أعلنوا ليل الأحد ــ الاثنين، على سوق الرئيس المخلوع أمام المحاكم ومحاكمته بتهمة «الخيانة العظمى»، أي السير بعكس ما يطلبه الأفارقة وواشنطن وباريس وبقية الأسرة الدولية التي تصر على الإفراج عنه.

وتحتار الدول المعنية بالشأن النيجري، إزاء كيفية التعامل مع الانقلابيين الذين يمارسون سياسة «هبة باردة، هبة ساخنة»، ويتأرجحون بين الانفتاح والاستعداد للتفاوض، وبين التشدد والانغلاق.


مقالات ذات صلة

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر (أ.ف.ب)

النيجر تطرح مخزونها من اليورانيوم للبيع في السوق الدولية

أعلنت النيجر، الأحد، طرح اليورانيوم الذي تنتجه شركة «سومير» التابعة لشركة «أورانا» الفرنسية العملاقة قبل تأميمها في يونيو (حزيران)، للبيع في السوق الدولية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
أفريقيا الجنرال عبد الرحمن تياني (الثاني على اليسار) رئيس النظام العسكري في النيجر والذي جاء إلى السلطة بانقلاب يُحيّي حشداً من الناس في نيامي في يوليو 2024 (أ.ف.ب) p-circle

تاريخ حافل بالاضطرابات... ما أبرز الانقلابات العسكرية في أفريقيا خلال العقد الأخير؟

تاريخ أفريقيا حافل بها... فيما يلي الانقلابات العسكرية الناجحة في السنوات العشر الأخيرة في القارة السمراء وآخرها انقلاب غينيا بيساو يوم الأربعاء 26 نوفمبر.

«الشرق الأوسط» (بيروت)
شمال افريقيا سفير النيجر بالجزائر يسلم أوراق اعتماده للرئيس تبون (الرئاسة الجزائرية)

استئناف الحوار بين الجزائر والنيجر بعد تصاعد الأزمة في 2023

يسعى وفد من حكومة النيجر يزور الجزائر حالياً، لطي خلاف حاد نشأ في صيف 2023 بسبب الانقلاب العسكري الذي أطاح بالرئيس محمد بازوم، واشتدت الأزمة باحتجاج نيامي على …

أفريقيا رئيس النيجر المخلوع محمد بازوم (أرشيفية - أ.ف.ب)

النيجر نحو تنظيم «مؤتمر وطني» بشأن ميثاق انتقالي

أعلنت وزارة الداخلية في النيجر أن النظام العسكري الحاكم سينظّم «مؤتمراً وطنياً» من 15 حتى 19 فبراير (شباط)، يهدف خصوصاً لتحديد مدة للفترة الانتقالية.

«الشرق الأوسط» (نيامي)
الولايات المتحدة​ قاعدة أغاديز (أرشيفية - أ.ب)

الجيش الأميركي أنهى سحب قواته من آخر قاعدة في النيجر

أعلن الجيش الأميركي، الاثنين، إنهاء سحب كل قواته من قاعدته الأخيرة في النيجر؛ تلبية لمطلب قادة الانقلاب العسكري في الدولة الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (واشنطن)

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
TT

29 قتيلاً في هجوم لـ«داعش» بشمال شرق نيجيريا

تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)
تشهد ولاية أداماوا أعمال عنف يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية (أ.ب)

قتل مسلّحون 29 شخصاً على الأقل في ولاية أداماوا في شمال شرق نيجيريا على ما أفاد حاكمها، الاثنين، فيما روى سكّان محليون أن منفذي الهجوم استهدفوا شبّاناً كانوا متجمعين في ملعب لكرة القدم، فيما أعلن تنظيم «داعش» مسؤوليته عن الهجوم.

وتشهد ولاية أداماوا الكثير من أعمال العنف التي يرتكبها إرهابيون وعصابات إجرامية محلية تُعرف باسم «قطاع الطرق»، بينما تعود أخرى إلى نزاعات على الأراضي.

وتفقّد الحاكم أحمدو أومارو فينتيري موقع هجوم، الأحد، وأكّد الناطق باسمه في منشور على وسائل التواصل الاجتماعي أن «29 شخصاً على الأقل قُتلوا في هجوم دموي على مجتمع غياكو في منطقة حكومة غومبي المحلية».

وقال أحد السكان المحليين ويُدعى فيليب أغابوس لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» إن الهجوم وقع بعد ظهر الأحد عندما اجتمع عدد من أبناء المنطقة «في ملعب لكرة القدم في مجتمع غياكو، فهاجمهم متمردون دخلوا وهم يحملون أسلحة نارية وبدأوا إطلاق النار عشوائياً».

وأوضح جوشوا عثمان وهو من السكان أيضاً للوكالة الفرنسية، أن القتلى كانوا «من الشباب، بينهم بعض الفتيات اللواتي كنّ يشاهدن مباراة لكرة القدم». وأضاف: «أحرقوا أيضاً مواقع عبادة ومنازل ودراجات نارية».

