استبشار مصحوب بالقلق والترقب بعد تعافي الريال اليمني

مخاوف من فخ لملاك العملات الأجنبية وعدم تحقيق استقرار معيشي

غالبية شركات الصرافة امتنعت عن بيع العملات الأجنبية واكتفت بشرائها (رويترز)
غالبية شركات الصرافة امتنعت عن بيع العملات الأجنبية واكتفت بشرائها (رويترز)
TT

استبشار مصحوب بالقلق والترقب بعد تعافي الريال اليمني

غالبية شركات الصرافة امتنعت عن بيع العملات الأجنبية واكتفت بشرائها (رويترز)
غالبية شركات الصرافة امتنعت عن بيع العملات الأجنبية واكتفت بشرائها (رويترز)

يتصاعد القلق والترقب في الأوساط اليمنية حول تأثير تحسن العملة المحلية اليمنية المفاجئ والقياسي أمام العملات الأجنبية خلال أقل من أسبوع، فبينما تحسنت أسعار بعض السلع والخدمات، تزداد التساؤلات حول قدرة السلطات المحلية على تثبيت صمود الريال وخفض أسعار السلع والخدمات.

واستعاد الريال اليمني ما يقارب 45 في المائة من قيمته خلال الأيام الماضية في تطور لافت ومفاجئ، أدى إلى استبشار السكان بإمكانية تحسن الأوضاع المعيشية المتدهورة، ورغم أن أسواق الصرافة في العاصمة المؤقتة عدن شهدت، الأحد، ارتفاعاً طفيفاً في أسعار العملات الأجنبية، فإن هذا الارتفاع لم يكن مؤثراً أو ملحوظاً.

وبلغ سعر الدولار يوم الأحد، 1617 ريالاً يمنياً للشراء و1632 ريالاً يمنياً للبيع، بعد أن وصل إلى 1600 ريال في اليوم السابق، متراجعاً من حدود 2900 ريال قبل قرابة أسبوع.

ومما يثير قلق السكان والخبراء الاقتصاديين أن شركات صرافة كثيرة لا تزال تمتنع عن بيع العملات الأجنبية، ويقتصر نشاطها على عمليات الشراء فقط.

البنك المركزي اليمني اتخذ عدداً من الإجراءات مما أسهم في تحسن العملة (البنك المركزي اليمني)

يبدي عامر حمود، وهو اسم مستعار لخبير مصرفي يقيم في مناطق سيطرة الحوثيين، مخاوف من أن يكون التحسن الكبير لأسعار الريال اليمني غير حقيقي، نظراً للسرعة الكبيرة والقياسية التي حدث بها، مع غيابات الضمانات الفعلية لاستمرار هذا التحسن، مثل مصادر ثابتة للنقد الأجنبي.

ويذهب الخبير المصرفي الذي طلب من «الشرق الأوسط» حجب بياناته الحقيقية خوفاً على سلامته من الحوثيين، إلى أن امتناع شركات الصرافة عن بيع العملات الأجنبية برغم تراجع أسعارها، يخفي أمراً ما، كأن يكون هذا التراجع مجرد فخ لدفع السكان لبيع مدخراتهم من هذه العملات، قبل أن تعود أسعارها للارتفاع مجدداً.

ولفت إلى أن الجماعة الحوثية لديها خلايا تنشط في مناطق سيطرة الحكومة، وشركات تتعاون معها من مختلف القطاعات، محذراً من أن يكون هناك مخطط لسحب مبالغ كبيرة من العملات الأجنبية إلى مناطق سيطرتها، رغم ما يبدو عليه حالياً أن هذا التراجع نتيجة إجراءات وقرارات حكومية.

ويشدد مختصون اقتصاديون على أن تعافي الريال اليمني لن يتحقق فعلياً في ظل توقف تصدير النفط والغاز وغير ذلك من السلع والمنتجات المحلية، وتشجيع الإنتاج المحلي لتخفيف فاتورة الاستيراد الباهظة.

