مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

اقترح «قاعدة دستورية مرحلية» لإدارة المرحلة الانتقالية

خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
TT

مخرجات «الحوار المهيكل» الليبي... تمهيد للانتخابات أم تدوير للأزمة؟

خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)
خلال احتفالية أقامتها البعثة الأممية لإعلان توصيات «الحوار المهيكل» في العاصمة الليبية (البعثة الأممية)

وسط «انتقادات وتحفظات واسعة»، استقبلت النخبة السياسية الليبية توصيات «الحوار المهيكل»، التي أُعلن عنها بدايات الأسبوع الحالي، برعاية أممية.

وتضمَّنت التوصيات تشكيل حكومة جديدة لمدة مُحدَّدة لا تزيد على عامين، تتولى إدارة الاستحقاق الانتخابي. لكنها قوبلت بفتور شعبي، وأثارت موجةً من التساؤلات بشأن مدى أهمية هذه المخرجات وجدواها في تحريك العملية السياسية لإجراء الانتخابات المؤجَّلة.

ورأى منتقدو التوصيات أنَّ تأجيل ملف الدستور، واعتماد «قاعدة دستورية مرحلية»، يُمثِّلان «تمديداً لمرحلة انتقالية» مستمرة منذ 15 عاماً، و«غموضاً يكتنف التوصية بتشكيل الحكومة والمجلس الرئاسي المقبلَين عبر لجنة حوار سياسي جديدة لم توضِّح البعثة آلية اختيار أعضائها».

كما طرح المنتقدون سؤالاً بشأن ما إذا كانت البعثة الأممية ستتبنى هذه التوصيات، وتحيلها إلى مجلس الأمن الدولي لتتحوَّل إلى خريطة طريق ملزمة؟ أم أنَّها ستبقى مجرد مخرجات استشارية تنضم إلى مبادرات سابقة أضاعت الوقت، وأعادت تدوير الأزمة؟

آراء متباينة

بداية يرى عضو المجلس الأعلى للدولة محمد معزب أن «وصف البعثة لمخرجات الحوار بأنَّها غير ملزمة لا يعدو كونه محاولة لتفادي المعارضة لها»، متوقعاً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» أن تطرح المبعوثة الأممية هانا تيتيه هذه التوصيات على مجلس الأمن خلال إحاطتها المرتقبة في 18 من الشهر الحالي.

وكانت تيتيه قد أطلقت في أغسطس (آب) الماضي «خريطة طريق» لمعالجة الانقسام السياسي عبر مسارات عدة؛ أولها إعداد إطار تشريعي توافقي للانتخابات أُوكل إلى مجلسَي النواب و«الدولة»، وثانيها «الحوار المهيكل» بمشاركة 120 شخصية لمعالجة جذور الصراع وإزالة العوائق أمام الانتخابات.

ومع تعثر المجلسين في إنجاز المهام الموكلة إليهما، أطلقت البعثة لجنة «4 + 4» المشتركة بوصفها آليةً تفاوضيةً مصغرةً، تضم ممثلين عن حكومة «الوحدة الوطنية»، ومجلسَي النواب، و«الأعلى للدولة»، والقيادة العامة لـ«الجيش الوطني».

وفي معرض رده على التساؤلات بشأن مصير لجنة «4+4»، بعد تناول «الحوار المهيكل» للملفات التي تعمل عليها، خصوصاً القوانين الانتخابية، أجاب معزب بأن اللجنة «لم يعد لديها ما تقوم به»، مشيراً إلى ما تردد عن «انسحاب ممثلي مجلسَي النواب و(الأعلى للدولة) من هذا الاجتماع».

ويرى معزب أن «البعثة تتحرَّك وفق مسارات متدرجة؛ تبدأ بمنح المجلسين مهلةً للتوافق على القوانين الانتخابية، وتشكيل سلطة تنفيذية جديدة، وفي حال الفشل تنتقل إلى تشكيل لجنة حوار سياسي جديدة لاختيار الحكومة والمجلس الرئاسي لولاية تتراوح بين 18 و24 شهراً، مع اللجوء إلى (استفتاء تحكيمي) لتمكين الليبيين من حسم النقاط الدستورية الخلافية».

