أمطار غزيرة تُعرِّي البنية التحتية في العاصمة الليبية

شلل مروري وفصل التيار الكهربائي... وبلدية تُعلن نفسها منكوبة

أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
TT

أمطار غزيرة تُعرِّي البنية التحتية في العاصمة الليبية

أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)
أمطار طوفانية تسببت في غرق سيارات بالعاصمة الليبية (صفحات موثوقة على مواقع التواصل الاجتماعي)

​أدت أمطار غزيرة هطلت على العاصمة الليبية طرابلس، الثلاثاء، إلى إغراق شوارع ومنازل وسيارات، وإرباك حركة المرور، وتعطيل خدمات في مرافق عامة ومصرفية، بينما دفعت السلطات بفرق الطوارئ والإنقاذ للتعامل مع تجمعات المياه، وأغلقت طرقاً رئيسية.

جانب من الأمطار التي ضربت العاصمة الليبية (مديرية أمن طرابلس)

ووجَّهت حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، الجهات المختصة إلى رفع درجة الجاهزية، وتسخير الإمكانات اللازمة لمواجهة تداعيات الأمطار.

وقد تسببت الأمطار في تعرية البنية التحتية في طرابلس، حسب سكان محليين. وأعادت الأضرار التي طالت مناطق عدة تسليط الضوء على كفاءة شبكات تصريف المياه، رغم مشروعات التطوير المنفَّذة حديثاً.

وقال اللواء محمد علي البكوش، مدير «إدارة الفروع بهيئة السلامة الوطنية»، والمتحدث باسم الهيئة، لـ«الشرق الأوسط»، إن الأمطار الغزيرة التي هطلت على بعض ضواحي طرابلس أدت إلى تجمع كميات كبيرة من المياه، وحدوث سيول واختناقات مرورية، وغرق عدد من السيارات. وأرجع ذلك إلى «تهالك البنية التحتية في بعض ضواحي العاصمة».

تكوُّن برك المياه في أحد شوارع العاصمة الليبية طرابلس جرَّاء الأمطار (حكومة الوحدة)

وأضاف البكوش أن الهيئة شكَّلت خلية عمل، ودفعت بفرق الإنقاذ والإغاثة للتعامل مع تداعيات الأمطار، بالتنسيق مع هيئة المياه والصرف الصحي، وشركة الخدمات العامة، ومركز طب الطوارئ والدعم، لافتاً إلى تسخير الإمكانات المتاحة لشفط المياه من المناطق المتضررة.

وفي حصيلة أولية للوفيات المعلنة المرتبطة بتداعيات الأمطار، أعلن مصرف الجمهورية وفاة أحد موظفيه، إثر تعرضه لصعقة كهربائية خلال دخوله مقر عمله في شارع المقريف بطرابلس.

وحسب سكان محليين ووسائل إعلام ليبية، تركزت تجمعات المياه في مناطق عدة، من بينها سوق الجمعة وبن عاشور وفشلوم والنوفليين، بالإضافة إلى «ميدان الشهداء» بوسط العاصمة. وأدت المياه إلى غمر شوارع ومنازل وسيارات، وإعاقة حركة المرور، وإلحاق أضرار ببعض المحال التجارية.

وأعلنت مديرية أمن طرابلس إغلاق الاتجاه الشرقي من الطريق الدائري الثاني، ابتداء من كوبري الجامعة، بسبب تجمع المياه، ودعت السائقين إلى استخدام مسارات بديلة.

مياه الأمطار امتدت إلى أحد المراكز الصحية في طرابلس (النقابة العامة لأطباء الأسنان)

وامتدت تداعيات الأمطار إلى مرافق عامة؛ إذ أفادت تقارير محلية بدخول المياه إلى «المتحف الوطني» الليبي، وغمر ملعب النهر في المدينة الرياضية. بينما أعاقت تجمعات المياه حركة السكان في مناطق متفرقة، وأثَّرت في تنقلاتهم اليومية، وسط استمرار جهود التعامل مع المياه المتراكمة.

ولم تسلم الخدمات المصرفية من آثار التقلبات الجوية؛ إذ أعلن المصرف التجاري الوطني -وهو مصرف حكومي- توقف بعض فروعه مؤقتاً عن تقديم الخدمات، بسبب خلل في شبكة الاتصالات نجَم عن الأحوال الجوية، في وقت واجه فيه السكان صعوبات في التنقل والوصول إلى الخدمات.

