بعد قصف إسرائيل ضد «المعمداني»... ماذا تبقى من مستشفيات غزة؟

الاحتلال استهدف 36 مستشفى... ومليون شخص شمال القطاع باتوا بلا خدمات طبية حقيقية

TT

بعد قصف إسرائيل ضد «المعمداني»... ماذا تبقى من مستشفيات غزة؟

امرأة تقف وسط الأنقاض في أعقاب الغارة الإسرائيلية على المستشفى المعمداني في غزة (أ.ف.ب)
امرأة تقف وسط الأنقاض في أعقاب الغارة الإسرائيلية على المستشفى المعمداني في غزة (أ.ف.ب)

تواصل إسرائيل استهداف المستشفيات والمراكز الطبية المختلفة في غزة، في ضغط إضافي على حركة «حماس» عبر تدمير المنظومة الصحية بشكل كامل، ومنع المنظمات الأممية والدولية من إدخال أي مواد طبية أو معدات، وحتى الوقود المخصص لتشغيلها منذ نحو شهر كامل.

واستهدفت طائرات حربية إسرائيلية، فجر الأحد، مبنى الاستقبال والطوارئ في مستشفى الأهلي العربي «المعمداني» الذي ترعاه وتديره الكنيسة الأسقفية الإنجليكانية، التي تتخذ مقراً رئيسياً لها في مدينة القدس المحتلة، وذلك بعد أن طلبت من إدارته إخلاء المبنى.

وجاءت الغارة الإسرائيلية، لتضاف إلى قصف آخر استهدف في الثالث والعشرين من مارس (آذار) الماضي، غرفة طبية داخل مجمع ناصر الطبي، وأسفر عن اغتيال إسماعيل برهوم عضو المكتب السياسي لحركة «حماس»، الذي كان يتلقى العلاج نتيجة إصابته بجروح بالغة إثر قصف طاله قبل أيام من تلك الغارة.

«المعمداني» خارج الخدمة

وأكدت وزارة الصحة بغزة، وكذلك إدارة المستشفى «المعمداني»، أنه خرج عن الخدمة بالكامل مؤقتاً بعد قصفه، وخشية تجدد قصف أي مبان أخرى بداخله.

وتعرض قسم الطوارئ والاستقبال لتدمير كامل، فيما تضررت أقسام منها المختبر، والصيدلية، وقسم الأشعة، بنسب متفاوتة تسببت في وقف العمل بشكل كامل فيها.

وتسبب القصف في نقل غالبية المرضى إلى مستشفيات أخرى، بعد أن أصبح «المعمداني» خالياً من الطواقم الطبية خشية على حياتهم.

وهذه ليست المرة الأولى التي يتعرض لها المستشفى لهجمات إسرائيلية، حيث تم استهدفه في الأسابيع الأولى للحرب، وتحديداً في 17 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بهجوم دام، قتل وأصيب على إثره مئات من الفلسطينيين، وكان مواكباً لأول زيارة يجريها الرئيس الأميركي السابق جو بايدن لإسرائيل بعد هجوم السابع من أكتوبر، الذي رفض حينها تحميل إسرائيل مسؤولية عن الهجوم.

ونفت إسرائيل آنذاك مسؤوليتها، وزعمت أن صاروخاً أطلقته حركة «الجهاد الإسلامي» كان سبباً في الحادثة، وبعد أشهر اعتقلت عناصر من الحركة ونشرت لهم مقاطع فيديو قالوا فيها إن الحادث نتيجة الصاروخ، فيما نفت الحركة مراراً وتكراراً تلك الروايات، وأكدت أن الاحتلال من ارتكب المجزرة، وأكدت أن الاعترافات جاءت تحت التعذيب للمعتقلين.

كما تعرض «المعمداني» إلى اقتحام من قبل قوات برية إسرائيلية وصلت إليه من حيي الزيتون والشجاعية، ومناطق أخرى قريبة، وذلك في ديسمبر (كانون الأول) 2023، إذ اعتقلت عدداً من الأطباء والممرضين، والجرحى والمرضى والمرافقين لهم، من داخله.

وبقي المستشفى بعد هاتين الحادثتين خارج الخدمة لأشهر، قبل أن تنجح «منظمة الصحة العالمية» في إعادة تأهيله عبر تزويده ببعض المعدات لتشغيله، حتى أصبح المشفى الوحيد في مدينة غزة والشمال الذي يعمل بشكل شبه كامل، بعد أن تعرضت مستشفيات أخرى للقصف والتدمير وللاقتحام ما أخرجها عن الخدمة فعلياً.

