مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

اقترح «قاعدة دستورية مرحلية» لإدارة المرحلة الانتقالية

خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
TT

مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)

وسط «انتقادات وتحفظات واسعة»، استقبلت النخبة السياسية الليبية توصيات «الحوار المهيكل»، التي أُعلن عنها بدايات الأسبوع الحالي، برعاية أممية.

وتضمَّنت التوصيات تشكيل حكومة جديدة لمدة مُحدَّدة لا تزيد على عامين، تتولى إدارة الاستحقاق الانتخابي. لكنها قوبلت بفتور شعبي، وأثارت موجةً من التساؤلات بشأن مدى أهمية هذه المخرجات وجدواها في تحريك العملية السياسية لإجراء الانتخابات المؤجَّلة.

ورأى منتقدو التوصيات أنَّ تأجيل ملف الدستور، واعتماد «قاعدة دستورية مرحلية»، يُمثِّلان «تمديداً لمرحلة انتقالية» مستمرة منذ 15 عاماً، و«غموضاً يكتنف التوصية بتشكيل الحكومة والمجلس الرئاسي المقبلَين عبر لجنة حوار سياسي جديدة لم توضِّح البعثة آلية اختيار أعضائها».

كما طرح المنتقدون سؤالاً بشأن ما إذا كانت البعثة الأممية ستتبنى هذه التوصيات، وتحيلها إلى مجلس الأمن الدولي لتتحوَّل إلى خريطة طريق ملزمة؟ أم أنَّها ستبقى مجرد مخرجات استشارية تنضم إلى مبادرات سابقة أضاعت الوقت، وأعادت تدوير الأزمة؟

آراء متباينة

بداية يرى عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب أن «وصف البعثة لمخرجات الحوار بأنَّها غير ملزمة لا يعدو كونه محاولة لتفادي المعارضة لها»، متوقعاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تطرح المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذه التوصيات على مجلس الأمن خلال إحاطتها المرتقبة في 18 من الشهر الحالي.

وكانت تيتيه قد أطلقت في أغسطس (آب) الماضي «خريطة طريق» لمعالجة الانقسام السياسي عبر مسارات عدة؛ أولها إعداد إطار تشريعي توافقي للانتخابات أُوكل إلى مجلسَي النواب و«الدولة»، وثانيها «الحوار المهيكل» بمشاركة 120 شخصية لمعالجة جذور الصراع وإزالة العوائق أمام الانتخابات.

ومع تعثر المجلسين في إنجاز المهام الموكلة إليهما، أطلقت البعثة لجنة «4 + 4» المشتركة بوصفها آليةً تفاوضيةً مصغرةً، تضم ممثلين عن حكومة «الوحدة الوطنية»، ومجلسَي النواب، و«الأعلى للدولة»، والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني».

وفي معرض رده على التساؤلات بشأن مصير لجنة «4+4»، بعد تناول «الحوار المهيكل» للملفات التي تعمل عليها، خصوصاً القوانين الانتخابية، أجاب معزب بأن اللجنة «لم يعد لديها ما تقوم به»، مشيراً إلى ما تردد عن «انسحاب ممثلي مجلسَي النواب و(الأعلى للدولة) من هذا الاجتماع».

ويرى معزب أن «البعثة تتحرَّك وفق مسارات متدرجة؛ تبدأ بمنح المجلسين مهلةً للتوافق على القوانين الانتخابية، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة، وفي حال الفشل تنتقل إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة لاختيار الحكومة والمجلس الرئاسي لولاية تتراوح بين 18 و24 شهراً، مع اللجوء إلى (استفتاء تحكيمي) لتمكين الليبيين من حسم النقاط الدستورية الخلافية».

وقرأ معزب في هذا التوجه «محاولة لتمرير مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، عبر لجنة الحوار السياسي الجديدة، التي يُرجّح أن تختار البعثة أغلب أعضائها مع تمثيل محدود لمجلسَي النواب والأعلى للدولة».

