ليبيا: بداية «تفكيك» خيوط اغتيال سيف الإسلام القذافي

النيابة تحدد هوية 3 متهمين... وأسرته تتمسك بحقها في ملاحقة الجناة

سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)
سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)
TT

ليبيا: بداية «تفكيك» خيوط اغتيال سيف الإسلام القذافي

سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)
سيف الإسلام القذافي وقت القبض عليه عام 2011 (رويترز)

تتجه قضية سيف الإسلام معمر القذافي، نجل الرئيس الليبي الراحل معمر القذافي، إلى «انفراجة قريبة» تشي ببداية تفكيك خيوط جريمة اغتياله، وذلك بعدما أعلن مكتب النائب العام تحديد هوية ثلاثة متهمين بالضلوع في الجريمة، التي وقعت في مدينة الزنتان بدايات شهر فبراير (شباط) الماضي.

ووسط ترحيب و«تساؤلات» من أتباع سيف الإسلام عن «المنفذين الحقيقيين للجريمة»، قالت النيابة العامة في وقت متأخر من مساء الخميس إنها أمرت بضبط وإحضار ثلاثة متهمين، بعدما تمكن المحققون من التعرف على هوياتهم، وتحديد المركبات الآلية التي استعملوها في انتقالهم والطريق التي سلكوها.

سيف الإسلام في العاصمة طرابلس 23 أغسطس 2011 (رويترز)

وعقب اغتيال سيف انفتح المشهد العام في ليبيا على تبادل اتهامات بـ«الخيانة»، و«التفريط» بين محسوبين على معسكره بشأن ملابسات مقتله. وتصاعد الخلاف بين العجمي العتيري، قائد كتيبة «أبو بكر الصديق» التي كانت تحمي سيف في الزنتان، والشاب أحمد الزروق القذافي، أحد أبناء عمومة سيف الإسلام، وذلك على خلفية ملابسات تتعلق بزيارة الزروق إلى مقر إقامة سيف الإسلام قبل مقتله.

وأوضحت النيابة العامة أن «مرتكبي جريمة قتل سيف الإسلام القذافي ترقّبوه في محل إقامته، إلى أن ظفروا به في فناء مسكن تسوّروا جدار حرمه، وحاصروه في مساحة حالت دون توقّيه صولتهم»، وقالت إن المتهمين «سدّدوا بنادقهم الرشاشة نحوه، وجعلوا منه رميّة انطلقت فيها مقذوفات أسلحتهم، منها ما استقرّ في جسمه ومنها المارق منه؛ حتى فاضت روحه».

ولم تحدد النيابة العامة أسماء المتهمين الثلاثة، لكنها قالت إن «إطار الدعم الفني تتبع نشاط المشتبهين وتحركاتهم قبل ارتكاب الواقعة، وعقب اكتمال مادّياتها؛ وأخذ في تحليل الدلائل والقرائن والروابط، الناتجة عن معاينة الأمكنة المتعلقة بمحل الجريمة؛ فتكلّل الاستدلال بتعيين مكان اجتماع المشتبهين؛ وزمان انصرافهم إلى محل واقعة القتل وارتكابها».

وثمنت عائلة القذافي في بيان منسوب إليها ما صدر عن مكتب النائب العام، واعتبرته «خطوة أولية إيجابية نحو كشف الحقيقة»، إلا أنها شددت في الوقت ذاته على ضرورة الانتقال الفوري إلى إجراءات مادية ملموسة ضد العناصر الإجرامية التي حدد البيان هويتها. وتمسكت بـ«حقها الكامل الشرعي والقانوني في ملاحقة القتلة ومن يقف خلفهم»، مؤكدة أن «دماء الشهيد لن تذهب سدى، ويد العدالة ستطال الجناة عاجلاً أم آجلاً لينالوا جزاءهم العادل».

