الدبيبة يتحدث عن «تنازلات شجاعة» لحل الأزمة الليبية

جدَّد رفضه فرض أي تسوية من الخارج

الدبيبة خلال ترؤُّس اجتماع لحكومته في مدينة زليتن غرب ليبيا السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال ترؤُّس اجتماع لحكومته في مدينة زليتن غرب ليبيا السبت (مكتب الدبيبة)
TT

الدبيبة يتحدث عن «تنازلات شجاعة» لحل الأزمة الليبية

الدبيبة خلال ترؤُّس اجتماع لحكومته في مدينة زليتن غرب ليبيا السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة خلال ترؤُّس اجتماع لحكومته في مدينة زليتن غرب ليبيا السبت (مكتب الدبيبة)

خرج رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» في غرب ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، السبت، وللمرة الأولى، عن صمته عن المبادرات المطروحة لإنهاء الأزمة السياسية، وفي مقدمتها مبادرة يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، مرجئاً الحديث عن تفاصيلها إلى خطاب مرتقب.

من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث الأزمة السياسية في ليبيا (المجلس)

وقال الدبيبة: «لن يكون هناك قرار يتعلَّق بمستقبل ليبيا يُتخذ بعيداً عن الليبيين أو يُفرض عليهم»، ولكنه لوَّح في الوقت نفسه بأن «الحلول الوطنية لا تُبنى إلا بالتنازل والشجاعة».

ويعد هذا أول حديث معلن للدبيبة عن المبادرات التي تستهدف حل الأزمة، ومن بينها المبادرة الأميركية التي تتداولها أوساط سياسية ليبية ودولية، وتقضي -وفق ما رشح من تفاصيلها- بإسناد رئاسة مجلس رئاسي جديد إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، مع الإبقاء على الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة يجري العمل على تشكيلها، في إطار ترتيبات تستهدف إنهاء الانقسام بين سلطتَي شرق وغرب البلاد.

صدام حفتر (أ.ف.ب)

وكانت «القيادة العامة للجيش الوطني» قد رحبت بالمبادرة، ووصفتها في يونيو (حزيران) الماضي، بأنها «واقعية ومختلفة عن سابقاتها»، بينما قوبلت بتحفظات من مكونات سياسية وقبَلية؛ لا سيما في مدينة مصراتة؛ حيث أبلغت قيادات عسكرية وأعيان ومؤسسات مجتمع مدني بولس رفضها أي ترتيبات قد تؤدي -حسبها- إلى «عسكرة الدولة».

وضمن اجتماع حكومته في مدينة زليتن (غرب)، السبت، قطع الدبيبة تعهدات بعرض مختلف المبادرات والأفكار المطروحة على الليبيين في خطاب مرتقب، مؤكداً أن حكومته ستُجري نقاشاً وطنياً يشارك فيه ممثلو البلديات والأحزاب والقوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني، موضحاً أنها لن تمضي إلا فيما يحظى بقبول الليبيين، رافضاً فرض أي قرار يتعلق بمستقبل بلادهم خارج إرادتهم.

ورغم تأكيده رفض فرض أي تسوية من الخارج، فإن الدبيبة تحدث عن «تنازلات شجاعة»، قائلاً إن «التنازل رفعة عندما يكون في سبيل الوطن، والشجاعة مطلوبة عندما تكون في اتخاذ القرار الصحيح»، في إشارة فسَّرها مراقبون بأنها تعكس استعداداً للتعاطي مع المبادرات المطروحة إذا حظيت بتوافق داخلي.

وكان بولس قد أكد قبل زيارتيه الأخيرتين إلى ليبيا ومصر أن الدبيبة يمثل «شريكاً أساسياً» في أي تسوية سياسية، وأن الهدف ليس الإخلال بالتوازنات القائمة في غرب ليبيا؛ بل تسهيل التوصل إلى صيغة توافقية تنهي الانقسام.

وأجرى بولس أخيراً جولة شملت القاهرة ومصراتة وطرابلس، التقى خلالها مسؤولين ليبيين، وبحث معهم تطورات الأزمة، وسبل دفع العملية السياسية.

