المسنُّون اليمنيون تستنزفهم الأزمة المعيشية وتنقصهم الحماية الاجتماعية

يضطرون لبيع الممتلكات والعمل الشاق

يواجه كثير من كبار السن في اليمن عواقب الصراع بشكل يومي (الأمم المتحدة)
يواجه كثير من كبار السن في اليمن عواقب الصراع بشكل يومي (الأمم المتحدة)
TT

المسنُّون اليمنيون تستنزفهم الأزمة المعيشية وتنقصهم الحماية الاجتماعية

يواجه كثير من كبار السن في اليمن عواقب الصراع بشكل يومي (الأمم المتحدة)
يواجه كثير من كبار السن في اليمن عواقب الصراع بشكل يومي (الأمم المتحدة)

حتى مبرِّد الطعام خذل الستينية اليمنية «أم كوثر»، ولم يعد يحتفظ بـ«الآيسكريم» الذي كان بضاعتها الوحيدة منذ أشهر، فبعد أن ارتفعت درجات الحرارة إلى مستويات غير معهودة، أصبحت تصل إلى السوق وقد بدأت سلعتها في الذوبان، ومنذ أسابيع عادت لصناعة بعض أنواع الخبز وبيعها، غير أن العائد لا يحقق لها الأمان المعيشي.

يمكن لمن يستطيع تحمل القيظ والتجول في أسواق مدينة الحوطة عاصمة محافظة لحج، أو حيي الشيخ عثمان ودار سعد في مدينة عدن، أن يجد عشرات النساء المتقدمات في السن يقاسين لهيب الشمس وقسوة الجو، لعرض منتجاتهن البسيطة على المتسوقين؛ حيث يعُدن آخر النهار ببعض الأوراق النقدية لمواجهة متطلباتهن اليومية.

تتنوع المنتجات التي تعرضها هؤلاء النساء بين واحدة وأخرى، كما تتنوع بين حين وآخر، من المخبوزات إلى الخضراوات والفواكه الموسمية، وغالباً ما يشتري منهن المتسوقون رغبة في مساعدتهن، رغم أن السلع التي يبعنها تفقد جودتها أو تتعرض للتلف بسبب الحرارة المرتفعة والشمس، وعدم قدرتهن على توفير وسائل حمايتها.

الأمم المتحدة ذكرت في عام 2019 أن الأسر التي تعولها النساء وكبار السن وذوو الاحتياجات الخاصة، تتأثر بشكل خطير بالحرب؛ حيث استنفدت جميع هذه المجموعات السكانية فعلياً استراتيجيات التكيف الخاصة بها، وليس لديها سوى دعم اجتماعي محدود.

مسنان يتقاسمان الخبز في عدن التي تعد إحدى أفقر المناطق في اليمن (الصليب الأحمر)

قبل ذلك بعام، أفادت منظمة «هيلب إيج» بأن 95 في المائة من المسنين في اليمن لا يحصلون على أي دخل، و50 في المائة من المسنات اليمنيات لم يتمكنَّ من الحصول على الرعاية الصحية، ويستطيع فقط 2 في المائة من النساء المسنات و3 في المائة من الرجال المسنين تحمل تكاليف الأدوية الأساسية.

وتوفي منتصف يوليو (تموز) في مدينة عدن، 4 مسنون اختناقاً بسبب ارتفاع درجة الحرارة مع انقطاع الكهرباء، بعد عجزهم عن إيجاد بدائل. وترجح مصادر طبية أن هناك وفيات كثيرة لم يتم رصدها.

ويلجأ أهالي المحافظات ذات الطقس مرتفع الحرارة إلى بيع ممتلكاتهم لشراء مولدات كهربائية، أو معدات طاقة شمسية، لتعويض انقطاع الكهرباء.