وقرأ معزب في هذا التوجه «محاولة لتمرير مبادرة مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، عبر لجنة الحوار السياسي الجديدة، التي يُرجّح أن تختار البعثة أغلب أعضائها مع تمثيل محدود لمجلسَي النواب والأعلى للدولة».

وتتمحور المبادرة المنسوبة لبولس حول دمج السلطتين القائمتين في طرابلس وبنغازي، مع تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، رئاسة المجلس الرئاسي، واستمرار الدبيبة رئيساً للحكومة.

وأشار معزب إلى «أن لجنة الحوار الجديدة ستفتح باب الترشُّح عبر قوائم لاختيار رئيس المجلس الرئاسي الجديد، وكذلك رئيس للحكومة الجديدة، بما قد يفضي إلى جمع صدام حفتر والدبيبة في قائمة واحدة».

ورغم إقراره بسعي البعثة إلى توفير دعم دولي لهذا المسار، فإنَّه توقَّع تعثره «بسبب إدراك قطاع واسع من الليبيين أنَّ الهدف منه هو إقرار تسوية سياسية جديدة، لا إجراء الانتخابات».

أما المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ، فرأى أنَّ توصيات «الحوار المهيكل» أعادت في معظمها «إنتاج أفكار طُرحت في حوارات سابقة رعتها البعثة خلال العقد الماضي»، متسائلاً في تصريحات له عن أسباب «التركيز على توسيع صلاحيات رئيس المجلس الرئاسي القادم، خصوصاً اشتراط موافقته على تعيين وزيرَي الدفاع والخارجية، وما إذا كان ذلك يتسق مع مبادرة مسعد بولس».

في المقابل، دافع عضو مسار الحوكمة بـ«الحوار المهيكل» أسعد زهيو عن المخرجات، ووصفها في إدراج له بأنها «خطوة استراتيجية فارقة»، مستنداً إلى توصيتها «بتشكيل سلطة تنفيذية موحدة مقيدة بسقف زمني صارم غير قابل للتمديد، مع حظر إبرام اتفاقات سيادية طويلة الأمد لضمان تفرغها لمهمتها الأساسية، المتمثلة في تهيئة البيئة المناسبة للاستحقاق الانتخابي».

وتوسَّط المحلل السياسي إسلام الحاج بين الآراء السابقة، معترفاً بـ«إيجابية عدد من المخرجات»، من بينها الإقرار بحالة الانقسام، والدعوة إلى توحيد السلطة التنفيذية والمؤسستين العسكرية والأمنية، باعتبار أن هذا الانقسام كان من أبرز أسباب تعثر الانتخابات، التي كان من المقرر عقدها نهاية 2021.

وأشاد الحاج في تصريح لـ«الشرق الأوسط» بالتوصية المتعلقة بـ«توسيع صلاحيات البلديات»، ما عدّه «إسهاماً في تقليص حدة الصراع على السلطة المركزية». وتساءل عن «مصادر القوة التي ستمتلكها السلطة الجديدة لتهيئة بيئة انتخابية آمنة، وهو ما أخفقت فيه السلطات السابقة»، مشككاً في «إمكانية توحيد المؤسسة العسكرية من دون ضمانات واضحة، وفي جدوى منع أعضاء تلك السلطة من الترشح للانتخابات».

وانضم الحاج إلى الآراء التي ترى أن «التوصيات تتقارب مع مبادرة بولس، خصوصاً فيما يتعلق بتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية»، منبهاً إلى أن «إجراء الانتخابات سيظل رهناً بتوافق القوى المتدخلة في المشهد الليبي».

وتعيش ليبيا انقساماً سياسياً منذ سنوات بين حكومة «الوحدة الوطنية» برئاسة الدبيبة في طرابلس، وأخرى مكلفة من البرلمان برئاسة أسامة حماد تدير شرق البلاد وأجزاء من الجنوب.