وفي مواجهة الأضرار، وجَّهت حكومة «الوحدة الوطنية» بتوفير الآليات والفرق الفنية وفرق الطوارئ والإنقاذ لشفط المياه وإزالة العوائق، بمشاركة هيئة السلامة الوطنية، وشركة المياه والصرف الصحي، وشركة الخدمات العامة، وأجهزة الإسعاف، بهدف تسريع الاستجابة للمناطق الأكثر تضرراً.

كما سيَّرت الجهات المختصة سيارات شفط المياه إلى عدد من بلديات العاصمة، بينما شكَّلت وزارة الصحة لجنة للطوارئ لمتابعة التداعيات الصحية المحتملة، وتنسيق الاستجابة مع الجهات المعنية. وتزامنت هذه الإجراءات مع استمرار التعامل الميداني مع تجمعات المياه والاختناقات المرورية.

عنصر تابع لـ«هيئة السلامة الوطنية» خلال متابعة جهود الإنقاذ في طرابلس الثلاثاء (الصفحة الرسمية للهيئة)

وقال اللواء خليل وهيبة، مدير أمن طرابلس، إن الفرق الأمنية والشرطية تواصل عملها الميداني لمساعدة المواطنين وتنظيم حركة السير، والتعامل مع تداعيات الأمطار؛ خصوصاً في المناطق التي تشهد تجمعات للمياه، أو إغلاقاً لبعض الطرق، داعياً إلى الالتزام بالتوجيهات الأمنية.

وأعلنت الشركة العامة للكهرباء فصل التيار عن مناطق في طرابلس، في إجراء احترازي، عقب دخول المياه إلى بعض المحطات الكهربائية.

لكن الإجراءات الحكومية لم توقف الانتقادات المتعلقة بأوضاع البنية التحتية، وقدرتها على استيعاب كميات الأمطار. ففي سوق الجمعة، أعلن عميد البلدية أنور عوز، في تسجيل مصور، أن البلدية منكوبة، محملاً الحكومة مسؤولية تقديم الدعم اللازم، في ظل ما وصفه بانهيار البنية التحتية.

وأظهرت مقاطع مصورة متداولة محاولات لإنقاذ أشخاص حاصرتهم المياه، بينما أثارت مشاهد غرق المنازل والسيارات تساؤلات حول جاهزية شبكات تصريف مياه الأمطار. ولم تتوفر بيانات رسمية شاملة توضح حجم الأضرار، أو عدد المناطق التي لحقتها خسائر.

وانتقد عضو مجلس النواب علي السباعي أوضاع العاصمة عقب الأمطار، قائلاً إن مشاهد غرق المنازل والطرق والسيارات والأحياء لم يسبق له أن رآها بهذا الشكل. وتساءل في منشور عبر صفحته الرسمية بموقع «فيسبوك» عن جدوى شعار «عودة الحياة»، في ظل الأضرار التي لحقت مناطق من طرابلس.

وكانت حكومة «الوحدة الوطنية» قد أطلقت مبادرة «عودة الحياة» عام 2021، لتنفيذ مشروعات إعادة الإعمار وتطوير البنية التحتية والمرافق العامة. وأعاد السباعي -من خلال انتقاده- طرح التساؤلات بشأن انعكاس مشروعات التنمية على قدرة العاصمة على مواجهة الأمطار والحد من آثارها.

أشجار تساقطت جرَّاء الأمطار في العاصمة الليبية طرابلس الثلاثاء (الهلال الأحمر الليبي)

وطالب البكوش الحكومة «بمعالجة الاختلالات المتراكمة في شبكات تصريف المياه والطرق والكباري»، وشدد على ضرورة المسارعة في «إصلاح البنية التحتية، وتدارك الأخطاء المتراكمة على مدى عشرات السنين، لتفادي تكرار الأضرار مستقبلاً».