ضغوط أميركية

تقول مصادر مطلعة إن جزءاً كبيراً من التحسن الذي تشهده العملة المحلية اليمنية أمام العملات الأجنبية، يأتي بعد اجتماع عقده مسؤولون أميركيون مع مسؤولين حكوميين وجهات مصرفية واقتصادية يمنية في العاصمة السعودية الرياض، ضمن المساعي الأميركية لمواجهة نفوذ وممارسات الجماعة الحوثية ودعم الحكومة الشرعية.

وبحسب المصادر، فإن المسؤولين الأميركيين، وجهوا تحذيرات إلى البنوك والشركات المصرفية والتجارية اليمنية التي تنشط في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، باتخاذ عقوبات اقتصادية ضدها في حال عدم التعاون مع الحكومة الشرعية والبنك المركزي، وعزمها إصدار قائمة جديدة بأسماء الجهات التي تتعاون، من هذه المناطق، مع الجماعة الحوثية.

لجنة تمويل وتنظيم الاستيراد في اليمن في أحد اجتماعاتها (الحكومة اليمنية)

كما يعود هذا التحسن الكبير في سعر الريال اليمني بحسب مصادر رسمية، إلى القرارات الحكومية وإجراءات البنك المركزي الصارمة، وإلى المهام التي تقوم بها «اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات»، التي أصدر رئيس الحكومة اليمنية قراراً بتشكيلها منذ قرابة أسبوعين، لتعمل على تنظيم عمليات بيع وشراء العملات للتجار والموردين.

وتتكون لجنة تمويل وتنظيم الاستيراد من الجهات الحكومية ذات العلاقة بالتمويل والتجارة والضبطية الجمركية والقضائية، ويترأسها محافظ البنك المركزي اليمني، وينوبه وزير الصناعة والتجارة، إلى جانب عضوية 8 آخرين من ممثلي البنوك وشركات الصرافة والقطاع التجاري.

وينوه فارس النجار المستشار الاقتصادي في مكتب الرئاسة اليمنية بفاعلية قرار اللجنة بتنظيم استيراد عددٍ من السلع الأساسية، وفي مقدمتها الوقود، الذي جاء بعد توجيه سابق وصريح من البنك المركزي بوقف بيع العملة الصعبة لتجار هذا القطاع خارج النظام المصرفي، ما تسبب في حدوث تحول واضح في حجم الطلب على العملة الأجنبية.

كما يرجع النجار في حديثه لـ«الشرق الأوسط» أسباب هذا التحسن إلى الغطاء السياسي والأمني الذي بدأ يتشكل خلال الأشهر الأخيرة، ودعم مجلس القيادة الرئاسي للإجراءات النقدية والمالية، وتوحيد الموقف في التعامل مع الملفات الاقتصادية الحساسة، ومراجعة أداء المؤسسات، وتقييم سلوك البنوك، واستكمال متطلبات الرقابة الفعلية.

بعد تراجع تمويل المساعدات الغذائية يأمل اليمنيون بحلول محلية لإنهاء معاناتهم (إ.ب.أ)

ويؤكد أن هذه العوامل أثبتت أن هذا التحسن ليس مفاجئاً، بل كان معطلاً لأشهر بفعل تعقيدات سياسية وإدارية، وما إن بدأ الانفراج التنظيمي حتى تحركت السوق في الاتجاه الصحيح.

تحسن غير صحي

بدأت يوم السبت، تسعيرة جديدة للوقود بالمناطق اليمنية المحررة تدخل حيّز التنفيذ، بعد إعلان شركة النفط اليمنية تخفيض أسعار مادتي الديزل والبنزين، لينخفض سعر اللتر الواحد من الديزل إلى 1550 ريالاً بدلاً من 1900 ريال، بفارق 350 ريالاً.

وبينما يرى عدد من السكان ومالكي المركبات أن هذا التراجع في أسعار الوقود لا يتناسب مع التحسن الكبير في سعر العملة المحلية، التي تراجعت من قرابة 2900 ريال للدولار الواحد إلى 1600، بينما يذهب آخرون إلى أن أسعار الوقود لم ترتفع خلال الفترة الماضية بارتفاع سعر العملات الأجنبية نفسه.

