الريال اليمني يستعيد ثلث قيمته وسط سعي حكومي لضبط الأسعار

بن بريك وجّه بتشكيل فرق ميدانية للرقابة على التجار

حزم من الأوراق النقدية التي أصدرتها الحكومة اليمنية في مقر البنك المركزي اليمني بعدن (رويترز)
حزم من الأوراق النقدية التي أصدرتها الحكومة اليمنية في مقر البنك المركزي اليمني بعدن (رويترز)
TT

الريال اليمني يستعيد ثلث قيمته وسط سعي حكومي لضبط الأسعار

حزم من الأوراق النقدية التي أصدرتها الحكومة اليمنية في مقر البنك المركزي اليمني بعدن (رويترز)
حزم من الأوراق النقدية التي أصدرتها الحكومة اليمنية في مقر البنك المركزي اليمني بعدن (رويترز)

في تطور اقتصادي مفاجئ، استعاد الريال اليمني نحو 30 في المائة من قيمته في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية خلال أيام، وسط جهود مركزية ومحلية مكثفة لضبط أسعار السلع، بما يتناسب مع هذا التحسن في سعر العملة المحلية أمام العملات الصعبة.

ووفق ما أكّدته مصادر مصرفية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، سجّل سعر صرف الدولار الواحد، السبت، نحو 1800 ريال، بعدما كان قد بلغ قرابة 2900 ريال، ما مثّل تحسناً ملحوظاً أثار آمالاً في أوساط المواطنين بشأن إمكانية تراجع أسعار السلع الأساسية التي شهدت ارتفاعات متتالية خلال الأشهر الماضية.

وجاء التحسن المتسارع لقيمة العملة اليمنية على وقع تدخلات مباشرة للبنك المركزي اليمني، تمثل أبرزها في سحب تراخيص 24 شركة صرافة بتهمة التلاعب بسعر الصرف، إلى جانب اتخاذ قرارات تنظيمية لتعزيز الرقابة على السوق المصرفية بالتنسيق مع البنوك التجارية ومؤسسات التحويلات المالية.

رئيس الحكومة اليمنية سالم بن بريك (سبأ)

واستجابة لهذه التغيرات، وجّه رئيس الحكومة اليمنية سالم بن بريك، وزارة الصناعة والتجارة، بالتنسيق مع الوزارات المختصة والسلطات المحلية في عدن والمحافظات المحررة، بتشكيل فرق ميدانية مشتركة لتنفيذ حملات تفتيش شاملة تستهدف ضبط أسعار السلع التموينية، بما يضمن تخفيف الأعباء المعيشية عن المواطنين، وتحقيق استجابة مباشرة للتحسن في سعر الصرف.

وأكّد رئيس الوزراء اليمني أن حكومته ملزمة بحماية مصالح المواطنين من جهة، وفي الوقت نفسه حماية القطاع الخاص وتحفيز بيئة الاستثمار. مشدداً على أن أي تحسن في سعر العملة يجب أن يوازيه انخفاض مماثل في أسعار السلع الأساسية، خصوصاً تلك التي يستوردها كبار التجار والموردين بالعملات الأجنبية.

إجراءات رادعة

من جانبه، دعا وزير الصناعة والتجارة في الحكومة اليمنية، محمد الأشول، جميع شركاء العمل الحكومي، من سلطات محلية وقضائية وأمنية، إلى مساندة لجان التفتيش الحكومية في تنفيذ مهامها بنجاح، مشيراً إلى أن الوزارة أصدرت تعميماً عاجلاً لمكاتبها في المحافظات لتكثيف حملات الرقابة، وضمان الالتزام بالتسعيرة المتناسبة مع تحسن سعر الصرف.

وأكّد الأشول أن الوزارة قد تلجأ إلى سحب السجلات التجارية وإدراج المخالفين ضمن قائمة سوداء في حال ثبوت تلاعبهم بالأسعار أو تجاهلهم لتوجيهات الحكومة، داعياً الموردين والتجار إلى الالتزام بـ«الأسعار العادلة» حماية للاقتصاد الوطني وتفادي أي إجراءات عقابية.

