خيارات السلام في اليمن... بين فرض الأمر الواقع والمقاربات التوافقية

جابر لـ«الشرق الأوسط»: التقارب السعودي-الإيراني قد يؤدي إلى انفراجة وشيكة

غروندبرغ متحدثاً أمام مجلس الأمن في إحاطة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ متحدثاً أمام مجلس الأمن في إحاطة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

خيارات السلام في اليمن... بين فرض الأمر الواقع والمقاربات التوافقية

غروندبرغ متحدثاً أمام مجلس الأمن في إحاطة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ متحدثاً أمام مجلس الأمن في إحاطة سابقة (الأمم المتحدة)

يكتنف الغموض جهود السلام الحالية لإنهاء الصراع اليمني الممتد لأكثر من ثماني سنوات، والخيارات المتاحة أمام الأطراف المتنازعة بين فرض الأمر الواقع لبعض القوى، والمقاربات التوافقية التي تنادي بها مكونات أخرى.

الفجوة المتَّسعة بين مواقف أطراف الصراع وتصوراتها لمستقبل اليمن تُمثِل أحد من أهم التحديات أمام إحلال السلام، وفقاً للدكتور عبد العزيز جابر، الباحث اليمني في الإعلام السياسي.

وفي قراءة له حول ثنائية الحرب والسلام، والجهود السعودية المتواصلة لإرساء دعائم السلام المستدام في اليمن، يرى جابر أن فشل جهود السلام يضع البلاد أمام مشهد معقد، وحالة عالية من عدم اليقين، وتهديدات حقيقية قد يصل تأثيرها إلى البحر الأحمر ومضيق باب المندب والبحر العربي التي تمثل شرياناً للاقتصاد العالمي.

جانب من جلسات منتدى اليمن الدولي الذي عُقد أخيراً في مدينة لاهاي الهولندية (الشرق الأوسط)

صيغة توافقية بين الأطراف

يؤكد الدكتور عبد العزيز جابر أنه من خلال قراءة متأنية لمواقف القوى الفاعلة في مشهد الحرب والسلام في اليمن، يتضح جلياً أن التوفيق بين أطراف الصراع وتصوراتهم المختلفة حول التوصل لتحقيق سلام دائم ومستدام وإنهاء الصراع والحرب في اليمن يبدو حتى الآن مهمة صعبة ومعقدة.

وحسب جابر فإن ذلك يعود إلى «رفض معظمهم تقبل حقيقة أنَّهم ليسوا قادرين على فرض رؤيتهم على الأطراف الأخرى، وأنَّهم مضطرون إلى التوصل إلى صيغة توافقية ومقاربات، وهذا يرجع إلى أن أطراف الصراع تفتقر إلى الواقعية السياسية».

وأضاف: «من خلال عمل كل طرف من أطراف الصراع على ترسيخ سلطته في مناطق سيطرته، وتكريس ترتيبات خاصة فيها أمنياً وعسكرياً واقتصادياً، وعلى وجه التحديد جماعة الحوثي التي فرضت لوائح وقوانين ومناهج في مناطق سيطرتها بما ينسجم مع آيديولوجيتها الطائفية السلالية، هذه التغييرات الكبيرة تُمثِّل عقبة كبيرة في حد ذاتها سوف تستغرق الكثير من الوقت والجهد من أجل التعامل معها والتوافق على آلية حلحلتها، وأن استمرارها يتعارض مع جهود إحلال السلام في اليمن».

بلينكن مجتمعاً في الرياض مع رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني (سبأ)

ويرى الباحث أن الفجوة المتَّسعة بين مواقف أطراف الصراع وتصوراتها لمستقبل اليمن تُمثِل أحد أهم التحديات أمام إحلال السلام، إلى جانب انعدام الثقة بين أطراف الصراع التي يُفترض أن تستند إليها أهم ترتيباته، ابتداءً من تثبيت وقف إطلاق النار، مروراً بإعادة انتشار القوات وسحبها من المدن، وانتهاءً بدمجها في هيكل عسكري واحد متفق عليه، إضافةً إلى مجمل ترتيبات الفترة الانتقالية ضمن إطار حكومة الوحدة الوطنية وغيرها، مبيناً أن هذه الحالة من انعدام الثقة كرَّست حجر عثرة أمام تحقيق السلام المستدام في اليمن.