غياب الحماية الرسمية

تعود آخر إحصائية رسمية حول أعداد المسنين في اليمن إلى عام 2003، والتي قدرت نسبة من هم في سن أكبر من 65 عاماً بـ4 في المائة من إجمالي عدد السكان البالغ تعدادهم حينها 20 مليون نسمة، بينما قدرت وزارة الشؤون الاجتماعية في عام 2007 نسبتهم بـ3.43 في المائة ممن تجاوز 64 عاماً.

ويعد الاقتصاديون هذه النسبة كبيرة، وتدعو إلى القلق بشأن رعاية المسنين وتوفير احتياجاتهم، وأثر ذلك على الأمن المعيشي.

وأقرت وزارة الشؤون الاجتماعية حينها بافتقار البلد لدراسة وطنية لمعرفة واقع المسنين فيها، وتحديد احتياجاتهم، والتعرف على مشكلاتهم، وما يعانون من أمراض وعوز، وبالأخص أولئك الذين لا يوجد لهم أهل أو أقارب مهتمون بهم، وإن وجدوا فهم في حالة فقر.

يقول أحد قيادات وزارة الشؤون الاجتماعية في صنعاء، إن الوزارة كانت قد شرعت قبل أحداث 2011، بالتعاون مع جهات حكومية ودولية، في العمل على خطة استراتيجية لاستيعاب المسنين ضمن مشروعات رعاية وحماية اجتماعيتين، وجرت دراسة عدد من الخطط لتوفير قاعدة بيانات حول أعدادهم وأوضاعهم واحتياجاتهم.

ووفقاً للمسؤول الحكومي الذي طلب حجب بياناته نظراً لإقامته في مناطق سيطرة الانقلابيين الحوثيين؛ فإن النقاشات حول ذلك كانت بطيئة وليست ضمن أولويات الحكومة؛ إلا أنه كان يجري البناء عليها للوصول إلى استراتيجية وطنية لرعاية المسنين، من خلال بُنى مؤسسية وأطر قانونية ملزمة، لولا الانقلاب والحرب اللذين أوقفاً كل شيء.

يمنية تبيع اللحوح (خبز يمني) في مدينة الحوطة في محافظة لحج (فيسبوك)

وأشار إلى أن الانقلابيين الحوثيين الذين يسيطرون على الوزارة حالياً في صنعاء، تقدموا بمشروع ما تُعرف بالاستراتيجية الوطنية لرعاية المسنين، خلال الأعوام من 2020 وحتى عام 2030؛ إلا أنهم افتقدوا إلى المصداقية بعد أن تلاعبوا بالضمان الاجتماعي لصالح أنصارهم، وحرموا عشرات الآلاف من المستفيدين منه من مستحقاتهم.

ولم يتوصل الانقلابيون الحوثيون إلى الحصول على تمويل دولي لهذا المشروع، لأسباب كثيرة، بينها عدم وضوح الرؤية التي تقدموا بها من جهة، والشكوك برغبتهم في الاستيلاء على أي أموال لصالح أتباعهم، وحرمان المستحقين منها.

دراسة عن الاحتياجات

لم يعرف اليمن سوى 4 دور لرعاية المسنين، في صنعاء وتعز وعدن والحديدة، أنشأتها جهة دولية. وحتى قبل سنوات قليلة كانت تقوم برعاية أقل من 250 مسناً فقط، غير أن الحرب تسببت في إغلاق دار تعز، واستهدف هجوم إرهابي دار عدن، وتعرضت دار صنعاء لمضايقات المتطرفين، إلى جانب تأثيرات الحرب عليها رفقة دار الحديدة.

وأخيراً، كشفت دراسة ميدانية محلية عن عدد من نتائج الأزمة المعيشية في اليمن على المسنين، ومن ذلك أن 98 في المائة من عينة الدراسة أكدوا تأثرهم بارتفاع أسعار المواد الغذائية والوقود ومشتقاته، وظهرت تلك التأثيرات في نفقات الأسرة، ولاحظ 46 في المائة من المشاركين تجليات الأزمة في تراكم الديون على أسرهم.