ويعدّ الديزل أكثر أنواع الوقود أهمية لدى مختلف القطاعات، لارتباطه بعمليات الإنتاج الزراعي والصناعي والنقل البري وصناعة الخبز.

يصف الباحث الاقتصادي اليمني رشيد الآنسي هذا التحسن المتسارع للريال اليمني بغير الصحي، مرجعاً ذلك إلى عدم انعكاسه على تكلفة السلع، ما يؤدي إلى استنزاف مدخرات السكان، فعندما يلجأ السكان إلى بيع العملات الأجنبية التي يتلقونها بوصفها مساعدات من أقاربهم المغتربين، يفقدون فارقاً كبيراً عند التوجه لشراء السلع التي لم تتراجع أسعارها.

ويخلق هذا التحسن ارتباكاً عاماً وفق حديث الآنسي لـ«الشرق الأوسط»، فالسكان الذين يمتلكون عملات أجنبية يرغبون في بيعها والتخلص منها، وبالمثل يحدث لدى التجار الذي يريدون بيع بضائعهم التي استوردوها قبل هذا التحسن، بينما لا يشعر السكان الذين لا يملكون عملات أجنبية بفوائد التحسن على أسعار السلع.

رئيس الحكومة اليمنية وجه بتشديد الرقابة لضبط الأسعار بعد تعافي العملة المحلية (الحكومة اليمنية)

وينتقد السياسة النقدية للبنك المركزي الذي يتأخر في تحديد أسعار العملات، ما يوحي بغياب رؤيته وعدم قدرته على اتخاذ قرار يواكب هذا التحسن، الذي ينبغي أن يكون تدريجياً ضمن سياسة نقدية تمكن من حدوث الاستقرار، في ظل مطالبة المستوردين بضمانات الاستقرار لعدم الإضرار بمصالحهم.

ووجّهت الحكومة اليمنية، السبت، بتكثيف جهود الرقابة على الأسواق وأسعار السلع، وتفعيل الحملات الميدانية لضبط الأسعار بما يتماشى مع التغيرات الإيجابية في سعر صرف العملة الوطنية.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

العالم العربي الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

كشف تقرير دولي عن تغذية الحوثيين للنزاعات القبلية في إب بنسبة 40 في المائة من الأحداث، لإحكام السيطرة ومنع أي حراك مجتمعي، وسط تصاعد الانتهاكات والرفض الشعبي.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

العليمي يحذّر من إعادة تموضع الحوثيين بدعم إيراني، ويدعو لردع دولي حازم، وسط تأكيدات عسكرية يمنية بالجاهزية، وتضامن مدني واسع مع السعودية ضد التهديدات الإقليمية

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الحوثيون كثفوا التعبئة الطائفية في أوساط صغار السن (إعلام حوثي)

ضغوط حوثية تربط التعليم بالمخيمات الصيفية القسرية

تثير إجراءاتٌ حوثية تربط تسليم نتائج الطلاب بالمشاركة في معسكرات صيفية قلقَ اليمنيين، وسط تحذيرات من انتهاك حق التعلم، وتعريض مستقبل الأطفال لمخاطر متصاعدة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي شحنة مخدرات سابقة ضبطتها القوات اليمنية في الساحل الغربي (إعلام أمني)

تجارة المخدرات... أداة رئيسة لتمويل عمليات الحوثيين

كشفت دراسة حديثة عن تحول تجارة المخدرات إلى مصدر تمويل رئيس للحوثيين، مع تصاعد نشاط شبكات منظمة تهدد المجتمع اليمني والأمن الإقليمي وتطيل أمد الصراع

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي خلال 2026 يعزّز الكهرباء والاقتصاد والبنية التحتية والتعليم والصحة، ويدعم الاستقرار والتعافي عبر شراكات دولية فعّالة.

«الشرق الأوسط» (عدن)

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
TT

الجيش الأميركي يستعد لفرض سيطرة بحرية في خليج عُمان وبحر العرب

رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)
رسم توضيحي يظهر خريطة لمضيق هرمز (رويترز)

قالت القيادة المركزية الأميركية، ​في إشعار للبحارة اطلعت عليه وكالة «رويترز»، اليوم الاثنين، إن الجيش الأميركي سيفرض سيطرة ‌بحرية في ‌خليج ​عُمان ‌وبحر ⁠العرب ​شرقي مضيق هرمز، ⁠وإن هذا الإجراء سيشمل جميع السفن بغض النظر عن العلم الذي ⁠ترفعه.

