من المستفيد من زعزعة أمن الأردن؟

الرياض تشدد على أن أمن عمّان «خط أحمر»

جانب من الاحتجاجات في العاصمة الأردنية عمان (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الأردنية عمان (أ.ف.ب)
TT

من المستفيد من زعزعة أمن الأردن؟

جانب من الاحتجاجات في العاصمة الأردنية عمان (أ.ف.ب)
جانب من الاحتجاجات في العاصمة الأردنية عمان (أ.ف.ب)

بينما يرفع وزير الخارجية وشؤون المغتربين الأردني أيمن الصفدي، سقف المطالبات الموجّهة لمجلس الأمن باتخاذ قرار ملزم تحت الفصل السابع، لإجبار إسرائيل على وقف «جرائم الحرب المرتكبة في غزة، وعلى إلغاء قرارها إغلاق المعابر أمام المساعدات الإنسانية»، تتصاعد موجة الاحتجاجات أمام السفارة الإسرائيلية في عمّان، وسط إجراءات أمنيّة لمنع تفاقم الموقف، والتي وصفها أحد السياسيين الأردنيين بأنها احتجاجات غير بريئة.

وأعلنت مديرية الأمن العام، الأحد، أن «قوة أمنية ألقت القبض على عدد من مثيري الشغب في منطقة البقعة إثر قيامهم بأعمال شغب وتخريب، وإشعال النيران، وإلقاء الحجارة على المركبات بالطريق العامة».

وأوضح البيان أن مديرية الأمن العام «تعاملت، مع بعض الوقفات والتجمعات التي حدثت في بعض مناطق العاصمة، وأن رجال الأمن الموجودين لحفظ الأمن والنظام تعاملوا خلالها بمنتهى الانضباط والحرفية مع المشاركين؛ وهو الأمر الذي دأب عليه رجال الأمن العام منذ أشهر كثيرة، خرج بها آلاف المواطنين إلى الشوارع، ولم يجرِ منع أي منهم من التعبير عن رأيه».

وأشار البيان إلى أنه خلال الليلة الماضية وما سبقها، شهدت هذه الوقفات «تجاوزات وإساءات ومحاولات للاعتداء على رجال الأمن العام، ووصفهم بأوصاف غير مقبولة على الإطلاق»، فضلاً عن محاولات تخريب واعتداء على ممتلكات عامة وخاصة، والجلوس في الطرق، ومنع مرور المركبات فيها، وشارك في هذه التجاوزات رجال وسيدات تعمدوا على مدى أيام الاحتكاك مع رجال الأمن العام.

العاهل الأردني عبد الله الثاني يشرف على عمليات إنزال الإغاثة إلى قطاع غزة (الشرق الأوسط)

دعوات للفوضى

ومنذ منتصف الأسبوع الماضي، شهد محيط السفارة الإسرائيلية في منطقة الرابية، احتجاجات لعشرات الألوف، ودعت منصات إعلامية وحسابات على مواقع التواصل الاجتماعي «داخلية وخارجية» للمشاركة في تلك الوقفات الاحتجاجية التي تتصدرها شعارات مؤيدة لـ«حماس» و«كتائب القسام»، وتستعيد تسجيلات لقياداتها التي «تطالب أهل الأردن بالتحرك»، وذلك بخلاف الاحتجاجات التي خرجت في الأيام الأولى من الحرب، وذلك رغم أن الأردن ضاعف جهوده الدبلوماسية الضاغطة تجاه الوقف الفوري لإطلاق النار، وإدخال المساعدات الإنسانية والإغاثية.

وتتهم مصادر أردنية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» «قيادات من الحركة الإسلامية في عمّان بالتنسيق مع قيادات حركة (حماس) في الخارج، والهدف إقحام الشارع الأردني في معركة غزة، وتوسيع نطاق توتّر جوار فلسطين المحتلة»، وأضافت المصادر أن ما يحدث يتطلب «مراجعات رسميّة»؛ نظراً لطبيعة وحجم المعلومات المتوافرة عن «اتصالات خارجية ودعوات تدفع الشارع الأردني نحو التصعيد ضد حكومته».

