أميركا تدمر صاروخاً حوثياً وأوروبا تتأهب عسكرياً نحو البحر الأحمر

الجماعة تتعهد باستمرار الهجمات ولا يقين حول موعد انتهاء التصعيد

استغل الحوثي حرب إسرائيل على غزة لحشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (رويترز)
استغل الحوثي حرب إسرائيل على غزة لحشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (رويترز)
TT

أميركا تدمر صاروخاً حوثياً وأوروبا تتأهب عسكرياً نحو البحر الأحمر

استغل الحوثي حرب إسرائيل على غزة لحشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (رويترز)
استغل الحوثي حرب إسرائيل على غزة لحشد المزيد من المجندين وجمع الأموال (رويترز)

تعهدت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران باستمرار هجماتها في البحر الأحمر وخليج عدن ضد السفن الأميركية والبريطانية، وذلك بعدما تبنت، الأربعاء، مهاجمة مدمرة أميركية، في حين أكدت القوات المركزية الأميركية تدمير صاروخ وحيد أطلقته الجماعة.

ومع عدم وجود يقين لدى كبريات شركات الشحن الدولية حول موعد لانتهاء التهديد في البحر الأحمر وخليج عدن وعودة نشاط الملاحة المعتاد عبر قناة السويس، تتأهب الدول الأوروبية لبدء المشاركة في حماية الملاحة في المياه الإقليمية اليمنية، دون الانخراط في شن هجمات ضد الحوثيين.

يزعم الحوثيون أنهم يحشدون لقتال أميركا وعيونهم على المناطق اليمنية المحررة (إ.ب.أ)

وأكدت القيادة المركزية الأميركية في بيان، الأربعاء، أن الحوثيين المدعومين من إيران أطلقوا قبل منتصف ليل الثلاثاء بتوقيت صنعاء صاروخ كروز مضاداً للسفن من المناطق التي يسيطرون عليها باتجاه البحر الأحمر، وأنه تم إسقاط الصاروخ بواسطة المدمرة يو إس إس غريفلي ولم يتم الإبلاغ عن وقوع إصابات أو أضرار. وفق البيان.

من جهته، زعم المتحدث العسكري باسم الجماعة الحوثية، يحيى سريع، في بيان، أن جماعته أطلقت ضمن الرد على أميركا وبريطانيا عدة صواريخ بحرية مناسبة استهدفت المدمرة الأميركية «يو إس إس غريفلي» في البحر الأحمر.

وتوعد المتحدث الحوثي بأن جميع السفن الحربية الأميركية والبريطانية في البحرين الأحمر وبحر العرب، ضمن بنك أهداف قوات الجماعة، وأنه سوف يتم استهدافها، إلى جانب الاستمرار في منع الملاحة الإسرائيلية أو المتجهة من وإلى موانئ تل أبيب.

ومنذ أن بدأ الحوثيون هجماتهم ضد السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، بدعاوى أنها سفن إسرائيلية، ودخول واشنطن ولندن على خط التصدي للهجمات ومحاولة تحجيمها، شهد الريال اليمني في مناطق سيطرة الشرعية تراجعاً قياسياً، وارتفعت أجور الشحن نحو أربعة أضعاف، وفقدت قنوات السويس المصرية نحو 40 في المائة من مداخيلها.

وشنت الجماعة المدعومة من إيران، نحو 35 هجوماً بحرياً بالصواريخ والطائرات المُسيَّرة ضد السفن في البحر الأحمر وخليج عدن، منذ 19 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، وأدت بعض الهجمات إلى إصابات مباشرة في السفن، والتسبب في حريق وأضرار، كما حدث أخيراً مع ناقلة نفط بريطانية في خليج عدن.

ناقلة نفط بريطانية تعرضت لهجوم صاروخي حوثي في خليج عدن (أ.ف.ب)

وشاركت بريطانيا في ضربتين من أصل 10 ضربات إلى جانب الولايات المتحدة، ضد أهداف حوثية في مناطق يمنية متفرقة، إلا أن ذلك لم يحل دون استمرار الهجمات ووعيد قادة الجماعة بتحويل البحر الأحمر إلى «سياج من نار»؛ وفق تصريحات وزير دفاع الجماعة الموالية لإيران، محمد العاطفي، المشمول أخيراً بعقوبات أميركية وبريطانية إلى جانب ثلاثة من كبار القادة.