يمنية تبيع منتجاتها في صنعاء خلال شهر رمضان (إ.ب.أ)

وفي الدراسة التي أعدها «ملتقى صناع الحياة» اشتكى 14 في المائة من الرجال من عدم قدرتهم على شراء الأدوية للأمراض المزمنة، بينما أثرت الأزمة على قدرة 72 في المائة من المشاركات على تلبية الاحتياجات الأساسية ومتطلبات أسرهن، وأثرت على 17 في المائة تأثيرات نفسية خطيرة، وأعلن 52 في المائة من المسنين استعدادهم لبيع كثير من الأدوات المنزلية أو الأشياء الثمينة لمواجهة الأزمة، مقابل 83 في المائة من المسنات.

لكن 61 في المائة من النساء لم يعد لديهن أي أصول للبيع، مقابل 29 من الرجال خسروا كل مدخراتهم، و18 في المائة لم يتمكنوا من الاقتراض.

واضطر 82 في المائة من المسنين الذكور إلى تقليل وجباتهم مقابل 67 في المائة من المسنات اللواتي قللن كميات الطعام واستبعدن كثيراً من المواد الغذائية، وعانى 39 في المائة من أمراض بسبب الجوع المستمر وقلة مصادر الطعام المغذي؛ حيث إن 17 في المائة منهن يصمن يوماً ويفطرن اليوم التالي.


مقالات ذات صلة

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

العالم العربي تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

اندماج قوات حماية حضرموت في وزارة الداخلية اليمنية يمثل خطوة أولى ضمن إعادة هيكلة القوات، ويعكس توجهاً لتوحيد التشكيلات، وتعزيز الأمن والاستقرار في المحافظة

محمد ناصر (عدن)
العالم العربي مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)

غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مباحثات أممية في عدن تركز على دعم الاقتصاد اليمني، ومعالجة تداعيات توقف النفط، وتعزيز الإصلاحات المالية وتمكين المرأة، وسط المخاوف من تبعات التصعيد الإقليمي.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الحوثيين شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتهم، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً ضد القطاع الخاص.

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي جانب من اجتماع مجلس الوزراء اليمني في عدن (إعلام حكومي)

جهود يمنية لتعزيز الاقتصاد والخدمات بإسناد دولي

وسط سعي الحكومة اليمنية لتعزيز الاقتصاد وتحسين الخدمات بإسناد إقليمي ودولي، وصل المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، إلى العاصمة المؤقتة عدن

«الشرق الأوسط» (عدن)
العالم العربي قوات الأمن انتشرت في شوارع المكلا واتهمت مندسين بإطلاق النار والتسبب بمقتل مدنيَّين اثنين (إعلام محلي)

حضرموت تفتح تحقيقاً عاجلاً في أحداث العنف بالمكلا

تحقيق عاجل في أحداث المكلا بعد مقتل مدنيين، والسلطات تتهم مندسين بإطلاق النار، مع تأكيد ملاحقة المتورطين وتعزيز الأمن ومنع أي محاولات لزعزعة الاستقرار.

محمد ناصر (عدن)

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
TT

اندماج «قوات حماية حضرموت» في قوام الداخلية اليمنية

تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)
تحالف دعم الشرعية في اليمن يدعم إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية (إكس)

في خطوةٍ تأتي ضمن مسار إعادة هيكلة القوات العسكرية والأمنية في المحافظات اليمنية المحررة، والتي تشرف عليها قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، أعلنت قوات حماية حضرموت اندماجها رسمياً في قوام القوات الحكومية التابعة لوزارة الداخلية، لتكون أول تشكيل مسلح يُنجز هذه الخطوة بشكل كامل، في تطور يُنظر إليه بوصفه مرحلة مهمة في جهود توحيد التشكيلات العسكرية والأمنية تحت مظلة الدولة.