وزير التجارة والصناعة في الحكومة اليمنية محمد الأشول (سبأ)

وأشار إلى أن الإصلاحات الجارية تأتي ضمن خطة التعافي الاقتصادي التي أقرّها مجلس القيادة الرئاسي، والتي تتضمن تعزيز الرقابة المالية والإدارية، وتنظيم الاستيراد، وضبط السوق المصرفية، بالتعاون مع البنك المركزي اليمني وشركات الصرافة.

بالتوازي، أصدر وزير الإدارة المحلية، حسين الأغبري، توجيهات عاجلة إلى المحافظين بتشديد الرقابة الميدانية على الأسواق المحلية، وضبط أي تلاعب بالأسعار، والتنسيق مع مكاتب وزارة الصناعة والتجارة في كل محافظة لتنفيذ حملات تفتيش فعّالة.

وتضمن تعميم الوزير التأكيد على إحالة المخالفين إلى الجهات المختصة، واتخاذ إجراءات قانونية بحقّ المتلاعبين، بالتنسيق مع الأجهزة الأمنية والنيابات، وذلك في إطار ما وصفه بـ«الواجب الوطني تجاه المواطنين الذين عانوا من تآكل دخولهم بسبب التلاعب بأسعار الصرف والسلع».

تحرك محلّي

في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، دشّن مكتب وزارة الصناعة والتجارة حملة رقابية موسعة شملت أسواق ومراكز تجارية في مختلف المديريات. ووفقاً لمدير عام المكتب، وسيم العمري، فإن فرق التفتيش وجّهت إنذارات عاجلة إلى عدد من التجار لعدم التزامهم بتعديل الأسعار وفقاً للمتغيرات الأخيرة.

وشدّد العمري على أن حماية المستهلك أولوية قصوى لدى السلطات، مؤكداً أن أي محاولة لاستغلال الظروف الاقتصادية ستُقابل بإجراءات صارمة. كما دعا المواطنين للإبلاغ عن أي تجاوزات عبر أرقام الاتصال المخصصة لذلك.

فرق ميدانية في مدينة عدن لمراقبة أسعار السلع بعد تحسن سعر الريال اليمني (سبأ)

وأشار إلى أن غرفة العمليات الخاصة بالحملة تعمل على مدار الساعة لتلقي البلاغات، ومتابعة تنفيذ التوجيهات الحكومية، وأن النزول الميداني مستمر بشكل يومي، إلى حين الوصول إلى نتائج ملموسة على الأرض.

في السياق ذاته، وجّه محافظ تعز، نبيل شمسان، الجهات المختصة في المحافظة، بنشر التسعيرة المخفضة للسلع التموينية خلال 24 ساعة، وتعميمها على التجار كافة والغرفة التجارية، والعمل على ضبط المخالفين وإحالتهم للجهات القضائية.

وأكّد شمسان أن التوجيهات الصادرة من رئاسة الحكومة واضحة، وتستهدف حماية المواطنين من التلاعب، مشيراً إلى أن المحافظة ستوافي السلطات العليا بتقارير يومية عن الإجراءات المتخذة، لضمان الشفافية والمساءلة.

الشارع يترقب

تعليقاً على هذه التطورات، عبّر السكان في عدن وتعز وحضرموت عن أملهم بأن تنعكس هذه الحملة الحكومية على واقعهم المعيشي سريعاً، بعد أن أرهقتهم موجات متتالية من ارتفاع الأسعار.

ويقول عبد الله، وهو موظف حكومي في عدن، إن راتبه لم يعد يساوي شيئاً لشراء الأساسيات في ظل ارتفاع الدولار، مضيفاً: «نتمنى أن تلتزم الأسواق بالتسعيرات المخفضة، فالتحسن في سعر الصرف دون رقابة على الأسواق لا يغير شيئاً».

أما نبيلة، وهي ربة منزل في تعز، فعبّرت عن تفاؤل حذر، مشيرة إلى أن «الحملات السابقة غالباً ما كانت تتوقف دون نتائج»، وتضيف بالقول: «نأمل هذه المرة أن تكون هناك محاسبة حقيقية للمتلاعبين».

وعلى الرغم من هذا التحسن الملموس، يقول خبراء اقتصاديون إن التحديات لا تزال قائمة، أبرزها تذبذب تدفقات النقد الأجنبي، وتعطل صادرات النفط بسبب هجمات الحوثيين، إضافة إلى ضعف مؤسسات الدولة في بعض المحافظات، وتداخل الصلاحيات بين الجهات التنفيذية.