وأشارت المذكرة ‌إلى ‌أن السيطرة ​البحرية ‌سيبدأ سريانها ‌الساعة 14:00 بتوقيت غرينتش اليوم.

وجاء في الإشعار: «أي سفينة ‌تدخل أو تغادر المنطقة المحاصرة دون تصريح ⁠ستكون ⁠معرضة للاعتراض أو تحويل المسار أو الاحتجاز». وقالت: «لن تعوق السيطرة حركة الملاحة المحايدة عبر مضيق هرمز من ​وإلى ​وجهات غير إيرانية».

أعلن الرئيس الأميركي دونالد ترمب، أمس، أن الولايات المتحدة ستبدأ فرض حصار بحري على مضيق هرمز، بعد انهيار محادثات السلام مع إيران في إسلام آباد، مؤكداً أن المفاوضات حققت تقدماً في معظم الملفات، لكنها تعثرت بسبب رفض طهران التخلي عن برنامجها النووي.

وقال ترمب إن المحادثات التي جرت بين الولايات المتحدة وإيران وباكستان كانت «ودية للغاية»، مشيراً إلى أن واشنطن حصلت «تقريباً على كل النقاط التي كانت تسعى إليها» خلال تلك الجولة.

وأضاف: «في المراحل الأخيرة أصبحت الأجواء ودية للغاية، وحصلنا تقريباً على كل ما كنا نريده، باستثناء أنهم يرفضون التخلي عن طموحهم النووي». وتابع: «وبصراحة، بالنسبة لي، كان ذلك النقطة الأهم على الإطلاق».

ودافع ترمب، عن تهديداته السابقة ضد إيران، قائلاً إن تحذيراته ساعدت في دفع طهران إلى طاولة المفاوضات. وأصدر في المقابلة نفسها تهديدات جديدة باستهداف البنية التحتية المدنية الإيرانية إذا لم توافق القيادة الإيرانية على التخلي عن برنامجها النووي. وقال: «في غضون نصف يوم، لن يبقى لديهم جسر واحد قائم، ولن تبقى لديهم محطة كهرباء واحدة، وسيعودون إلى العصر الحجري».


الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يغذّون النزاعات القبلية لترسيخ السيطرة في إب

الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)
الحوثيون يتعمدون إغراق المناطق القبلية بالصراعات للسيطرة عليها (أ.ف.ب)

كشف تقرير دولي حديث عن تصاعد مقلق في وتيرة النزاعات المحلية داخل محافظة إب اليمنية، مرجعاً ذلك إلى سياسة ممنهجة تتبعها الجماعة الحوثية تقوم على تغذية الصراعات القبلية والتدخل المباشر فيها، بهدف إحكام السيطرة على المحافظة ومنع تحولها إلى بؤرة مقاومة مجتمعية.

وحسب التقرير الصادر عن مشروع بيانات مواقع النزاعات المسلحة، فإن الجماعة تعتمد استراتيجية «إدارة الفوضى» أداةً للضبط الأمني والسياسي، عبر تأجيج النزاعات المحلية بدلاً من احتوائها، وهو ما أدى إلى تحويل إب، الواقعة على بُعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء، إلى واحدة من أكثر المحافظات اضطراباً في مناطق سيطرتها.

وأشار التقرير إلى أن محافظة إب تصدرت قائمة مناطق الاقتتال الداخلي، إذ سجلت نحو 40 في المائة من إجمالي النزاعات المحلية في مناطق سيطرة الحوثيين خلال الفترة بين 2022 و2025، في مؤشر يعكس حجم الاستهداف الذي تتعرض له المحافظة ذات الكثافة السكانية العالية والثقل القبلي المؤثر.