تأهب أوروبي عسكري

مع تفاقم التهديدات التي تسببت في وقف نحو 40 في المائة من الشحن الدولي عبر البحر الأحمر، تتأهب أوروبا بدورها للمشاركة ضمن عملية «حارس الازدهار» التي شكلتها واشنطن، في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، لكن مع الاكتفاء بحماية السفن دون توجيه ضربات للحوثيين.

ونقلت «رويترز» الأربعاء، عن مسؤول السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي جوزيب بوريل، أن الدول الأعضاء في التكتل ترغب في إطلاق مهمة في البحر الأحمر بحلول منتصف فبراير (شباط )لحماية السفن من هجمات جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران، وربما تقرر هيكل قيادتها، الأربعاء.

وقال بوريل للصحافيين قبل اجتماع لوزراء دفاع الاتحاد الأوروبي «لن تكون جميع الدول الأعضاء مستعدة للمشاركة لكن لن يعرقل أحد (الأمر).. آمل أن يتسنى إطلاق المهمة في 17 من فبراير (شباط)».

وذكر بوريل أن عملية الاتحاد الأوروبي سيطلق عليها اسم «أسبيديس» أي «الحامي»، ويتمثل تفويضها في حماية التجارة واعتراض الهجمات، لكنها لن تشارك في شن ضربات على الحوثيين.

شنت واشنطن 10 ضربات على أهداف حوثية لتقليص قدرات الجماعة وصدت العديد من الهجمات (أ.ف.ب)

وطبقا لـ«رويترز»، قال دبلوماسيون إن فرنسا واليونان وإيطاليا أبدت اهتماماً بقيادة المهمة، فيما أشارت سبع دول حتى الآن إلى استعدادها لإرسال قطع بحرية، مضيفين أن ذلك سيستند إلى مهام الاتحاد الأوروبي الحالية في المنطقة.

وفي حين ستتضمن العملية في البداية ثلاث سفن تحت قيادة الاتحاد الأوروبي، يقول دبلوماسيون إن فرنسا وإيطاليا لديهما بالفعل سفن حربية في المنطقة، وتخطط ألمانيا لإرسال الفرقاطة هيسن.

ويعزز التحرك الأوروبي نحو البحر الأحمر عدم وجود يقين حول توقيت معين لانتهاء التهديد الحوثي في البحر الأحمر وخليج عدن، إذ لا تزال كبريات شركات الشحن تعزف عن الملاحة في الممر الملاحي الذي يخدم نحو 15 في المائة من حجم التجارة الدولية.

وفي هذا السياق، قال رئيس شركة «هاباج لويد» الألمانية للصحافيين، الأربعاء، إنه من المستبعد أن تنتهي هجمات جماعة الحوثي على سفن الشحن في البحر الأحمر قريباً، ما يجبر شركات الشحن على تجنب الطريق الذي يعبر قناة السويس.

وأضاف الرئيس التنفيذي «رولف هابن يانسن» خلال مؤتمر صحافي في هامبورغ «لا نعتقد أن الأمر سينتهي بعد غد... وما إذا كان سيستمر لمدة شهر أو ثلاثة أو خمسة أشهر، لا أعرف».

ومع تأكيده أن التوصل إلى اتفاق سياسي ومهم لحماية سفن الشحن قد يؤدي إلى حل في غضون ستة أشهر، أشار المسؤول الملاحي إلى أهمية أن يقدم الاتحاد الأوروبي دعماً فعالاً للتحالف البحري متعدد الجنسيات الذي يهدف لحماية حركة التجارة في المنطقة.

يتجاهل الحوثيون معاناة نحو 19 مليون يمني يعتمدون على المساعدات الإنسانية الدولية (إ.ب.أ)

ونقلت «رويترز» عن يانسن، قوله، إن «تغيير مسار السفن لتدور حول أفريقيا عبر رأس الرجاء الصالح يستغرق وقتاً إضافياً يتراوح بين أسبوعين إلى ثلاثة أسابيع، ما أدى إلى تراجع في عدد حاويات الشحن القياسية التي تم شحنها في ديسمبر (كانون الأول) بمقدار 150 ألف حاوية مقارنة بالتوقعات الأولية».