وفي تطور لافت، أعلن بولس إسناد مهمة إضافية إلى القائم بالأعمال الأميركي لدى ليبيا، جيريمي بيرندت، وذلك بتعيينه كبيراً لمستشاري السياسات الخاصة بليبيا، في خطوة أثارت تساؤلات داخل الأوساط السياسية والإعلامية الليبية بشأن دلالاتها، وما إذا كانت تعكس إعادة تنظيم آلية إدارة واشنطن للملف الليبي، أو توزيعاً جديداً للأدوار بين المسؤولين الأميركيين.

بولس خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة غرب ليبيا أخيراً (السفارة الأميركية)

واكتفى بولس في تدوينة عبر منصة «إكس»، الجمعة، بالتأكيد على أنه سيواصل «تعزيز الشراكة الثنائية مع ليبيا ودعم الجهود الليبية الرامية إلى تحقيق السلام والوحدة والاستقرار والازدهار».

ويشغل بيرندت منصب القائم بالأعمال في سفارة الولايات المتحدة لدى ليبيا منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2023، بعد أن تولى سابقاً ملفات ليبيا وشمال أفريقيا في مجلس الأمن القومي الأميركي ووزارة الخارجية، ويحمل درجة الدكتوراه في التاريخ من جامعة نورث وسترن، ويتحدث عدداً من اللغات، بينها العربية.

وبدت هذه الخطوات من وجهة نظر القيادي بحزب «ليبيا النماء»، حسام فنيش، أنها «لا تمثل مجرد تعديل إداري؛ بل تعكس انتقال واشنطن إلى مستوى أعلى من الانخراط في إدارة الملف الليبي». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الجمع بين موقع القائم بالأعمال والدور الجديد يمنح الولايات المتحدة قدرة أكبر على التنسيق المباشر مع الأطراف الليبية والشركاء الإقليميين، ومواكبة التطورات السياسية والميدانية بصورة أكثر قرباً، بما يعزز فرص التأثير في مسار التسوية والحفاظ على وحدة المؤسسات الليبية.

وتعيش ليبيا على وقع انقسام بين حكومتين: إحداهما «الوحدة» في غرب البلاد برئاسة الدبيبة، وأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد، تسيطر على شرق البلاد وأجزاء واسعة من الجنوب، وتحظى بتأييد «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.


مقالات ذات صلة

أزمة الكهرباء تتجدد في ليبيا بعد انقطاع طال أنحاء البلاد

شمال افريقيا جانب من أعمال إصلاح الشبكة الكهربائية في غرب ليبيا السبت  (الشركة العامة للكهرباء)

أزمة الكهرباء تتجدد في ليبيا بعد انقطاع طال أنحاء البلاد

تجددت أزمة الكهرباء في ليبيا، بعدما أدى انهيار مفاجئ في الشبكة العامة إلى انقطاع واسع للتيار الكهربائي شمل معظم أنحاء البلاد.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)

الإعلان عن تشكيل «حكومة ليبية جديدة» يفجّر انتقادات واسعة

أثار إعلان سياسيين وناشطين ليبيين خلال اجتماع عُقد في جنيف، الجمعة، اختيار مصطفى المجدوب رئيساً لما وصفوه بـ«حكومة ليبية موحدة»، موجة واسعة من الانتقادات.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رشاد مستقبلاً الزوبي في القاهرة (الوحدة الليبية)

ما دلالات لقاء وكيل دفاع «الوحدة» الليبية برئيس الاستخبارات المصرية؟

تتمسك القاهرة برؤية لحلحلة الأزمة الليبية، تقوم على أهمية الحفاظ على وحدة ليبيا وسلامة أراضيها، وتوحيد المؤسسات الوطنية، والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا آليات عسكرية عند منفذ التوم الحدودي بين ليبيا والنيجر (رئاسة أركان الجيش الوطني الليبي)

تساؤلات حول داعمي «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهة «الوطني الليبي»

فيما تتواصل حملة أمنية يشنها «الجيش الوطني» لمطاردة متمردين، تساءل نشطاء وسياسيون عن الجهة الداعمة لما يسمى «غرفة تحرير الجنوب» في مواجهتها مع قوات الجيش.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا أحد قتلى اشتباكات مدينة الزاوية الليبية بدايات مايو الماضي (مركز طب الطوارئ والدعم)

الزاوية الليبية تدفع ثمن «الرصاص المنفلت» مزيداً من الدماء

حاملاً رشاشاً على كتفه، أطلق ميليشياوي، كان في حالة سكر، النار في الزاوية (غرب ليبيا)، ما أثار حالة من الرعب بين سكانها، وأعاد إلى الواجهة ملف تغول التشكيلات.