مقالات ذات صلة

تَوسّع الاستثمار «يضيّق مساحة» استمتاع الليبيين بالبحر

شمال افريقيا مصطافون ليبيون بشاطئ «السبيدجا» بمدينة الخمس الليبية (قسم الإنقاذ البحري بالمنطقة الوسطى)

تَوسّع الاستثمار «يضيّق مساحة» استمتاع الليبيين بالبحر

بين عشرات الإعلانات التي تروج للقرى السياحية يتكرر سؤال ينغص حياة قطاعات من الليبيين في شرق البلاد وغربها: هل أصبح الوصول إلى الاستمتاع بالبحر لمن يدفع أكثر؟

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مدرعات وعربات عسكرية على حدود ليبيا الجنوبية الغربية الشهر الماضي (إعلام القيادة العامة)

تصعيد مسلح بين «الوطني الليبي» و«متمردين» في الجنوب

دعت حكومة أسامة حماد بشرق ليبيا إلى «الضرب بيد من حديد» على يد مجموعات خارجة عن القانون و«المرتزقة»، وذلك على خلفية مواجهات وقعت جنوب البلاد.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا خالد حفتر والنمروش يتوسطان الصف الثاني لعسكريين من شرق ليبيا وغربها (رئاسة أركان غرب ليبيا)

عسكريو ليبيا يسبقون سياسييها على «طريق التوافق»

بدا لكثير من الليبيين أن قادتهم العسكريين يمضون نحو توافق قد ينهي سنوات من انقسام الجيش فيما لا تزال التجاذبات بين الساسة في نظرهم تعطّل مسار الانتخابات.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا من مخلفات اشتباكات مسلحة شهدتها مدينة الزاوية (أرشيفية - رويترز)

توترات أمنية في الزاوية الليبية بعد مقتل 4 أشخاص

جدد اغتيال أربعة أشخاص التوترات الأمنية في مدينة الزاوية، غرب ليبيا، وسط مطالبة بإخراج التشكيلات المسلحة من المدينة.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا قائد «أفريكوم» الجنرال أندرسون يتوسط النمروش (يميناً) وخالد حفتر خلال مؤتمر رؤساء الأركان الأفارقة في لواندا 3 يوليو (رئاسة الأركان العامة)

ليبيا: اجتماع في سرت يُقرّب بين أفرقاء السلاح

عُقد في مدينة سرت اجتماع عسكري رفيع المستوى، ضم قيادات من شرق ليبيا وغربها، برعاية البعثة الأممية لدى البلاد.

جمال جوهر (القاهرة)

مصر تطرح في نيويورك مخاوفها المائية

تشارك مصر في مؤتمر دولي جديد بتصوراتها بشأن المياه والتحديات التي تواجهها   (الشرق الأوسط)
تشارك مصر في مؤتمر دولي جديد بتصوراتها بشأن المياه والتحديات التي تواجهها (الشرق الأوسط)
TT

مصر تطرح في نيويورك مخاوفها المائية

تشارك مصر في مؤتمر دولي جديد بتصوراتها بشأن المياه والتحديات التي تواجهها   (الشرق الأوسط)
تشارك مصر في مؤتمر دولي جديد بتصوراتها بشأن المياه والتحديات التي تواجهها (الشرق الأوسط)

تطرح مصر في نيويورك مخاوفها المائية عبر مشاركتها في مؤتمر دولي جديد تعرض فيه تصوراتها بشأن المياه والتحديات التي تواجهها، وسط مخاوف على حصتها في مياه النيل جراء «سد النهضة» الإثيوبي في ظل عجز مائي كبير يواجه البلاد.

ذلك الوجود المصري في أعمال الشق الوزاري من المنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة، والمنعقد حالياً بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، يرى وزير الري الأسبق محمد نصر علام، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل قدراً كبيراً من الأهمية بهدف جذب الدول الغربية لوجهة النظر المصرية حول حصتها المائية، مؤكداً أن «مصر تواجه ندرة مائية، وتحتاج لزيادة حصتها وليس الحفاظ عليها فقط».

وتقدَّر حصة مصر في مياه نهر النيل بـ55.5 مليار متر مكعب تعتمد عليها بنحو 97 في المائة في استخدامات الشرب والزراعة، في حين تتحسب لنقص محتمل في حصتها المائية (التي لا تكفي احتياجاتها)، بسبب «سد النهضة»، الذي أقامته إثيوبيا على الرافد الرئيسي لنهر النيل، والذي يثير توترات مع دولتَي المصبّ (مصر والسودان).