وتتمحور المبادرة المنسوبة لبولس حول دمج السلطتين القائمتين في طرابلس وبنغازي، مع تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، رئاسة المجلس الرئاسي، واستمرار الدبيبة رئيساً للحكومة.

وأشار معزب إلى «أن لجنة الحوار الجديدة ستفتح باب الترشُّح عبر قوائم لاختيار رئيس المجلس الرئاسي الجديد، وكذلك رئيس للحكومة الجديدة، بما قد يفضي إلى جمع صدام حفتر والدبيبة في قائمة واحدة».

ورغم إقراره بسعي البعثة إلى توفير دعم دولي لهذا المسار، فإنَّه توقَّع تعثره «بسبب إدراك قطاع واسع من الليبيين أنَّ الهدف منه هو إقرار تسوية سياسية جديدة، لا إجراء الانتخابات».

أما المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ، فرأى أنَّ توصيات «الحوار المهيكل» أعادت في معظمها «إنتاج أفكار طُرحت في حوارات سابقة رعتها البعثة خلال العقد الماضي»، متسائلاً في تصريحات له عن أسباب «التركيز على توسيع صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي القادم، خصوصاً اشتراط موافقته على تعيين وزيرَي الدفاع والخارجية، وما إذا كان ذلك يتسق مع مبادرة مسعد بولس».

في المقابل، دافع عضو مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل» أسعد زهيو عن المخرجات، ووصفها في إدراج له بأنها «خطوة استراتيجية فارقة»، مستنداً إلى توصيتها «بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة مقيدة بسقف زمني صارم غير قابل للتمديد، مع حظر إبرام اتفاقات سيادية طويلة الأمد لضمان تفرغها لمهمتها الأساسية، المتمثلة في تهيئة البيئة المناسبة للاستحقاق الانتخابي».

وتوسَّط المحلل السياسي إسلام الحاج بين الآراء السابقة، معترفاً بـ«إيجابية عدد من المخرجات»، من بينها الإقرار بحالة الانقسام، والدعوة إلى توحيد السلطة التنفيذية والمؤسستين العسكرية والأمنية، باعتبار أن هذا الانقسام كان من أبرز أسباب تعثر الانتخابات، التي كان من المقرر عقدها نهاية 2021.

وأشاد الحاج في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بالتوصية المتعلقة بـ«توسيع صلاحيات البلديات»، ما عدّه «إسهاماً في تقليص حدة الصراع على السلطة المركزية». وتساءل عن «مصادر القوة التي ستمتلكها السلطة الجديدة لتهيئة بيئة انتخابية آمنة، وهو ما أخفقت فيه السلطات السابقة»، مشككاً في «إمكانية توحيد المؤسسة العسكرية من دون ضمانات واضحة، وفي جدوى منع أعضاء تلك السلطة من الترشح للانتخابات».

وانضم الحاج إلى الآراء التي ترى أن «التوصيات تتقارب مع مبادرة بولس، خصوصاً فيما يتعلق بتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية»، منبهاً إلى أن «إجراء الانتخابات سيظل رهناً بتوافق القوى المتدخلة في المشهد الليبي».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً منذ سنوات بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة في طرابلس، وأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب.


مقالات ذات صلة

رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

شمال افريقيا «مرتزقة سوريون» خلال تظاهرة في العاصمة الليبية طرابلس الجمعة (صفحة حراك ضد التوطين)

رواتب «المرتزقة» تثقل كاهل الليبيين وتفاقم الأزمات

لم يعد وجود المقاتلين السوريين في ليبيا يقتصر على تداعيات الصراع العسكري الذي استُقدموا خلاله في «حرب العاصمة طرابلس» قبل 7 سنوات، بل تحول إلى عبء أمني ومالي.

علاء حموده (القاهرة )
شمال افريقيا ناجي عيسى في اجتماع مع لجنة المالية بالبرلمان الليبي الأربعاء الماضي (صفحة المصرف المركزي)

محافظ «المركزي» الليبي يتمسك بثلاثة شروط للعدول عن استقالته

قال مصدر مسؤول في مصرف ليبيا المركزي، السبت، إن محافظ المصرف ناجي عيسى يتمسك بثلاثة شروط رئيسية للعدول عن استقالته.