جمال جوهر (القاهرة)

أزمة الكهرباء تتجدد في ليبيا بعد انقطاع طال أنحاء البلاد

جانب من أعمال إصلاح الشبكة الكهربائية في غرب ليبيا السبت  (الشركة العامة للكهرباء)
جانب من أعمال إصلاح الشبكة الكهربائية في غرب ليبيا السبت (الشركة العامة للكهرباء)
TT

أزمة الكهرباء تتجدد في ليبيا بعد انقطاع طال أنحاء البلاد

جانب من أعمال إصلاح الشبكة الكهربائية في غرب ليبيا السبت  (الشركة العامة للكهرباء)
جانب من أعمال إصلاح الشبكة الكهربائية في غرب ليبيا السبت (الشركة العامة للكهرباء)

تجددت أزمة الكهرباء في ليبيا، بعدما أدى انهيار مفاجئ في الشبكة العامة إلى انقطاع واسع للتيار الكهربائي، شمل معظم أنحاء البلاد في ذروة فصل الصيف ووسط ارتفاع درجات الحرارة، ما أعاد إلى الواجهة ملفاً ظل يشكل أحد أبرز مظاهر الإخفاق المزمن رغم مليارات الدنانير التي أُنفقت على القطاع خلال السنوات الأخيرة.

ومنذ فجر السبت، فرض انقطاع الكهرباء نفسه لساعات على مدن الشرق والغرب والجنوب، قبل أن تبدأ عمليات إعادة التغذية الكهربائية تدريجياً، بينما تعطلت خدمات أساسية، واضطر كثير من المواطنين إلى الاعتماد مجدداً على المولدات الخاصة، في مشهد أعاد إلى الأذهان سنوات الانقطاعات الطويلة التي شهدتها البلاد.

فنيون في محطة كهرباء شمال بنغازي (وزارة الكهرباء بشرق ليبيا)

وامتدت تداعيات الانقطاع إلى قطاع المياه، حيث أعلن جهاز تنفيذ وإدارة مشروع النهر الصناعي خروج حقول آبار السرير وتازربو، ومحطة ضخ بنغازي عن الخدمة بسبب فقدان الكهرباء، ما اضطره إلى خفض الإمدادات المائية مؤقتاً عن عدد من المدن والمشروعات الزراعية، حفاظاً على الخطوط الرئيسية ومنع تفريغها.

وأثار الانقطاع موجة واسعة من الانتقادات على مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المحلية، حيث اتهم ناشطون الحكومتين المتنافستين في شرق البلاد وغربها بـ«الفشل في تقديم حلول مستدامة لأزمة الكهرباء، رغم الوعود المتكررة والاستثمارات الضخمة، التي أُعلن عنها خلال السنوات الماضية».

وقالت وزارة الكهرباء، التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب في شرق البلاد، إن خروج محطتي الخليج ومصراتة عن الخدمة بشكل مفاجئ تسبب في فقدان أكثر من 1350 ميغاواط من القدرة الإنتاجية، الأمر الذي أدى إلى انهيار الشبكة الكهربائية، وإعلان حالة الاستنفار الكامل لإعادة بنائها تدريجياً.

وأضافت الوزارة أن فرقها الفنية تمكنت، بعد ساعات من العمل، من إعادة تشغيل عدد من وحدات التوليد في محطات الزويتينة والسرير وطبرق وشمال بنغازي، مستفيدة أيضاً من إعادة التغذية الكهربائية عبر خطوط الربط مع مصر، عقب اتصالات أجراها وزير الكهرباء بالمنطقة الشرقية عوض البدري، مع المسؤولين المصريين، وهو ما ساعد على عودة التيار تدريجياً إلى مناطق واسعة في شرق البلاد.