وتعاني مصر من «عجز مائي» يقدَّر بنحو 54 مليار متر مكعب سنوياً؛ إذ تبلغ مواردها المائية نحو 60 مليار متر مكعب سنوياً، يقابلها احتياجات تصل إلى 114 مليار متر مكعب سنوياً، حسب بيانات رسمية.

وأفادت وزارة الري المصرية، في بيان الاثنين، بأن الوزير هاني سويلم يشارك في أعمال الشق الوزاري من المنتدى السياسي رفيع المستوى المعني بالتنمية المستدامة، والمنعقد بمقر الأمم المتحدة في نيويورك، وذلك في ظل المراجعة المتعمقة للهدف السادس من أهداف التنمية المستدامة والمعني بضمان توافر المياه وخدمات الصرف الصحي وإدارتهما إدارة مستدامة للجميع.

وزير الري المصري هاني سويلم (صفحة وزارة الري على «فيسبوك»)

وتتزامن المشاركة المصرية مع التحضيرات الجارية لمؤتمر الأمم المتحدة للمياه لعام 2026، في ظل ترؤس مصر بالتعاون مع اليابان الحوار التفاعلي «المياه من أجل الكوكب»، بما يعزز من المساهمة المصرية في رسم ودعم المناقشات الدولية المرتبطة بالمياه والتنمية المستدامة.

وتتناول أعمال «المنتدى» عدداً من القضايا المرتبطة بتسريع تنفيذ الهدف السادس (يتناول أزمات شح المياه ومعالجة تلوثها)، وتعزيز مكانة المياه ضمن الأجندة الدولية، إلى جانب مناقشة التحديات المتزايدة المرتبطة بندرة المياه، والجفاف، والتصحر، وتدهور الأراضي، وتأثيرات التغيرات المناخية، وزيادة وتيرة موجات الحرارة، وسبل دعم مرونة الأنظمة المائية في مواجهة تغيّر المناخ.

كما تشمل المشاركة عدداً من اللقاءات الثنائية مع المسؤولين رفيعي المستوى من الدول الأخرى لتبادل الرؤى حول مستقبل العمل الدولي في مجال المياه، وتعزيز التعاون بين الدول والمنظمات الدولية العاملة في مجال المياه، وحشد الشراكات والتمويل والتكنولوجيا وبناء القدرات لدعم تنفيذ الأولويات المشتركة.

وفيما يخص الوجود المصري في المحافل الدولية لطرح هذه الأزمات، أكد علام أن «هذا الوجود جزء أصيل من السياسة العالمية؛ إذ تحرص كل دول العالم على عرض تساؤلاتها وآمالها وأهدافها دولياً»، مشيراً إلى «وجود قوى غربية معروفة (لم يحددها) تعارض زيادة حصة مصر المائية، بل تعارض حتى احتفاظ مصر بحصتها الحالية؛ ولذلك فإن النجاح المصري يكمن في جذب الدول الغربية لوجهة النظر المصرية لتقليل حدة هذه المؤامرات».

مصر تعاني من «عجز مائي» يقدَّر بنحو 54 مليار متر مكعب سنوياً (الشرق الأوسط)

ويرى علام أهمية ذلك الوجود الدولي في ظل أن التحديات المائية في مصر قد شهدت تحولاً نوعياً؛ فبعد أن كان الحديث يدور حول الفقر المائي، انتقلت الدولة الآن إلى مرحلة الندرة المائية مع انخفاض نصيب الفرد من المياه ليصل إلى 500 متر مكعب سنوياً. وحذر من أن العام القادم سيشهد انخفاضاً إضافياً في نصيب الفرد ليصل إلى قرابة 480 متراً مكعباً، وهو ما يمثل أقل من نصف الحد الأدنى للفقر المائي المتعارف عليه دولياً، والذي يتراوح بين 1000 و1500 متر مكعب للفرد سنوياً.

وتأتي المشاركة المصرية بعد نحو شهر من دعوة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي دول حوض نهر النيل إلى تحقيق «منفعة متبادلة» ومصالح مشتركة، بما يضمن استعادة التوافق بين الدول المشاطئة، مجدداً رفض بلاده «الإجراءات الأحادية».