وأصبح المستشفى يخدم سكان مدينة غزة وشمال القطاع الذين كان يقدر عددهم بنحو 350 ألف نسمة بعد أن نزح أكثر من 800 ألف من سكان تلك المناطق إلى وسط وجنوب القطاع تحت ضربات الجيش الإسرائيلي.

ماذا تبقى؟

في أعقاب الاستهداف الجديد لمستشفى «المعمداني»، يكون الجيش الإسرائيلي قد استهدف فعلياً 36 مستشفى ومركزاً طبياً في غزة خلال الحرب، وأعيد بعضها للعمل بشكل جزئي بعد تأهيلها وتشغيلها من منظمات دولية.

وخصصت وزارة الصحة في غزة، عقب الاستهداف، مجمع الشفاء الطبي الذي يعمل جزئياً بعد إعادة تأهيل عيادته الخارجية ليكون مركزاً للحالات الطارئة مثل جرحى القصف الإسرائيلي، إلى جانب مستشفى الهلال الأحمر الميداني في ساحة «السرايا» وسط مدينة غزة، الذي يعمل وفق إمكانات محدودة.

مجمع الشفاء الطبي بغزة بعد انسحاب الجيش الإسرائيلي منه (د.ب.أ)

كما جاء في القائمة مستشفى القدس التابع أيضاً للهلال الأحمر في حي تل الهوى جنوب مدينة غزة، الذي يعمل جزئياً بفعل استهدافه سابقاً.

وبذلك تكون كل المستشفيات القادرة على التعامل مع الحالات المرضية والطارئة والجرحى إثر العدوان الإسرائيلي تعمل بكفاءة جزئية، في مناطق مدينة غزة وشمال القطاع التي يقطنها حالياً بعد عودة النازحين ما لا يقل عن مليون شخص.

كما يعمل في تلك المناطق، مستشفى الحلو الدولي، ومستشفى أصدقاء المريض، ومجمع الصحابة الطبي، وهي عبارة عن مستشفيات خاصة، لكنها تعرضت لأضرار نتيجة قصف إسرائيلي واقتحامها عدة مرات سابقاً، حيث تخدم بشكل أساسي النساء الحوامل، والمواليد، والأطفال بشكل عام، وغير مجهزة لاستقبال أي حالات نتيجة القصف الإسرائيلي، وعدم توفر طواقم طبية وإمكانات لذلك.

كما يعمل مستشفى العودة الخاص، ومستشفى الإندونيسي الحكومي، في منطقة شمال القطاع، وتحديداً تل الزعتر وبيت لاهيا، لكنهما يعملان بشكل محدود جداً نتيجة استهدافات إسرائيلية متكررة لهما، وبالكاد لا يمكنهما سوى استقبال جثث الضحايا، وبعض الجرحى ممن يستطيعون تقديم العلاج لهم، فيما كان غالبيتهم يتم تحويلهم لمستشفى «المعمداني».

أما مناطق وسط القطاع وجنوبه، فما زالت تعمل فيها مستشفيات مركزية، هي «شهداء الأقصى» و«العودة» في منطقتي دير البلح والنصيرات (على الترتيب) وسط القطاع، ومجمع ناصر الطبي، ومستشفى غزة الأوروبي في خان يونس جنوباً.

وفي منطقة المواصي غرب القطاع توجد بعض المستشفيات الميدانية، مثل «الهلال الأحمر، والكويتي، والإماراتي، والقطري، والأميركي»، لكن خدماتها محدودة في استقبال الجرحى والمرضى.

وتؤكد وزارة الصحة بغزة أن ما تبقى من المستشفيات في القطاع غير مكتمل الخدمات، ولا يمكن أن يقدم الخدمات الطبية والجراحية المطلوبة، مشيرة إلى أن مليون شخص في مدينة غزة وشمالها باتوا بلا خدمات حقيقية تتعلق بالإسعاف والطوارئ بشكل أساسي بعد قصف المستشفى «المعمداني».

ادعاءات إسرائيلية

وادعت إسرائيل أن المبنى الذي استهدفته فجر الأحد، في «المعمداني» تستخدمه «حماس» بوصفه مقر قيادة وتحكم لتنفيذ هجمات ضدها.