مقالات ذات صلة

مباحثات أممية للدفع بالعملية السياسية وتوحيد المؤسسات الليبية

شمال افريقيا الزوبي وكيل وزارة الدفاع بغرب ليبيا مستقبلاً خوري نائبة رئيسة البعثة الأممية 12 أكتوبر (البعثة الأممية)

مباحثات أممية للدفع بالعملية السياسية وتوحيد المؤسسات الليبية

تسابق البعثة الأممية في ليبيا الزمن للتقريب بين الفرقاء وتوحيد المؤسسة العسكرية، وذلك بالتزامن مع استعداد المبعوثة الأممية لعرض رؤيتها الشاملة أمام مجلس الأمن.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي (القيادة العامة)

تأكيد ليبي على «التضامن» المطلق مع السعودية

استنكرت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» ومجلس النواب في ليبيا الاعتداء على مطار الرياض، واصفَيْن استهداف المنشآت المدنية بالانتهاك الصارخ للقوانين الدولية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي رئيس المجلس الرئاسي الليبي مستقبلاً مليقطة رئيس جهاز الاستخبارات يوم الاثنين (مكتب المنفي)

المنفي يبحث مع رئيس الاستخبارات الليبية سبل حماية الأمن الوطني

بحث رئيس المجلس الرئاسي الليبي محمد المنفي، مع رئيس جهاز الاستخبارات عبد المجيد مليقطة، تطورات الأوضاع الأمنية وسبل تعزيز التعاون الاستخباراتي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة للمجلس الأعلى للدولة في العاصمة الليبية الأسبوع الماضي (المجلس الأعلى)

ليبيا: تصعيد سياسي يستبق إحاطة تيتيه أمام «مجلس الأمن»

تجدد الخلاف السياسي في ليبيا مع رفض المجلس الأعلى للدولة مخرجات «4+4» وقوانين انتخابية أقرها مجلس النواب، قبيل إحاطة أممية مرتقبة قد تحدد ملامح الخطوات المقبلة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية مستقبلاً القائم بالأعمال في سفارة السعودية لدى ليبيا عبد الله بن دخيل الله السلمي 2 سبتمبر الماضي (مكتب الدبيبة)

إدانة ليبية للهجمات على السعودية

أدانت وزارة الخارجية بحكومة «الوحدة» الليبية الهجمات التي استهدفت السعودية، مؤكدةً تضامن ليبيا الكامل مع المملكة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

قوى سودانية تبحث مع «الآلية الخماسية» سبل وقف الحرب

فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
TT

قوى سودانية تبحث مع «الآلية الخماسية» سبل وقف الحرب

فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)
فتى سوداني يمسك وعاء للحصول على طعام من مطبخ خيري بالخرطوم 23 سبتمبر الماضي (أ.ب)

بحث وفد من القوى السياسية والمدنية السودانية المنضوية تحت «إعلان المبادئ»، في أديس أبابا، الاثنين، مع «الآلية الخماسية» سُبل إنهاء الحرب ومعالجة الأزمة الإنسانية في السودان.

وقالت هذه القوى، في بيان صحافي، إن الاجتماع مع «الآلية الخماسية»، التي تضم الاتحاد الأفريقي، والأمم المتحدة، والاتحاد الأوروبي، وجامعة الدول العربية، وهيئة «إيغاد»، ركز على إطلاق ترتيبات عملية سلام يقودها السودانيون، تبدأ بهدنة إنسانية تُفضي إلى وقف دائم للقتال وانتقال مدني ديمقراطي.

وشدد بيان القوى، وهي تحالف سياسي مدني مناهض للحرب، على أولوية التوصل إلى «هدنة إنسانية فورية غير مشروطة»، ودعا إلى حماية المدنيين، وضمان وصول المساعدات الإنسانية، بما يمهد لإطلاق عملية السلام.

وقدمت القوى السودانية رؤيتها إلى «الآلية الخماسية» الدولية بشأن عملية سلام متكاملة تمضي في ثلاثة مسارات متزامنة، تتصدرها الاستجابة الإنسانية لما خلفته الحرب، ووقف إطلاق النار، إلى جانب إطلاق حوار سياسي يعالج جذور الأزمة، ويؤسس لسلام عادل وشامل يؤدي إلى انتقال مدني ديمقراطي مستدام.

وتدعو الرؤية إلى توحيد الوساطات الإقليمية والدولية وربطها بضغوط منسقة، تشمل توسيع حظر السلاح إلى كامل السودان، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ومحاسبة مرتكبي الفظائع ومعرقلي السلام.

وشدد المشاركون في اجتماع أديس أبابا على أهمية إنشاء مظلة موحدة تضم «الرباعية» و«الآلية الخماسية» ودول الترويكا.