وفي غرب ليبيا، تحول الانقطاع إلى مناسبة لتبادل الاتهامات بشأن مسؤولية استمرار الأزمة، إذ شن رئيس حكومة الوحدة الوطنية «المؤقتة» عبد الحميد الدبيبة، السبت، هجوماً غير معتاد على إدارة الشركة العامة للكهرباء، واصفاً أداءها بـ«الفاشل»، ومعلناً فتح تحقيق في أسباب الانقطاعات الأخيرة.

وقال الدبيبة، خلال اجتماع لمجلس الوزراء في مدينة زليتن (غرب)، السبت، إن حكومته أنفقت مبالغ كبيرة لمعالجة أزمة الكهرباء، معتبراً أن ما حدث أعاد البلاد إلى «نقطة الصفر»، كما اتهم مسؤولي الشركة برفض الخضوع لأي رقابة على أعمالهم، رغم تعهدات سابقة بتحسن الإمدادات الكهربائية.

الدبيبة شن هجوماً على إدارة الشركة العامة للكهرباء ووصف أداءها بـ«الفاشل» (الوحدة)

وتشير بيانات ديوان المحاسبة إلى أن حكومة «الوحدة» أنفقت حتى نهاية عام 2024 نحو 24 مليار دينار ليبي على الشركة العامة للكهرباء، في إطار مشروعات تستهدف زيادة الإنتاج وتحسين الشبكة، إلا أن الانقطاعات المتكررة ما زالت تتصدر شكاوى المواطنين.

وحاولت بعض الأطراف إرجاع أسباب الأزمة إلى «نقص الوقود»، لكن «وكالة الأنباء الليبية» الرسمية نقلت عن مختصين قولهم إن ضعف البنية التحتية، وغياب الصيانة الدورية، وتأخر تنفيذ مشروعات التطوير، عوامل أساسية وراء استمرار انهيار الشبكة عند أي خلل فني كبير.

ورأى عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة أن استمرار الأزمة، رغم الأموال التي أُنفقت على القطاع، يثير تساؤلات حول كفاءة إدارة الإنفاق وآليات الرقابة والمحاسبة، مشيراً إلى أن المواطن الليبي لا يزال يتحمل أعباء الانقطاعات اليومية، وما يترتب عليها من تعطيل للأعمال وتراجع في الخدمات، في وقت تشهد فيه البلاد موجات حرارة مرتفعة.

وقال بن شرادة، في منشور عبر موقع «فيسبوك»، إن الكهرباء لم تعد قضية خدمية فحسب، بل أصبحت اختباراً لقدرة مؤسسات الدولة على إدارة أحد أهم المرافق الحيوية، معتبراً أن المرحلة تتطلب قدراً أكبر من الشفافية في الإنفاق، ومحاسبة المسؤولين عن أوجه القصور، بدلاً من الاكتفاء بإطلاق وعود جديدة.

وبينما أعلنت الجهات الفنية استمرار العمل على إعادة استقرار الشبكة بشكل كامل، يرى مراقبون أن تكرار الانهيارات الشاملة يعكس استمرار المشكلات الهيكلية، التي يعاني منها قطاع الكهرباء، في ظل الانقسام السياسي وتعدد مراكز القرار، وهو ما يجعل أي تحسن في الإمدادات عرضة للانتكاس مع أول خلل فني، أو زيادة في الأحمال، لتبقى أزمة الكهرباء من أكثر الملفات إلحاحاً في حياة الليبيين اليومية.


الإعلان عن تشكيل «حكومة ليبية جديدة» يفجّر انتقادات واسعة

لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
TT

الإعلان عن تشكيل «حكومة ليبية جديدة» يفجّر انتقادات واسعة

لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)
لقطة جماعية للمشاركين في «ملتقى الحوار السياسي» في جنيف الجمعة (حساب آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)

أثار إعلان سياسيين وناشطين ليبيين خلال اجتماع عُقد في جنيف، الجمعة، اختيار مصطفى المجدوب رئيساً لما وصفوه بـ«حكومة ليبية موحدة»، موجة واسعة من الانتقادات والتشكيك في الأوساط السياسية الليبية، في حين أوضح القائمون على المبادرة أنها «مسعى ليبي خالص لإنهاء الانقسام السياسي».