الباحث اليمني في الإعلام السياسي الدكتور عبد العزيز جابر (الشرق الأوسط)

أمر واقع أمام الإخفاقات

يعتقد الدكتور جابر أن الكثير من المعوقات والتحديات يقف في طريق تحقيق السلام المنشود، من أبرزها ما حققه الحوثيون من سيطرة شاملة بلغت عمق الدولة ومفاصلها، وإحكام قبضتهم على العاصمة صنعاء ومعظم المناطق والمحافظات الشمالية الذي عززته زيادة فرص الإخفاقات التي اعترت الصف المناهض لها.

وتابع: «السبب كما هو معلوم حال التباين السياسي داخل جسد الحكومة الشرعية الذي ينسحب بدوره على الجانب العسكري والأمني، على الرغم من التقائها في جبهة مواجهة الحوثي ومشروعه الكهنوتي الظلامي».

تحقيق أي اختراق في حالة جمود عملية السلام -حسب الباحث- يتطلب تقديم الحوثيين تنازلات كبرى من خلال التراجع عن انقلابهم على الحكومة الشرعية، وهو ما يعد بالنسبة إليهم خسارة لمكتسباتهم وسيعملون على عدم التفريط بها، خصوصاً تلك القضايا التي تشكل عمق وجوهر المشكلة اليمنية التاريخية ممثلةً بالنهج الديمقراطي وتوزيع مراكز السلطة والثروة.

ولفت جابر إلى أن الحوثيين «يدركون أنهم سيصبحون الخاسر الأكبر لمحدودية شعبيتهم ونهجهم السلالي المقيت الذي ينبذه الشعب اليمني كافة، لأنهم يحملون مشروعاً إرهابياً عنصرياً لا يمكن أن يسمح بقواسم وطنية سياسية مشتركة مع بقية القوى السياسية على الساحة اليمنية، فمنهجهم وعقيدتهم السياسية تقوم على إخضاع الآخر من موقعهم السلالي الطائفي، وما لم يُكسر هذا الاستعلاء ويعاد بناؤه في إطار سياسي وطني فلا يمكن له أن يقبل السلام».

طائرة تابعة للخطوط الجوية اليمنية تستعد للهبوط في مطار صنعاء الدولي (إ.ب.أ)

وشدد الدكتور عبد العزيز على أن جماعة الحوثي تتحمل القدر الأكبر من المسؤولية في عرقلة مسار إحلال السلام بسبب موقفها المتعنت تجاه المساعي السعودية وجهودها لوقف إطلاق النار، من خلال رفع سقف الشروط والمطالب، ومقاربتها الآيديولوجية المتطرفة وغير الواقعية التي يغيب فيها أي اعتبار لمصالح اليمن وأمنه واستقراره وتطوره.

كان سفراء كل من الولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا، إلى جانب الصين، قد دعوا جماعة الحوثي إل التخلي عن الخيار العسكري للأزمة اليمنية، محذرين من أن أي عودة للصراع ستؤدي إلى عزلها دولياً بشكل تام.

مخاوف حرب استنزاف

في قراءته للمشهد، يحذّر الباحث اليمني في الإعلام السياسي من مخاوف حقيقية من أن يؤدي استمرار الصراع إلى الدخول في حرب استنزاف طويلة المدى مما يُدخل اليمن في مرحلة صعبة.

وأضاف: «سيتحول اليمن إلى أزمة منسية يبسط فيها الحوثيون سيطرتهم العنيفة على صنعاء والشمال (...) مع الخوف من أن تفقد الحكومة الشرعية سيطرتها على عدن وباقي المحافظات خصوصاً مع تردي الخدمات وتنامي الدعوات لبعض المكونات، منها المجلس الانتقالي الجنوبي، إلى فرض سيطرته في المناطق التي يُحكم سيطرته عليها بعد تحريرها من جماعة الحوثي، مع عدم إغفال دعوات أخرى، ومنها في حضرموت، التي أعلنها محافظ حضرموت مبخوت بن ماضي، بعد انتهاء المشاورات الحضرمية وإعلان مجلس حضرموت الوطني».

كان رئيس مجلس القيادة الرئاسي الدكتور رشاد العليمي، قد أعلن قبل أيام في المكلا، إعطاء محافظة حضرموت حق إدارة شؤونها بشكل كامل إدارياً وأمنياً واقتصادياً، مبيناً أنه في حال نجاح التجربة سيعمَّم ذلك على بقية المحافظات المحرَّرة.