كما أكد البيان ضرورة مشاركة كل القوى المدنية السودانية في تصميم العملية وقيادتها وفق معايير عادلة تمنع هيمنة أي طرف، مع استبعاد حزب «المؤتمر الوطني» المعزول وواجهاته التنظيمية من أي مشاركة في العملية السياسية المقبلة.

وفقاً للبيان، أكدت «قوى إعلان المبادئ» أهمية ربط عملية السلام بإنفاذ إجراءات مشددة للضغط على أطراف الحرب التي تعرقل السلام، إلى جانب وقف كل أشكال الدعم الخارجي التي تؤجج النزاع، وتجفيف مصادر تمويل الحرب، ومحاسبة المسؤولين عن الفظائع.

كما شددت القوى على ضرورة الحفاظ على وحدة السودان أرضاً وشعباً، وجددت الدعوة لأن تعمل كل المساعي الإقليمية والدولية مع السودانيين في إيجاد حل سلمي للأزمة، وتحويل الجهود الدبلوماسية إلى خطوات ملموسة توقف نزيف الدم وتخفف معاناة الشعب السوداني.

وتوافقت قوى «إعلان المبادئ السوداني»، في وقت سابق، على وثيقة تنص على أنه «لا حل عسكرياً للأزمة»، داعية إلى عملية سياسية بملكية سودانية خالصة، بمشاركة واسعة من القوى المناهضة للحرب، بما يعزز فرص الوصول إلى حلول مستدامة.

ويضم إعلان قوى المبادئ «تحالف صمود» بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، و«حزب الأمة القومي»، و«التجمع الاتحادي»، وحزب «المؤتمر السوداني»، و«الحركة الشعبية لتحرير السودان - التيار الثوري»، وحركة «جيش تحرير السودان»، و«حزب البعث العربي الاشتراكي»، بالإضافة إلى عدد من الشخصيات الوطنية المستقلة.


الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)
الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)
TT

الجزائر والنيجر تبحثان التحديات الأمنية وتهديدات الحدود المشتركة

الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)
الوزير المنتدب للدفاع الجزائري في أثناء إلقائه كلمة بمناسبة زيارة وزير دفاع النيجر (وزارة الدفاع الجزائرية)

بحث الوزير المنتدب للدفاع ورئيس أركان الجيش الجزائري، الفريق أول السعيد شنقريحة، مع وزير دفاع دولة النيجر، الفريق أول ساليفو مودي، التحديات الأمنية والتهديدات على الحدود المشتركة، خلال لقائهما، اليوم الثلاثاء، إلى جانب مستجدات الوضع السياسي والأمني في النيجر. ويأتي هذا اللقاء بعد نحو شهر ونصف شهر من إرسال الجزائر طائرات عسكرية إلى نيامي، في خطوة جاءت في سياق التطورات الأمنية التي شهدتها النيجر، عقب محاولة انقلاب ضد رئيس البلاد.

وزير دفاع النيجر خلال زيارته مقر قيادة أركان الجيش الجزائري (وزارة الدفاع الجزائرية)

وأفاد بيان لوزارة الدفاع الجزائرية أن شنقريحة استقبل مودي بمقر الوزارة، بحضور قائد القوات البرية، وقائد القوات الجوية، وقائد الدرك الوطني، ومدير الديوان لدى وزارة الدفاع، ورؤساء الدوائر ومديرين مركزيين بوزارة الدفاع وأركان الجيش الجزائري، وكذا أعضاء الوفد العسكري النيجري.

وأوضح البيان أن الوفدين «أجريا محادثات تناولت التعاون العسكري الثنائي، كما تبادلا التحاليل ووجهات النظر حول القضايا ذات الاهتمام المشترك»، من دون تفاصيل أخرى.

علاقات تتجه إلى أفق أرحب

نقل نفس البيان عن شنقريحة أن العلاقات بين الجزائر والنيجر «ليست وليدة اليوم، بل هي علاقات عريقة تشكلت بحكم أواصر الأخوة والتضامن الصادق وحسن الجوار، وتكرّست في ظل محطات فارقة في تاريخ البلدين، ورسختها رؤية متقاربة لمستقبل منطقتنا ومصير شعوبها»، مؤكداً أن زيارة وزير الدفاع النيجري «تندرج في إطار الديناميكية المتجددة التي تعرفها العلاقات الجزائرية - النيجرية، وتعكس بحق الإرادة المشتركة لقيادتي البلدين في تعزيز مسارات التعاون الثنائي، لا سيما في المجال الدفاعي والأمني»..

