«السوشيال ميديا»... ساحة صراع خلفية لأفرقاء ليبيا

مشهد مزدحم بالصفحات والمدونين ويعكس تعمّق الانقسام السياسي

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي في افتتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس الشهر الحالي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي في افتتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس الشهر الحالي (مكتب الدبيبة)
TT

«السوشيال ميديا»... ساحة صراع خلفية لأفرقاء ليبيا

الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي في افتتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس الشهر الحالي (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الدولة لشؤون الاتصال وليد اللافي في افتتتاح مكتبة بالعاصمة طرابلس الشهر الحالي (مكتب الدبيبة)

تزايد اعتماد أفرقاء الصراع الليبي على توظيف منصات التواصل الاجتماعي، بوصفها ساحة خلفية للصراع السياسي والدعاية ومهاجمة الخصوم، في مشهد يعكس عمق الانقسام بين حكومتين في شرق البلاد وغربها.

فخلف شاشات الهواتف الجوالة وأجهزة الحاسوب، تجلّى هذا الاستخدام المكثف خلال المواجهات الأخيرة بين قوات «الجيش الوطني الليبي» ومجموعة مسلحة في الجنوب، حيث تحولت المنصات الرقمية إلى ساحة موازية للمعركة الميدانية بين داعم للجيش ومساند للمسلحين.

وفي غياب أرقام رسمية، يرى خبير تقني بطرابلس لـ«الشرق الأوسط»، أن طرفي الصراع، شرقاً وغرباً، ينفقان ملايين الدنانير سنوياً على صفحات ممولة، مشيراً إلى تصاعد تأثيرها في أوقات الحروب والأزمات لتوجيه الرأي العام وصياغة السرديات المتنافسة.

* ولاءات واضحة في الفضاء الإلكتروني

يرسم الانقسام القائم خريطة ولاءات واضحة في الفضاء الإلكتروني؛ ففي غرب البلاد، تبرز صفحات على «فيسبوك»؛ من بينها «المصدر» (نحو مليون متابع)، و«سياسة بالليبي» (506 آلاف)، و«ليبيا 180» (320 ألفاً)، وتقدم نفسها باعتبارها منصات إخبارية. غير أن محتواها يتضمن، وفق اختصاصيين، مواد ذات طابع دعائي، بينها صور مركبة ومقاطع مجتزأة، وأحياناً محتوى يُشتبه في توظيف تقنيات الذكاء الاصطناعي فيه، في سياق السجال مع خصوم الشرق.

حفتر قبل إطلاق رؤية «الجيش الوطني» الليبي 2030 (إعلام القيادة العامة)

ولم يصدر عن حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، برئاسة عبد الحميد الدبيبة، تعليق رسمي على اتهامات متكررة بتمويل غير معلن لبعض هذه الصفحات. كما تنشط صفحات أخرى تُصنَّف قريبة من مواقف سلطات الغرب، مثل «الدريبل الليبي» (370 ألف متابع)، و«رادار مصراتة» (218 ألفاً)، وتشارك في تغطية الأحداث من زاوية تعكس تموضعها السياسي.

في المقابل، يبرز في شرق ليبيا عدد من الصفحات المعروفة بقربها من «الجيش الوطني» الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، من بينها «صلاح الأطيوش» (321 ألف متابع)، و«عاجل بنغازي الأصلية» (146 ألفاً)، و«طارق بن زياد الجفالي» (247 ألفاً)، و«نسر الرجمة» (97 ألفاً). وإلى جانبها ينشط مدونون يُنظر إليهم على أنهم قريبون من المعسكر ذاته، مثل صالح أحمد (203 آلاف)، وعقيلة الصابر (201 ألف)، وخالد درنة (68 ألفاً)، حيث يسهمون في تشكيل خطاب داعم لمواقف الشرق الليبي في القضايا الخلافية.