تشديد سعودي على أمن الأردن

وأكد مسؤول سعودي لـ«الشرق الأوسط» أن بلاده تدعم جميع الخطوات التي اتخذتها وستتخذها الأردن، خصوصاً تلك المتعلّقة بالحفاظ على أمنها وسيادة أراضيها أمام كل من يحاول اختطاف الدولة أو الضغط عليها أو التأثير على قراراتها، وأوضح أن أمن الأردن بالنسبة للسعودية هو جزء لا يتجزأ من أمنها؛ وذلك بحكم الأخوة والتاريخ وبواقع الجغرافيا؛ ومن غير المنتظر أن تسمح الرياض أو تتسامح مع أي محاولات لجرّ الأردن أو تحويله ساحة لتصدير مُشكلات وقضايا المنطقة إليها، خصوصاً أن المنطقة اليوم لا تحتمل أي تصعيد جديد أو خلق ساحات توتر جديدة، في ظل استمرار الحرب الإسرائيلية على غزة والهجمات في البحر الأحمر، ولن تخدم محاولات جرّ الأردن إلى مُستنقع الفوضى والاضطرابات، الجهود العربية والدولية الرامية لإنهاء صراعات المنطقة.

إيران و«الإخوان»... إعادة الفوضى

وحذّر مراقبون من أن ما تشهده الأردن هذه الأيام من تصاعد لأعمال الفوضى والعنف يشكّل «مُقدِّمة لمؤامرة يقودها تنظيم الإخوان المسلمين بأهداف إيرانية واضحة لإعادة خلق الفوضى في المنطقة»، مؤكّدين أن الطرفين يستغلّان هذه المرّة قضية الحرب في غزة مدخلاً لتجييش الشارع ضد الملك والجيش والحكومة»؟ ورأى المراقبون أن من يعملون على «تجييش الشارع الأردني اليوم هم ذاتهم من أضرّوا بأمن الأردن واستقراره قبل 54 عاماً مع تغيير الأدوات».

طرفان بمصالح مشتركة

وأشار المحلّل السياسي السعودي منيف الحربي، إلى أنه «لم يعُد خافياً أن هناك طرفين لديهما مصالح في إحداث التوتّر في المنطقة والذهاب إلى جبهة جديدة، وهم (الإخوان المسلمون) وإيران، وأجنداتهما تلتقي مع بعضها، بالطريقة نفسها التي التقت بها في الربيع العربي وعملت على زعزعة استقرار الدول الوطنية العربية»، وأضاف الحربي: «منذ بداية أحداث غزة رأينا أن قيادة (حماس) تحاول تجييش الشارع الأردني وتحاول أن تدخل الأردن إلى الحرب بأي طريقة». ويفسِّر: «يبدو أن هذا المسار يأتي لصرف النظر عن فشل (حماس) والأخطاء التي ارتكبتها، وانكشاف محور المقاومة أمام الجميع بأنه لا يستطيع الدفاع عن الشعارات التي رفعها بمحاربة إسرائيل».

أمن السعودية من أمن الأردن

من جانبٍ آخر، قال الحربي لـ«الشرق الأوسط» إن السعودية ترى «أمنها واستقرارها، من أمن الأردن واستقراره، وأعتقد أن موقف السعودية داعم للإجراءات التي تتخذها القيادة والحكومة الأردنية»، مضيفاً أن العلاقات السعودية الأردنية، وبالذات ما بين قيادتي البلدين «تتمتع بخصوصية استثنائية».