التقارب السعودي-الإيراني

يخلص الدكتور جابر إلى أن مجمل المعطيات والمواقف السابقة للأطراف الفاعلة في المشهد والصراع اليمني تنذر بتهديدات حقيقية في سبيل تحقيق السلام المستدام في اليمن، بل على حالة الاستقرار في البحر الأحمر ومضيق باب المندب والبحر العربي التي تمثل شرياناً للاقتصاد العالمي.

وأشار إلى أن هناك «حاجة إلى تضافر جهود المجتمع الدولي وممارسة أقصى درجات الضغط على جماعة الحوثي، ومن خلفهم إيران، للتعاطي بإيجابية مع المساعي والجهود السعودية لإحلال السلام المستدام في اليمن».

وحذّر الباحث من أن «فشل هذه الجهود يضع اليمن أمام سيناريوهات تتداخل بصورة كبيرة، ويضفي على المشهد اليمني مزيداً مِن التركيب والتعقيد، وحالة عالية مِن عدم اليقين».

وتابع: «من المناسب الإمساك بالمتغيِّر المفتاحي، المتمثل في السياسة السعودية تجاه الصراع بشكل عام، وتوجُّهها نحو الحوثيين على وجه التحديد في هذه المرحلة التي شهدت فيها العلاقات السعودية-الإيرانية حالة انفراج تُوِّجت بزيارة وزير الخارجية السعودي لطهران ولقائه الرئيس الإيراني، وهو ما يشير إلى انفراجة وشيكة في الملف اليمني، حسب بعض المراقبين للحرب في اليمن».

ويرى الدكتور عبد العزيز أن «موقف السعودية وإيران مِن مسارات التهدئة والتسوية أو الحرب قد يكون حاسماً، واعتماده مدخلاً للتحليل ومحاولة استشراف التطوُّرات في المستقبل القريب». مطالباً «الأطراف اليمنية بالتقاط ذلك والتعاطي بإيجابية وانفتاح لتحقيق سلام عادل ومستدام في اليمن والانطلاق نحو التنمية والبناء وعودة اليمن السعيد لسابق عهده واحةً للسلام والحكمة والازدهار».


مقالات ذات صلة

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

تحليل إخباري وزير الدفاع اليمني الفريق الركن طاهر العقيلي خلال اجتماع مع قيادات عسكرية في مأرب (سبأ) p-circle

خبراء لـ«الشرق الأوسط»: توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهّد لمعركة واسعة

يعتقد خبراء عسكريون أنَّ توسيع الجيش اليمني عمليات الردع يمهِّد لمعركة واسعة ضد الجماعة الحوثية المدعومة من إيران.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
المشرق العربي الدكتور رشاد محمد العليمي يرأس اجتماع مجلس الدفاع الوطني (سبأنت)

«مجلس الدفاع اليمني» يجدد تقديره لما تقدمه المملكة من دعم ثابت للشعب اليمني

أعرب مجلس الدفاع الوطني في اجتماعه اليوم برئاسة الرئيس الدكتور رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، عن اعتزازه بأداء القوات المسلحة.

«الشرق الأوسط» (الرياض)
الخليج القيادات الأمنية في وزارة الداخلية اليمنية خلال اجتماعهم (الشرق الأوسط)

الداخلية اليمنية تطيح بخلية تخريبية في مأرب

أطاحت وزارة الداخلية اليمنية بعناصر متهمة بالتخطيط لأعمال تخريبية في مأرب، بحسب مسؤول أمني رفيع أكد لـ«الشرق الأوسط» إصابة مساعد القائد والقبض على زعيم الخلية.

سعيد الأبيض (جدة)
العالم العربي العقيد الركن ماجد النزيلي المتحدث باسم القوات المسلحة اليمنية (سبأ)

الجيش اليمني يعلن تنفيذ 181 عملية ضد مواقع حوثية خلال 24 ساعة

أعلن الجيش اليمني، الأحد، تنفيذ 181 عملية عسكرية خلال الساعات الأربع والعشرين الماضية، استهدفت مواقع ومصادر نيران وقدرات تابعة للجماعة الحوثية.