وجاء الإعلان عبر ما سُمي بـ«ملتقى الحوار السياسي» بعيداً عن المسارات الأممية، قبل أن تنتشر صور الاجتماع ومقاطع مصورة منه داخل ليبيا، لتتحول المبادرة سريعاً إلى محور للنقاش وحتى السخرية، وسط تساؤلات عن شرعيتها، وإمكانية تحولها إلى واقع سياسي.

المجدوب خلال «ملتقى جنيف» الجمعة (صفحة آمر قوة الإسناد في عملية «بركان الغضب» ناصر عمار)

غير أن المجدوب، الذي تحدث لـ«الشرق الأوسط» من جنيف، السبت، قال إنه يتقبل الانتقادات، بما فيها تلك التي وصفها بـ«اللاذعة»، معتبراً أنها «تأتي في إطار الممارسة الديمقراطية وروح التفاهم، ولا تمثل سبباً للتراجع عن المبادرة، أو وقف التحركات الرامية إلى تسويقها سياسياً داخل ليبيا».

وشدد المجدوب على تمسكه بالمضي في تنفيذ المبادرة، مشيراً إلى أنه أجرى اتصالات مع أعضاء في مجلسَي النواب و«الأعلى للدولة»، إلى جانب شيوخ قبائل وممثلين عن مكونات اجتماعية، بهدف بناء توافق أوسع حولها، وقال إن الساعات المقبلة «ستشهد مفاجآت» تتعلق بمسار المبادرة، وما ستسفر عنه من اتصالات وتحركات جديدة.

انتقادات واسعة للمبادرة

بحسب مطلقي المبادرة، فإن الملتقى يمثل «مبادرة ليبية خالصة» شارك في إطلاقها نحو 60 شخصية من الأقاليم التاريخية الثلاثة، وتضم ممثلين عن أحزاب سياسية ومنظمات مجتمع مدني وقيادات اجتماعية وقبلية، وتهدف إلى التوصل إلى «حل ليبي - ليبي» للأزمة السياسية، بعيداً عن أي إملاءات خارجية، وهو ما كرره المجدوب في حديثه.

وأوضح المجدوب أن اختياره رئيساً للمجلس الرئاسي المقترح جاء في إطار تصور يستلهم تجربة المجلس الرئاسي السابق، برئاسة فائز السراج، الذي جمع بين رئاسة المجلس والحكومة، معتبراً أن هذه الخطوة تستهدف «إعلاء الحل الليبي»، بوصفها امتداداً لمبادرات عدة طُرحت خلال السنوات الماضية لإنهاء الانقسام السياسي، وتوحيد المؤسسات.

في المقابل، قوبلت هذه المبادرة واختيار المجدوب رئيساً بانتقادات واسعة من شخصيات سياسية وبرلمانية، عبر وسائل التواصل الاجتماعي، رأت أنها تفتقر إلى أي سند سياسي أو قانوني أو دستوري.

وشكك عضو مجلس النواب الليبي علي التكبالي في آلية الاختيار عبر دعوة ساخرة إلى اجتماع «سري»، في حين اعتبر عضو «النواب» سعيد مغيب أن سهولة إعلان الحكومات قد تدفع أي مدينة ليبية إلى عقد حوار مماثل لتشكيل حكومة جديدة.

أما رئيسة مفوضية المجتمع المدني في طرابلس انتصار القليب، فقد تساءلت عن الجهة التي منحت المجدوب هذا التفويض، في حين رأى رئيس حزب «صوت الشعب» فتحي الشبلي أن «الشرعية لا تُكتسب بالإعلانات أو شركات العلاقات العامة، بل عبر الإرادة الشعبية والمسارات الدستورية المعترف بها».

ومن زاوية قانونية، حذر أستاذ القانون الليبي مجدي الشبعاني من أن تشكيل حكومة من دون سند قانوني قد يعرّض القائمين عليها للمساءلة، إذا اعتُبر إنشاءً لسلطة موازية، أو مساساً بنظام الحكم.

من جهته، اكتفى عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة بالتعليق قائلاً: «من ليبيا يأتي الجديد».