ويؤكد المحللون أن نجاح الحكومة في ترجمة تعافي الريال إلى تحسن حقيقي في حياة اليمنيين سيتوقف على قدرتها على الاستمرار في الإجراءات الرقابية، وملاحقة المتلاعبين بالأسواق، وتعزيز الشفافية، وتوفير بيئة اقتصادية آمنة للقطاع الخاص والمستهلك على حد سواء.

تحسن غير حقيقي

في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، يرى الباحث الاقتصادي اليمني عبد الحميد المساجدي أن هذا التحسن المفاجئ في سعر الريال اليمني لا يمكن اعتباره تحسناً حقيقياً يعكس مؤشرات اقتصادية متينة.

ويصف ما حدث بأنه «أقرب إلى تحرك صادم في السوق سببه مزيج من الإجراءات التنظيمية المؤقتة، مثل إيقاف تراخيص عدد من شركات الصرافة، والتدخلات الظرفية من قبل البنك المركزي اليمني، بالإضافة إلى انتقال بعض الأنشطة المصرفية من صنعاء إلى عدن، ما زاد العرض المؤقت من العملة الأجنبية في السوق».

مبنى مقر البنك المركزي اليمني في العاصمة المؤقتة عدن (رويترز)

ويجزم المساجدي أن هذا التحسن لا يستند إلى مصادر مستدامة للنقد الأجنبي، إذ لم تتغير المعطيات الجوهرية، حيث لا توجد منح أو دعم خارجي جديد، كما أن المساعدات الإنسانية تتناقص، وتحويلات المغتربين لم تشهد قفزة نوعية.

ويشير الباحث الاقتصادي إلى أن عجز الحساب الجاري ما زال قائماً بمستوى مرتفع يُقدّر بأكثر من 4 مليارات دولار سنوياً، وهو ما يجعل من أي تحسن في سعر الصرف دون معالجة هذا العجز مجرد هدنة قصيرة الأجل.

ويوضح المساجدي بالقول: «نحن أمام حالة تحسن سعر صرف غير قابلة للصمود، ما لم تترافق مع إصلاحات هيكلية، واستعادة حقيقية للموارد، ودعم مباشر من شركاء اليمن الإقليميين والدوليين».

ويحذر من أن استمرار الرهان على أدوات محدودة وظرفية سيؤدي إلى ارتداد حادّ في السوق، يعرّض القطاع المصرفي لمزيد من الضغوط، ويضاعف من الأثر المعيشي على المواطنين. وفق تقديره.


مقالات ذات صلة

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

العالم العربي مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

في قبضة القمع الحوثي، تتراجع حرية الصحافة في اليمن إلى مستويات خطيرة، مع تصاعد الانتهاكات ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية، وسط تحذيرات من تغييب الحقيقة.

«الشرق الأوسط» (صنعاء)
العالم العربي مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)

عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

تواجه عدن صيفاً كهربائياً قاسياً، مع عجز يتجاوز 70 % من الاحتياج، وسط تعثُّر مشاريع التوليد، ونقص الوقود، واتساع الأحمال، وازدياد الضغوط على الحكومة اليمنية.

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني رشاد العليمي (إعلام حكومي)

العليمي: الرهان على اعتدال إيران يقود إلى مزيد من الفوضى

جدَّد العليمي تأكيد متانة الشراكة مع واشنطن، داعياً إلى دعم الإصلاحات، ومواجهة التهديدات الإقليمية، بالتوازي مع جهود حكومية لتعزيز الاستقرار الاقتصادي والخدمي.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي حشد موالٍ للحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (أ.ف.ب)

اقتصاد اليمن يدفع تكلفة الحرب الحوثية الباهظة

دفعت الحرب التي فجرتها الجماعة الحوثية اليمن إلى واحدة من أعمق أزماته الاقتصادية والإنسانية، مع خسائر تراكمية للناتج المحلي بلغت 126 مليار دولار وارتفاع البطالة

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي لقاء موسع للقوى والمكونات والقيادات الحضرمية في المكلا برئاسة الخنبشي (سبأ)

القوى الحضرمية تحتشد في المكلا لصوغ رؤية جامعة

لقاء سياسي واسع في المكلا برئاسة الخنبشي يضع مشروع المجلس التنسيقي الأعلى للقوى الحضرمية على طاولة النقاش، وسط دعوات لتوحيد الصف.