ويوثق التقرير انخراط قيادات ومشرفين حوثيين بشكل مباشر في تأجيج النزاعات القبلية، من خلال دعم أطراف معينة بالسلاح والمال، أو عرقلة مسارات الحلول القضائية والقبلية التي لطالما شكلت آلية تقليدية لاحتواء الخلافات في المجتمع اليمني.

عناصر حوثيون خلال تجمع في صنعاء دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

ويرى معدّو التقرير أن هذه السياسة تهدف إلى تحقيق جملة من الأهداف، أبرزها إضعاف البنية القبلية وتفكيك تماسكها، وتحويل طاقاتها نحو صراعات داخلية تستنزف قدراتها البشرية والمادية. كما تسعى الجماعة، وفق التقرير، إلى إبقاء المجتمع في حالة انشغال دائم بالنزاعات، بما يحد من قدرته على تنظيم أي حراك موحد ضد سلطتها.

ولا تقتصر هذه الاستراتيجية على إشعال الصراعات، بل تمتد إلى التدخل لاحقاً كـ«وسيط»، مما يمنح الحوثيين فرصة فرض شروطهم وإخضاع شيوخ القبائل والوجاهات الاجتماعية لسلطتهم مقابل ترتيبات صلح توصف بأنها شكلية، تعزز نفوذ الجماعة أكثر مما تُنهي النزاع.

مركز ثقل مقاوم

وتكتسب محافظة إب أهمية خاصة في الحسابات الحوثية، كونها تمثل مركز ثقل سكاني ومدني، فضلاً عن موقعها الجغرافي الذي يربط بين عدة محافظات استراتيجية. ويشير مراقبون إلى أن هذه العوامل تجعل من إب نقطة حساسة قد تتحول إلى جبهة مقاومة مؤثرة في حال توحدت القوى المجتمعية داخلها.

ويؤكد التقرير أن الجماعة كثفت من سياساتها في المحافظة خلال السنوات الأخيرة، بالتزامن مع تنامي المعارضة الشعبية لمشروعها، ورفض محاولات التغيير المذهبي. كما أن أي اختراق عسكري أو شعبي في إب قد ينعكس على محافظات مجاورة مثل تعز والضالع والبيضاء، ويمتد تأثيره إلى ذمار، التي تعد البوابة الجنوبية للعاصمة صنعاء.

خلال السنوات الأخيرة تحولت إب إلى معقل للمعارضة المناهضة للحوثيين (رويترز)

ويرى محللون أن إب تمثل «خاصرة رخوة» نسبياً في خريطة سيطرة الحوثيين، وهو ما يفسر الحرص على إبقائها في حالة اضطراب دائم، بما يمنع تبلور أي حراك منظم قد يهدد نفوذ الجماعة في المنطقة.

وعلى الرغم من الضغوط الأمنية وتغذية الصراعات، يؤكد ناشطون أن المجتمع في إب لا يزال يبدي أشكالاً من المقاومة السلمية، من خلال رفضه السياسات المفروضة عليه، ومحاولاته الحفاظ على تماسكه الاجتماعي.

ويشير التقرير إلى أن استمرار هذه الروح الرافضة يمثل تحدياً حقيقياً للجماعة، التي تسعى بكل الوسائل إلى تفكيك أي بنية مجتمعية قد تشكل نواة لمعارضة منظمة. ومع ذلك، فإن تراكم المظالم والانتهاكات قد يدفع باتجاه انفجار اجتماعي في حال توفرت الظروف المناسبة لذلك.

تصاعد الانتهاكات

بالتوازي مع تغذية النزاعات، يشير التقرير ومصادر محلية إلى تصاعد ملحوظ في الانتهاكات الأمنية، بما في ذلك حملات الاعتقال الواسعة التي استهدفت شرائح مختلفة من المجتمع، من بينهم سياسيون وأكاديميون ونشطاء وأطباء.

ويؤكد مراقبون أن تعيين شخصيات أمنية مرتبطة بقيادة الجماعة في مواقع حساسة داخل المحافظة ترافق مع ارتفاع غير مسبوق في معدلات العنف والاقتتال الداخلي، مما جعل إب في صدارة المحافظات من حيث مستوى الانفلات الأمني.