جانب من مباحثات وفدي وزارتي الدفاع الجزائرية والنيجرية (وزارة الدفاع الجزائرية)

ولفت سعيد شنقريحة إلى أن هذه الزيارة «تأتي في سياق الزيارة التاريخية»، التي قادت الرئيس عبد الرحمان تشياني إلى الجزائر يومي 15 و16 فبراير (شباط) الماضي، والتي وصفها شنقريحة بأنها «محطة مفصلية في مسار العلاقات بين البلدين، وعززت الإرادة القوية لقائدي البلدين في الارتقاء بعلاقاتنا إلى آفاق أرحب، ومواجهة التحديات الإقليمية بروح من التضامن المتجدد والمسؤولية المشتركة»، وفق ما نقله بيان وزارة الدفاع.

وأضاف نفس البيان أن الفريق أول ساليفو مودي «عبّر عن تطلعه الدائم للعمل على تعزيز علاقات التعاون العسكري، كما أشاد بمستوى التنسيق متعدد الأبعاد بين البلدين الشقيقين».

وأكدت مصادر مطلعة أن الجانبين بحثا مكافحة الإرهاب والجماعات المسلحة، وتبادُل المعلومات والخبرات، وتعزيز التنسيق لمواجهة نشاط الجماعات المسلحة في منطقة الساحل والصحراء، خصوصاً في المناطق الحدودية التي يفوق طولها 900 كلم. كما تناولت المباحثات، حسب المصادر نفسها، تأمين الحدود المشتركة، وتعزيز مراقبتها، ومواجهة التهريب والجريمة المنظمة، والتحركات المسلحة العابرة للحدود.

رئيس وزراء النيجر خلال زيارته الجزائر في 27 أغسطس الماضي (الوزارة الأولى الجزائرية)

من التوتر إلى التحالف

شهدت العلاقات بين البلدين الجارين توتراً حاداً عام 2025، على خلفية إسقاط سلاح الجو الجزائري طائرة مسيّرة مالية في الأول من أبريل (نيسان). وأعلنت النيجر وبوركينا فاسو تضامنهما مع مالي في خلافها مع الجزائر، فيما تبادلت الأطراف المعنية تصريحات حادة، ووصلت القضية إلى الأمم المتحدة، حيث تقدمت مالي بشكوى ضد الجزائر.

غير أن العلاقات عادت إلى طبيعتها مع الدول الثلاث خلال العام الحالي، وتم طي الخلاف مع النيجر، بمناسبة زيارة رئيسها إلى الجزائر في فبراير الماضي. وقد أصبحت أكثر متانة منذ نهاية شهر أغسطس (آب) الماضي، وذلك عندما أوفدت الجزائر مقاتلات عسكرية إلى نيامي لصد محاولة انقلاب ضد تشياني.

وتناول الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون هذه القضية في الثالث من الشهر الحالي، خلال مقابلة مع التلفزيون العمومي الجزائري، مؤكداً أن بلاده تحركت عسكرياً لمنع عزل الرئيس تشياني بالقوة. وأثارت هذه القضية جدلاً داخلياً في البلاد، ذلك أنه لأول مرة تنقل الجزائر عتادها العسكري خارج حدودها في مواجهة مع طرف أجنبي.

انتشار الجيش الجزائري بالقرب من الحدود مع النيجر (صحف جزائرية)

وقد أحبطت السلطات النيجرية محاولة الانقلاب، التي جرت ليلة 28 إلى 29 أغسطس الماضي، عقب هجمات متزامنة شنّتها مجموعة من العسكريين استهدفت القصر الرئاسي والقاعدة الجوية بمطار نيامي الدولي، بهدف الإطاحة بالرئيس. وعزت تقارير صحافية فرنسية فشل المحاولة إلى تضافر عدة عوامل؛ أبرزها ولاء الحرس الرئاسي، وسرعة تحرك القوات الموالية، إلى جانب التدخل الحاسم لعناصر «فيلق أفريقيا» الروسي المنتشر في حدود النيجر.