سيف الإسلام القذافي في مقر إقامته بالزنتان مع أحد أبناء عمومته أحمد الزروق (حساب الزروق)

وأبدى مؤيدون لسيف القذافي ترحيبهم بما كشفت عنه النيابة العامة، في إطار تفكيك أولي للقضية، وقدم الدكتور عقيلة دلهوم، عضو المكتب السياسي للراحل سيف الإسلام، قراءة تحليلية حول بيان مكتب النائب العام، وقال إنه «قدم رواية رسمية لما حدث، لكن عند قراءته بدقة يكشف عدداً من النقاط المهمة».

وتحدث دلهوم عن طبيعة الجريمة من واقع تصريحات النيابة، وقال إن البيان يؤكد أن الجناة ترصدوا المجني عليه في محل إقامته، ورأى أن هذا يعني في لغة التحقيق الجنائي أن الجريمة تدخل في إطار «سبق الإصرار»، أي أنها جريمة مخطط لها مسبقاً.

كما نوه دلهوم بأن الجناة تسوروا جدار المنزل، وانتظروا داخل الفناء قبل التنفيذ، حسب بيان النيابة، ورأى أن هذا النمط يعرف في التحقيقات باسم «نصب كمين»، أي أنه كمين معد مسبقاً، مشيراً إلى أن «وجود كمين داخل المنزل يعني أن المنفذين كانوا يملكون معلومات أولية بتحركات المجني عليه أو توقيت خروجه؛ وربما كان هذا الترصد ناتجاً عن معرفة مسبقة به؛ أي روتين نشاطه اليومي ومواعيد تحركاته المعتادة».

وتابع دلهوم موضحاً أن «التحقيق تتبع تحركات المشتبهين وتحديد المركبات، التي استخدمت قبل الجريمة؛ وهذا النوع من العمل يعتمد عادة على وسائل التتبع، مثل الكاميرات؛ لكن البيان لم يوضح طبيعة هذه الأدلة».

وأشار إلى أن النيابة تتحدث فقط عن «الفاعلين الأصليين، ولم تتطرق إلى مستوى العقول المدبرة؛ أي الجهات التي قد تكون خططت أو أصدرت الأمر»، موضحاً أنه يمكن «اعتبار ما صدر عن النيابة بياناً أولياً يعرض خطوات التحقيق الأولى؛ ولا يمثل خلاصة ملف التحقيق للقضية؛ وبالتالي فإن الصورة الكاملة للجريمة لا تزال غير مكتملة في هذه المرحلة من التحقيق».

سيف الإسلام القذافي جالساً في طائرة بالزنتان بليبيا في 19 نوفمبر 2011 (رويترز)

وانتهى دلهوم مثمناً جهود مكتب النائب العام وأجهزة التحقيقات القضائية التي بُذلت، والسرعة التي أُعلنت بها النتائج الأولية، وقال إن الرأي العام «يهتم بالكشف الصريح والعاجل عن الملابسات الكاملة للجريمة، وتحديد جميع مستويات المسؤولية المرتبطة بها، وكل من خطط أو أمر أو تواطأ في ارتكابها من الجهات أو الأفراد».

واغتيل سيف الإسلام في الثالث من فبراير (شباط) الماضي داخل مقر إقامته بالزنتان على يد مسلحين مجهولين، وعقب ذلك أعلنت النيابة العامة توجيه فريق من المحققين إلى المدينة، وبدء تحقيق معمق وكشف التفاصيل.

وقال الكاتب الليبي، مصطفى الفيتوري، الموالي لنظام القذافي، إن بيان النيابة «على ما به من غموض وإبهام إلا أنني أعتبره تقدماً مهماً في الاتجاه الصحيح»، وتساءل: «لماذا لم تنشروا صور المشتبه بهم على أنهم مطلوبون، أو كمشتبه فيهم أو كشهود، أو أشخاص لديهم معلومات؟ فهذا قد يفيد القضية».