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا من جلسة مجلس الأمن الأخيرة لبحث تطورات الأزمة الليبية (المجلس)

هل تُسرِّع الاضطرابات الأمنية في ليبيا «المبادرة الأميركية» أم تُجهضها؟

تتباين الآراء في ليبيا بشأن تأثير الأحداث التي شهدتها الزاوية وبنغازي، الأسبوع الماضي، على «المبادرة الأميركية» بشأن العمل على إنهاء الانقسام السياسي والعسكري.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا طلاب ليبيون في اليوم الأخير لامتحانات الثانوية العامة 16 يوليو الماضي (الصفحة الرسمية للوزارة)

ارتفاع نتائج «الثانوية العامة» في ليبيا يثير شبهات «الغش»

عبّر مدوّنون ليبيون عن انزعاجهم من ارتفاع نسبة النجاح في الشهادة الثانوية العامة، وأرجعوا الأمر إلى ظاهرة «الغش»، وقالوا إن النسبة بعيدة عن «مستوى التحصيل».

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا الضاوي و«الفأر» وعبد الله الطرابلسي في منزل الأول بمدينة ورشفانة 13 أغسطس (صفحات موالية للضاوي على مواقع التواصل)

غرب ليبيا رهين «اتفاق أو اختلاف» التشكيلات المسلحة

احتوت حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية المؤقتة الأوضاع المتوترة في مدينة الزاوية، من بوابة التوافق بين تشكيلات مسلحة، لكن الأوضاع تبقى رهينة لنفوذ هذه الميليشيات.

جمال جوهر (القاهرة)

كوشنر يناقش خطة غزة مع الرئيس المصري

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ)
TT

كوشنر يناقش خطة غزة مع الرئيس المصري

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي (د.ب.أ)

ناقش الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي والموفد الرئاسي الأميركي جاريد كوشنر، اليوم الأحد، تنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار في غزة الموقع نهاية العام الماضي، حسبما أعلنت الرئاسة المصرية، وذلك عقب لقاء جمع مسؤولين مصريين مع وفد من «حماس».

وأفاد بيان الرئاسة المصرية بأن اللقاء الذي عقد في العلمين بشمال مصر تناول «ضرورة قيام كل الأطراف بتنفيذ التزاماتها بموجب اتفاق وقف الحرب في قطاع غزة، والذي تم التوصل إليه خلال قمة شرم الشيخ للسلام في أكتوبر (تشرين الأول) 2025».


حادث مروري جديد بالجزائر ينكأ الجراح ويُعيد التساؤلات نفسها

منحدر سقطت عليه حافلة ركاب بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية آخر الشهر الماضي (الحماية المدنية)
منحدر سقطت عليه حافلة ركاب بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية آخر الشهر الماضي (الحماية المدنية)
TT

حادث مروري جديد بالجزائر ينكأ الجراح ويُعيد التساؤلات نفسها

منحدر سقطت عليه حافلة ركاب بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية آخر الشهر الماضي (الحماية المدنية)
منحدر سقطت عليه حافلة ركاب بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية آخر الشهر الماضي (الحماية المدنية)

لم تكد الجزائر تستفيق من حادث سير مروع قُتل وأصيب فيه العشرات آخر الشهر الماضي، حتى وقع حادث انقلاب جديد، الأحد، أودى بحياة 6 أشخاص وتسبب في إصابة 31 آخرين.

وذكرت الحماية المدنية في بيان صحافي أن الحادث وقع في ساعة مبكرة إثر انحراف حافلة ركاب ثم انقلابها ببلدية ودائرة عين الصفراء بولاية النعامة الواقعة على بُعد 650 كيلومتراً جنوب غربي الجزائر العاصمة.