الملك عبد الله الثاني مستقبلاً الأمير محمد بن سلمان خلال وصول الأخير إلى العاصمة الأردنية عمّان في يونيو 2022 (واس)

وتابع منيف الحربي أن السعودية نظراً لرصيدها الديني والعروبي والأخلاقي والسياسي الكبير، فإنها تهتم بمبدأ الحفاظ على الأمن القومي العربي، ومن ذلك اهتمامها باستقرار الأوضاع في الأردن، وقد رأينا نماذج من ذلك الاهتمام السعودي في الكويت عام 1990، والبحرين عام 2011، ومصر في 2014، و2015 في اليمن».

وأعادت تعليقات الحربي للأذهان، إلى هذه الأيام نفسها من شهر رمضان عام 1439هـ، الموافق يونيو (حزيران) من عام 2018، عندما دعا الملك سلمان بن عبد العزيز، إلى قمة في مكة المكرمة خلال العشر الأواخر من رمضان، جمعت قادة السعودية والأردن والكويت والإمارات؛ بهدف تقديم حزمة من المساعدات الاقتصادية للأردن يصل إجماليّها إلى مليارين وخمسمائة مليون دولار أميركي.

وأبدى الملك عبد الله الثاني حينها، شكره وتقديره للملك سلمان على مبادرته الكريمة بالدعوة إلى هذا الاجتماع، ولدولتي الكويت والإمارات العربية المتحدة على تجاوبهما مع هذه الدعوة، وامتنانه الكبير للدول الثلاث على تقديم هذه الحزمة من المساعدات «التي ستسهم في تجاوز الأردن هذه الأزمة».

وخلال أحداث «الفتنة» التي وقعت ربيع عام 2021 في الأردن، وقفت الرياض مع عمّان، وأكّد الملك سلمان وولي العهد الأمير محمد بن سلمان، للقيادة الأردنية، «وقوف المملكة وتضامنها مع الأردن، ومساندة الإجراءات كافة التي يقوم بها الملك عبد الله لحفظ أمن الأردن واستقراره»، ولاحقاً ثمّن الملك عبد الله الثاني، خلال استقباله وزير الخارجية السعودي في أغسطس (آب) من العام ذاته، الدعم السعودي، وذكر بيان صادر عن الديوان الملكي الأردني أن الملك عبد الله استقبل وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، وثمّن الملك موقف السعودية «الداعم للمملكة في مواجهة مختلف التحديات، بما فيها قضية الفتنة التي وأدها الأردن في مهدها».

«قمة مكة المكرمة» التي دعا إليها الملك سلمان لتقديم حزمة مساعدات للأردن عام 2018 (واس)

رئيس مركز الخليج للأبحاث عبد العزيز بن صقر، قال لـ«الشرق الأوسط»: «هناك تواصل جغرافي وبشري عميق وفريد بين الأراضي الفلسطينية المحتلة والأردن؛ لذا فإن أمن واستقرار الأردن عامل أساسي للحفاظ على الأمن في الأراضي المحتلة»، واستطرد بن صقر: «هناك من يجد مصلحة بنشر الفوضى وعدم الاستقرار في الدول المحيطة بالأراضي الفلسطينية ومنها الأردن ومصر ولبنان، والأردن تحديداً له خصوصية وحساسية عالية لكونه يمثل في الحسابات إسرائيلية المتطرفة الوطن البديل الذي تأمل قوى التطرف إسرائيلي استهدافه ليسهل هدف التهجير والاستيلاء على الأراضي الفلسطينية». ورأى رئيس مركز الخليج للأبحاث أن هناك مصلحة إسرائيلية في زعزعة الاستقرار في الأردن لكون الموقف الأردني الراهن «يقف بصلابة ضد المخططات الإسرائيلية»، وأردف: «بعض قيادات التطرف الفلسطيني، ومنها بعض قيادات (حماس) للأسف تدعو لعدم الاستقرار في الأردن مدفوعةً بحسابات خاطئة وخطيرة وقصيرة النظر». وشدّد بن صقر أن «موقف السعودية واضح ويعدّ المساس بالاستقرار والأمن الأردني خط أحمر، ويرفض محاولة لنشر الفوضى والانفلات الأمني في العالم العربي تحت غطاء دعم المقاومة في غزة».