لكن شهوداً ومترددين على المستشفى أكدوا أن المستهدف مبنى صغير يستقبل الحالات الطارئة للمعاينة الأولية مثل جرحى الغارات الإسرائيلية، ومعاينة جثث القتلى قبل تحويلها لثلاجات الموتى، فيما يتم لاحقاً نقل الجرحى إلى أقسام تخصصية لتلقي العلاج فيها.

وقال إداريون في المستشفى لـ«الشرق الأوسط» إن قسم الاستقبال والطوارئ «كان لا يتوقف عن العمل تقريباً بسبب كثافة حركة المرضى والجرحى والطواقم وكذلك ازدحام الممرضين والأطباء بداخله»، وأضافوا أنه «بافتراض صحة المزاعم الإسرائيلية فإن أي حركة لعناصر من الفصائل ستكون مكشوفة وكنا سنعلم بها، وهو ما لم يحدث، ويؤكد كذب رواية جيش الاحتلال».

وفي الحرب الإسرائيلية على قطاع غزة، لم تسلم أي من مستشفيات القطاع من أي غارات جوية أو عمليات برية أو حتى قصف مدفعي، وتعرضت جميعها للاستهداف المتكرر بحجج أمنية، منها أن حركة «حماس» تتخذها مقرات لقياداتها، أو أسفلها أنفاق، أو أنها مقرات تحكم وقيادة، وهو ما لم يثبت فعلياً في جميع العمليات، مروراً بما جرى في مستشفيي الشفاء أو الرنتيسي بمدينة غزة، وصولاً لمجمع ناصر الطبي ومستشفى الكويتي في خان يونس ورفح جنوب القطاع.

وتقدر مصادر ميدانية في غزة أن هدف القصف هو «الضغط أكثر على (حماس) على هامش المفاوضات التي تجري في القاهرة بشأن وقف إطلاق النار، لإحكام الأزمة الإنسانية في ظل تصاعد موجة الجوع واتساع الأزمات المتلاحقة على مختلف المستويات».

فلسطينيون يوزعون وجبات غذائية وسط تصاعد المخاوف من مجاعة في قطاع غزة (رويترز)

وفي عدة مرات خرج الجيش الإسرائيلي بمقاطع فيديو ادعى فيها العثور على أنفاق أسفل بعض تلك المستشفيات مثل الشفاء والرنتيسي، إلا أنه تبين لاحقاً عبر تأكيدات من مصادر إسرائيلية ومنها رئيس الوزراء الإسرائيلي الأسبق إيهود باراك، أنها «مجرد ممرات أو ملاجئ، بنيت أثناء الحكم البريطاني أو الاحتلال العسكري الإسرائيلي للقطاع». إلى جانب أن ما عثر عليه في مستشفى الرنتيسي للأورام، كان مخزناً أسفل الأرض لصالح آبار المياه، وتشغيل محطات الأوكسجين وغيرها. وأكدت «حماس» وفصائل أخرى، إلى جانب وزارة الصحة بغزة، عدم صحة الروايات الإسرائيلية.


مقالات ذات صلة

لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

شؤون إقليمية ملصق انتخابي يظهر فيه غادي آيزنكوت رئيس الأركان الإسرائيلي السابق ورئيس حزب «يشار» (المستقيم) ومنافسه رئيس الوزراء الحالي بنيامين نتنياهو (إ.ب.أ)

لكمات متبادلة وثقيلة قبل أسبوعين من الانتخابات الإسرائيلية

لجأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ومنافسه على رئاسة الحكومة غادي آيزنكوت، إلى تبادل اللكمات الثقيلة خلال الأسبوعين المتبقيين من المعركة الانتخابية.

نظير مجلي (تل أبيب)
المشرق العربي Palestinians walk amidst destroyed buildings in Gaza City (AP)

مقتل فلسطيني وإصابة آخرين إثر قصف إسرائيلي على مدينة غزة

قُتل فلسطيني وأصيب آخرون اليوم الخميس، جراء قصف مُسيَّرة إسرائيلية مجموعة من المواطنين شمال غرب مدينة غزة.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي فلسطينيون يسيرون وسط مبانٍ مدمرة في مدينة غزة (أ.ب) p-circle

تقرير: إسرائيل تعرقل بناء قاعدة رئيسية في غزة تابعة لمجلس السلام

ذكر تقرير صحافي أن إسرائيل ترفض السماح بالمضي قدماً في مشروع لإنشاء موقع عسكري متقدم في قطاع غزة لصالح مجلس السلام التابع للرئيس الأميركي دونالد ترمب.