وجاءت هذه الخطوة في وقت تواصل فيه قيادة القوات المشتركة في تحالف دعم الشرعية، الذي تقوده السعودية، الإشراف على عملية إعادة الهيكلة، ودمج التشكيلات المختلفة، وتوحيدها تحت سلطة وزارتي الدفاع، والداخلية.

وفي هذا السياق أعلنت قوات حماية حضرموت، التي يقودها عمر بن حبريش، رئيس حلف قبائل حضرموت ووكيل أول المحافظة، تأييدها الكامل، ومباركتها للقرارات الصادرة عن القيادة السياسية والعسكرية في البلاد، ممثلة برئيس مجلس القيادة الرئاسي القائد الأعلى للقوات المسلحة رشاد العليمي، وذلك بدعم وتنسيق مع التحالف، وبما يهدف إلى توحيد القوات المسلحة، والأجهزة الأمنية بمختلف تشكيلاتها، وتعزيز منظومة الأمن والاستقرار في محافظة حضرموت، ساحلاً، ووادياً.

قوات حماية حضرموت ساهمت في تأمين المكلا خلال الاضطرابات الأخيرة (إعلام عسكري)

القوات التي تشكلت منتصف العام الماضي، ولعبت دوراً مهماً في الأحداث الأخيرة التي شهدتها المحافظة، خصوصاً في تأمين حقول النفط، وعاصمة المحافظة (المكلا)، أعلنت دعمها لخطوات تنظيم ودمج القوات الأمنية، بما في ذلك قوات النخبة الحضرمية، تحت مظلة وزارة الداخلية، بما يسهم في توحيد الجهود الأمنية، ورفع كفاءة الأداء المؤسسي، ورفد الأجهزة الأمنية بالكفاءات المدربة، والمؤهلة وفق الأطر القانونية والتنظيمية المعتمدة.

ووفق بيان قوات حماية حضرموت، فإنها باشرت بالفعل اتخاذ الإجراءات الإدارية اللازمة لتنفيذ عملية الضم، وبالتنسيق مع القيادة السياسية والعسكرية العليا، وقيادة التحالف الداعم للشرعية في المحافظة، ووزارتي الدفاع، والداخلية، على أن تتبعها خطوات ميدانية خلال الأيام القليلة المقبلة، بما يعزز جاهزية القوات الأمنية، ويرسخ دعائم الأمن والاستقرار في مختلف مديريات ساحل ووادي حضرموت.

إشادة بالأداء

أكدت القوات في بيانها أن ما تحقق من إنجازات خلال المرحلة الماضية يعكس مستوى عالياً من الولاء الوطني، والانضباط المؤسسي لدى منتسبيها، حيث قدمت نموذجاً متميزاً في أداء الواجب، وأسهمت بفاعلية في تثبيت الأمن، ومكافحة الجريمة، وحماية المنشآت الحيوية في مختلف مراحل العمل الميداني.

قوات حماية حضرموت أول تشكيل مسلح يندمج في إطار القوات الحكومية (إعلام عسكري)

وأضافت أن هذا الرصيد يمثل قاعدة صلبة لمواصلة العمل بروح وطنية مسؤولة في إطار مؤسسات الدولة، وبما يخدم مصلحة الوطن والمواطن.

كما تعهد هذا التشكيل المسلح بالعمل تحت قيادة الدولة اليمنية، والتحالف العربي، والمضي قدماً في تنفيذ المهام الموكلة إليه بكفاءة، بما يعزز وحدة الصف الوطني، ويحقق تطلعات أبناء حضرموت في الأمن والاستقرار والتنمية، في ظل تحديات أمنية واقتصادية مستمرة تشهدها البلاد.