مقالات ذات صلة

تل أبيب تواصل اغتيال «قياديين» من «حماس» و«الجهاد»

خاص فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

تل أبيب تواصل اغتيال «قياديين» من «حماس» و«الجهاد»

اغتالت إسرائيل قياديين بارزين من الجناحين العسكريين لـ«حماس» و«الجهاد الإسلامي»، إلى جانب نشطاء آخرين، في سلسلة غارات طالت منازل عدة بمناطق متفرقة من قطاع غزة.

بندر الشريدة (غزة)
المشرق العربي جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي) play-circle

إسرائيل تنفي صحة تقرير بنقل الخط الأصفر إلى داخل قطاع غزة

نفى الجيش الإسرائيلي صحة تقرير يفيد بأنه نقل خط الترسيم الأصفر إلى داخل قطاع غزة، أيْ وسّع المنطقة التي تخضع لسيطرته.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
شؤون إقليمية جنود إسرائيليون يقفون على دبابات قرب حدود إسرائيل مع غزة... جنوب إسرائيل 1 يناير 2024 (رويترز)

حالات الانتحار تزداد في صفوف الجيش الإسرائيلي

تعاني إسرائيل من زيادة كبيرة في حالات الانتحار واضطراب ما بعد الصدمة في صفوف الجيش بعد حملتها العسكرية التي استمرت عامين على قطاع غزة.

«الشرق الأوسط» (تل أبيب)
المشرق العربي عناصر من «كتائب القسام» التابعة لحركة «حماس» في رفح جنوب غزة (أرشيفية-رويترز)

مقتل 10 في غارة إسرائيلية على غزة بينهم قياديون من «حماس» و«الجهاد»

قالت مصادر محلية في غزة اليوم الخميس إن 10 أشخاص على الأقل قتلوا جراء سلسلة غارات إسرائيلية على القطاع، من ​بينهم قيادي بارز في كتائب القسام.

«الشرق الأوسط» (غزة)
المشرق العربي صورة التقطت يوم الخميس لخيام مؤقتة للنازحين مقامة وسط الدمار بمدينة غزة (أ.ب) play-circle

«لجنة غزة» تتطلع للإعمار التام في 7 سنوات... وإسرائيل ترى المرحلة الثانية «رمزية»

أظهر رئيس لجنة إدارة غزة علي شعث تفاؤلاً لافتاً بإتمام عملية إعمار القطاع الفلسطيني في غضون 7 سنوات، بينما سعت إسرائيل إلى التقليل من خطوة بدء المرحلة الثانية.

نظير مجلي (تل أبيب) «الشرق الأوسط» (غزة)

جنود إسرائيليون يقتلون صبياً فلسطينياً في الضفة الغربية

فلسطينيون يشاهدون آلية عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً إلى مخيم نور شمس قرب طولكرم بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
فلسطينيون يشاهدون آلية عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً إلى مخيم نور شمس قرب طولكرم بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
TT

جنود إسرائيليون يقتلون صبياً فلسطينياً في الضفة الغربية

فلسطينيون يشاهدون آلية عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً إلى مخيم نور شمس قرب طولكرم بالضفة الغربية (إ.ب.أ)
فلسطينيون يشاهدون آلية عسكرية إسرائيلية تنقل جنوداً إلى مخيم نور شمس قرب طولكرم بالضفة الغربية (إ.ب.أ)

قال الجيش الإسرائيلي، اليوم ​الجمعة، إن جنوداً قتلوا بالرصاص فلسطينياً كان يرشقهم بالحجارة في الضفة الغربية المحتلة، في حين ذكرت وزارة الصحة الفلسطينية أن القتيل يبلغ من العمر 14 عاماً. ولم يصدر ‌أي تعليق آخر ‌من المسؤولين ‌الفلسطينيين بخصوص ​الواقعة التي ‌حدثت في قرية المغير وأودت بحياة الصبي الفلسطيني.