وسبق أن وقع محمد المنفي، رئيس المجلس الرئاسي الليبي، في 28 فبراير الماضي، مذكرة تفاهم مع فريق دولي من الخبراء القانونيين والمتخصصين، برفقة خالد الزائدي، محامي الراحل، بهدف تنسيق الجهود وجمع الأدلة والقرائن المتعلقة بقضية مقتل سيف.

من جهتها، ذهبت الكاتبة الليبية، عفاف الفرجاني، إلى أن قضية اغتيال سيف القذافي «لا تختزل في من ضغط الزناد، بل الأهم في الذي خطط وأمر وأرسل وسهل له المهمة»، وقالت إن المواطن الليبي «يفهم ويقفه، ولا تنطلي عليه روايات المنفذين ما لم تكشفوا الرأس الذي أدار الجريمة من خلف الستار».

وظل سيف الإسلام مقيماً في الزنتان، الواقعة على بعد 160 كيلومتراً جنوب غربي طرابلس، تحت حراسة مشددة، ولم يظهر للعيان طوال عشرة أعوام إلى حين تقدمه بأوراق ترشحه للانتخابات، التي كانت مقررة عام 2021؛ إذ آثر التنقل خفية بين الزنتان وبعض مدن الجنوب الليبي.


مقالات ذات صلة

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

شمال افريقيا وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)

ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

لم يكن أكثر ما استوقف قطاعات من الليبيين في الحملة الواسعة التي تشنها السلطات العراقية على مسؤولين وسابقين ومتهمين بالفساد، حجم الأموال والمصوغات المضبوطة

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا رجال أمن خلال مداهمة أحد مستودعات المبيدات المسرطنة الخميس (مكتب النائب العام)

ليبيا تشن حملات مكثفة لوقف تداول «مبيدات مسرطنة»

تتسارع وتيرة الملاحقات القضائية والأمنية في ليبيا منذ كشف تحقيقات النائب العام، الأسبوع الماضي، احتواء 65 في المائة من عينات المحاصيل الزراعية على مبيدات محظورة

«الشرق الأوسط» (القاهرة )
شمال افريقيا تقف مدينة الزاوية بتشكيلاتها المسلحة وقواها المتنافرة كـ«حجر عثرة» أمام أي سلطة تستقر في سدة الحكم (صفحات معبرة عن الزاوية)

كيف أصبحت مدن ليبية «تتحكّم» في صناعة القرار السياسي؟

في ظل استمرار الانقسام المؤسسي، تعاظم دور بعض المدن الليبية وتأثيرها في صناعة القرار السياسي، مدعومة بما تمتلكه من تشكيلات مسلحة ومقربين من دوائر السلطة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وزير الخارجية المصري مستقبلاً بولس في يونيو الماضي (الخارجية المصرية)

القاهرة تتمسك بدعم الحل السياسي والانتخابات المتزامنة في ليبيا

أكدت مصر موقفها الثابت والداعم لوحدة واستقرار ليبيا، كما شدد على أهمية توحيد المؤسسات الوطنية والتوصل إلى تسوية سياسية شاملة عبر مسار ليبي – ليبي.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«هاتف الإنذار»: فقدان 12 مهاجراً غادروا سواحل الجزائر منذ أسبوع

مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط - 24 يوليو 2025 (رويترز)
مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط - 24 يوليو 2025 (رويترز)
TT

«هاتف الإنذار»: فقدان 12 مهاجراً غادروا سواحل الجزائر منذ أسبوع

مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط - 24 يوليو 2025 (رويترز)
مهاجرون على متن قارب ينتظرون المساعدة من قارب إنقاذ في البحر المتوسط - 24 يوليو 2025 (رويترز)

أعلنت منصة «هاتف الإنذار» من تونس، المتخصصة في الإبلاغ عن المهاجرين، الذين تقطعت بهم السبل في البحر، فقدان 12 مهاجراً منذ نحو أسبوع في غرب البحر الأبيض المتوسط.