انتقاد يمني لاتفاق استوكهولم

جدد مسؤولون يمنيون إلقاء اللائمة على المجتمع الدولي فيما يتعلق بالهجمات الحوثية المهددة للملاحة، ابتداء من عرقلة القوات الحكومية والحيلولة بينها وبين تحرير الحديدة وموانئها في أواخر 2018، وإبرام ما عرف باتفاق السويد الذي ضمن للجماعة بقاءها على الشريط الساحلي اليمني الغربي.

وقال عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح، إن المجتمع الدولي «يدفع ثمن اتفاق استوكهولم المشؤوم الذي أوقفوا بموجبه معركة تحرير مدينة الحديدة».

وأضاف صالح خلال تفقده وحدات من القوات التي يقودها في الساحل الغربي جنوب الحديدة أن «اتفاق استوكهولم فتح الأبواب على مصراعيها أمام الحرس الثوري الإيراني لتهريب الصواريخ لميليشيات الحوثي الإرهابية عبر ميناء الحديدة».

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني طارق صالح خلال تفقده وحدات من قواته (سبأ)

وهاجم عضو مجلس الحكم اليمني السلوك الحوثي، وقال «إن هجمات ميليشيات الحوثي الدعائية لم تُصِب هدفاً إسرائيلياً، ولم ولن تنفع غزة بشيء، وإن كل ما تروج له الميليشيات الحوثية خزعبلات مكشوفة، وغزة بالنسبة لها هي مأرب وتعز والساحل الغربي». في إشارة إلى تصعيد الهجمات باتجاه المناطق المحررة اليمنية.

يشار إلى أن الجماعة الحوثية قرصنت في أولى هجماتها سفينة الشحن الدولية «غالاكسي ليدر» واحتجزت طاقمها حتى اللحظة، وحولتها إلى مزار لأتباعها، بينما ردت واشنطن بتشكيل تحالف بحري متعدد الجنسيات لحماية السفن، سمته «حارس الازدهار» قبل أن تلجأ إلى شن ضربات جوية وبحرية ضد أهداف حوثية على الأراضي اليمنية.

واعترف الحوثيون بمقتل 15 عنصراً خلال الضربات الأميركية والبريطانية، منهم 10 مسلحين قتلتهم البحرية الأميركية في 31 ديسمبر (كانون الأول) الماضي على متن ثلاثة قوارب في جنوب البحر الأحمر، عندما حاولوا قرصنة إحدى السفن التجارية.


مقالات ذات صلة

«التحالف» يدين استهداف موكب شكري في لحج

الخليج عناصر أمنية تتفقد موقع الهجوم بسيارة مفخخة بالقرب من عدن (إ.ب.أ)

«التحالف» يدين استهداف موكب شكري في لحج

أدان «تحالف دعم الشرعية في اليمن»، بأشد العبارات، الهجوم الإرهابي الجبان الذي استهدف موكب العميد حمدي شكري قائد الفرقة الثانية بقوات العمالقة ومرافقيه في لحج.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج جانب من توقيع اتفاقية شراء المشتقات النفطية لتشغيل 70 محطة كهرباء (البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن)

اتفاقية سعودية لتشغيل 70 محطة كهرباء يمنية

وقَّع البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، الأربعاء، اتفاقية لشراء مشتقات نفطية بهدف تشغيل أكثر من 70 محطة كهرباء في جميع المحافظات اليمنية.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي من آثار التفجير الذي استهدف موكب القائد العسكري حمدي شكري في عدن (إكس)

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير سيارة مفخخة في عدن

نجا العميد حمدي شكري الصبيحي من تفجير سيارة مفخخة استهدف موكبه في شمال عدن، وأسفر الهجوم عن مقتل وإصابة عدد من مرافقيه وسط تحقيقات أمنية.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية play-circle 27:37

الوالي: «لقاءات الرياض» لحظة حاسمة في تاريخ القضية الجنوبية اليمنية

وصفَ عبد الناصر الوالي، الوزير اليمني السابق والسياسي الجنوبي المخضرم، لحظة لقاء القيادات الجنوبية اليمنية في الرياض للتشاور والحوار من أجل قضيتهم بأنها «حاسمة»

«الشرق الأوسط» (الرياض)
العالم العربي «تحالف دعم الشرعية» يشرف على تطبيع الحياة وتحسين الخدمات في عدن (إعلام حكومي)

«التحالف» يكثِّف لقاءاته مع الفاعلين في المجتمع العدني

«تحالف دعم الشرعية» يكثف لقاءاته مع المجتمع العدني لإعادة الطابع المدني، عبر إخراج المعسكرات وتحسين الخدمات وتعزيز الأمن، بشراكة محلية ورؤية شاملة للتعافي.