وقالت وكالة الأنباء والمعلومات الفلسطينية (وفا) إن الصبي قُتل خلال مداهمة عسكرية إسرائيلية أدت إلى مواجهات.

وقال الجيش الإسرائيلي إن قواته تلقّت استدعاء ‌بالتوجه إلى المنطقة، بعد ورود تقارير تفيد بأن فلسطينيين يرشقون إسرائيليين بالحجارة ويغلقون طريقاً بإطارات مشتعلة.

وأضاف الجيش، وفقاً لوكالة «رويترز»، أن الجنود أطلقوا أعيرة نارية تحذيرية؛ في محاولة لصد شخص كان ​يركض نحوهم بحجر، ثم أطلقوا النار عليه وقتلوه لتفادي الخطر.

وتصاعدت أعمال العنف في الضفة الغربية، خلال العام الماضي، وازدادت هجمات المستوطنين الإسرائيليين على الفلسطينيين بشكل حاد، في حين شدد الجيش القيود المفروضة على حرية الحركة ونفّذ مداهمات واسعة في عدة مدن.


تل أبيب تواصل اغتيال «قياديين» من «حماس» و«الجهاد»

فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
TT

تل أبيب تواصل اغتيال «قياديين» من «حماس» و«الجهاد»

فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)
فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

واصلت إسرائيل، سياسة الاغتيالات بحق قيادات ونشطاء من حركتي «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، بحجة تعرض قواتها لهجمات فلسطينية في الأيام الأخيرة، في وقت ما زالت قواتها تعمّق وجودها في قطاع غزة رغم الإعلان عن دخول اتفاق وقف إطلاق النار مرحلته الثانية، وتشكيل لجنة تكنوقراط لإدارة حكم القطاع.

وخلال الخميس، اغتالت إسرائيل قياديين بارزين من الجناحين العسكريين لـ«حماس» و «الجهاد الإسلامي»، إلى جانب نشطاء آخرين، وذلك في سلسلة غارات طالت منازل عدة بمناطق متفرقة من القطاع وتسببت بمقتل 12 فلسطينياً.

فلسطينيون يعاينون منزل عائلة الحولي بعد استهدافه بغراة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

وبدأت أولى الغارات باستهداف الناشط في «كتائب القسام» الجناح المسلح لحركة «حماس»، سعيد الجرو، الذي يعمل في ركن التصنيع العسكري، كما أفادت مصادر لـ «الشرق الأوسط»، وقد قتل برفقته فلسطيني آخر، وذلك بعد أن قصف فناء منزل عائلة الجرو في دير البلح وسط قطاع غزة، بعد أن كان تعرض لأضرار إثر قصف سابق قبل شهر أدى إلى مقتل شقيق سعيد، وهو أيضاً ناشط في «القسام».

وتبع ذلك في غضون أقل من ساعة، غارة أخرى طالت منزل القيادي في «كتائب القسام»، محمد الحولي، الذي قُتل في الغارة، إلى جانب شاب وطفلة. والحولي يتولى مناصب عدة في «القسام»، منها نائب قائد لواء الوسطى، كما أنه قائد لجهاز الاستخبارات، وكان سابقاً يتولى منصب قائد قوات «الضبط الميداني»، كما قالت مصادر لـ«الشرق الأوسط».

وبعد ساعات قليلة، شنَّت طائرات إسرائيلية غارة استهدفت منزل أشرف الخطيب، القيادي في «سرايا القدس» الجناح المسلح لحركة «الجهاد الإسلامي»، في مخيم النصيرات وسط قطاع غزة؛ ما أدى إلى مقتله وزوجته، وشقيقها. وتقول مصادر لـ«الشرق الأوسط»، إن الخطيب مسؤول الوحدة الصاروخية في «السرايا» بمنطقة وسط القطاع، وكان من أوائل من أطلقوا الصواريخ اتجاه تل أبيب في حرب عام 2012، وهو ضابط أمن في السلطة الفلسطينية.