«الشرق الأوسط» (عدن)

مصدر مصري: تحركات لإدخال «لجنة غزة» إلى القطاع قبل عيد الأضحى

فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

مصدر مصري: تحركات لإدخال «لجنة غزة» إلى القطاع قبل عيد الأضحى

فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون نازحون ينقلون صناديق في عربة عبر أنقاض المباني المدمرة في جباليا شمال قطاع غزة (أ.ف.ب)

تحدث مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط»، السبت، عن تحركات للوسطاء لإدخال عناصر من «لجنة إدارة غزة» للقطاع قريباً، وهم طرحوا خلال المناقشات أن يكون الموعد قبل عيد الأضحى، مشيراً إلى اجتماعات تستضيفها القاهرة لحركة «فتح» قريباً لتحريك المشهد الفلسطيني الراهن.

وقال المصدر المصري إن «المفاوضات لم تتوقف بسبب اغتيال نجل القيادي في (حماس) خليل الحية ولن تتوقف»، مشيراً إلى أن الوسطاء ينتظرون تجاوب الحكومة الإسرائيلية مع الممثل الأعلى لمجلس السلام بغزة، نيكولاي ملادينوف.

وأكدت «حماس»، الخميس، مقتل عزام الحية، نجل كبير مفاوضيها خليل الحية، متأثراً بجراحه بعد هجوم إسرائيلي استهدفه مع آخرين في مدينة غزة، مساء الأربعاء، وأسفر الهجوم كذلك عن مقتل القائد الميداني في مجموعة نخبة «القسام» (الذراع العسكرية لـ«حماس») بحي الشجاعية، حمزة الشرباصي.

نتنياهو يصافح ملادينوف في القدس يناير الماضي (إ.ب.أ)

وقبل ذلك الاغتيال بيومين، قال ملادينوف عقب لقاء رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو في منشور على حسابه بمنصة «إكس»، إنه أجرى «نقاشاً إيجابياً وجوهرياً مع رئيس الوزراء الإسرائيلي حول المسار المستقبلي، ونعمل مع جميع الأطراف لتحويل هذا الالتزام إلى إجراءات ملموسة، وهذا يتطلب اتخاذ قرارات لتحقيق التقدم»، دون أن يحدد تلك القرارات.

المصدر المصري أوضح أن ذلك اللقاء الذي جمع ملادينوف بنتنياهو «لم يكن ناجحاً، وشهد تقديم ورقة عمل لرئيس الوزراء الإسرائيلي تتضمن مسارات التحرك الجديدة التي سيتم العمل عليها في الفترة المقبلة، إلا أن اللقاء لم يحقق تقدماً، ولم يكن جيداً».

وكشف المصدر عن أهم نقطتين تضمنتهما الورقة التي قدمها ملادينوف؛ أُولاهما السماح بدخول عناصر من «لجنة إدارة قطاع غزة»، حيث تم الاتفاق على أن يتم ذلك خلال الفترة المقبلة وتحديداً قبل عيد الأضحى، والثانية زيادة إدخال المساعدات.

وعن الفترة المقبلة، أعلن المصدر المصري في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، أن «القاهرة ستستقبل خلال الفترة المقبلة قيادات من حركة (فتح) ومختلف أطيافها، قبل المؤتمر العام للحركة (المقرر في 14 مايو «أيار» الحالي)، وتهدف هذه الاجتماعات لدعم القاهرة لإعادة ترتيب الأولويات الفلسطينية في مصر، وذلك بعد النجاح في إجراء الانتخابات البلدية بمشاركة مدينة دير البلح في قطاع غزة، مشيراً إلى أن «الأمور ماضية في إطارها نحو إجراءات إضافية داخل قطاع غزة، بهدف تحريك المشهد الراهن».