ونقل مكتب الحاكم عن الزعيم المحلي أغري علي أن «المهاجمين تحرّكوا لساعات عدّة، وقتلوا عشرات السكان، وأحرقوا أماكن عبادة، ودمّروا ممتلكات من بينها دراجات نارية».


هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
TT

هدوء في مالي... واختفاء مريب للرئيس

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)
جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح أمس، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، لكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

وأكدت مصادر لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، الأكثر تحصيناً وحمايةً، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي. ومنذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب.


أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
TT

أين اختفى رئيس مالي بعد الهجمات؟

مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)
مقاتلون من «جبهة تحرير أزواد» المتمردة التي ‌يهيمن عليها الطوارق في مدينة كيدال الأحد (أ.ف.ب)

عاد الهدوء إلى العاصمة المالية، باماكو، صباح الاثنين، بعد يومين من المواجهات العنيفة بين الجيش ومقاتلي تنظيم «القاعدة»، التي قُتل فيها وزير الدفاع، الجنرال ساديو كامارا، ولكنّ اختفاء الرئيس أسيمي غويتا يثير كثيراً من الأسئلة، وتتضارب الروايات حول مصيره.

الرجلُ الذي يحكمُ مالي منذ 2020، خسر خلال الهجمات ذراعه اليمنى ووزير دفاعه، وسط اختفاء تام لرئيس المخابرات في ظل شائعات لم تتأكد حتى الآن حول مقتله في الهجمات، مما يعني أن المجلس العسكري تلقى ضربة موجعة ومفاجئة.

اللحظات الأولى

وأكدت مصادر موثوقة لـ«الشرق الأوسط» أن غويتا لم يسكن القصر الرئاسي أبداً منذ وصوله إلى الحكم قبل خمس سنوات، بل فضَّل الإقامة في معسكر «كاتي» الأكثر تحصيناً وحمايةً، والذي ظل لعقود مركز القرار العسكري ومنه انطلقت جميع الانقلابات في تاريخ البلاد.

بوتين يستقبل رئيس مالي خلال القمة الروسية - الأفريقية الثانية في «منتدى إكسبو 2023» (صفحة رئيس مالي على «إكس»)

وأكدت هذه المصادر أن غويتا كان موجوداً في إقامته داخل معسكر كاتي، حين تعرض للهجوم فجر السبت، على يد المئات من مقاتلي «جماعة نصرة الإسلام والمسلمين» التابعة لـ«القاعدة».

وقالت المصادر إن غويتا تمكَّن من مغادرة المعسكر بعد الهجوم، من دون أن يتعرض لأي أذى، وظل يتنقل ما بين مواقع مختلفة طيلة يوم السبت، وكان يسهم في قيادة التصدي للهجوم المباغت والقوي.

اختفاء تام

منذ بدء الهجمات، لم يُسجل أي ظهور للجنرال غويتا، كما لم يوجه أي كلمة أو خطاب إلى الشعب المالي، فيما نقلت «وكالة الصحافة الفرنسية» عن مصدر أمني مالي أنه «نقل من كاتي السبت خلال النهار، وهو موجود في مكان آمن».

وكتب الصحافي المختص في الشأن الأفريقي، الخليل ولد اجدود، على منصة «إكس»: «نقلت مصادر موثوقة عن بعض معاوني الرئيس المالي أسيمي غويتا قولهم إنهم فشلوا، خلال محاولات متكررة، في استعادة التواصل معه، فيما يستمر الغموض بشأن مصيره ومستقبله السياسي».

وزير دفاع مالي الجنرال ساديو كامارا خلال اجتماع في واغادوغو عاصمة بوركينا فاسو 15 فبراير 2024 (أ.ف.ب)

وقال الصحافي: «الرئيس غويتا لجأ إلى قاعدة سامانكو، وهي منطقة تقع على بُعد نحو عشرين كيلومتراً جنوب غربي باماكو»، مشيراً إلى أنه «انتقل في ساعات السبت، الطويل والصعب، من موقع إلى آخر مع حمايته الشخصية التي تديرها شركة أمنية تركية».

وأضاف الصحافي أن غويتا «يفاوض الآن للحصول على مخرج آمن مع أسرته»، مؤكداً أنه «لم يعد يثق بالروس بعد اتفاقهم مع ممثلي (حركات تحرير أزواد) على خروج قواتهم من كيدال برعاية إقليمية، ولهذا تجنب اللجوء إلى قاعدة روسية يتركز فيها فيلق أفريقيا في المطار العسكري».

الوضع تحت السيطرة

في المقابل أكد أحمد مصطفى سنغاريه، وهو صحافي مالي موجود في العاصمة باماكو، أن الوضع في البلاد يسوده «هدوء مشوب بالحذر»، وقال في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إن «الجيش تمكَّن من السيطرة على الوضع، والقضاء على عدد كبير من الإرهابيين» المشاركين في الهجمات.