ومصر في نزاع ممتد منذ 15 عاماً مع إثيوبيا بشأن «سد النهضة»، وتخشى أن يؤثر على حصتها المائية، بخلاف رفضها الانضمام لاتفاقية «عنتيبي» بسبب مساسها بحصتها المائية.

«سد النهضة» الإثيوبي (وكالة الأنباء الإثيوبية)

وترتبط جميع دول حوض نهر النيل في إطار مبادرة «حوض النيل» التي تأسست عام 1999 بهدف «المشاركة في تنمية المصادر المائية لتلك الدول، وضمان كفاءة إدارة المياه، والاستخدام الأمثل لها». وعلّقت مصر والسودان عضويتهما في المبادرة عام 2010، اعتراضاً على توقيع 6 دول منابع على الاتفاقية الإطارية حول نهر النيل المعروفة بـ«عنتيبي»، وسط مشاورات حالية للوصول إلى توافق.

الهدف الاستراتيجي

وشدد وزير الري الأسبق على ضرورة زيادة حصة مصر المائية، معتبراً أن المطالبة بالمحافظة على الحصة الحالية فقط هي توجّه غير دقيق، ولا يتماشى مع الهدف الاستراتيجي المتمثل في بقاء الدولة وبقاء شعبها.

ودعا إلى الجلوس في مفاوضات لإيجاد الحلول التي تخدم مصلحة الشعبين المصري والإثيوبي، وكذلك دول حوض النيل، بما يدعم المصالح المشتركة للجميع دون المساس بالحقوق والوجود.


تَوسّع الاستثمار «يضيّق مساحة» استمتاع الليبيين بالبحر

مصطافون ليبيون بشاطئ «السبيدجا» بمدينة الخمس الليبية (قسم الإنقاذ البحري بالمنطقة الوسطى)
مصطافون ليبيون بشاطئ «السبيدجا» بمدينة الخمس الليبية (قسم الإنقاذ البحري بالمنطقة الوسطى)
TT

تَوسّع الاستثمار «يضيّق مساحة» استمتاع الليبيين بالبحر

مصطافون ليبيون بشاطئ «السبيدجا» بمدينة الخمس الليبية (قسم الإنقاذ البحري بالمنطقة الوسطى)
مصطافون ليبيون بشاطئ «السبيدجا» بمدينة الخمس الليبية (قسم الإنقاذ البحري بالمنطقة الوسطى)

مع حلول كل صيف، تجد فئات ليبية كثيرة نفسها أمام خيارين أحلاهما مرّ: إما استئجار شواطئ الاستثمار الخاص بأسعار تفوق طاقتهم الشرائية، وإما اللجوء إلى شواطئ مجانية يقولون إنها «تفتقر لأبسط مقومات الخدمة والسلامة».

وبين عشرات الإعلانات التي تروج للاستراحات والقرى السياحية، يتكرر سؤال ينغص حياة قطاعات من الليبيين في شرق البلاد وغربها: هل أصبح الوصول إلى الاستمتاع بالبحر لمن يستطيع الدفع؟

هذا الجدل يتجدد كل موسم صيف، في ظل اتساع تدريجي لرقعة المصايف الخاصة والقرى والمنتجعات السياحية على أجزاء من الشريط الساحلي بأسعار باهظة، مقابل تراجع المساحات المتاحة مجاناً، بما يثير نقاشاً حول كيفية تحقيق التوازن بين تشجيع الاستثمار السياحي وضمان حق المواطنين.

الواقع السابق، أقره عضو البرلمان الليبي محمد عامر العباني، وقال إنه «واجه هذا الإشكال مؤخراً»، محملاً الجهات التنفيذية المسؤولية عن ذلك.

وتكشف نقاشات في وسائل إعلام محلية وإعلانات متداولة عبر صفحات التواصل الاجتماعي حجم التوسع الذي يشهدُه قطاع المصايف الخاصة، كما تعكس أيضاً تفاوتاً في الأسعار.

ففي العاصمة طرابلس تبدأ رسوم دخول بعض الشواطئ والاستمتاع بخدماتها (طاولات وشمسيات وحمامات) من نحو 30 ديناراً، وترتفع إلى 150 ديناراً حسب الموقع والخدمات، فيما تبدأ أسعار إيجار الاستراحات عن اليوم من نحو 300 دينار، وقد تصل إلى 600 دينار. (الدولار يساوي 6.40 دينار في السوق الرسمية، و8.50 دينار بالسوق الموازية).