فلسطينيون في مدينة غزة يشيّعون عزام الحية نجل كبير مفاوضي «حماس» يوم الخميس بعد مقتله في هجوم إسرائيلي الأربعاء (رويترز)

وأشار المصدر إلى أن الاتصالات بشأن استكمال تنفيذ وقف إطلاق النار لم تتوقف، وهناك إصرار من قبل القاهرة على إنجاح المسار الحالي وإعادة الأمور إلى نصابها، والبناء على ما تحقق، وعدم إعطاء فرصة للجانب الإسرائيلي للتنصل مما تم الاتفاق عليه». كما تجري «اتصالات مستمرة مع الجانبين التركي والقطري، بالإضافة إلى دور إماراتي، لدفع اتفاق غزة»، وفق المصدر ذاته.

ولفت إلى أن «الأطراف حالياً في مرحلة ترقب لمدى استجابة الجانب الإسرائيلي للضغوط الدولية والإقليمية عليها، مع تحركات لتعزيز الاتصالات مع الجانب الأميركي لإجراء مزيد من الضغوط على نتنياهو الذي يتذرع بعدم تحقيق اختراقات في ملف السلاح وعدم تجاوب (حماس)، التي لديها قبول حالياً لفكرة دمج المراحل مع وجود ضمانات».

وأكد أن «هناك إدراكاً من القاهرة لقيمة عنصر الوقت، خاصة مع اقتراب الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية، وبهدف عدم إعطاء فرصة لنتنياهو لمزيد من المراوغة»، مرجحاً أن تشهد الفترة المقبلة تطوراً ملموساً بدخول بعض عناصر لجنة إدارة قطاع غزة، قد تدخل إلى غزة قريباً.

وفي يناير (كانون الثاني) الماضي، عقب تشكيل «لجنة إدارة غزة»، نقلت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية، عن مصادر، أن حكومة بنيامين نتنياهو ترفض السماح لأعضاء اللجنة بدخول قطاع غزة، لافتة إلى أنهم يواصلون اجتماعاتهم في القاهرة، ويعمل ممثلو الوسطاء، وخاصة مصر، مع الولايات المتحدة للموافقة على دخول اللجنة إلى غزة.


الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون قمع الصحافة ويُحكمون الرقابة

مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون يرددون «الصرخة الخمينية» خلال تجمع في صنعاء (أ.ف.ب)

صعّدت الجماعة الحوثية خلال الفترة الأخيرة من حملاتها ضد الصحافيين والمؤسسات الإعلامية في المناطق الخاضعة لسيطرتها، في مسار يستهدف إحكام القبضة على المجال العام، ومنع أي أصوات ناقدة من كشف الوقائع على الأرض، في وقت تزداد فيه التحذيرات المحلية والدولية من التدهور الحاد الذي يطول واقع حرية الصحافة في اليمن.

وكشفت سلسلة الإجراءات القمعية التي اتخذتها الجماعة، من مداهمات واعتقالات واستدعاءات أمنية ومحاكمات غير عادلة، عن سياسة متواصلة لتجفيف ما تبقى من المساحات الإعلامية المستقلة، وسط اتهامات باستخدام أدوات القمع لإسكات الأصوات التي تنقل معاناة السكان، أو تفتح ملفات الفساد والانتهاكات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث حلقات هذا التصعيد، استولت الجماعة الحوثية على أرض تابعة للصحافي اليمني طه المعمري، مالك شركتي «يمن ديجيتال ميديا» و«يمن لايف»، وشرعت في البناء عليها من دون أي مسوغ قانوني، وفق ما أكدته مصادر حقوقية وإعلامية.

وأثارت هذه الخطوة موجة تنديد واسعة، بوصفها امتداداً لسلسلة طويلة من الإجراءات التي استهدفت المعمري خلال السنوات الماضية، وشملت مصادرة أمواله وممتلكاته، والاستيلاء على منزله ومقر مؤسساته الإعلامية، بما في ذلك معدات البث والأرشيف، إلى جانب إصدار حكم غيابي بالإعدام بحقه، في واحدة من أبرز القضايا التي تعكس حجم التضييق على الإعلاميين في مناطق سيطرة الجماعة.

مسلحون حوثيون يحرسون تجمعاً في صنعاء (إ.ب.أ)

ولم تقتصر الانتهاكات على العاصمة المختطفة صنعاء، بل امتدت إلى محافظة إب، حيث اقتحم مسلحون حوثيون مبنى إذاعة «سما إب» الخاصة، وأغلقوها نهائياً بعد فترة وجيزة من انطلاق بثها، في خطوة مفاجئة فجّرت موجة استياء واسعة في الأوساط الإعلامية والحقوقية.