وفي تصريحاته حول القضية، قال تبون بهذا الخصوص: «كان رئيس الوزراء النيجري (محمد لمين زين) موجوداً في الجزائر، وفي الوقت نفسه كانت هناك محاولة انقلاب جارية في النيجر. ماذا يعني هذا؟ هل هو استفزاز للجزائر؟ وأنا أيضاً سأرسل طائرات، وسأقف في مواجهتكم نداً لندّ؛ لأن هناك من لم يعد يعرف حدود اللياقة والاحترام».

رئيس النيجر السابق محمد بازوم لدى زيارته الجزائر قبل عام من عزله في انقلاب عسكري في 2023 (الرئاسة الجزائرية)

ولمّح تبون في كلامه إلى وقوف طرف أجنبي وراء محاولة الانقلاب في النيجر، عاداً أن الخطة كانت تستهدف إزاحة حليف الجزائر، الرئيس عبد الرحمن تشياني، وزعزعة الاستقرار على الحدود المشتركة بين البلدين. غير أنه لم يكشف عن هوية هذه الجهة.


تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
TT

تحذيرات رسمية في مصر من محاولات إحداث «وقيعة» مع السودان

لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)
لقاء سابق بين الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ورئيس مجلس السيادة الانتقالي السوداني الفريق أول عبد الفتاح البرهان في القاهرة (الرئاسة المصرية)

تواترت التحذيرات المصرية من محاولات «الوقيعة» مع السودان، على خلفية الجدل الذي صاحب استهداف «منقبين عن الذهب والمعادن» قرب الحدود بين البلدين، وكذلك حادث مقتل مصريَّين في الخرطوم.

ودعت نخب مصرية وسودانية للتهدئة وتجنب «الملاسنات» عبر منصات التواصل الاجتماعي لصون العلاقات الثنائية، وأكد مراقبون من الجانبين «خصوصية العلاقات المصرية - السودانية»، وأشاروا إلى أن «محاولات الوقيعة بين البلدين يستفيد منها طرف آخر».

ودعا الجيش المصري إلى «عدم الانسياق خلف الشائعات المضللة والأجندات الخارجية التي تستهدف زعزعة العلاقات الأخوية بين الشعبين المصري والسوداني»، وأكد في إفادة للمتحدث العسكري العقيد أركان حرب أحمد عتمان، مساء الاثنين، «عمق الروابط التي تجمع الأمتين المصرية والسودانية على المستويين السياسي والشعبي».

وجاء بيان المتحدث العسكري في وقت تداول فيه ناشطون على منصات التواصل الاجتماعي بالسودان مشاهد مصورة بمناطق تعدين على الحدود، زعموا قيام طائرات عسكرية مصرية بقصفها مما أسفر عن سقوط عدد من القتلى والجرحى.

غير أن بيان المتحدث العسكري المصري أشار إلى شروع «عناصر إنفاذ القانون من القوات المسلحة والشرطة المدنية في تنفيذ المرحلة الثالثة من الحملة المكبَّرة لمجابهة أعمال التنقيب غير المشروع عن خام الذهب بالصحراء الشرقية»؛ وأشار إلى أن الحملة جاءت بعد «إلقاء المنشورات التحذيرية على العناصر الإجرامية، لفرض كامل السيادة داخل الدولة المصرية وحماية مقدراتها وثرواتها القومية».

وتتخذ الحكومة المصرية إجراءات أمنية مشددة لمواجهة «التنقيب غير الشرعي» على المعادن. وأعلن الجيش المصري، في شهر أغسطس (آب) الماضي، بدء المرحلة الثانية من الحملة المكبَّرة لمجابهة ظاهرة التنقيب غير المشروع عن خام الذهب في الصحراء الشرقية، وأشار وقتها في إفادة للمتحدث العسكري إلى «تكثيف عمليات التمشيط والمداهمة للمناطق التي يثبت قيامها بتلك الأعمال»، فيما جاءت المرحلة الأولى ضد جماعات التنقيب غير المشروع عن خام الذهب، في شهر يونيو (حزيران) الماضي.

بموازاة ذلك، تعرّض عدد من سائقي الشاحنات المصريين، في مدينة الخرطوم لإطلاق نار، الاثنين، ما أسفر عن مقتل سائقَين وإصابة ثالث.