ترتيبات لإعادة الانتشار

وفق مصادر محلية، فإن قوام المنطقة العسكرية الثانية، الخاضعة لإشراف وزارة الدفاع، سيشمل لواء الريان، ولواء حضرموت، ولواء شبام، ولواء الدفاع الساحلي، ولواء الأحقاف، بالإضافة إلى لواء بارشيد المرتقب اعتماده، على أن تتمركز هذه القوات خارج المدن لأداء مهامها العسكرية، في إطار فصل المهام بين القوات العسكرية والأمنية.

وبحسب المصادر، سيتم إنشاء قوة أمنية تتبع وزارة الداخلية تكون مساندة للأجهزة الأمنية داخل المدن، وتتولى مهام التدخل السريع، وحفظ الأمن، على غرار قوات الأمن المركزي سابقاً.

قوات حماية حضرموت تولت تأمين حقول النفط (إعلام عسكري)

كما أوضحت أن التشكيلات التي سيتم دمجها ضمن قوات الأمن هي في الأساس وحدات لم تكن تتبع سابقاً قيادة المنطقة العسكرية الثانية، وكانت تعمل خارج هذا الإطار، وتشمل أجزاء من قوات معسكر الربوة، وقوات الدعم الأمني، وقوات حماية حضرموت، حيث سيتم دمجها ضمن الإطار الرسمي لوزارة الداخلية.

وبيّنت المصادر أن رئيس مجلس القيادة الرئاسي سيصدر لاحقاً قرارات بإنشاء عدد من الألوية العسكرية الجديدة من أفراد قوات حماية حضرموت، وقوات أخرى، لتغطية كامل جغرافيا حضرموت ضمن المنطقتين العسكريتين الأولى (وادي حضرموت)، والثانية (الساحل)، والتي تمتد مهامها لتشمل أيضاً محافظتي المهرة، وأرخبيل سقطرى، في خطوة تهدف إلى تعزيز الانتشار الأمني والعسكري، وتحقيق الاستقرار المستدام.


غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
TT

غروندبرغ يكثف لقاءاته في عدن لدعم جهود الحكومة اليمنية

مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)
مساعٍ أممية لتهيئة الظروف في اليمن من أجل استئناف مسار السلام المتعثر (د.ب.أ)

تكثّف الأمم المتحدة تحركاتها في اليمن في مسعى لدعم الاستقرار الاقتصادي، بالتوازي مع جهود إحياء العملية السياسية، في ظل بيئة إقليمية مضطربة تلقي بظلالها الثقيلة على بلد يعاني أصلاً من واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية والاقتصادية في العالم.

في هذا السياق، أجرى المبعوث الخاص للأمين العام للأمم المتحدة إلى اليمن، هانس غروندبرغ، سلسلة لقاءات رفيعة في العاصمة المؤقتة عدن مع مسؤولين حكوميين، تناولت مجمل التحديات المالية والاقتصادية، وآفاق التخفيف من تداعيات الصراع المستمر.

وشملت اللقاءات محافظ البنك المركزي اليمني، ووزراء المالية والنفط والمعادن، إضافةً إلى وزيرة الدولة لشؤون المرأة، في إطار مقاربة شاملة تربط بين الاستقرار الاقتصادي والتقدم السياسي، مع التركيز على القطاعات الحيوية التي تشكل عصب الاقتصاد الوطني.

تأتي هذه اللقاءات ضمن زيارة يُجريها المبعوث الأممي إلى عدن، في إطار جهوده المستمرة لدفع عملية سياسية شاملة بقيادة يمنية، وسط مخاوف متزايدة من تداعيات التصعيد الإقليمي، خصوصاً مع انخراط الحوثيين في صراعات أوسع في المنطقة.

وتسعى الأمم المتحدة -حسب مراقبين- إلى تعزيز التنسيق مع الشركاء الإقليميين والدوليين، لضمان تكامل الجهود الداعمة لليمن، وتجنب تشتت المبادرات، بما يسهم في إعادة بناء الثقة بين الأطراف اليمنية، وتهيئة الظروف الملائمة لإحياء مسار السلام.