عبد الهادي حبتور (الرياض)
العالم العربي وزيرة الخارجية اليمنية أفراح الزوبة خلال حوار مع صحيفة «الشرق الأوسط»

وزيرة الخارجية اليمنية: علاقة «تخادم» بين الحوثيين وإيران

ما نوع العلاقة بين الحوثيين وإيران؟ سألت «الشرق الأوسط» أفراح الزوبة، أول امرأة تتوسد وزارة الخارجية اليمنية، فأجابت: «أستخدم تعبير التخادم؛ لأنه يصف العلاقة».

بدر القحطاني (الرياض)

ربع أطفال اليمن بلا لقاحات وسط تحريض حوثي

انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
TT

ربع أطفال اليمن بلا لقاحات وسط تحريض حوثي

انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)
انعدام اللقاحات في مناطق سيطرة الحوثيين يسبب ذعر العائلات (إعلام محلي)

لا تزال الجماعة الحوثية تواصل منع حملات التحصين الجماعية للأطفال في مناطق سيطرتها، بالتزامن مع تصاعد خطاب التحريض ضد اللقاحات، في وقت تكشف فيه بيانات دولية عن اتساع فجوة التحصين في اليمن، ووصولها إلى مستويات تنذر بعودة أمراض قاتلة يمكن الوقاية منها.

وتشير البيانات إلى أن نحو ربع الأطفال اليمنيين لم يحصلوا على جميع اللقاحات الموصَى بها، بينما يصنف 17 في المائة منهم ضمن الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة لقاح على الإطلاق، في واحدة من أكبر فجوات التحصين على مستوى منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

وقال سكان في صنعاء لـ«الشرق الأوسط»، إن العاصمة المختطفة ومدناً أخرى خاضعة للحوثيين تعاني منذ نحو شهرين من انعدام اللقاحات في مراكز رعاية الأمومة والطفولة، موضحين أن بعض اللقاحات ظهرت لاحقاً في صيدليات خاصة بأسعار مرتفعة، رغم أنها تقدم مجاناً ضمن برامج التحصين المدعومة دولياً.

مليون طفل في اليمن لم تصلهم خدمات التحصين الروتينية (الأمم المتحدة)

وأضاف السكان -وبينهم عاملان في المجال الطبي- أن هذا الوضع أثار حالة من الذعر بين الأسر التي تخشى تعرُّض أطفالها للأمراض؛ خصوصاً مع اختفاء اللقاحات من المراكز الصحية الحكومية، بعد أن كانت متاحة بصورة منتظمة.

وكان الحوثيون قد منعوا في وقت سابق حملات التطعيم الجماعية التي كانت تنفَّذ من منزل إلى منزل بتمويل دولي، مبررين ذلك بخطاب تحريضي يصوِّر اللقاحات على أنها جزء من «مؤامرة غربية»، مع السماح في فترة محدودة بتوفيرها داخل مراكز رعاية الأمومة والطفولة في المدن الرئيسية.

تحذير من تفشي الأمراض

وحذَّرت لجنة الإنقاذ الدولية من التداعيات المتزايدة لتراجع خدمات التحصين في اليمن، مشيرة إلى أن أكثر من عقد من الصراع وضع النظام الصحي تحت ضغط شديد، وكانت خدمات التحصين الروتيني من بين أكثر الخدمات تضرراً.

وقالت المنظمة إنها بدأت منذ عام 2024، ومع تنامي الحملة العدائية ضد اللقاحات، تنفيذ استراتيجية للتغيير الاجتماعي والسلوكي تقوم على مسارين؛ أولهما تزويد أفراد المجتمع الموثوق بهم بالمعلومات اللازمة، وإشراك مقدمي الرعاية في أدوات عملية تعزز الثقة باللقاحات، والثاني مساعدة المانحين على الوصول إلى مزيد من الأطفال.

وأظهرت دراسة مسحية أجريت لمصلحة المنظمة في مناطق سيطرة الحكومة اليمنية، أن الأطفال كانوا يكملون جدول التطعيم بدرجة أكبر عندما يثق مقدمو الرعاية باللقاحات، ويعتقدون أنها تحمي الأطفال، بما يؤكد أهمية الثقة في رفع معدلات التحصين.

وتراجعت تغطية لقاح الحصبة في اليمن إلى 41 في المائة عام 2025، مقارنة بـ63 في المائة عام 2012، وهو انخفاض انعكس بصورة مباشرة على تفشي الأمراض التي يمكن الوقاية منها.