في سياق متصل، أثارت حادثة وفاة أحد السجناء، ويدعى حسن اليافعي، جدلاً واسعاً في الأوساط المحلية، بعد العثور عليه مشنوقاً داخل زنزانته في ظروف غامضة، رغم انتهاء مدة محكوميته.

ألف سجين غادروا سجون الحوثيين في إب خلال شهر واحد (أ.ف.ب)

وتشير مصادر إلى أن إدارة السجن الحوثية أبقته محتجزاً لفترة إضافية بسبب عجزه عن دفع غرامة مالية، رغم معاناته من اضطرابات نفسية.

ودعا ناشطون إلى فتح تحقيق مستقل في ملابسات الحادثة، في ظل تكرار حالات وفاة مشابهة داخل السجون، غالباً ما يتم تسجيلها كحالات انتحار، وسط اتهامات بإهمال طبي متعمد أو سوء معاملة قد ترقى إلى انتهاكات جسيمة لحقوق الإنسان.

ويرى حقوقيون أن هذه الحوادث تعكس نمطاً أوسع من الانتهاكات داخل مراكز الاحتجاز الحوثية، حيث يواجه السجناء ظروفاً قاسية تشمل الحرمان من الرعاية الصحية والتغذية الكافية، مما يزيد من المخاوف بشأن أوضاع حقوق الإنسان في مناطق سيطرة الجماعة.


العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

العليمي يطالب بردع حازم لإنهاء خطر الحوثيين وإيران

عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
عناصر حوثيون خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

على وقع الحصار الذي أمر به الرئيس الأميركي دونالد ترمب على الموانئ الإيرانية ابتداءً من الاثنين، هددت الجماعة الحوثية في اليمن بالعودة إلى مساندة طهران عسكرياً إذا ما تجددت الحرب، في حين طالب رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي بردع حازم لإنهاء خطر الجماعة والنظام الإيراني.

وخلال استقباله سفير الولايات المتحدة، ستيفن فاجن، شدد العليمي على أن التهدئة الراهنة التي أعقبت الضغوط على إيران قد تتحول فرصةً لإعادة تموضع الميليشيات الحوثية، بما يسمح لها باستعادة قدراتها واستغلال المرحلة أداةَ ابتزازٍ سياسي وعسكري لتحسين شروطها التفاوضية.

وأكد العليمي أن الخطر لا يكمن فقط في استمرار الدعم الإيراني، بل في قدرة هذه الجماعات على إعادة صياغة هزائمها بوصفها انتصارات، مستفيدة من الخطاب الآيديولوجي المرتبط بالعقيدة الإيرانية؛ وهو ما يتطلب – حسب تعبيره – تفكيك هذه السرديات وفضح أهدافها الحقيقية.

وركز رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني في تصريحاته التي نقلها الإعلام الرسمي، على البعد الاستراتيجي لدور الحوثيين، عادَّاً أنهم جزء من منظومة إيرانية أوسع تسعى لزعزعة استقرار المنطقة وتهديد المصالح الدولية، وفي مقدمتها أمن الملاحة البحرية.

العليمي استقبل في مقر إقامته بالرياض السفير الأميركي لدى اليمن (سبأ)

وأشار إلى أن استمرار التعامل مع هذه الجماعات دون حزم سيؤدي إلى تكريس نمط من السلوك القائم على استغلال فترات التهدئة لإعادة التموضع، وليس لتغيير النهج العدائي؛ ما يعزز الحاجة إلى موقف دولي أكثر صرامة.

كما أشاد العليمي بالدعم الأميركي، خصوصاً قرار تصنيف الحوثيين منظمة إرهابية أجنبية، والإجراءات اللاحقة التي استهدفت شبكات التمويل والتهريب، عادَّاً ذلك خطوة مهمة في مسار تقويض قدراتها.

ولم يغفل رئيس مجلس القيادة اليمني الإشارة إلى الدور المحوري للسعودية، التي وصف مواقفها بأنها داعمة بشكل حاسم للشعب اليمني وقيادته، سواء في المجال السياسي أو الاقتصادي أو الإنساني.