فلسطينيون يشيّعون قتلى من عائلة واحدة سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

وتبع ذلك بوقت قصير، غارة استهدفت أمجد شملخ، الناشط في «حماس» بعد أن كان يمر بمنطقة النابلسي في حي الشيخ عجلين جنوب مدينة غزة. ويعمل المستهدف ممرضاً في عيادة مجمع الشفاء الطبي، وقتلت القوات الإسرائيلية شقيقه الناشط في «القسام» خلال الحرب.

وقال الجيش الإسرائيلي إنه هاجم برفقة «الشاباك»، عناصر من «حماس» و«الجهاد الإسلامي»، بعد خرق اتفاق وقف إطلاق النار في وقت سابق من هذا الأسبوع في غرب رفح، جنوب قطاع غزة، مبيناً أنه ينظر ببالغ الخطورة لأي خرق للاتفاق وسيواصلان العمل ضد أي محاولة للدفع بأي مخططات «إرهابية». وفق تعبيره.

وخلال الجمعة، قتلت القوات الإسرائيلية، مسنة بعد إطلاق نار عشوائي من الآليات الإسرائيلية اتجاه خيام النازحين جنوب خان يونس، جنوب القطاع، في حين قتلت طفلة برصاص طائرة مسيرة «كواد كابتر» في بلدة بيت لاهيا شمال قطاع غزة.

وارتفعت إحصائية ضحايا قطاع غزة منذ السابع من أكتوبر (تشرين الأول) 2023، إلى 71457، منهم 465 بعد دخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في العاشر من أكتوبر 2025.

فلسطينيات يبكين قتلى سقطوا بغارة إسرائيلية في دير البلح بوسط قطاع غزة الجمعة (أ.ب)

توسيع منطقة «الخط الأصفر»

في السياق الميداني ذاته، كشفت صور أقمار اصطناعية عن أنه خلال الأشهر الثلاثة الماضية منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار، وسَّع الجيش الإسرائيلي منطقة «الخط الأصفر» التي يحتلها في قطاع غزة وتشكل أكثر من نصف مساحته، وتوغل في مناطق معينة مئات الأمتار داخل المنطقة التي يفترض رسمياً بموجب خطة الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أن تكون تحت سيطرة حركة «حماس».

وتظهر صور الأقمار الاصطناعية، حسب صحيفة «هآرتس» العبرية، أن الجيش الإسرائيلي استمر في هدم مبانٍ، في جباليا وحي الشجاعية داخل منطقة «الخط الأصفر» وخارجه.

ووفقاً لمنظمة «العمارة الجنائية» ومقرها لندن، فإنه منذ الإعلان عن وقف إطلاق النار وحتى منتصف ديسمبر (كانون الأول) أقامت القوات الإسرائيلية 13 موقعاً عسكرياً في القطاع، تشمل موقعين عسكريين كبيرين في منطقة جباليا، وترتفع لعلو كبير بشكل بارز وتطل على مسافات بعيدة، وقد دمرت مباني وأخلت مناطق واستخدمت آليات هندسية ثقيلة لإقامة سواتر ترابية مرتفعة لمراقبة منطقة شمال القطاع كلها.

فتى يحمل دلواً مملوءاً بالماء في مخيم للنازحين بمدينة غزة الخميس (رويترز)

ويتعمد الجيش الإسرائيلي وضع علامات غير واضحة لمكان «الخط الأصفر»، حيث يضع مكعبات أسمنتية باللون الأصفر تبعد عن بعضها مئات الأمتار؛ ولذلك لا يتمكن الفلسطينيون من معرفة المكان الذي تبدأ فيه هذه المنطقة المحتلة، أثناء توجههم إلى أراضيهم وبيوتهم، لكن الجيش الإسرائيلي يطلق النار عليهم من دون تمييز؛ ما أسفر عن مقتل المئات بينهم أكثر من مائة طفل.