وأوضحت المنصة، عبر حسابها على موقع «إكس»، أن القارب الذي كان يقل المهاجرين غادر سواحل مدينة تيبازة في الجزائر نحو السواحل الإسبانية، منذ يوم 29 يونيو (حزيران) الماضي.

وتلقت المنصة إخطاراً من عائلات أحد المهاجرين على القارب، بأنه لم تظهر أي معلومات عنه منذ تاريخ إبحاره. كما لم يعلن خفر السواحل الإسباني عن أي عملية اعتراض للقارب أو المهاجرين.

مهاجرون تم إنقاذهم بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا باتجاه أوروبا (أرشيفية - أ.ب)

ويُصنَّف البحر المتوسط كأحد أخطر مسارات الهجرة في العالم. ومع استقرار عامل المناخ في المنطقة خلال فصل الصيف، تغامر أعداد أكبر من القوارب للوصول إلى السواحل الأوروبية.

ووفق بيانات برنامج «مهاجرين مفقودين» التابع للمنظمة الدولية للهجرة، توفي أو فقد هذا عام 1410 مهاجرين أثناء عبورهم البحر المتوسط، من بينهم 225 مهاجراً في طريق غرب المتوسط.


السيسي يعزز مكانة العاصمة المصرية الجديدة بافتتاح «الأوكتاغون»

الرئيس عبد الفتاح السيسي وقادة الجيش المصري على سيارة مكشوفة خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي وقادة الجيش المصري على سيارة مكشوفة خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يعزز مكانة العاصمة المصرية الجديدة بافتتاح «الأوكتاغون»

الرئيس عبد الفتاح السيسي وقادة الجيش المصري على سيارة مكشوفة خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي وقادة الجيش المصري على سيارة مكشوفة خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» (الرئاسة المصرية)

في تعزيز لمكانة العاصمة الجديدة، افتتح الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، مساء السبت، مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة»، الذي يحاكي، بحسب بيانات رسمية، أحدث مراكز السيطرة عالمياً.

وقال السيسي عقب التوقيع على وثيقة الافتتاح: «باسم شعب مصر العظيم، أعلن افتتاح مقر (القيادة الاستراتيجية) بالعاصمة الجديدة، لتكون صرحاً لشعب مصر العظيم، وتمثل دور مصر دولة سلام واستقرار». وتابع: «دولة قادرة على التصدي للتحديات وتحقيق التطلعات بوحدة شعبها الأبيّ وقواته المسلحة الباسلة، وبما يضمن تكامل التخطيط والتنسيق لجميع جهات القوات المسلحة، وتعزيز القدرات القتالية والاستعداد الدائم لمواجهة التحديات بفعالية وكفاءة باستخدام أحدث نظم التكنولوجيا المتطورة... وعلى النحو الذي يحقق الأهداف الاستراتيجية للدولة، ويسهم في تأمين مقدراتها».

افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية» تجسيد عملي لعملية الانتقال إلى العاصمة الجديدة (هيئة الاستعلامات المصرية)

ووفق بيان لـ«مجلس الوزراء»، السبت، فإن انتقال مؤسسات الدولة السيادية إلى العاصمة الجديدة «يمثل خطوة محورية في مسار بناء الجمهورية الجديدة».

وأوضح البيان أن «مشروع العاصمة الجديدة لا يقتصر على إنشاء مدينة حديثة، بل يستهدف إعادة تنظيم مؤسسات الدولة داخل بيئة عمرانية متطورة تعتمد على أحدث البنى التحتية والتكنولوجيا، بما يعزز كفاءة الأداء الحكومي، ويرفع مستوى التنسيق بين مختلف أجهزة الدولة، ويوفر مساحات للتوسع المستقبلي بعيداً عن التكدس الذي عانت منه القاهرة لعقود».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يوقع وثيقة افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» (الرئاسة المصرية)