مصيف «عودة الحياة» في تاجوراء بالعاصمة طرابلس (حكومة الوحدة)

ولا تختلف الصورة كثيراً في مدينة بنغازي، حيث تبلغ تكلفة دخول بعض الشواطئ نحو 40 ديناراً، بينما يصل إيجار «العشة» المطلة على البحر إلى نحو 150 ديناراً عن اليوم، وهي أسعار يقول مواطنون: «فيها مغالاة بالنسبة لأسر كثيرة، إذا ما فكرت في ارتياد الشاطئ أكثر من مرة».

وفي بلد لم تعرف فيه المصايف التجارية بهذا الاتساع إلا خلال السنوات الأخيرة، يرى الناشط الليبي مخلص الحراري، من طرابلس، في حديث لـ«الشرق الأوسط»، أن الشاطئ، الذي يفترض أن يكون متنفساً لجميع الليبيين، «تحول في كثير من المناطق إلى خدمة لا يستطيع تحمل تكلفتها سوى أصحاب الدخول المرتفعة»، كما لفت إلى أن «الشواطئ المفتوحة باتت تفتقد إلى الخدمات الأساسية، بل تختلط مياهها أحياناً بمياه الصرف الصحي».

وتعكس آراء على صفحات التواصل الاجتماعي جانباً من هذا الاستياء، حيث قال المهندس رضوان أعواج، من مدينة الزاوية (غرب)، إن الشواطئ المجانية «أصبحت الخيار الوحيد لكثير من الليبيين، في ظل وصول تكلفة الإقامة بالمنتجعات إلى ألف دينار لليلة، بما يجعلها مقتصرة على فئات محدودة، وهو ما يثقل كاهل بقية المواطنين».

أما المدونة الليبية «العنود الكرامة»، فقد دعت السلطات في شرق البلاد إلى وضع حد لما وصفته بـ«استغلال» بعض الشواطئ العامة، مشيرة إلى أن أسر عدة تضطر إلى دفع نحو 100 دينار مقابل استئجار مظلة وكراسي وكوخ بسيط ليوم واحد، رغم أن الشواطئ تعد ملكاً عاماً، مطالبة بفرض رقابة على الأسعار ومنع المغالاة في الرسوم.

ولم يقتصر الجدل على منصات التواصل، إذ رصدت وكالة الأنباء الليبية (وال) تصاعد النقاش المحلي حول تقلص الشواطئ العامة مع توسع المصايف الخاصة، وتحديداً في شرق البلاد، وسط مطالبات بتحقيق توازن بين تشجيع الاستثمار السياحي، وضمان منافذ مجانية تتيح للمواطنين الوصول إلى البحر.

وتأتي هذه الشكاوى في وقت شهدت فيه السنوات الأخيرة توسعاً في إقامة المصايف والمنشآت السياحية، بصورة منظمة في بعض المناطق، وعشوائية (بوضع اليد) في مناطق أخرى، وهو ما يرى مواطنون أنه قلص المساحات المفتوحة أمام الأسر محدودة الدخل، رغم امتلاك ليبيا شريطاً ساحلياً يمتد لنحو 1900 كيلومتر على البحر المتوسط.

وفي مسعى لاحتواء هذه الشكاوى، تستعد السلطات في غرب البلاد لافتتاح «مصيف تاجوراء العائلي» ضمن خطة «عودة الحياة»، بعد وصوله إلى مراحله النهائية، بهدف تطوير المرافق الساحلية، ورفع مستوى الخدمات، في خطوة تأمل أن توفر متنفساً أفضل للعائلات وتحسن جودة الشواطئ العامة، لكنها تطرح تساؤلاً لدى نشطاء حول أسعار خدماتها المنتظرة.

وتتعزز هذه المخاوف مع تجربة مماثلة في مدينة صبراتة، إذ أثار قرار البلدية إزالة المصايف القديمة وإعادة تشغيلها بصورة مباشرة ردود فعل متباينة، بعدما اشتكى مواطنون ومدونون من ارتفاع الأسعار وتراجع مستوى الخدمات، مع غياب المنقذين وإرشادات السلامة وأعلام التحذير، رغم الوعود بإعادة تطوير الشاطئ.