وأشارت إلى تقديم الإسعافات الأولية للمصابين ونقلهم إلى المستشفى، فيما جرى تحويل المتوفين إلى مصلحة حفظ الجثث.

وكانت منطقة بومرداس، إلى الشرق من العاصمة، قد شهدت يوم 31 يوليو (تموز) حادثة مروعة حين انقلبت حافلة ركاب، في حادث أسفر عن مقتل 27 شخصاً وإصابة 36 آخرين. وأشاعت الواقعة حالة حزن عمّت البلاد، وأعلن الرئيس عبد المجيد تبون الحداد لثلاثة أيام.

جزء من بقايا حافلة بعد انتشالها من منحدر سقطت عليه بمنطقة بومرداس شرقي العاصمة الجزائرية (الدرك الوطني)

وأثار تقرير النيابة العامة حول الحادث جدلاً واسعاً بإشارته إلى تعاطي السائق مواد مخدرة، ما عدّه البعض حسماً لأسباب الفاجعة، وتحميلاً المسؤولية للسائق وحده.

وأشار التقرير كذلك إلى أن الحادث نجم أيضاً «عن تجاوزات كبيرة؛ إذ كانت الحافلة تسير بسرعة 121.63 كيلومتر في الساعة، في منحدر حُددت فيه السرعة بـ60 كيلومتراً في الساعة».

وفي صبيحة اليوم التالي، الأول من أغسطس (آب)، وقعت حادثة سير أخرى بجنوب البلاد، على الطريق بين ولايتي تيميمون والمنيعة (800 كيلومتر جنوبي العاصمة)، خلَّفت 4 قتلى و20 مصاباً بجروح متفاوتة الخطورة.

ودعا «الدرك الوطني» في بيان مستعملي الطريق إلى «توخي الحذر الشديد، وتخفيف السرعة حفاظاً على سلامتهم». وأظهرت الصور المرفقة أضراراً بليغة بحافلة الركاب التي اصطدمت بسيارة.

ومع كل حادث طريق جديد بالجزائر، تُطرح الأسئلة نفسها مرة أخرى: هل السبب هو السرعة المفرطة؟ أم خلل ميكانيكي طارئ في المركبة؟ أم خطأ بشري قاتل؟

ويجيء هذا وسط ظروف أليمة أخرى فرضتها حرائق الغابات هذا العام، والتي خلّفت 6 قتلى ودماراً كبيراً في المساحات الخضراء.


البرهان يفتح باب الحوار ويرفض عودة «حميدتي»

البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
TT

البرهان يفتح باب الحوار ويرفض عودة «حميدتي»

البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)
البرهان يتوسط ياسر العطا وشمس الدين كباشي خلال الاحتفال بـ«عيد الجيش» (إعلام مجلس السيادة)

أعلن رئيس مجلس السيادة الانتقالي، قائد الجيش السوداني عبد الفتاح البرهان، موافقته على مبادرة لإطلاق حوار سوداني شامل داخل البلاد، بمشاركة القوى السياسية والمدنية، متعهداً توفير الضمانات القانونية والسياسية والأمنية وحماية المشاركين، من دون تدخل الدولة في تنظيم الحوار أو تحديد أطرافه وأجندته ومخرجاته.

وأوضح أن المشاركين سيحصلون على حصانة مؤقتة توقف الإجراءات الجنائية السابقة، إلى جانب حصانة دائمة للآراء والمواقف التي يطرحونها خلال الجلسات.في المقابل، شدد البرهان على رفض أي سلام يعيد «قوات الدعم السريع» وقائدها الفريق محمد حمدان دقلو (حميدتي) ومسانديها إلى السلطة، مشترطاً إلقاءها السلاح وتجميع عناصرها في مناطق محددة، ومؤكداً استمرار القتال حتى دحرها. ورحبت «الكتلة الديمقراطية» بالمبادرة، ودعت إلى عملية سياسية سودانية خالصة. غير أن تحالف «صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك، رفض المشاركة في حوار يُعقد «تحت دوي المدافع».