وأكد «مجلس الوزراء» أن «افتتاح مقر (القيادة الاستراتيجية) للقوات المسلحة (الأوكتاغون) يمثل تجسيداً عملياً لعملية الانتقال إلى العاصمة الجديدة»، موضحاً أن المقر «يضم أحدث أنظمة القيادة والسيطرة والاتصالات، ويعزز سرعة اتخاذ القرار، ويرفع كفاءة التنسيق بين مختلف أفرع القوات المسلحة، ويزيد من جاهزية الدولة للتعامل مع التحديات الإقليمية والدولية».

وأضاف أن «المقر يمثل إضافة استراتيجية للبنية التحتية للدولة في إطار تحديث شامل لمنظومة القوات المسلحة، بما يواكب التطورات العسكرية والتكنولوجية الحديثة».

وعدّ «مجلس الوزراء» افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» للدولة المصرية «خطوة تعكس تكاملاً استراتيجياً داخل العاصمة الجديدة، لتصبح مركزاً متكاملاً لإدارة شؤون الدولة ومؤسساتها السيادية، بما يعزز استمرارية العمل المؤسسي ويرفع كفاءته، ويجعل العاصمة الجديدة منصة حديثة لإدارة الدولة بمفهومها الشامل، بما يتوافق مع متطلبات الحاضر والمستقبل».

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي يتحدث خلال افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» (الرئاسة المصرية)

ومقر «القيادة الاستراتيجية للدولة» يواكب أحدث النظم الدفاعية والتكنولوجية في العالم. وتم إنشاؤه ضمن خطة مصر لإنشاء عاصمة جديدة تضم كل المؤسسات الرسمية والسيادية.

وانطلق مشروع العاصمة الجديدة في مارس (آذار) 2015 بهدف تخفيف الضغط على القاهرة، على مساحة بلغت نحو 700 كيلومتر مربع؛ أي نحو 170 ألف فدان، ويتم تنفيذه على 3 مراحل؛ المرحلة الأولى منه على مساحة تقدر بنحو 168 كيلومتراً مربعاً (40 ألف فدان)، ما يعادل نصف مساحة القاهرة تقريباً، التي تبلغ نحو 90 ألف فدان. وعام 2024 بدأ انتقال الوزارات إلى الحي الحكومي تدريجياً، ثم تمّ نقل البرلمان.

مقر «القيادة الاستراتيجية للدولة المصرية» بالعاصمة الجديدة (هيئة الاستعلامات المصرية)

وقال عضو مجلس الشيوخ المصري السابق، الخبير الاستراتيجي الدكتور عبد المنعم سعيد، إن افتتاح مقر «القيادة الاستراتيجية» للدولة المصرية «يعد تأكيداً لمكانة العاصمة إلى جانب أحداث أخرى». وأوضح لـ«الشرق الأوسط» أن العاصمة الجديدة شهدت خلال الفترة الأخيرة أحداثاً عدة، من بينها استضافة الجماهير لمتابعة مباريات المنتخب بكأس العالم، إلى جانب مؤتمرات وفعاليات عدة جميعها تجسد مكانتها كعاصمة جديدة للبلاد.

وقال إن «مقر (القيادة الاستراتيجية للدولة) يعد بمنزلة إضافة مؤسسة مهيبة، ويعزز مكانة العاصمة كمدينة وامتداد للقاهرة»، متوقعاً أنه «بحلول 2030 سيقطن العاصمة نحو مليون نسمة، لا سيما مع إنشاء عدة تجمعات سكنية، وعمل وسائل انتقالات للعاصمة».

ووفق «مجلس الوزراء»، فإن «إنشاء عواصم جديدة لا يهدف فقط إلى نقل مقار الحكم، بل يمتد ليشمل معالجة مشكلات الازدحام، وتحقيق التنمية المتوازنة، وتعزيز الأمن، وتجسيد رؤى سياسية واقتصادية جديدة».