ولا يقتصر الجدل على الأسعار، إذ تمتد الانتقادات إلى غياب معايير السلامة في كثير من الشواطئ العامة، وسط نقص فرق الإنقاذ والرقابة. وزادت المخاوف بعد تداول فيديو لشاب يصطحب أسداً إلى شاطئ في تاجوراء (غرب)، في واقعة أثارت استياءً واسعاً.

وفي مواجهة هذه الانتقادات، أكد مدير إدارة العلاقات العامة بجهاز الحرس البلدي في بنغازي، العقيد صلاح الساحلي، في تصريحات سابقة لـ«وكالة الأنباء الليبية»، أن الشواطئ العامة حق مكفول لجميع المواطنين، وأن الجهاز ينفذ حملات رقابية للتأكد من الالتزام بالقوانين المنظمة لاستخدامها، مشدداً على أنه لا يحق لأي جهة أو مصيف خاص منع المواطنين من الوصول إلى البحر، وأن الإجراءات القانونية تطبق بحق المخالفين.

ويرى مراقبون أن الجدل لا يرتبط فقط بارتفاع الأسعار، وإنما بغياب سياسة واضحة لإدارة الشريط الساحلي، تحدد المساحات المخصصة للشواطئ العامة والاستثمار، بما يضمن حق المواطنين ويشجع الاستثمار المنظم.

من جهته، قال خالد العبار، رئيس مجلس إدارة الغرفة السياحية بالمنطقة الشرقية، لـ«الشرق الأوسط»، إن تنظيم المصايف ينبغي أن يتم عبر الدولة الليبية وفق منظومة واضحة من الاشتراطات والضوابط، تحقق التوازن بين تشجيع الاستثمار السياحي، وصون حق المواطنين في الوصول إلى الشواطئ العامة المؤهلة لخدمة المواطنين.

وأوضح العبار أن التنظيم يجب أن يضمن وجود شواطئ عامة مجانية ومجهزة بخدمات الإنقاذ والأمن والنظافة، إلى جانب مصايف استثمارية تقدم خدمات إضافية وفق معايير محددة ورسوم عادلة، مؤكداً أن المشكلة ليست في الاستثمار بحد ذاته، وإنما في غياب التنظيم ووجود مصايف عشوائية تفرض رسوماً من دون إطار قانوني أو رقابي.

وانتهى إلى القول إن المصايف الاستثمارية يمكن أن توفر خدمات يحتاج إليها المصطاف، مثل المظلات والكراسي والطاولات والمرافق الصحية، مقابل رسوم تتناسب مع مستوى الخدمة، «لكن يجب ألا تتحول هذه الرسوم إلى عبء على المواطنين أو وسيلة لحرمانهم من حقهم في استخدام الشواطئ»، داعياً إلى وضع ضوابط موحدة للاستثمار السياحي.


تصعيد مسلح بين «الوطني الليبي» و«متمردين» في الجنوب

مدرعات وعربات عسكرية على حدود ليبيا الجنوبية الغربية الشهر الماضي (إعلام القيادة العامة)
مدرعات وعربات عسكرية على حدود ليبيا الجنوبية الغربية الشهر الماضي (إعلام القيادة العامة)
TT

تصعيد مسلح بين «الوطني الليبي» و«متمردين» في الجنوب

مدرعات وعربات عسكرية على حدود ليبيا الجنوبية الغربية الشهر الماضي (إعلام القيادة العامة)
مدرعات وعربات عسكرية على حدود ليبيا الجنوبية الغربية الشهر الماضي (إعلام القيادة العامة)

شهد الجنوب الليبي تصعيداً أمنياً مفاجئاً، إثر هجوم مسلح قادته مجموعة «غرفة عمليات تحرير الجنوب» على موقع تابع لـ«الجيش الوطني» في بوابة «أرنديغا»، تزامناً مع اتفاق أبرمته قيادات عسكرية من شرق البلاد وغربها في مدينة سرت، لإجراء تمرين تعبوي عسكري مشترك وموحد في منطقة «الجنوب الكبير» بنهاية سبتمبر (أيلول) المقبل.