محمد ناصر (عدن)

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
TT

نجاة قائد عسكري رفيع من تفجير في عدن


حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)
حمدي شكري الصبيحي له دور بارز في تثبيت الأمن بمناطق سيطرة قواته لا سيما في لحج (إكس)

شهدت العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، أمس، انفجار سيارة مفخخة استهدفت موكباً للعميد حمدي شكري الصبيحي، قائد الفرقة الثانية في «ألوية العمالقة»، وأحد أبرز القادة الذين أسهمت قواته في فرض الأمن في عدن. وتفيد المعلومات بأن العميد الصبيحي نجا من التفجير الذي وقع خلال مرور الموكب العسكري في منطقة جعولة التابعة لمديرية دار سعد، وهي من المناطق الحيوية التي تشهد حركة مرورية نشطة.

وجاء التفجير غداة كشف السلطات المحلية في مدينة المكلا، كبرى مدن حضرموت، عن سجون سرية ومتفجرات تستخدم في الاغتيالات كانت في عهدة مجموعات من «المجلس الانتقالي الجنوبي» تديرها الإمارات قبل خروج الأخيرة من اليمن منذ نحو ثلاثة أسابيع.

وأعادت الحادثة إلى الواجهة المخاوف الأمنية، في وقت يسعى فيه تحالف دعم الشرعية بقيادة السعودية إلى إعادة الاستقرار للمحافظات الجنوبية وتوحيد القوات العسكرية والأمنية بعد حلّ ما كان يسمى «المجلس الانتقالي».


هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
TT

هل تكسر رسائل ترمب «الداعمة» لمصر جمود مفاوضات «سد النهضة»؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب خلال الاجتماع الثنائي مع نظيره المصري عبد الفتاح السيسي بالمنتدى الاقتصادي العالمي في دافوس بسويسرا يوم الأربعاء (رويترز)

في الوقت الذي جدد الرئيس الأميركي دونالد ترمب تأكيده على أن بلاده مولت بناء «سد النهضة» الإثيوبي على نهر النيل ووصفه بأنه «أمر فظيع يمنع تدفق المياه عن مصر ويتعين عليه حل الأزمة بشأنه»، رأت مصادر مصرية وإثيوبية مطلعة تحدثت لـ«الشرق الأوسط» أن احتمالات نجاح ترمب في كسر جمود مفاوضات السد تظل ضعيفة، مع وجود عدة عوامل متشابكة في هذه الأزمة.

وخلال مؤتمر صحافي، الثلاثاء، جدد ترمب حديثه عن أنه «أوقف قتالاً» بين مصر وإثيوبيا كأحد إنجازاته في وقف الحروب حول العالم، كما أبدى تعجبه من تمويل بلاده لـ«سد النهضة»، مشيراً إلى أن «مصر ليس لديها ما يكفي من المياه»، وأنها تحتاج لمياه النيل في عديد من الاستخدامات.

ويأتي حديث ترمب بعد ثلاثة أيام من إرساله خطاباً إلى نظيره المصري عبد الفتاح السيسي، مؤكداً فيه استعداد واشنطن للتدخل واستئناف المفاوضات حول «سد النهضة» وحل الأزمة بشكل نهائي، وهو ما رحب به السيسي.

أستاذ العلوم السياسية ورئيس وحدة أبحاث أفريقيا في مجلس الوزراء المصري، رأفت محمود، قال إن تصريح ترمب جاء نتيجة الرسالة المصرية التي وصلته من مستشاره للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، بعدما التقى السيسي الشهر الماضي وناقشا عدة ملفات، منها ما يتعلق بالسودان وأرض الصومال، وأيضاً ملف سد النهضة والهواجس المصرية، «وبالتالي ترمب التقط الرسالة وأخذها فرصة لينشط الوساطة الأميركية في سبيل صفقة ما تخص المنطقة».