نأي أممي

في خضم هذا الجدل، سارعت بعثة الأمم المتحدة إلى النأي بنفسها عن المبادرة، وقال المتحدث باسمها محمد الأسعدي في تصريح لـ«الشرق الأوسط»: «ليست لنا أي صلة بهذا الحديث». لكن المجدوب رد بالقول إن مهمة البعثة الأممية تتمثل في دعم الحل السياسي، وليس فرض حلول على الليبيين، معرباً عن استغرابه مما وصفه بـ«ازدواجية المعايير»، وتساءل عن سبب التحفظ على مبادرة ليبية، وهو ما لا ينطبق على المبادرة الأميركية التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

وتقوم مبادرة بولس، بحسب ما هو متداول، على تصور لتقاسم السلطة بين الأطراف الرئيسية الليبية، وفق تسريبات بهذا الشأن.

ووفق السيرة الذاتية المنشورة للمجدوب، فإنه يبلغ من العمر 46 عاماً، ويحمل درجة الدكتوراه في القانون العام من جامعة شريف هداية الله الإندونيسية، إضافة إلى درجتَي ماجستير في القانون والاقتصاد، كما شارك في برامج تدريبية متخصصة في القضاء وحقوق الإنسان، والعدالة الانتقالية وبناء مؤسسات الدولة.

غير أن الجدل حول المبادرة تزامن مع إعادة تداول مقاطع مصورة للمجدوب خلال قيادته إحدى المجموعات المسلحة أثناء حرب طرابلس بين عامَي 2019 و2020، وهو ما أعاد إلى الواجهة تساؤلات حول خلفيته، ودوره خلال تلك المرحلة، ومدى انعكاس ذلك على صورته السياسية الحالية.

ورد المجدوب على ذلك بالقول إنه أدى «دوراً في مرحلة كانت فيها العاصمة، مسقط رأسه، تتعرض لهجوم»، مضيفاً أن البلاد انتقلت (اليوم) إلى مرحلة المصالحة، وأن «صفحة الماضي طُويت»، ومبرزاً أن الأولوية باتت لتوحيد المؤسسات وإنهاء الانقسام، بدلاً من استدعاء أحداث الماضي.

وكشف المجدوب أيضاً أنه عقد لقاءً مع رئيس أركان «الجيش الوطني» الفريق أول خالد حفتر في يونيو (حزيران) الماضي «تناول أهمية تجاوز خلافات الماضي، والانخراط في جهود تستهدف توحيد البلاد ودفعها نحو الاستقرار».

وفي معسكر المجدوب كان السياسي الليبي عبد الحكيم بعيو، الذي قال إنه حضر إلى جنيف للتأكيد على أن ليبيا ليست ملفاً تتقاسمه الدول، وإنما دولة ذات سيادة، يجب أن يكون قرارها نابعاً من إرادة أبنائها، مؤكداً أن المبادرة «وطنية خالصة»، ولا تقف وراءها أي دولة أو جهة خارجية.

تأييد حزبي

أعلن تحالف حزبي يسمي نفسه «الحراك الوطني للأحزاب الليبية» تأييده لهذه الخطوة، ودعا جميع القوى السياسية والوطنية ومؤسسات الدولة ومنظمات المجتمع المدني إلى دعمها، والتعاون من أجل إنجاحها، وتهيئة الظروف الملائمة لإجراء انتخابات رئاسية وتشريعية حرة ونزيهة.

رئيس المجلس الرئاسي لحكومة «الوفاق» الليبية السابقة فائز السراج (أرشيفية - رويترز)

ورغم محاولات منظمي المبادرة تقديمها بوصفها مساراً وطنياً بديلاً، فإن دبلوماسيين ومحللين ليبيين رأوا أنها تفتقر إلى مقومات التحول إلى مشروع سياسي قابل للتنفيذ.

وقال الدبلوماسي الليبي محمد المرداس لـ«الشرق الأوسط» إن ما جرى يمثل «قفزة في الهواء»؛ لأنه يفتقد الحاضنة الشعبية الحقيقية، وديناميات القوة على الأرض، فضلاً عن الغطاء الدولي الذي ارتبط بالحكومات الليبية المتعاقبة منذ توقيع اتفاق الصخيرات عام 2015.