ويحرك الجيش الإسرائيلي، باستمرار المكعبات الأسمنتية باتجاه الغرب، إلى داخل المنطقة التي تخضع لسيطرة «حماس». ويتبين من تحليل صور الأقمار الاصطناعية على طول «الخط الأصفر» وجود فَرق بين مكان المكعبات الأسمنتية وبين مكان «الخط الأصفر» حسب بيانات رسمية للجيش الإسرائيلي.

ويظهر مكان المكعبات الأسمنتية الصفراء أنه يبعد نحو 300 متر إلى الغرب من «الخط الأصفر» الرسمي الذي يظهر في خريطة الجيش الإسرائيلي.

ويضاف هدم المباني في الأشهر الأخيرة إلى محو الجيش الإسرائيلي مدناً بكاملها في قطاع غزة خلال الحرب، ووفقاً للتقرير الأخير الصادر عن مركز الأقمار الاصطناعية في الأمم المتحدة، فإنه خلال الحرب هدم الجيش الإسرائيلي أو ألحق أضراراً غير قابلة للإصلاح بأكثر من 80 في المائة من المباني في القطاع؛ ما أدى إلى أزمة مهجرين هائلة، وسكن مئات الآلاف في خيام ويصارعون على البقاء بسبب الأحوال الجوية العاصفة والرياح ومياه البحر التي تتدفق إلى مناطق الخيام وتدمرها، وتتسبب بزيادة الأمراض وانتشارها.


إسرائيل تنفي صحة تقرير بنقل الخط الأصفر إلى داخل قطاع غزة

جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي)
TT

إسرائيل تنفي صحة تقرير بنقل الخط الأصفر إلى داخل قطاع غزة

جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي)
جندي إسرائيلي ومعه أحد الكلاب المدرَّبة خلف الخط الأصفر بقطاع غزة (الجيش الإسرائيلي)

نفى الجيش الإسرائيلي، اليوم الجمعة، صحة تقرير يفيد بأنه نقل خط الترسيم الأصفر إلى داخل قطاع غزة؛ أيْ وسَّع المنطقة التي تخضع لسيطرته.

وقال الجيش الإسرائيلي، رداً على تقرير هيئة الإذاعة البريطانية «بي بي سي»، إن القوات لم تَعبر الخط. وأوضح مسؤول عسكري، لـ«وكالة الأنباء الألمانية»، أن «جيش الدفاع الإسرائيلي يعمل على تحديد الخط الأصفر بصرياً، طبقاً للظروف على الأرض والتقييم العملياتي الجاري».

وأضاف المسؤول أن القوات واصلت ضمان أن يكون الخط مرئياً للسكان المحليين «من أجل تقليل الاحتكاك ومنع سوء الفهم»، بينما رفض «جميع الادعاءات بأن الخط الأصفر قد جرى نقله».

يشار إلى أنه جرى إنشاء هذا الخط في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بموجب وقف إطلاق النار مع عناصر حركة «حماس» الفلسطينية، وهو محدَّد بكُتل خرسانية صفراء.

ولا يجري السماح للسكان الفلسطينيين بالعبور دون تصريح، بينما صدرت تعليمات للقوات الإسرائيلية بعدم عبور الخط.

ووقعت عدة حوادث مميتة على الخط منذ أكتوبر، كان آخِرها يوم الثلاثاء الماضي، مما أدى إلى وفاة عدة أشخاص.

وقالت هيئة الإذاعة البريطانية إن صور الأقمار الاصطناعية تُظهر أن الجيش الإسرائيلي نقل الكتل في إجمالي 16 موقعاً. واتهمت «حماس» إسرائيل، بالفعل، بتحريك الخط الفاصل بين البلدين.

وتُسيطر القوات الإسرائيلية على ما يزيد قليلاً عن نصف قطاع غزة، الذي تضرَّر بشدة بسبب الحرب التي بدأت في أكتوبر 2023.