«الشرق الأوسط» (غزة)
خاص صبي فلسطيني يجلس وسط ممتلكات أسرته بعد أن هدمت القوات الإسرائيلية غرفة كانوا يسكنونها في قرية «أم الخير» بالضفة الغربية المحتلة الأربعاء (أ.ف.ب)

خاص حوار فلسطيني مصغر في القاهرة تمهيداً لـ«اجتماع شامل»

حراك فلسطيني جديد تشهده العاصمة المصرية القاهرة، للمرة الثانية في أقل من أسبوع، بهدف الدفع إلى إقامة حوار شامل بعد تأجيل الانتخابات الفلسطينية.

«الشرق الأوسط» (غزة) محمد الريس (القاهرة )
خاص القيادي في «حماس» علي العامودي (المركز الفلسطيني للإعلام التابع لـ«حماس»)

خاص «الشرق الأوسط» تكشف وقائع نجاة قائد «حماس» في غزة من الاغتيال الإسرائيلي

نجا قائد «حماس» في غزة علي العامودي، من عملية اغتيال في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وأدت حينها لمقتل 5 فلسطينيين.

«الشرق الأوسط» (غزة)

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

الصومال يعلن تنظيم انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

أعلن الصومال الخميس إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية العام المقبل، رغم المشهد السياسي المتزايد الانقسام والمخاوف من تنامي عدم الاستقرار في البلاد.

وكانت ولاية الرئيس حسن شيخ محمود قد انتهت في وقت سابق من هذا العام، في حين أعلنت حكومته في مايو (أيار) «فترة انتقالية» رغم وجود اتفاق مع المعارضة على إجراء الانتخابات.

وسعى حسن شيخ محمود إلى تحويل الصومال نحو نظام انتخابات ديمقراطية، بديلاً عن النظام القائم على شيوخ العشائر، إلا أن مساعيه قوبلت بمعارضة من قادة الأقاليم، معتبرين أنها محاولة للاستحواذ على السلطة.

وفي ظل سيطرة «حركة الشباب» المتمردة على أجزاء واسعة من البلاد، لم يُحرَز سوى تقدم محدود في تنظيم الانتخابات خارج عدد قليل من المناطق المحلية. غير أن لجنة الانتخابات أعلنت في بيان أن الانتخابات البرلمانية ستُجرى في 15 أبريل (نيسان) 2027، على أن تليها انتخابات رئاسية مقررة في 15 مايو.

وقالت إن الانتخابات الرئاسية ستُجرى وفقاً لقانون «ينص على أن مدة ولاية الرئيس هي خمس سنوات، تبدأ بتاريخ أداء الرئيس اليمين لتولي المنصب».

وتولى حسن شيخ محمود السلطة عام 2022، لكنه يعتبر أنه مُنح عاماً إضافياً في الرئاسة بعد إقرار البرلمان في وقت سابق من هذا العام تعديلاً دستورياً وضع إطاراً للانتخابات، ومدّد الاستحقاق الانتخابي. وقاطعت أحزاب المعارضة ذلك التصويت ورفضت التعديلات.


هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
TT

هجوم حوثي على القصر الرئاسي في عدن

قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)
قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (أرشيفية - سبأ)

شنَّت الميليشيا الحوثية، الخميس، هجوماً بالصواريخ على محيط قصر معاشيق الرئاسي في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن؛ ما أدى إلى مقتل اثنين من الحراسة الرئاسية وإصابة آخرين، ووقوع أضرار مادية في المنشأة.

وبينما أقرَّت الجماعة بتنفيذ الهجوم، أكدت وزارة الإعلام اليمنية سلامة رئيس الوزراء شائع الزنداني وأعضاء الحكومة، مشيرة إلى أنهم لم يعودوا يعقدون اجتماعاتهم داخل القصر بصفة دائمة تحسباً لهذه الهجمات.

واطمأن رئيس مجلس القيادة اليمني الدكتور رشاد العليمي، في اتصالات هاتفية، على سلامة عضوي مجلس القيادة الفريق الركن عبد الرحمن المحرمي، والفريق الركن محمود الصبيحي، ورئيس مجلس الوزراء الدكتور شائع الزنداني، وأعضاء الحكومة، عقب الهجوم الإرهابي، حيث استمع إلى تقرير أولي بشأن آثاره، والإجراءات المتخذة للتعامل مع تداعياته.