وأعلنت الغرفة، التي توصف بأنها مجموعة من «المتمردين» على الجيش، «فرض سيطرتها الكاملة» على بوابة «أرنديغا» القريبة من الحدود الجنوبية، وبدء ما وصفته بـ«زحف عسكري واسع» باتجاه قاعدة «اللويغ» العسكرية، الخاضعة لسيطرة قوات «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر.

وقالت الغرفة في سلسلة بيانات أصدرتها مساء الأحد، إن مقاتليها نفذوا عملية نوعية وصفتها بـ«الناجحة» أسفرت عن السيطرة التامة على بوابة «أرنديغا»، والتوغل في عمق مناطق سيطرة «الجيش الوطني»، مشيرة إلى أن العملية أسفرت عن أسر 15 عنصراً من القوات المتمركزة هناك، والاستيلاء على عدد من الآليات المسلحة، من دون تسجيل خسائر في صفوف القوة المنفذة.

وزعمت الغرفة في بياناتها أنها باتت على مشارف قاعدة «اللويغ» العسكرية، مشيرة إلى أن «فلول الميليشيات فرت باتجاه مدينة سبها»، داعية المواطنين والسكان المحليين إلى الابتعاد فوراً عن مناطق الاشتباكات والمحاور العسكرية حرصاً على سلامتهم.

صدام حفتر خلال زيارة سابقة إلى سبها بالجنوب الليبي (القيادة العامة)

في المقابل، لم يعلن «الجيش الوطني» حصيلة خسائره البشرية والمادية، لكن نجل ونائب قائده الفريق صدام حفتر، بالإضافة إلى رئاسة أركان الجيش، نعوا رسمياً عناصره الذين قضوا في المواجهات، ومن بينهم النقيب موسى السليماني.

كما أدانت حكومة أسامة حماد المكلفة من مجلس النواب، ووزير دفاعها أحميد حومة، وجهاز مكافحة الهجرة غير النظامية، الهجوم الذي وصفوه بـ«الغادر والانتهاك الصارخ»، داعين إلى «الضرب بيد من حديد» على يد المجموعات الخارجة عن القانون و«المرتزقة».

من جهته، أعلن شيخ مشايخ «التبو» في ليبيا، الشيخ اللهوزا فوزي، في بيان رسمي، تبرؤ قبيلة التبو من المطلوب الهارب محمد وردكو، محمّلاً إياه «مسؤولية السعي لإثارة الفتنة بين مكونات الجنوب، والعمل على عرقلة مشاريع التنمية والاستقرار في المنطقة».

كما دعا في بيان «الجيش الوطني» إلى التعامل معه على هذا الأساس، بما يحفظ أمن الجنوب ووحدة نسيجه الاجتماعي.

وكان المقدم معاد الحسناوي، قائد «الكتيبة 628 حرس حدود» التابعة لـ«الجيش الوطني»، قد أعلن عن «دحر المرتزقة» من بوابة «أرنديغا» وتأمين الموقع بالكامل.

وأكد في بيان «نجاح قوات (اللواء الخامس) و(الكتيبة 628)» في صد «الهجوم الذي نفذته عصابات وردكو والمرتزقة»، بما في ذلك عناصر تشادية.

وتقدم «غرفة عمليات تحرير الجنوب» نفسها باعتبارها قوة عسكرية مستقلة لا تمثل قبيلة بعينها، بقيادة «وردكو»، وتؤكد رفضها لـ«الجيش الوطني»، بدعوى «إنهاء معاناة المواطنين والتجار في منطقة فزان».

وفي يونيو (حزيران) الماضي، أعلنت المجموعة ذاتها، أنها تمكّنت من «أسر مجموعة من عناصر (الجيش الوطني)»، والاستيلاء على عدد من الآليات العسكرية عند «بوابة الزعيترية» في منطقة وادي الشاطئ جنوب غربي البلاد، متحدثة عن استمرار ما وصفته بـ«عملياتها الأمنية والعسكرية» في مناطق الجنوب، من دون أن تكشف عن عدد الجنود المحتجزين أو مكان احتجازهم.