من جهته، قال المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ إن أي مجموعة يمكنها إعلان نفسها حكومة أو سلطة، لكن السؤال الحقيقي يبقى حول قدرتها على اكتساب الشرعية، والتأثير في الواقع السياسي.


المحكمة الدستورية تفصل في النتائج النهائية لـ«تشريعيات» الجزائر

من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
TT

المحكمة الدستورية تفصل في النتائج النهائية لـ«تشريعيات» الجزائر

من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)
من عملية فرز الأصوات بأحد مكاتب الانتخاب (الإذاعة العمومية)

أعلنت المحكمة الدستورية في الجزائر، اليوم (السبت)، النتائج النهائية والرسمية للانتخابات التشريعية التي جرت في الثاني من يوليو (تموز) 2026، والتي كرَّست الخريطة السياسية الجديدة لـ«المجلس الشعبي الوطني» وهو الغرفة البرلمانية السفلى للبرلمان. وحافظت «جبهة التحرير الوطني» على الريادة، بينما تمَّ نزع عدد من المقاعد لحزب «جبهة المستقبل»، الذي ينتمي للغالبية الرئاسية.

رئيس البلاد خلال التصويت في الانتخابات (رئاسة الجمهورية)

أظهرت النتائج المحيّنة للانتخابات تعديلات طفيفة في بورصة المقاعد، مقارنة بالأرقام الأولية التي أعلنتها «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات»، غير أنَّ هذه التغييرات الجزئية لم تؤثر على الترتيب العام للتشكيلات السياسية، التي حافظت على مواقعها في الخريطة النيابية الجديدة.

وبناءً على المعطيات الجديدة التي قدَّمتها، اليوم (السبت)، رئيسة المحكمة الدستورية ليلى عسلاوي، فقد حافظ حزب «جبهة التحرير الوطني» على صدارة البرلمان بـ91 مقعداً (بعد أن كانت 90 مقعداً)، في حين استقرَّ «التجمع الوطني الديمقراطي» في المركز الثاني بـ74 مقعداً (مقارنة بـ73 سابقاً)، وتلتهما «جبهة المستقبل» التي تمكَّنت من حصد 56 مقعداً (بدل 59 مقعداً).

رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة (هيئة الانتخابات)

تصحيح التجاوزات

في الوقت الذي تراجعت فيه كتلة المستقلين لتستقر عند 33 مقعداً، سجَّل حزب «صوت الشعب» تقدماً طفيفاً ببلوغه 16 مقعداً. وفي مؤخرة الترتيب، تكرَّس عجز حزب «جبهة القوى الاشتراكية» (أقدم حزب معارض) عن بلوغ النصاب القانوني لتشكيل كتلة نيابية (المحدد بـ15 مقعداً)، وذلك باكتفائه بـ12 مقعداً، تلاه حزب «الفجر الجديد» بـ6 مقاعد، بينما حصل «حزب العمال» على 3 مقاعد برلمانية.

أمين حزب «جبهة التحرير الوطني» صاحب الريادة في البرلمان (إعلام حزبي)

وعلى صعيد تمثيل الفئات الخاصة داخل قبة البرلمان، أفادت معطيات المحكمة الدستورية بأنَّ المترشحين الشبان، الذين تقل أعمارهم عن 40 سنة، نجحوا في افتكاك 126 مقعداً، وهو ما يمثل نسبة 30.96 في المائة من إجمالي الفائزين، في حين نالت النساء 25 مقعداً، بنسبة بلغت 6.14 في المائة. كما تميَّزت تشكيلة البرلمان الجديد بحضور قوي للكفاءات العلمية، حيث حاز 312 نائباً على مستوى تعليمي جامعي، أي ما يعادل 76.55 في المائة من قوام الغرفة السفلى.

وأفادت رئيسة المحكمة الدستورية بأنَّ هذه النتائج هي باكورة تحقيق وتدقيق في صحة حصيلة العملية الانتخابية، وضبط إعادة صياغة محاضر فرز الأصوات من طرف خبراء المحكمة الدستورية.