وأشار «المجلس» إلى أن «مشروع العاصمة جاء استجابة للتحديات المتزايدة في القاهرة، وعلى رأسها الازدحام والتلوث والضغط السكاني، مع السعي إلى نقل جزء كبير من الوظائف الحكومية إلى مدينة جديدة مخططة بعناية».


مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
TT

مصر تؤكد أهمية حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال مؤتمر «المانحين»

فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)
فتاة تحمل وعاء ماء في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بخان يونس (أ.ف.ب)

بحثت القاهرة ورام الله، السبت، التحضيرات الجارية بشأن حشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية خلال عقد مؤتمر «المانحين الدوليِّين» الأسبوع المقبل.

تلك المشاورات التي تزامنت مع محادثات مصرية - أوروبية تهدف إلى «خلق دعم دولي يساند السلطة الفلسطينية ليس فقط على مستوى التمويل، ولكن في ترسيخ وجود فلسطين دولةً مستقلةً مستقبليةً، رغم التصعيد الإسرائيلي المستمر»، بحسب عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية»، مساعد وزير الخارجية الأسبق، السفير محمد حجازي في حديث لـ«الشرق الأوسط».

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، السبت، بأنَّه جرى اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي، ورئيس الوزراء الفلسطيني محمد مصطفى، وتبادل الجانبان الرؤى بشأن تطورات الأوضاع في قطاع غزة. كما تناول الاتصال التحضيرات الجارية لمؤتمر الدول المانحة المقرَّر عقده في بروكسل خلال يوليو (تموز) الحالي.

وأكد عبد العاطي «دعم مصر الكامل للحكومة الفلسطينية، وأهمية حشد الدعم المالي الدولي للسلطة الوطنية الفلسطينية بما يُمكِّنها من الوفاء بمسؤولياتها، وتقديم الخدمات الأساسية للشعب الفلسطيني ويسهم في تعزيز صموده، ودعم الاستقرار في الأراضي الفلسطينية».

ويرى حجازي أن «التحضيرات لاجتماع بروكسل الخاص بحشد الدعم الدولي للسلطة الفلسطينية تأتي في لحظة مفصلية من تطورات الشرق الأوسط، حيث تتداخل مسارات وقف إطلاق النار في غزة، والجهود الأميركية لإطلاق ترتيبات أمنية وإقليمية جديدة، والمساعي العربية لإعادة الاعتبار للقضية الفلسطينية بوصفها المدخل الحقيقي لاستقرار المنطقة».

ويؤكد أن اختزال مؤتمر المانحين في كونه مناسبةً لتوفير مساعدات مالية للسلطة الفلسطينية يفقده كثيراً من دلالاته الاستراتيجية، لافتاً إلى أنَّ أهمية مؤتمر بروكسل تتجاوز حدود التمويل، ليصبح المؤتمر رسالةً سياسيةً واضحةً بأنَّ المجتمع الدولي ما زال يرى في السلطة الفلسطينية المؤسسة الشرعية القادرة على إدارة الأراضي الفلسطينية، بخلاف رسالة موازية إلى إسرائيل، بأن إضعاف السلطة الفلسطينية لم يعد خياراً مقبولاً.

وقبل نحو أسبوع، تحدَّث المتحدث باسم الاتحاد الأوروبي في القدس، شادي عثمان، لإذاعة «صوت فلسطين» عن بدء التحضيرات لعقد مؤتمر المانحين الدوليِّين في 12 يوليو الحالي؛ بهدف حشد الدعم لحلّ الدولتين، والمساندةِ الماليّةِ للسلطة الوطنية.

وجاءت تلك التصريحات غداة زيارة أجرتها المفوضة الأوروبية لشؤون المتوسط، دوبرافكا سويتشا، إلى مدينة رام الله، وذلك في إطار جولة إقليمية لبحث الشراكة الأوروبية - الفلسطينية، والأوضاع الراهنة في قطاع غزة والضفة الغربية.