منع الحوثيين حملات التطعيم ساهم في عودة أمراض يمكن الوقاية منها (إعلام محلي)

وسجَّل اليمن خلال تفشي الحصبة عام 2024 نحو 27 ألفاً و517 إصابة، إضافة إلى 260 وفاة، وهي من بين أعلى حصائل الإصابات المسجلة عالمياً خلال ذلك العام. واستمرت معدلات الإصابة المرتفعة لاحقاً؛ إذ سجلت البلاد 11 ألفاً و354 حالة بين أكتوبر (تشرين الأول) 2025 ومارس (آذار) 2026، وهو ثاني أعلى عدد إصابات في أي بلد حول العالم خلال تلك الفترة.

مليون طفل بلا تحصين

ولم تقتصر التداعيات على الحصبة؛ إذ سجل اليمن منذ عام 2021 نحو 452 حالة إصابة بفيروس شلل الأطفال المتحور، وكان 98 في المائة من المصابين من الأطفال دون الخامسة.

وتقدر «يونيسف» أن 17.8 مليون شخص في اليمن، غالبيتهم من الأطفال، يفتقرون إلى الوصول الكافي إلى الرعاية الصحية، بينما تشير تقديرات بداية العام الحالي إلى أن 40 في المائة من المرافق الصحية لم تكن تعمل، أو كانت معرضة لخطر الإغلاق بسبب نقص التمويل، وتقليص الشركاء الإنسانيين عملياتهم.

وتشير البيانات إلى أن نحو مليون طفل في اليمن لم تصل إليهم خدمات التحصين الروتينية على الإطلاق، بينما يمثل اليمن، إلى جانب السودان وسوريا، نحو 87 في المائة من جميع الأطفال الذين لم يتلقوا أي جرعة لقاح في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا.

تغطية لقاح الحصبة في اليمن تراجعت إلى 41 % عام 2025 (الأمم المتحدة)

وتضع هذه الأرقام اليمن باستمرار ضمن الدول التي تضم أعلى نسبة من الأطفال الذين لم يحصلوا على أي جرعة لقاح عالمياً، إلى جانب نيجيريا وجمهورية الكونغو الديمقراطية.

وترى «الإنقاذ الدولية» أن معالجة فجوة التحصين لا تتطلب مواجهة خطاب التشكيك باللقاحات فحسب، وإنما تحتاج أيضاً إلى استثمارات مباشرة في المراكز الصحية وسلاسل الإمداد والقوى العاملة الطبية، بما يضمن وصول اللقاحات إلى الأطفال بصورة منتظمة.

وتكشف نتائج الدراسة عن 4 أنماط رئيسية وراء التردد في التطعيم، تشمل المعتقدات الفردية وقرارات الأسرة وتأثير المجتمع، إضافة إلى المخاوف من الآثار الجانبية قصيرة المدى.

وأوضحت المنظمة أن بعض الأسر تركز على أعراض ظاهرة وفورية، مثل الحمى أو التورم أو صعوبة الحركة المؤقتة، بينما تبقى الفوائد بعيدة المدى للَّقاحات غير مرئية، ولا تظهر إلا مع مرور الوقت. كما يسهم تناقل قصص فردية عن أعراض جانبية في تضخيم المخاوف؛ خصوصاً عندما لا يحصل مقدمو الرعاية على إرشادات كافية بشأن التعامل مع تلك الأعراض.

وتحذِّر هذه المعطيات من أن استمرار تعطيل حملات التحصين وتراجع الخدمات الصحية قد يوسع دائرة الأمراض التي كان يمكن السيطرة عليها، ويضع ملايين الأطفال اليمنيين أمام مخاطر صحية متزايدة، في بلد أنهكته سنوات الحرب، وتراجع التمويل، وانهيار جزء كبير من بنيته الصحية.


«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
TT

«تثبيت الفائدة» في مصر... هل يحد من موجة التضخم؟

متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)
متسوقون مصريون في سوبر ماركت بالجيزة (الشرق الأوسط)

أثار قرار تثبيت سعر الفائدة في مصر للشهر الرابع على التوالي تساؤلات حول التضخم الذي تشهده البلاد.

ويرى خبراء أن «إجراءات البنك المركزي المصري تستهدف محاصرة نسبة التضخم على المستوى القصير»، وتوقعوا «ارتفاع نسب التضخم في نهاية العام الحالي بسبب تأثير الاضطرابات الإقليمية على أسعار الطاقة».