رئيسة المحكمة الدستورية مع رئيس سلطة الانتخابات بالنيابة (المحكمة الدستورية)

وأفادت عسلاوي، في معرض إعلانها النتائج النهائية للانتخابات التشريعية، بإلغاء آلاف الأصوات التابعة لقوائم ترشيحات «جبهة التحرير الوطني»، و«التجمع الوطني الديمقراطي»، و«جبهة المستقبل»، وحزب «الوحدة الوطنية»، إثر تسجيل «خروقات مؤثرة» مسَّت سلامة العملية الانتخابية في كثير من مكاتب ومراكز التصويت، عبر ولايات الجزائر العاصمة، والبويرة، ووهران، والجلفة، وباتنة، وبجاية.

وأوضحت مسؤولة الهيئة الدستورية أنَّها رصدت تجاوزات مسَّت بسلامة الاقتراع، وتصدَّرتها الدائرة الانتخابية للعاصمة، حيث قضت بإلغاء أصوات قائمة «جبهة المستقبل» في 57 مكتب تصويت، تركَّزت أهمها في بلدية بوروبة، إلى جانب إلغاء أصوات «التجمع الوطني الديمقراطي» في مكاتب عدة أخرى.

وفي ولاية البويرة، طال قرار الإلغاء أصوات قوائم «جبهة المستقبل» في مراكز ومكاتب تصويت متفرقة، عبر بلديات بئر غبالو، والقادرية، والجباحية، وعين بسام، والأخضرية، وسور الغزلان.

أما في ولاية الجلفة، فقد قرَّرت المحكمة إلغاء أصوات قائمة «حزب الوحدة الوطنية»، وكذا أصوات قائمة «التجمع الوطني الديمقراطي» في مكاتب التصويت التابعة لبلدية حاسي بحبح كافة، بالإضافة إلى إلغاء أصوات «جبهة التحرير الوطني» في مراكز انتخابية عدة ببلدية عين وسارة.

وفي غرب البلاد، وتحديداً بولاية وهران، فقد شملت القرارات إلغاء أصوات حزب «صوت الشعب» في 20 مكتباً ببلدية بن فريحة.

وسيرفع الستار رسمياً عن تفاصيل النتائج النهائية مصحوبة بجداولها الملحقة، عبر صدورها في الجريدة الرسمية، على أن يتم تبليغ نسخة منها مباشرة إلى كل من رئيس «المجلس الشعبي الوطني»، ورئيس «السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات».

تكريس «الولاء الرئاسي»

طبعت هذا الاستحقاق الانتخابي نسبة مقاطعة مرتفعة، حيث استقرَّت النسبة النهائية للمشاركة عند حدود 21.24 في المائة داخل البلاد (مقارنة بـ20.79 في المائة في النتائج الأولية)، في حين بلغت نسبة تصويت الجالية الوطنية بالخارج 10.75 في المائة.

ومن بين كتلة ناخبة قوامها 24.7 مليون مسجل، أدلى 5.16 مليون ناخب بأصواتهم، في عملية شهدت تسجيل رقم لافت للأوراق الملغاة، تجاوز عتبة 920 ألف صوت (موزعة بين 910230 ورقة ملغاة في الداخل و12630 في الخارج)، ليبلغ بذلك إجمالي الأصوات المعبّر عنها 4.23 مليون صوت.

أعضاء المحكمة الدستورية (المحكمة الدستورية)

وفي توزيع الحصص، تقاسمت كتل الأحرار و22 حزباً سياسياً مقاعد الغرفة السفلى للبرلمان، البالغ مجموعها 407 مقاعد (منها 395 مقعداً مخصصاً للدوائر المحلية و12 مقعداً للمغتربين). ولم تحل هذه النتائج دون استمرار التوازنات العامة للخريطة النيابية السابقة من غير تعديل جذري؛ إذ أفرزت صناديق الاقتراع أغلبية نيابية صريحة، مشكّلة من الأحزاب الموالية لسياسة الرئيس عبد المجيد تبون، وهي معطيات تفيد، استناداً لأحكام دستور 2020، بأن رئيس الدولة سيتجه نحو تعيين «وزير أول» لإدارة الجهاز التنفيذي، بدلاً من «رئيس حكومة».