وأكد العليمي أن الهجوم الحوثي على القصر يمثل امتداداً لنهج الميليشيات في الاعتداء على المطارات والمنشآت النفطية والأعيان المدنية في اليمن والسعودية، وتهديد أمن المنطقة وممراتها المائية، ويكشف مجدداً عن الطبيعة الإرهابية للحوثيين، وعجزهم عن مواجهة إرادة اليمنيين في استعادة المؤسسات الوطنية.

وشدَّد الرئيس على أن الدولة ستواصل أداء مسؤولياتها الدستورية بكل حزم، وأن حماية منشآتها السيادية، ومواطنيها مسؤولية لا تقبل المساومة، مُوجِّهاً الجهات العسكرية والأمنية المختصة باتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مؤسسات الدولة والتصدي للتهديدات الإرهابية، والرد المناسب على مصادر التهديد، وفقاً للقانون وبما يكفل حماية المدنيين والأعيان المدنية.

العليمي اطمأن هاتفياً على المحرمي والصبيحي والزنداني وأعضاء الحكومة عقب الهجوم (سبأ)

بدوره، أكد مجلس الوزراء أن الاعتداء على قصر معاشيق بالصواريخ والطائرات المسيّرة، يكشف عن النهج الإرهابي للحوثيين وإمعانهم في استهداف المدنيين، مشدداً على أنه لن يثني الحكومة عن أداء مسؤولياتها، وواجباتها تجاه المواطنين، ومواصلة معركة استعادة الدولة ومؤسساتها وإنهاء الانقلاب التي تمضي بها عملية «فجر اليمن».

وأوضح المجلس، في بيان، أن هذا الاستهداف يأتي في سياق نمط متصاعد من الإرهاب الحوثي الذي لم يقتصر على استهداف مؤسسات الدولة، بل امتد إلى الاعتداءات على الأعيان المدنية والمنشآت الحيوية في السعودية، وقصف الأحياء السكنية بمحافظتي تعز ولحج، بما يعرض حياة المدنيين للخطر ويضاعف معاناتهم.

ونوَّه البيان إلى أن الحوثيين يمثلون تهديداً مباشراً لأمن اليمن وجواره، وللاستقرار الإقليمي والمصالح الحيوية في المنطقة، مضيفاً: «لن يكون مستقبل اليمن رهناً لميليشيا تحمل السلاح في وجه شعبها، وتستهدف أمن جيرانها، وتراهن على العنف لتعويض رفض اليمنيين لمشروعها الانقلابي».

ودعا المجلس المجتمع الدولي والأمم المتحدة إلى اتخاذ موقف واضح وحازم إزاء هذه الاعتداءات، وعدم التعامل معها باعتبارها حوادث منفصلة عن سياقها، وممارسة الضغوط اللازمة لوقف استهداف المدنيين والمنشآت المدنية، ومحاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، بما يضمن عدم إفلاتهم من المساءلة.

وأشار البيان إلى مُضي الحكومة في أداء واجباتها، ومساندة القوات المسلحة والتشكيلات العسكرية والأجهزة الأمنية والمقاومة الشعبية في معركة استعادة سلطة الدولة، وتعزيز حضور مؤسساتها وخدماتها، وحماية المواطنين، بالتوازي مع مواصلة الجهود السياسية والاقتصادية والإنسانية اللازمة لتخفيف معاناة الشعب اليمني.


نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
TT

نازحو اليمن بين نيران الحوثيين ومخاطر الأوبئة

آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)
آلاف الفارين من تصعيد الحوثيين من دون مأوى ورعاية طبية (إعلام محلي)

تزداد المخاوف في ظل تصاعد أعداد النازحين الجدد في اليمن مع استمرار الحوثيين في استهداف التجمعات السكنية بمدينة تعز وأريافها، في وقت تتسع فيه الأزمة الإنسانية بفعل ارتفاع الإصابات المشتبه بها بالكوليرا، وتراجع قدرة المرافق الصحية على تلبية الاحتياجات المتنامية، وسط صعوبات تواجه وصول المساعدات إلى مناطق النزوح.

وتتداخل تداعيات القتال مع المخاطر الصحية التي تلاحق الفارين من منازلهم، إذ لا تنتهي معاناة الأسر بمغادرة مناطق المواجهات، بل تبدأ رحلة أخرى لتأمين المأوى والمياه النظيفة والرعاية الطبية، في ظل اكتظاظ مواقع النزوح ومحدودية الخدمات الأساسية.