وحسب مصادر محلية، فإن عملية الإغلاق تمت من دون إعلان مسبق أو تقديم أي مبررات رسمية، رغم أن الإذاعة كانت تقدم محتوى يومياً متنوعاً يتماشى، في كثير من جوانبه، مع طبيعة الخطاب الإعلامي السائد في مناطق سيطرة الجماعة، مما عزز الاعتقاد بأن أي مساحة إعلامية خارجة عن السيطرة المباشرة باتت هدفاً محتملاً للإغلاق أو المصادرة.

في السياق نفسه، اختطفت عناصر حوثية الصحافي فؤاد المليكي من منزله في مدينة إب، ونقلته إلى جهة مجهولة، مع استمرار رفضها الكشف عن مكان احتجازه أو مصيره.

جاءت عملية الاختطاف، وفق مصادر مطلعة، على خلفية اتهامه بإدارة حسابات على مواقع التواصل الاجتماعي تنشر ملفات تتعلق بالفساد الإداري، وتسلط الضوء على ممارسات عبثية لقادة ومسؤولين محليين موالين للجماعة في المحافظة.

تصنيف دولي

على وقع هذه التطورات، جاء تقرير دولي حديث ليعكس حجم التدهور الذي أصاب واقع الصحافة في اليمن، بعدما صنف البلاد ضمن المستوى «الخطير جداً» في مؤشر حرية الصحافة العالمي للعام الجاري، واضعاً اليمن في المرتبة 164 من أصل 179 دولة.

ويشير التقرير إلى تراجع اليمن عشرة مراكز مقارنةً بالعام السابق، في مؤشر إضافي على اتساع دائرة المخاطر التي تواجه الصحافيين، سواء من خلال الاعتقالات والاختطافات، أو عبر التهديدات المباشرة والهجمات التي تطول العاملين في المجال الإعلامي.

أشخاص يستقلّون دراجة نارية في أحد الشوارع بمدينة إب (الشرق الأوسط)

كما وثّق التقرير مقتل صحافي واعتقال اثنين آخرين خلال العام الحالي، في استمرار لمسلسل الاستهداف الذي حوّل العمل الصحافي في اليمن إلى مهنة محفوفة بالمخاطر، في ظل غياب بيئة قانونية ضامنة للحريات، واستمرار توظيف المؤسسات القضائية والأمنية في تصفية الحسابات السياسية مع الإعلاميين.

بيئة خانقة وغير آمنة

على وقع هذه الصورة القاتمة، حذّرت نقابة الصحافيين اليمنيين من تدهور غير مسبوق في أوضاع الصحافة، مؤكدةً أن بيئة العمل الإعلامي أصبحت أكثر تقييداً وخطورة، مع تصاعد الانتهاكات وتفاقم الضغوط المهنية والمعيشية التي تواجه العاملين في هذا القطاع.

وقالت النقابة إن الصحافيين باتوا يواجهون تحديات مركبة تشمل الملاحقات الأمنية، والتدخلات في طبيعة العمل الإعلامي، والضغوط الاقتصادية الناتجة عن تدني الأجور وغياب الحماية الاجتماعية، فضلاً عن هشاشة المؤسسات الإعلامية وتراجع قدرتها على توفير الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي للعاملين فيها.

مدينة إب اليمنية تعيش في فوضى أمنية برعاية حوثية (فيسبوك)

وأبدت النقابة قلقاً بالغاً حيال الحالة الصحية للصحافي وليد علي غالب، نائب رئيس فرع النقابة في الحديدة، المعتقل لدى الحوثيين، مطالبةً بالإفراج الفوري عنه وتوفير الرعاية الصحية اللازمة له.

وأكدت أن تسعة صحافيين لا يزالون رهن الاحتجاز في ظروف وُصفت بالمقلقة، داعيةً إلى الإفراج عنهم، ووقف الملاحقات ذات الطابع السياسي، وتعزيز استقلال القضاء، ومنع استخدامه أداةً للضغط على الإعلاميين.


عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
TT

عدن تستقبل صيفها الملتهب بنقص حاد في الكهرباء

مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)
مشاريع كهرباء في عدن تعثرت بسبب اختلالات فنية وتمويلية (إعلام محلي)

مع دخول فصل الصيف، وارتفاع درجات الحرارة على امتداد السواحل اليمنية، تتجه أزمة الكهرباء في مدينة عدن إلى مزيد من التعقيد، في ظل اتساع الفجوة بين القدرة التوليدية المتاحة وحجم الطلب المتزايد على الطاقة، نتيجة النمو السكاني المتسارع، والتوسع العمراني الكبير، وتهالك البنية التحتية لمحطات التوليد، إلى جانب تعثُّر مشاريع استراتيجية كان يُعوَّل عليها في تخفيف حدة الأزمة المزمنة التي تعيشها المدينة منذ سنوات.

وتكشف بيانات حكومية عن واقع بالغ الصعوبة؛ إذ لا تغطي القدرة التوليدية الفعلية لمحطات الكهرباء في العاصمة اليمنية المؤقتة سوى نحو 30 في المائة من الاحتياج اليومي، وهو ما يفرض عجزاً يتجاوز 70 في المائة خلال ساعات الذروة الليلية.

ويفرض هذا النقص الحاد تطبيق برامج تقنين قاسية تنعكس آثارها على مختلف مناحي الحياة، من المنازل إلى المستشفيات، ومن المؤسسات الخدمية إلى النشاط التجاري، مع امتداد التأثيرات إلى محافظتَي لحج وأبين المجاورتين المرتبطتين جزئياً بالشبكة.

ويأتي هذا الوضع في وقت تزداد فيه الأحمال الكهربائية بشكل موسمي، مع اعتماد السكان الواسع على وسائل التبريد لمواجهة حرارة الصيف المرتفعة، ما يجعل المنظومة الكهربائية أمام اختبار شديد القسوة، في ظل محدودية الموارد الحكومية وتعثر الحلول الإسعافية والاستراتيجية معاً.

محطات الكهرباء في عدن تعمل بأقل من نصف طاقتها (إعلام حكومي)

وحسب مدير الإعلام في وزارة الكهرباء والطاقة، محمد المسبحي، فإن إجمالي الطلب على الكهرباء في عدن يبلغ نحو 630 ميغاواط، في حين لا يتجاوز التوليد الفعلي خلال ساعات النهار 257 ميغاواط، بما في ذلك مساهمة الطاقة الشمسية، ما يعني وجود عجز يومي يصل إلى 373 ميغاواط، وهو رقم يعكس اتساع الفجوة بين الاحتياج والإنتاج.

لكن الأزمة تبلغ ذروتها خلال ساعات الليل، حين يتراجع الإنتاج إلى 191 ميغاواط فقط، مقابل عجز يصل إلى 439 ميغاواط، أي ما يقارب 70 في المائة من إجمالي الاحتياج، وهو ما يفسر الانقطاعات الطويلة التي تشهدها المدينة، ويضع السكان أمام واقع معيشي بالغ القسوة؛ خصوصاً مع ارتفاع درجات الحرارة والرطوبة الساحلية.

ويحذر مسؤولون في قطاع الكهرباء من أن استمرار هذا الوضع، بالتزامن مع اقتراب الأحمال من ذروتها خلال الأسابيع المقبلة، قد يقود إلى مزيد من الانهيار في الخدمة، ما لم تُتخذ إجراءات عاجلة لزيادة الإنتاج وتأمين الوقود ورفع كفاءة المحطات العاملة.

مشاريع ناقصة

جانب مهم من الأزمة يرتبط -وفق المسؤولين- بعدم اكتمال عدد من مشاريع التوليد الجديدة بالشكل الذي يضمن تشغيلها وفق طاقتها التصميمية. فمحطة شركة «بترو مسيلة»، التي تعد أكبر محطات التوليد في عدن، لم يُستكمل فيها حتى الآن إنشاء خزانات الغاز اللازمة لتشغيلها وفق الخطة الفنية الموضوعة، ما أجبر المؤسسة العامة للكهرباء على تشغيلها بالنفط الخام، وهو خيار أعلى تكلفة وأكثر تعقيداً من الناحية التشغيلية، فضلاً عن صعوبة تأمينه بالكميات المطلوبة.

ونتيجة لذلك، لا تنتج المحطة حالياً سوى نحو 95 ميغاواط، رغم أن قدرتها التشغيلية يمكن أن ترتفع إلى قرابة 230 ميغاواط إذا توفرت كميات الوقود المطلوبة واستكملت التجهيزات الفنية اللازمة.