وأضاف محمود قائلاً لـ«الشرق الأوسط»: «هذه بمثابة محاولة محتملة من ترمب لإعادة ضبط المشهد السياسي المحيط بالأزمة، ورغبة واضحة في استعادة دور الوسيط الأميركي المؤثر».

وتابع: «في الإجمال، الخطاب الأميركي يجعل أديس أبابا تواجه أحد خيارين: إما الانخراط الجاد في مسار تفاوضي منظم، أو مواجهة ضغوط سياسية قد تؤثر على صورتها الدولية. ووفقاً للسلوك الإثيوبي في المفاوضات السابقة، فإن تمسك أديس أبابا بالنهج الذي اتبعته ورغبتها في السيطرة على مجرى نهر النيل النابع من أراضيها دون الالتزام باتفاقية ملزمة تدير تدفق المياه من سد النهضة هو العامل المرجح حالياً، خصوصاً مع ارتباط ملف سد النهضة بحسابات الداخل الإثيوبي والتي تشبعت خلال الفترة الماضية بأن هذا الملف يعد مشروعاً قومياً ضمن سيادة إثيوبيا».

وتابع: «هناك عدد من التغيرات السياسية في منطقة القرن الأفريقي والبحر الأحمر حدثت مؤخراً استدعت التدخل الأميركي في هذا الملف، خاصة فيما يتعلق بأرض الصومال واعتراف إسرائيل بها، وهو ما أثار غضباً دولياً بالمنطقة. وهناك أيضاً ملف السودان وملف اليمن، وهذه الملفات حدث فيها تشابك بين عدد من القوى في الإقليم وبما قد يؤثر على المصالح الأميركية».

واستطرد: «لكن نجاح التدخل الأميركي مرهون بالقدرة على تحويل التصريح إلى أدوات فعل، وقدرة ترمب على إدارة صفقة ترضي كافة الأطراف، ومنها إثيوبيا التي ترغب في الوصول إلى البحر الأحمر؛ وهو أمر تظل احتمالات نجاحه ضعيفة في الوقت الحالي».

وكان ترمب قد خرج بتصريح مثير للجدل في منتصف يونيو (حزيران) الماضي، عبر منصته «تروث سوشيال»، قال فيه إن الولايات المتحدة «موَّلت بشكل غبي سد النهضة، الذي بنته إثيوبيا على النيل الأزرق، وأثار أزمة دبلوماسية حادة مع مصر». لكن أديس أبابا نفت ذلك بشدة، مؤكدة أن السد «بُني بأموال الشعب الإثيوبي».

وفي الرابع من يوليو (تموز)، كرَّر ترمب الحديث نفسه خلال مؤتمر صحافي مشترك مع الأمين العام لحلف شمال الأطلسي، مارك روته، في البيت الأبيض قائلاً: «الولايات المتحدة موَّلت السد، وسيكون هناك حل سريع للأزمة». ومساء الثامن من يوليو، قال للمرة الثالثة في خطاب أمام أعضاء مجلس الشيوخ في واشنطن إنه «سيعمل على الأزمة بين مصر وإثيوبيا على المدى الطويل».

الرئيس المصري خلال مصافحة رئيس الوزراء الإثيوبي في عام 2019 (الرئاسة المصرية)

مستشار وزارة المياه والطاقة الإثيوبية، محمد العروسي، قال إنه «في ظل حساسية اللحظة وتعقيد المشهد السياسي المحيط بملف سد النهضة، من المهم التفريق بهدوء بين التصريحات السياسية ذات الطابع الخطابي والتحولات الفعلية في موازين التفاوض».

وتابع قائلاً لـ«الشرق الأوسط» إن تبني الرئيس الأميركي لوجهة نظر مصر أو التعبير عن تفهمه لمخاوفها «لا يعني بالضرورة وجود استراتيجية أميركية متكاملة لاستهداف المصالح الإثيوبية، لكن التجربة العملية مع الوساطة الأميركية في هذا الملف تجعلنا حذرين بطبيعتنا من باب القراءة الواقعية للتاريخ القريب، وليس من باب العداء لواشنطن».