وتحذر البيانات الإنسانية من أن استمرار الأعمال العدائية في تعز، خصوصاً في المناطق التي تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، قد يدفع مزيداً من السكان إلى الفرار، بينما تزداد المخاطر الناجمة عن انتشار الأمراض في بيئات تفتقر إلى مقومات الحياة الأساسية.

وحسب بيانات منظمة الصحة العالمية، ارتفع إجمالي حالات الكوليرا المشتبه بها والمبلّغ عنها في اليمن خلال عام 2026 إلى 8034 حالة، بينها 27 وفاة. وسُجّل نحو ربع الحالات خلال الأسابيع الأربعة الأخيرة، بالتزامن مع تصاعد القتال واستمرار نزوح السكان.

الحوثيون يواصلون استهداف التجمعات السكنية في تعز وأريافها (إعلام محلي)

وتتركز 92 في المائة من الحالات المبلّغ عنها في خمس محافظات هي أبين ولحج والضالع وتعز وعدن، وهي مناطق تستضيف أعداداً كبيرة من النازحين، ما يزيد الضغوط على الخدمات الصحية وشبكات المياه والإصحاح البيئي.

ولا تقتصر التداعيات الصحية على الأراضي اليمنية؛ إذ أبلغت السلطات الصحية في جيبوتي عن 44 حالة إسهال مائي حاد، ووفاة واحدة بين اللاجئين اليمنيين هناك، في مؤشر على اتساع الاحتياجات الإنسانية والصحية المرتبطة بحركة السكان.

وتحذر المنظمة من أن الاكتظاظ في مواقع النزوح، ومحدودية الوصول إلى المياه النظيفة، وتعطل الخدمات الصحية، عوامل تزيد احتمالات انتقال الأمراض، بما فيها الكوليرا والحصبة، وغير ذلك من الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

وتكتسب هذه المخاطر أهمية إضافية بالنسبة إلى الأطفال والفئات الأكثر هشاشة، خصوصاً أن الإصابة بالمرض قد تتحول إلى تهديد مباشر للحياة عندما يتعذر الوصول إلى المرافق الطبية أو الحصول على مياه آمنة، فيما تواجه الأسر التي فقدت منازلها ومصادر دخلها صعوبات في تحمل تكاليف العلاج وتأمين احتياجاتها اليومية.

تعز في صدارة النزوح

تظهر بيانات مصفوفة تتبع النزوح التابعة للمنظمة الدولية للهجرة أن عدد النازحين بفعل التصعيد الحوثي بلغ 217 ألفاً و303 أشخاص حتى 12 أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، وتستضيف محافظة تعز 55 في المائة من إجمالي النازحين، تليها لحج بنحو 45 ألفاً و390 نازحاً، ثم عدن بـ26 ألفاً و112 شخصاً.

وفي تعز، تعد مديريات جبل حبشي والمعافر والشمايتين من أكثر المناطق استضافة للنازحين، بأعداد بلغت، على التوالي، 32 ألفاً و346، و31 ألفاً و230، و24 ألفاً و942 شخصاً. وشهدت هذه المديريات أيضاً بعضاً من أشد الأعمال العدائية خلال الأيام الأخيرة.

وتزداد صعوبة الاستجابة الإنسانية مع تعذر الوصول إلى معظم مواقع النزوح في تعز بسبب استمرار الصراع، الأمر الذي يضع أعداداً كبيرة من الأسر أمام احتمالات نقص المساعدات والمياه الصالحة للشرب والرعاية الصحية، في وقت تزداد فيه الاحتياجات الناجمة عن النزوح وتفشي الأمراض.

الفارون من هجمات الحوثيين يعيشون في مخيمات بدائية ما ساعد على تفشي الأمراض المعدية (إعلام محلي)

وتحذر منظمة الصحة العالمية كذلك من الضغط المتنامي على المرافق الطبية التي تستقبل آلاف المصابين جراء القتال، مشيرة إلى أن نحو 500 مرفق صحي في تسع محافظات متضررة من تصاعد النزاع يفتقر إلى دعم الشركاء.

ويعني استمرار هذا النقص أن قدرة النظام الصحي على التعامل مع الإصابات الناجمة عن القتال والأمراض المعدية تواجه تحديات متزامنة، في وقت تحتاج فيه مناطق النزوح إلى استجابة تجمع بين توفير الخدمات العلاجية والمياه النظيفة وتحسين الظروف الصحية في أماكن الإيواء.