حملة لمكافحة الربط العشوائي للكهرباء في عدن وتحصيل المديونيات (إعلام حكومي)

ولا تقف المشكلة عند هذه المحطة، إذ تؤكد المصادر أن المرحلة الثانية من المشروع، التي كان يُعوَّل عليها لتقليص العجز بشكل ملموس، لا تزال متأخرة رغم مرور سنوات على اكتمال المرحلة الأولى. كما أن المحطة القطرية، التي خُطط لها أن تعمل على 3 مراحل بإجمالي قدرة تصل إلى 280 ميغاواط، لم تُستكمل وفق الرؤية الفنية المطلوبة، ما حرم الشبكة من قدرات توليدية كان يمكن أن تُحدث فارقاً واضحاً في مستوى الخدمة.

ويرى مختصون أن الصراعات السياسية، وعدم الاستقرار الإداري، وتعثر التمويل، أسهمت مجتمعة في فقدان المنظومة ما يقارب 400 ميغاواط من الطاقة التي كان يمكن أن تدخل الخدمة خلال السنوات الماضية، وهو رقم كفيل بتغيير المشهد الكهربائي في عدن بصورة كبيرة لو أُنجزت المشاريع كما خُطط لها.

أزمة وقود وتمويل وديون

إلى جانب الاختلالات الفنية، تواجه الحكومة اليمنية أزمة تمويل خانقة تعيق تنفيذ الخطط الإسعافية. وكان وزير الكهرباء والطاقة، عدنان الكاف، قد تحدث عن خطة عاجلة تشمل تأمين إمدادات منتظمة من النفط الخام لتشغيل توربينات «بترو مسيلة» بكامل طاقتها، إلى جانب تنفيذ أعمال صيانة لمحطات التوليد الأخرى لرفع كفاءتها التشغيلية، غير أن هذه الخطة اصطدمت بالعجز المالي الذي تواجهه الحكومة.

وترتبط هذه الأزمة المالية بشكل مباشر بتوقف صادرات النفط، التي تمثل أحد أهم الموارد السيادية، بعد الهجمات الحوثية على موانئ التصدير وتهديد ناقلات النفط، وهو ما تسبب في تراجع الإيرادات الحكومية بصورة حادة، وألقى بظلاله على مختلف القطاعات الخدمية، وفي مقدمتها الكهرباء.

وفي مواجهة هذا الواقع، اتجهت وزارة الكهرباء اليمنية إلى إطلاق حملات ميدانية لمكافحة الربط العشوائي والمزدوج، باعتبار هذه الظاهرة من أبرز أسباب زيادة الأحمال وارتفاع نسبة الفاقد الفني والتجاري، فضلاً عن تسببها في أعطال متكررة على مستوى الشبكات.

أزمة الكهرباء في عدن تضاعف التحديات أمام الحكومة اليمنية (إعلام حكومي)

وترى الوزارة أن الحد من هذه الظاهرة يمكن أن يسهم في تخفيف الضغط على شبكات النقل والتوزيع، ورفع كفاءة التشغيل، وترشيد استهلاك الوقود، غير أن هذه المعالجات تبقى جزئية ما لم تُرفق بإصلاحات أوسع في منظومة التحصيل والإدارة.

وفي هذا السياق، تتجه المؤسسة إلى تشديد إجراءات تحصيل المتأخرات المالية، بما في ذلك إلزام الوزارات والجهات الحكومية بسداد مديونياتها، إلى جانب تعزيز حملات التحصيل لدى المشتركين، ونشر ثقافة الالتزام بسداد الفواتير.

كما تعمل الوزارة على إدخال نظام الدفع المسبق إلى المنازل، لضمان تحصيل قيمة الاستهلاك مستقبلاً، بعد سنوات طويلة توقف خلالها معظم صغار المستهلكين عن دفع التعريفة الشهرية.

لكن التحدي الأكبر لا يزال يتمثل في كيفية التعامل مع المديونية المتراكمة على قطاع واسع من المستهلكين، وهي قضية شائكة ترتبط بالأوضاع الاقتصادية الصعبة، وتراجع القدرة الشرائية، وغياب الثقة باستقرار الخدمة.