وأضاف سنغاريه: «شاهدنا السكان يجرّون جثث الإرهابيين في الساحات، كما ساعدوا الجيش على القبض على كثير منهم»، مشيراً إلى أن «الجيش المالي أحكم قبضته على الوضع الأمني في باماكو، حيث أُغلقت المحاور الرئيسية المؤدية إلى القواعد العسكرية والمؤسسات الرئيسية، وكانت باماكو مساء الأحد، أشبه ما تكون بمدينة عسكرية مغلقة».

دخان في أحد شوارع العاصمة المالية باماكو الأحد (أ.ف.ب)

وبخصوص اختفاء الرئيس غويتا، قال سنغاريه، إن ما يجري تداوله «مجرد شائعات ومبالغات»، مؤكداً أن انهيار نظام غويتا والعسكريين الذين يحكمون مالي منذ 2020 «مجرد أوهام يروج لها الإعلام المضاد، ونحن نتذكر أزمة البنزين حين روَّج الإعلام الغربي لسقوط وشيك للعاصمة باماكو، وهو ما لم يحدث».

وقال سنغاريه إن صمت الرئيس واختفاءه لا يحملان أي دلالة، مشيراً إلى أن «الجيش نشر بياناً لطمأنة المواطنين، أكد فيه أنه ماضٍ في بسط الأمن والاستقرار على كامل التراب الوطني، والقضاء على الإرهابيين والمفسدين أينما كانوا».

ورفض بشكل قاطع الحديث عن إمكانية تمرد داخل الجيش ضد غويتا، وقال: «الدولة تمر بصعوبات لكنها لا تصل إلى درجة تمرد أو سقوط وشيك للنظام أو الدولة»، مؤكداً أن «الشعب موالٍ للحكومة الحالية لأنه لا يرى حلاً ناجعاً أكثر من العسكريين الذين في الحكم اليوم، نظراً إلى النتائج الملموسة التي حققوها منذ وصولهم إلى مقاليد الحكم».

الحماية التركية

وتتحدث المصادر المحلية عن وجود الرئيس المالي تحت حماية وحدة عسكرية تركية تابعة لشركة «سادات» التي أبرمت عدة صفقات مع الحكومة المالية للحصول على مسيرات وتكنولوجيا قتالية متطورة، كما تتولى منذ سنوات تدريب وتأهيل الحرس الشخصي للرئيس غويتا.

الشركة التركية تأسست عام 2012 على يد الجنرال السابق عدنان تانري فيردي، المستشار العسكري السابق المقرب من رجب طيب أردوغان، وغالباً ما توصف بأنها أداة نفوذ لتركيا في منطقة الساحل، ويطلق عليها بعض الخبراء والمعارضين الأتراك لقب «فاغنر التركية».

جنود ينفذون دورية قرب قاعدة «كاتي» الكبرى في مالي خارج العاصمة باماكو الاثنين (رويترز)

ورغم التقارير الإعلامية المتكررة التي تتحدث عن تورط الشركة في أعمال عسكرية ميدانية في مالي والنيجر، فإن الشركة تنفي بشكل قاطع أي تورط عملياتي أو قتالي، وتؤكد أن نشاطها يقتصر على التدريب والاستشارات واللوجستيات، وسبق أن أصدرت بياناً كذَّبت فيه تقارير تداولها الإعلام الفرنسي.

كما لم يسبق أن صدر أي تأكيد رسمي من الحكومتين المالية أو التركية بخصوص أي دور للشركات التركية في تأمين شخصيات عسكرية أو سياسية مهمة في دولة مالي.

وأعلن «فيلق أفريقيا» وهو قوة شبه عسكرية خاضعة لسيطرة ​الكرملين، الاثنين، أن قواته انسحبت من بلدة كيدال في شمال مالي بعد اشتباكات عنيفة دارت هناك.

ونفذت «جبهة تحرير أزواد» وهي ‌جماعة متمردة ‌يهيمن عليها الطوارق، ​هجمات ‌متزامنة ⁠في ​أنحاء البلاد ⁠مطلع الأسبوع، بما في ذلك كيدال، بالتنسيق مع جماعة لها صلات بتنظيم «القاعدة في غرب أفريقيا».

وذكر فيلق أفريقيا، ⁠الذي يدعم الحكومة ‌المركزية ‌التي يقودها الجيش، في ​بيان، أن ‌قرار الانسحاب من كيدال ‌اتُّخذ بالتنسيق مع قيادات مالي.

وجاء في البيان، الذي نُشر على «تلغرام»: «وفقاً لقرار مشترك ‌مع قيادة جمهورية مالي، انسحبت وحدات فيلق أفريقيا ⁠التي ⁠كانت متمركزة وتشارك في القتال في مدينة كيدال من المنطقة مع أفراد جيش مالي... تم إجلاء الجنود الجرحى والعتاد الثقيل أولاً. ويواصل الأفراد تنفيذ مهمتهم القتالية الموكلة إليهم. ولا تزال الأوضاع ​في ​جمهورية مالي صعبة».