وقررت لجنة السياسة النقدية بـ«البنك المركزي»، مساء الخميس، «الإبقاء على أسعار العائد الأساسية دون تغيير»، ووفق إفادة لـ«المركزي» يتم تثبيت سعري العائد، الإيداع والإقراض، لليلة واحدة، وسعر العملية الرئيسية عند 19 في المائة و19.5 في المائة و20 في المائة على الترتيب، إلى جانب «الإبقاء على سعر الائتمان والخصم عند 19.5 في المائة».

وهذه المرة الرابعة التي يقرر فيها «المركزي» تثبيت سعر الفائدة منذ أبريل (نيسان) الماضي، وتعقد لجنة السياسات النقدية بـ«البنك المركزي» اجتماعها الدوري كل ستة أسابيع (45 يوماً)، ويتبقى لها ثلاثة اجتماعات خلال العام الحالي، في ظل ترقب الأسواق لتطورات التضخم وسعر الصرف وأسعار الطاقة العالمية.

وبحسب بيان «المركزي» جاء القرار «انعكاساً لتقييم لجنة السياسيات النقدية لآخر تطورات التضخم وتوقعاته».

وشهد المعدل السنوي للتضخم العام ارتفاعاً طفيفاً في يوليو (تموز) الماضي ليبلغ 14.9 في المائة مقابل 14.3 في المائة في يونيو (حزيران) الماضي، بينما سجل المعدل الأساسي للتضخم 14.7 في المائة في يوليو مقابل 14.3 في المائة عن الشهر السابق له، وفق «المركزي»، الذي أشار إلى أن «التطورات الشهرية للأسعار أظهرت استقراراً مع انخفاض أسعار بعض السلع والخدمات».

البنك المركزي المصري قرر تثبيت سعر الفائدة (رويترز)

ويقول عضو «الجمعية المصرية للاقتصاد والتشريع» وليد جاب الله: «كان من المتوقع أن يتخذ البنك المركزي قرار تثبيت أسعار الفائدة مرة أخرى». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «الفارق بين سعر الفائدة ونسب التضخم يسمح للبنك المركزي باتخاذ قرار التثبيت، ذلك أن الزيادة في نسب التضخم جاءت طفيفة وليست بنسب عالية».

وعدّ قرار التثبيت «تشديداً نقدياً تتخذه الحكومة في ظل حالة عدم اليقين التي يعيشها الاقتصاد العالمي».

ووفق بيان «البنك المركزي» فإن «النشاط الاقتصادي على الصعيد العالمي شهد تباطؤاً طفيفاً متأثراً بالتقلبات الجيوسياسية، وضعف الطلب، في حين لا يزال التضخم مرتفعاً بشكل عام، مع تفاوت الضغوط التضخمية عبر الاقتصادات، ما أدى لتباين قرارات السياسة النقدية للبنوك المركزية».

وأشار البيان إلى أن «آفاق الاقتصاد العالمي تتسم بعدم اليقين ولا تزال عرضة لمجموعة من المخاطر، من أهمها استمرار التوترات الإقليمية لفترة أطول، وتجدد اضطرابات سلاسل الإمداد».

ولا يعني استمرار تثبيت أسعار الفائدة، قدرة الاقتصاد المصري على الحد من نسب التضخم، وفق جاب الله، مضيفاً أنه «من الصعب انخفاض مستويات التضخم في ظل استمرار ارتفاع أسعار الطاقة».

ورجح «ارتفاع نسب التضخم مع نهاية العام الحالي إلى نسب أقل من 17 في المائة، في ظل استمرار الاضطرابات الجيوسياسية»، مشيراً إلى أن «البنك المركزي فضل التريث بتثبيت أسعار الفائدة لترقب التطورات والأوضاع العالمية خصوصاً على صعيد أسعار الطاقة».

الخبير الاقتصادي مصطفى بدرة يوضح أن «إجراءات البنك المركزي الحالية تستهدف محاصرة التضخم على المستوى القصير»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إنه «من المتوقع زيادة معدلات التضخم مع بداية العام المقبل خصوصاً مع عدم انخفاض أسعار البترول بسبب الاضطرابات الإقليمية».

الحكومة المصرية تكثف الرقابة على الأسواق لضبط أسعار السلع (وزارة التموين المصرية)

و«تعرضت أسواق الطاقة مجدداً لضغوط تصاعدية وازدادت تقلباتها وسط تزايد حدة التوترات الإقليمية، كما اتجهت أسعار السلع الزراعية نحو الارتفاع نتيجة للمخاوف المتعلقة بالإمدادات الناجمة عن التوترات الجيوسياسية»، وفق بيان «المركزي» المصري.