وفي إطار متابعة الخارجية المصرية للحادث، أجرى السفير المصري في الخرطوم ياسر سرور اتصالات مع السلطات السودانية التي أفادت بتمكنها من إلقاء القبض على مرتكب الحادث، حسب إفادة للخارجية المصرية، الاثنين.

وكلف وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي سفير مصر في الخرطوم بـ«سرعة التواصل مع السلطات السودانية، للوقوف على ملابسات الحادث، والاطمئنان على المواطن المصاب»، إلى جانب «اتخاذ الإجراءات اللازمة لنقل المتوفيين للقاهرة».

وأمام حالة الجدل التي صاحبت هذه الحوادث على منصات التواصل الاجتماعي، دعا إعلاميون ومستخدمون لهذه المنصات من مصر والسودان إلى «التهدئة وتجنب أي محاولات للوقيعة بين الشعبين».

لقاء سابق بين وزير الخارجية المصري ونظيره السوداني في مدينة جدة (الخارجية المصرية)

ويرى مدير وحدة العلاقات الدولية بـ«المركز السوداني للفكر والدراسات الاستراتيجية»، مكي المغربي، أن «هناك أطرافاً خارجية تستهدف إثارة الفتن ما بين القاهرة والخرطوم، وتوظيف الحوادث الأخيرة للوقيعة بين الشعبين». وأشار إلى أن «الرواية التي تحاول الزج باسم مصر في استهداف مناطق التعدين داخل السودان خرجت من (قوات الدعم السريع)»، عادّاً أن ذلك «يستهدف ضرب العلاقة بين السودان وأبرز الدول الداعمة للجيش السوداني».

وأشار في تصريحات لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «الحوادث الأخيرة تستهدف أيضاً إظهار عدم الأمان داخل السودان، وعدم وجود سيطرة على مناطق التعدين»، مشيراً إلى أن «التعاطي مع الحوادث الأخيرة يقتضي مزيداً من التنسيق بين البلدين، وإتاحة المجال للجان التحقيق للوقوف على أسباب هذه الحوادث»، مع ضرورة «تعزيز التنسيق الأمني بين القاهرة والخرطوم لضبط الحدود المشتركة».

وأعلن مجلس السيادة الانتقالي في السودان أنه «شكَّل لجنة لتقصي الحقائق، بشأن (الحادث الأليم) الذي تعرض له عدد من المعدّنين السودانيين بالمنطقة الحدودية بين مصر والسودان».

ونبَّه مستشار رئيس الوزراء السوداني مصلح نصار الرشيدي «إلى وجود مخطط يستهدف العلاقات بين البلدين مسنود بغرف إعلامية موجّهة تسعى إلى زعزعة أمن واستقرار البلدين والإضرار بالعلاقات التاريخية بينهما»، ودعا الشعبين إلى «ضبط النفس وتفويت الفرصة على المتربصين»، حسبما نقلت وكالة الأنباء السودانية، الثلاثاء.

وهناك تنسيق رفيع بين السلطات المصرية والسودانية، وفق سفير مصر الأسبق لدى السودان حسام عيسى الذي قال إن «الاتصالات الأخيرة بين وزيري الخارجية تشير إلى أن هناك جهوداً مستمرة بين البلدين للوقوف على أسباب الحوادث الأخيرة» إلى جانب التأكيد على متانة العلاقات الثنائية، وحماية سيادة البلدين، وتجنب أي محاولات للوقيعة بين الشعبين.

وشدّد وزير الخارجية المصري عبد العاطي ونظيره السوداني محيي الدين سالم، خلال اتصال هاتفي الاثنين، على «الاحترام المتبادل الذي يجمع البلدين، بما في ذلك احترام سيادة كل دولة ووحدة وسلامة أراضيها وحدودها»، وأكدا «الاهتمام المتبادل لدى البلدين لتعزيز العلاقات الثنائية في شتى المجالات»، حسب بيان الخارجية المصرية.

وأشار عيسى في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى «ضرورة التفرقة بين حق الحكومة المصرية في تأمين حدودها وسيادتها من جماعات مسلحة تخترق الحدود وتحمل جنسيات مختلفة غير السودانية، وبين مسار العلاقات الثنائية سياسياً وشعبياً»، مؤكداً أن «العلاقات الشعبية بين البلدين تاريخية وأزلية، والشعب المصري استضاف آلاف السودانيين في فترة الحرب شأنهم شأن المصريين».