فتاة تستريح على حبل يثبت خيمة في مخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين بمنطقة نهر البارد بخان يونس (أ.ف.ب)

وشدَّد رئيس الوزراء الفلسطيني وقتها لسويتشا على أنَّ «الحصار المالي والاقتصادي، يُشكِّل تهديداً خطيراً لقدرة المؤسسات الفلسطينية على الاستمرار، حيث تواصل إسرائيل حجز عائدات الضرائب الفلسطينية بصورة غير قانونية، لتصل قيمتها إلى نحو 6 مليارات دولار، إضافة إلى تجميد نحو 5 مليارات دولار أخرى من أموال البنوك الفلسطينية يرفض البنك المركزي الإسرائيلي استلامها، ما يكلِّف الاقتصاد الفلسطيني خسارةً تصل إلى 11 مليار دولار سنوياً».

وكانت القضية الفلسطينية حاضرةً على مائدة مشاورات سياسية بين وزير الخارجية المصري والمفوضة الأوروبية للمتوسط، دوبرافكا سويتشا، وفق بيان لـ«الخارجية المصرية»، السبت.

وأكد عبد العاطي «أهمية إعادة تركيز الجهود الدولية على القضية الفلسطينية، بما يهيئ الظروف لاستكمال التنفيذ الكامل لاستحقاقات المرحلة الأولى من خطة الرئيس الأميركي دونالد ترمب للسلام - التي بدأت في أكتوبر (تشرين الأول) 2023 - والانتقال إلى المرحلة الثانية».

في حين يرى حجازي أنَّ التَّحرُّكات المصرية والأوروبية تؤكد أنَّ دعم السلطة الفلسطينية أصبح جزءاً من معادلة إعادة بناء الإقليم، وليس مجرد استجابة لأزمة مالية، باعتبار أنه لا يمكن الحديث عن شرق أوسط أكثر استقراراً بينما تنهار المؤسسات الفلسطينية، ولا يمكن بناء تحالفات اقتصادية وأمنية طويلة الأجل بينما يظل قطاع غزة مُدمَّراً.

ويبرز الدور المصري بوصفه الأكثر اتساقاً مع متطلبات المرحلة، فمنذ اندلاع الحرب، رفضت القاهرة الفصل بين المسار الإنساني والمسار السياسي. وأكدت أنَّ وقف إطلاق النار يجب أن يقترن بخطة لإعادة الإعمار، وتمكين السلطة الفلسطينية، والحفاظ على وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، ورفض التهجير، وإطلاق عملية سياسية جادة تنتهي بإقامة الدولة الفلسطينية المستقلة، واليوم تتحرَّك مصر في الاتجاه ذاته، من خلال دعم مؤتمر بروكسل بوصفه خطوةً تأسيسيةً، تمهِّد لمؤتمر دولي أكبر لإعادة إعمار غزة فور تثبيت وقف إطلاق النار. وفق حجازي.

وشدَّد عضو «المجلس المصري للشؤون الخارجية» على أنَّ التحدي الحقيقي لا يكمن في جمع مليارات الدولارات، وإنما في بناء إرادة دولية تحوِّل هذه الموارد إلى فرصة تاريخية لإعادة إطلاق المشروع الوطني الفلسطيني، وإحياء حل الدولتين، وإعادة دمج القضية الفلسطينية في صلب ترتيبات الأمن الإقليمي الجديدة.

وأوضح أنَّ المؤتمر المقبل إما أن يكون بداية انتقال من «إدارة الصراع» إلى «بناء السلام»، ومن «الإغاثة المؤقتة» إلى «التنمية المستدامة»، ومن ردود الفعل إلى رؤية استراتيجية متكاملة، وإما أن يظلَّ مجرد محطة مالية عابرة في مسلسل الأزمات المتكررة.