ويرى العروسي، وهو عضو بالبرلمان الإثيوبي ورئيس «مجموعة الصداقة البرلمانية لدول غرب آسيا»، أن الوساطة الأميركية في محطتها السابقة «لم تكن محايدة بالكامل»، وأنه لا يمكن تجاهل أن ترمب نفسه «سبق أن أدلى بتصريحات خطيرة تحدث فيها صراحة عن احتمال قيام مصر بتفجير السد».

ومضى قائلاً: «كما أن تصريحاته الأخيرة التي تُفهم على أنها انحياز كامل لرواية طرف واحد تعزز القناعة بأن أي دور أميركي محتمل سيبقى محكوماً باعتبارات سياسية داخلية وتحالفات تقليدية أكثر من كونه سعياً نزيهاً لحل عادل ومتوازن».

وتابع: «من هذا المنطلق فإن حالة الفرح السريع والتهافت على فكرة الوساطة الأميركية لمجرد صدور تصريح إيجابي من واشنطن تبدو أقرب إلى قراءة عاطفية»؛ محذراً من تحويل التصريحات السياسية إلى «أوهام»، وهو «ما قد يعمق الجمود بدل أن ينهيه».

واستضافت واشنطن عام 2020، خلال ولاية ترمب الأولى، جولة مفاوضات بمشاركة البنك الدولي، لكنها لم تصل إلى اتفاق نهائي بسبب رفض الجانب الإثيوبي التوقيع على مشروع الاتفاق الذي جرى التوصل إليه وقتها، حيث اتهمت إثيوبيا الولايات المتحدة بـ«الانحياز».


محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
TT

محللون: تعاون المغرب وإثيوبيا عسكرياً «لا يثير قلقاً مصرياً»

أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)
أول اجتماع للجنة الدفاع المشترك بين إثيوبيا والمغرب (وكالة الأنباء الإثيوبية)

أثار اجتماع بين المغرب وإثيوبيا بشأن تعاون عسكري بينهما تساؤلات حول موقف مصر، خصوصاً وأنها على خلاف مع أديس أبابا بسبب تهديد الأمن المائي جراء «سد النهضة».

وفي حديث مع «الشرق الأوسط»، الأربعاء، قال مصدر مصري مطلع إن ذلك التعاون العسكري المغربي - الإثيوبي، الذي لم تعلق عليه القاهرة رسمياً بعد، «لا يقلق القاهرة، وسيكون هناك حديث عبر الدبلوماسية الهادئة مع الرباط بشأنه».

ويتفق معه خبير عسكري كان مسؤولاً بارزاً سابقاً بالجيش المصري، مؤكداً أن ذلك التعاون «ليس مقلقاً للقاهرة»، لكنه تعجب من إبرام تعاون مغربي مع إثيوبيا التي يصفها بأنها «باتت عدواً للقاهرة وتقف ضد حقوقها المائية».

سد النهضة الإثيوبي (صفحة رئيس وزراء إثيوبيا على فيسبوك)

غير أنّ برلمانياً إثيوبياً نفى في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن يكون هذا التعاون مع المغرب «موجهاً للقاهرة أو يحمل رسائل تهديد أو نية للمواجهة»، مشيراً إلى أن «أديس أبابا تركز على نهضة بلادها وتنميتها، ولا تنوي أي مناكفات عسكرية تجاه أحد».

اجتماع مثير للجدل

كانت صحيفة «هسبريس» المغربية قد أفادت، منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، بأن اللجنة العسكرية المشتركة المغربية الإثيوبية عقدت اجتماعها الأول في أديس أبابا، وأن الاجتماع تناول «دراسة مخطط عمل في مجال التعاون العسكري والدفاعي بين البلدين».

ونصت اتفاقية التعاون العسكري، الموقعة في يونيو (حزيران) 2025 في الرباط، على إنشاء هذه اللجنة العسكرية المشتركة، بالإضافة للتعاون في مجالات التكوين والتدريب، والبحث العلمي، والطب العسكري، وفق المصدر ذاته.

وفي اليوم التالي، أفادت وكالة الأنباء الإثيوبية، بأن أديس أبابا والرباط عقدتا أول اجتماع للجنة الدفاع المشتركة على الإطلاق، بهدف تعزيز التعاون الثنائي عبر مختلف المجالات العسكرية.