جاهزية عسكرية

على الصعيد الميداني، عكست تصريحات وزير الدفاع اليمني، الفريق الركن طاهر العقيلي، توجهاً واضحاً نحو رفع مستوى الجاهزية العسكرية، في ظل احتمالات التصعيد.

وخلال اجتماع موسع في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، استعرض العقيلي نتائج زياراته الميدانية، مشيراً إلى وجود انضباط عالٍ ومعنويات مرتفعة لدى القوات المسلحة، مع تأكيده على ضرورة الحفاظ على هذا المستوى من الاستعداد لمواجهة أي تحديات.

وأكد أن التنسيق بين مختلف التشكيلات العسكرية يشهد تطوراً ملحوظاً، خاصة في ظل العمل ضمن غرفة عمليات موحدة بقيادة رئيس مجلس القيادة الرئاسي؛ وهو ما يعزز فاعلية الأداء العسكري.

وزير الدفاع اليمني يرأس في عدن اجتماعاً لكبار القادة العسكريين (سبأ)

وشدد وزير الدفاع على أن الهدف الاستراتيجي المتمثل في استعادة العاصمة صنعاء وإنهاء الانقلاب الحوثي لا رجعة عنه، وعدّ أن تحقيق الأمن والاستقرار في اليمن يظل مرهوناً بالقضاء على المشروع المدعوم من إيران.

في موازاة المواقف الرسمية، برزت موجة تضامن واسعة من قِبل منظمات المجتمع المدني اليمنية مع السعودية، في مواجهة ما وصفته بالاعتداءات الإيرانية المتكررة.

فقد أدانت نحو 200 منظمة ومؤسسة مدنية هذه الهجمات، مؤكدة أنها تستهدف أمن واستقرار دول الخليج، وتمثل امتداداً مباشراً للسياسات الإيرانية في اليمن.

وعدّت هذه المنظمات أن السعودية تمثل «صمام أمان» للمنطقة، وركيزة أساسية في دعم الشعب اليمني، مشددة على أن أي محاولات لزعزعة استقرارها لن تؤدي إلا إلى تعزيز التلاحم بين الشعبين.

كما دعت المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف حازم يستند إلى القانون الدولي الإنساني، لوضع حد لهذه الاعتداءات، خاصة تلك التي تستهدف الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية.

تهديد حوثي

في المقابل، جاء موقف الحوثيين ليعكس تصعيداً في الخطاب، حيث زعموا أن صمود إيران على طاولة المفاوضات مع أميركا يمثل «انتصاراً» لمحور المقاومة، في إشارة إلى ما يعرف بـ«وحدة الساحات» التي تضم بقيادة إيران «حزب الله» اللبناني وفصائل عراقية، بالإضافة إلى الحوثيين.

وفي بيان لخارجية الجماعة الانقلابية، حذَّر من أن أي تصعيد أميركي جديد، سواء ضد إيران أو في البحر، ستكون له تداعيات واسعة على الاقتصاد العالمي، بما في ذلك سلاسل التوريد وأسعار الطاقة.

زعيم الحوثيين أمر جماعته بالاحتفال مدعياً انتصار إيران في الحرب على أميركا وإسرائيل (إ.ب.أ)

والأكثر أهمية كان تهديدهم الصريح بالعودة إلى المشاركة العسكرية الفاعلة إلى جانب إيران، في حال استئناف الضربات الأميركية أو الإسرائيلية، مشيرين إلى أن ذلك سيتم ضمن مسار تصاعدي في العمليات، حسب ما جاء في بيانهم.

كما أبدى الحوثيون رفضهم لما وصفوه بمحاولات فرض شروط سياسية عبر القوة العسكرية، عادّين أن هذه الاستراتيجية فشلت في السابق ولن تحقق أهدافها مستقبلاً.

وخلال الجولة السابقة من الحرب التي بدأت في 28 فبراير (شباط) الماضي بين أميركا وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، انتظرت الجماعة الحوثية شهراً كاملاً قبل أن تبدأ العمليات المساندة لإيران من خلال تبني خمس عمليات إطلاق للصواريخ والمسيرات باتجاه إسرائيل.