بدرة يلفت إلى أن «استمرار الأوضاع الإقليمية بالوضع الحالي سيترتب عليه ارتفاع في معدلات التضخم، وبالتالي سينعكس ذلك على ارتفاع سعر الفائدة مع نهاية العام الحالي».

كما يشير إلى أنه «حال حدوث أي توتر جديد بالمنطقة وارتفاع سعر برميل البترول عن (94 دولاراً) الحالية سيعني اتخاذ قرارات اقتصادية أكثر تشدداً للتحوط مع الآثار الجديدة».

وتوقع البنك «المركزي» أن «يبلغ متوسط معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي نحو 5 في المائة في العام المالي (2025-2026)» إلى جانب «مواصلة النشاط الاقتصادي الحقيقي انخفاضه الطفيف في الربع الثاني من العام الحالي وذلك انعكاساً للتأثير السلبي للصراع الإقليمي».


الحوثيون يشدّدون قبضتهم الأمنية في إب

حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
TT

الحوثيون يشدّدون قبضتهم الأمنية في إب

حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)
حشد حوثي في صنعاء دعا إليه زعيم الجماعة لتأييد الهجمات البرية والبحرية (أ.ف.ب)

شدَّدت الجماعة الحوثية المدعومة من إيران قبضتها الأمنية في محافظة إب، بالتزامن مع تصاعد التوتر والمواجهات على خطوط التماس المحيطة بها، ودَفعت بوحدات من قوات النخبة التابعة لها إلى مناطق قريبة من جبهات القتال مع محافظات تعز والحديدة والضالع.

وقالت مصادر محلية لـ«الشرق الأوسط» إن الجماعة كثَّفت انتشارها الأمني في مدينة إب والمناطق القريبة من خطوط التماس غرب المحافظة، وعزَّزت وجودها في الطرق المؤدية إلى الجبهات، مع فرض رقابة مشددة على حركة السكان واتصالاتهم.

وتكتسب إب أهمية عسكرية بحكم موقعها؛ إذ تقع على خطوط إمداد تربط مناطق سيطرة الحوثيين بجبهات القتال في الحديدة وتعز والضالع، وتبعد نحو 192 كيلومتراً جنوب صنعاء.

وحسب المصادر، نقل الحوثيون مقر قيادة المنطقة العسكرية التي تضم محافظات إب والضالع وتعز إلى مدينة دمت، الواقعة شرق إب، كما دفعوا بوحدتين من قوات النخبة المعروفة باسم «ألوية الصماد» إلى مناطق قريبة من خطوط التماس.

الحوثيون كثَّفوا انتشارهم العسكري والأمني في مدن وبلدات إب (إعلام محلي)

وأضافت المصادر أن الجماعة دفعت بمقاتلين من أبناء إب إلى خطوط المواجهة، في حين أبقت وحدتي «الصماد» في مؤخرة الجبهة لمراقبة القوات ومنع أي عناصر محلية من الفرار أو التراجع خلال المواجهات.

ووفق المصادر، يعكس هذا الانتشار حالة من عدم الثقة بالمقاتلين الذين جرى تجنيدهم من أبناء المحافظة، في وقت تعمل فيه الجماعة على تشديد الرقابة الأمنية داخل المدن والبلدات وعلى الطرق المؤدية إلى مناطق القتال.

مركز لإدارة العمليات

حوّل الحوثيون مناطق شرق إب مركزاً لإدارة العمليات العسكرية المرتبطة بالجبهات المحيطة بالمحافظة، بالتزامن مع إعادة توزيع وحداتهم وانتشارهم في المناطق القريبة من خطوط التماس.

وتأتي هذه التحركات في ظل تصاعد التوتر العسكري على جبهات عدة، وفي وقت تواصل فيه الجماعة إحكام قبضتها الأمنية داخل المحافظة التي تُعدّ من أبرز مناطق التجنيد والإمداد التابعة لها.

الحوثيون حولوا مناطق شرق إب مركزاً لإدارة العمليات العسكرية (إعلام محلي)

وتزامن ذلك مع مرور عام على حملة اعتقالات واسعة نفَّذتها الجماعة في إب، وطالت أكثر من 115 من الكوادر التربوية والأكاديمية والطبية والهندسية، وفق مصادر محلية.