الضغوط الاقتصادية

في لقائه مع محافظ البنك المركزي اليمني، أحمد غالب، استعرض المبعوث الأممي مستجدات الأوضاع المالية والنقدية، في ظل استمرار الضغوط على الاقتصاد اليمني نتيجة الحرب والانقسامات المؤسسية.

وناقش الجانبان -وفق المصادر الرسمية- تأثير التطورات الإقليمية، بما في ذلك اضطراب سلاسل الإمداد العالمية وارتفاع تكاليف الشحن والتأمين، فضلاً عن تقلبات أسعار الطاقة والسلع الأساسية، وهي عوامل زادت من هشاشة الاقتصاد اليمني.

غروندبرغ التقى في عدن محافظ البنك المركزي اليمني (سبأ)

وأكد اللقاء أن هذه المتغيرات العالمية تضاعف من معاناة الدول التي تعاني نزاعات طويلة، وعلى رأسها اليمن، حيث تنعكس بشكل مباشر على أسعار الغذاء والوقود، مما يفاقم الأعباء المعيشية على المواطنين. كما جرى تأكيد أهمية تكثيف التنسيق الدولي والإقليمي لاحتواء التوترات في منطقة تعد من أهم الممرات الحيوية للتجارة العالمية.

واستعرض اللقاء الإجراءات المتخَذة لتأمين احتياجات السوق المحلية من السلع الأساسية، من خلال اللجنة الوطنية لتنظيم وتمويل الواردات، لضمان انسيابية تدفق الغذاء والدواء والوقود إلى جميع المحافظات دون استثناء، رغم التحديات اللوجيستية والمالية.

النفط والغاز

في محور آخر، برز قطاع النفط والغاز بوصفه أحد أبرز الملفات التي ناقشها المبعوث الأممي مع وزير النفط والمعادن محمد بامقاء، حيث تم التأكيد أن هذا القطاع يمثل الركيزة الأساسية للاقتصاد اليمني، في وقت لا تزال صادراته متوقفة منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2022 نتيجة الهجمات التي استهدفت موانئ التصدير.

وأشار الوزير إلى أن توقف تصدير النفط والغاز المسال أدى إلى تراجع حاد في الإيرادات العامة، مما انعكس سلباً على قدرة الحكومة على الوفاء بالتزاماتها، بما في ذلك صرف رواتب الموظفين وتمويل الخدمات الأساسية. كما لفت إلى الجهود المبذولة لضمان استقرار إمدادات المشتقات النفطية والغاز المنزلي في المناطق المحررة، رغم التحديات القائمة.

المبعوث الأممي التقى في عدن وزير النفط والمعادن في الحكومة اليمنية (سبأ)

وتطرّق النقاش إلى الاختلالات السعرية التي تشهدها الأسواق في مناطق سيطرة الحوثيين، وما وصفته الحكومة باستخدام العائدات لأغراض تهدد الاستقرار الاقتصادي. وفي المقابل، شدد المبعوث الأممي على أهمية استئناف التصدير بوصفه خطوة محورية لدعم التعافي الاقتصادي، داعياً إلى تعزيز التنسيق لإيجاد حلول عملية ومستدامة.

إصلاحات مالية وتمكين المرأة

اقتصادياً، ناقش وزير المالية اليمني مروان بن غانم، مع المبعوث الأممي أولويات الحكومة في استعادة الاستقرار المالي، بما يشمل تعزيز الانضباط المالي، وإدارة النقد الأجنبي، وضمان استمرارية الخدمات الأساسية. كما جرى التطرق إلى ملامح موازنة 2026، التي تركز على ترشيد الإنفاق، وإعطاء الأولوية للرواتب والخدمات، وتحسين كفاءة إدارة الموارد.