وشملت المناقشات «دفع التعاون العسكري بين البلدين بطرق تضمن المنفعة المتبادلة لمؤسساتهما الدفاعية، والتعاون في التعليم والتدريب، والصناعات الدفاعية، ونقل التكنولوجيا، ومجالات أخرى من المشاركة العسكرية»، وفق الوكالة.

وأكد المدير العام للعلاقات الخارجية والتعاون العسكري في قوات الدفاع الوطني الإثيوبية، تشومي جيميتشو، آنذاك أن العلاقات بين إثيوبيا والمغرب تتعزز باطراد عبر قطاعات متعددة، وأن الصداقة طويلة الأمد بين البلدين تعكس التضامن الأفريقي والالتزام المشترك بالعمل معاً من أجل المصالح المشتركة.

وذكر أيضاً أن اجتماع اللجنة المشتركة «يمثل علامة فارقة تاريخية في العلاقات الإثيوبية - المغربية، ويفتح مرحلة جديدة للتنفيذ العملي لمجالات التعاون المتفق عليها».

ونقلت وكالة الأنباء الإثيوبية عن العميد عبد القهار عثمان، مدير مديرية التموين في القوات المسلحة المغربية، وصفه الاتفاق الذي تم التوصل إليه خلال الاجتماع بأنه «تطور مهم في العلاقات العسكرية»، وتأكيده أن «المغرب عازم على زيادة رفع مستوى التعاون الدفاعي مع إثيوبيا».

«الدبلوماسية الهادئة»

وتعليقاً على ذلك، قال مصدر مصري مطلع لـ«الشرق الأوسط» إن ذلك التعاون المغربي - الإثيوبي «بحاجة لتوضيح، لكنه بشكل عام ليس مقلقاً، خصوصاً وعلاقات القاهرة مع الرباط جيدة جداً».

وهو يعتقد أن «الدبلوماسية الهادئة» ستكون مسار التعامل مع الرباط، وأنه سيكون هناك حديث في هذا الأمر «ليس في إطار إلقاء اللوم، ولكن معرفة طبيعة الموضوع، ومناقشة الشواغل المصرية بشأنه».

وتزامن ذلك الاجتماع المغربي - الإثيوبي مع توجيه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، منتصف يناير الحالي، رسالة إلى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، عارضاً التوسط في أزمة مياه النيل وملف سد النهضة الإثيوبي الذي قال أكثر من مرة إن إدارته منعت حرباً بين القاهرة وأديس أبابا بشأنه، دون مزيد من التفاصيل.

ويعتقد المصدر المصري المطلع أن إثيوبيا تحاول إرسال رسائل لمصر، وستزداد بعد إعلان ترمب الوساطة، وسط تجاوب مصري وسوداني وعدم تعليق من أديس أبابا.

في المقابل، يرى البرلماني الإثيوبي محمد نور أحمد أن التعاون مع المغرب ليس تعاوناً عسكرياً فحسب، بل يشمل التجارة والدبلوماسية، ويحمل رسائل مفادها تقوية العلاقات مع دول المنطقة، وليس أي تهديد لأحد.

وشدّد في حديث لـ«الشرق الأوسط» على أن مصر بلد شريك لبلاده «لم يتقاتلا ولن يتقاتلا، خصوصاً وأن أديس أبابا تهتم بالنهوض والازدهار، وليس لديها أي نية للقتال مع مصر أو غيرها».

غير أن الخبير الاستراتيجي العسكري المصري اللواء سمير فرج رفض تلك التبريرات الإثيوبية، ووصف أديس أبابا، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بأنها «عدوة لحقوق مصر المائية»؛ لافتاً إلى أن مصر «لا يقلقها هذا التعاون».

إلا أنه تساءل: «كيف لدولة بالجامعة العربية أن تتعاون مع أخرى تهدد مصالح مصر؟».

ولا يعتقد فرج أن الرسائل الإثيوبية من تلك الاجتماعات تحمل أي تأثير على مصر سواء كان أمنياً أو عسكرياً، متوقعاً ألا تثير مصر هذا الأمر مع الرباط فوراً، لكن ذلك ربما يحدث في أي لقاءات مستقبلية بين البلدين «حيث ستبدي موقفاً دون أي تأثير يذكر على العلاقات المصرية - المغربية».