وقالت المصادر إن الحملة استمرت أكثر من ثلاثة أشهر، من أواخر مايو (أيار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) من العام الماضي، وأُفرج عن 14 معتقلاً منهم على فترات متفاوتة، كان آخرهم قبل نحو أسبوع، في حين لا يزال البقية محتجزين.

وحسب مصادر محلية، لا يزال عدد من المطلوبين للحوثيين عاجزين عن مغادرة المحافظة باتجاه مناطق سيطرة الحكومة، في حين تمكنت نحو 260 أسرة من مغادرة مناطق سيطرة الجماعة والوصول إلى المناطق الحكومية.

وفي سياق متصل، كشفت سهام العباب، ابنة التربوي صديق العباب، عن تدهور الحالة الصحية لوالدها المحتجز لدى الحوثيين منذ أكثر من عام، وسط عجز أسرته عن زيارته أو الاطمئنان على وضعه الصحي.

طلبة جامعة صنعاء أخضعتهم الجماعة الحوثية للتعبئة والتجنيد (أ.ف.ب)

وقالت إن والدها اتصل بالأسرة قبل أيام، وإن التعب كان واضحاً في صوته، مضيفة أن الأسرة لا تعرف طبيعة حالته الصحية ولا تستطيع رؤيته أو الاطمئنان عليه.

وأضافت أن المكالمة تركت أثراً نفسياً كبيراً عليها، مشيرة إلى أن صوت والدها ظل حاضراً في ذاكرتها بعد انتهاء الاتصال.

وكانت الابنة تحدثت في وقت سابق عن المعاناة التي تعيشها أسرتها جراء غياب والدها، وقالت إنه ترك وراءه عائلة صغيرة تحتاج إلى سند، في حين يقبع في السجن من دون أن تعرف الأسرة التهمة الموجهة إليه.

واختطف الحوثيون التربوي صديق العباب خلال حملة اعتقالات واسعة استهدفت مئات الأشخاص في محافظات إب وتعز والبيضاء، وطالت أطباء ومعلمين ومحامين وموظفين وشخصيات اجتماعية، وفق مصادر محلية.

احتجاز بلا مسار قانوني

من جهته، قال زكريا الجابري إن والده محتجز قسراً لدى جماعة الحوثيين منذ 12 يونيو (حزيران) 2025 في مقر الأمن السياسي بمدينة إب.

وأوضح أن الأسرة لم تتمكن من التواصل معه سوى ثلاث مرات، وأن الزيارة الوحيدة التي سُمح بها جرت بعد أكثر من 11 شهراً على احتجازه، قبل أن تمنع الأسرة لاحقاً من زيارته.

وأضاف أن الحوثيين اكتفوا بالسماح لوالده بإجراء اتصالات هاتفية محدودة، في حين لا تعرف الأسرة ظروف احتجازه أو وضعه الصحي والنفسي، رغم علم الجهة التي تحتجزه بأنه يعاني مشكلات صحية.

مسيّرة حوثية أُطلقت باتجاه ميناء المخا اليمني في جنوب البحر الأحمر (أ.ف.ب)

وقال الجابري إن الأسرة حاولت خلال الفترة الماضية التواصل مع جهات وأشخاص عدة بحثاً عن إجابة أو مساعدة، إلا أن الرد كان في أحيان كثيرة أن المسؤولين عن القضية لا يعلمون شيئاً، وأن الجهة المسؤولة عنها موجودة في صنعاء.

وتساءل عن الجهة التي أصدرت أمر احتجاز والده، وعن أسباب عدم إحالته إلى النيابة، ولماذا لم تُبلغ الأسرة بالتهم الموجهة إليه أو بمساره القانوني.

وقال إن الأسرة لا تعرف «من يملك القرار ومن يستطيع إنهاء هذا الاحتجاز»، معتبراً أن استمرار احتجاز والده تسبب في آثار نفسية واجتماعية كبيرة على أفراد الأسرة.

كما عدّ أن قضيته تعكس، حسب وصفه، غياب جهة رسمية واضحة يمكن للأسرة اللجوء إليها، رغم محاولاتها المتكررة طلب المساعدة من الجهات الحكومية ومنظمات المجتمع المدني ووجهاء وأعيان المنطقة.