المبعوث غروندبرغ خلال لقائه وزير المالية في الحكومة اليمنية (سبأ)

وسلَّط اللقاء الضوء على استئناف مشاورات المادة الرابعة مع صندوق النقد الدولي بعد انقطاع دام أكثر من عقد، بوصفها خطوة مهمة نحو تنفيذ إصلاحات اقتصادية شاملة، تشمل تحسين تحصيل الإيرادات، وإلغاء الرسوم غير القانونية، وتعزيز الشفافية المالية.

في سياق متصل، بحثت وزيرة الدولة لشؤون المرأة، عهد جعسوس، مع المبعوث الأممي، سبل تعزيز تمكين المرأة، بوصفه عنصراً أساسياً في تحقيق التنمية والاستقرار. وشددت على أهمية إشراك المرأة في مواقع صنع القرار، ودعم مشاركتها في مختلف المجالات السياسية والاقتصادية، فيما أكد غروندبرغ التزام الأمم المتحدة بدعم هذا التوجه.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
TT

إدانة يمنية لتصعيد الحوثيين ضد القطاع التجاري

مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)
مسلحون حوثيون بصنعاء خلال مشاركتهم في وقفة للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

حذر وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، من تداعيات قرار الجماعة الحوثية شطب آلاف الوكالات التجارية في مناطق سيطرتها، عادّاً الخطوة تصعيداً خطيراً يندرج ضمن ما وصفه بـ«تفكيك ممنهج» لما تبقى من القطاع الخاص، في ظل أزمة اقتصادية ومعيشية خانقة تشهدها البلاد منذ سنوات.

وقال الإرياني في تصريح صحافي إن إقدام الجماعة على شطب السجل التجاري والتراخيص لأكثر من 4225 وكالة تجارية محلية ودولية دفعة واحدة، يمثل «مجزرة اقتصادية» تستهدف البنية التجارية، وتقوض ما تبقى من النشاط الاقتصادي المنظم. وأوضح أن هذه الإجراءات تشكل «ضربة مباشرة لآخر أعمدة السوق، وتفاقم من حدة الانهيار الاقتصادي» الذي تعانيه مناطق سيطرة الحوثيين.

وأشار الوزير إلى أن هذه الخطوة تأتي «ضمن مسار متواصل منذ انقلاب الجماعة، لإعادة تشكيل سوق الوكالات التجارية بما يخدم مصالحها، عبر إقصاء الوكلاء الشرعيين، وفتح المجال أمام كيانات تابعة لها للاستحواذ على التوكيلات الحصرية». وعدّ أن ما يجري يعكس توجهاً واضحاً نحو إحكام السيطرة على مفاصل الاقتصاد، في امتداد لسياسات المصادرة وإعادة توزيع الموارد خارج الأطر القانونية.

وأضاف الإرياني أن الجماعة تعمل على ترسيخ نموذج «اقتصاد موازٍ» يقوم على «الاحتكار والجباية، ويعتمد على شبكات مغلقة تديرها عناصر موالية لها؛ مما يؤدي إلى تهميش القطاع الخاص التقليدي، وإضعاف بيئة الأعمال». ولفت إلى أن هذه السياسات أسهمت في «إفلاس عدد كبير من التجار، وإغلاق شركات ومصانع، فضلاً عن تسارع وتيرة خروج رؤوس الأموال إلى الخارج».

وأكد أن الانعكاسات الاجتماعية لهذه الإجراءات كانت قاسية، «حيث فقد عشرات الآلاف من العمال مصادر دخلهم، في ظل غياب أي شبكات أمان أو بدائل اقتصادية، الأمر الذي فاقم من مستويات الفقر والبطالة».

وجدد الوزير التأكيد على أن قرارات شطب الوكالات «تفتقر إلى أي أساس قانوني، وتمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد العمل التجاري»، داعياً رجال الأعمال والشركات المتضررة إلى نقل أنشطتهم إلى المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث تتوفر - وفق قوله - بيئة أكبر استقراراً وضمانات قانونية لممارسة الأعمال بعيداً من الضغوط والممارسات التعسفية.