سيف الإسلام القذافي خلال تقدمه بأوراقه للترشح في الانتخابات الرئاسية في 14 من نوفمبر (تشرين الثاني) 2021 (رويترز)

ولم يكن أنصار النظام الرئيس الراحل معمر القذافي بعيدين عن المشهد؛ إذ تحظى صفحة «قورينا» بـ223 ألف متابع، و«سيفيون ونفتخر» بـ104 آلاف، و«فريق العمل الميداني» بـ100 ألف، و«قلم القائد» بـ156 ألفاً، و«أوج» بـ55 ألفاً. وقد برز نشاطها على نحو متزايد بعد اغتيال سيف الإسلام القذافي، في سياق يعكس استمرار حضور أنصار النظام السابق رقمياً.

وتشكّل الحالة الصحية لقادة الصراع مادة خصبة للإشاعات والسجال بين الصفحات المحسوبة على المعسكرين. وبرز ذلك مع الدبيبة عقب خضوعه لعملية جراحية وُصفت بالبسيطة في القلب، ما أعاد إلى الأذهان الجدل الذي أثير سابقاً خلال تلقي حفتر العلاج في فرنسا، وما رافقه من تكهنات وتوظيف سياسي وإعلامي.

ويقر الناشط السياسي الليبي عياد عبد الجليل، بدور هذه الصفحات في الصراع بين شرق ليبيا وغربها، عادّاً أن «نصف المعركة يُدار إعلامياً». وأوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن «التأثير الرقمي تحول إلى أداة أساسية في إدارة الصراع وصياغة السرديات المتنافسة، مع تصاعد مظاهر التضليل، سواء بإعادة نشر صور قديمة على أنها راهنة، أو بتوظيف تقنيات حديثة، بينها أدوات الذكاء الاصطناعي».

ومع ذلك، فقد رأى عبد الجليل أن «المنصات المحسوبة على حكومة الدبيبة تتسم بتعدد الولاءات وتباين الخطاب، مقابل انضباط أكبر في صفحات معسكر الشرق الليبي، المرتبط بالقيادة العامة في الرجمة نتيجة مركزية القرار الإعلامي».

* استقطاب «سوشيالي«

في المقابل، تسعى بعض الصفحات والمدونين إلى النأي بأنفسهم عن تهم التمويل السياسي. ويقول خالد الحجازي، الناشط في «تيار سبتمبر» الموالي للنظام السابق، إنه يعبّر عن قناعاته بأفكار نظام معمر القذافي، نافياً تلقي أي تمويل سياسي، وأشار لـ«الشرق الأوسط»، إلى أنه «لم يفعّل خاصية تحقيق الأرباح عبر صفحته».

أما الناشط الليبي محمد قشوط، الداعم لـ«الجيش الوطني»، فيؤكد أن تأييده نابع من قناعته بدور المؤسسة العسكرية في الحرب على المجموعات المتطرفة في بنغازي ودرنة قبل أعوام، وأن الوقوف معها «خيار وطني لحماية السيادة ومواجهة الفوضى والميليشيات».

وسط هذا الاستقطاب «السوشيالي»، يحذر المحلل السياسي الليبي، حسام الدين العبدلي، من تصاعد توظيف المنصات في الصراع، عادّاً أنها «تحولت إلى بديل مؤثر للإعلام التقليدي وأكثر قدرة على تشكيل الرأي العام».

وأوضح أن هذه المنصات «قد تؤدي دوراً إيجابياً إذا استُخدمت بمهنية»، لكنها في أجواء الاستقطاب «قد تتحول إلى أداة لتأجيج الانقسام الجهوي والقبلي والسياسي».

وأشار العبدلي لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «بعض الأطراف استثمرت بكثافة في الفضاء الرقمي، عبر دعم صفحات ومؤثرين وإطلاق حملات موجهة للتأثير في اتجاهات الجمهور، وهو نمط برز خصوصاً خلال فترات التوتر، حيث جرى تضخيم خطاب الكراهية، وإعادة إنتاج الانقسامات الاجتماعية»، مبدياً مخاوف من «استخدام المال العام في تمويل هذه الحملات في ظل الفساد المستشري في البلاد».

وختم العبدلي موضحاً أن «تدفق الأخبار غير الدقيقة والمحتوى الموجَّه أربك المشهد العام، وأضعف تماسك النسيج الوطني، في ظل ضعف أدوات التحقق لدى بعض المستخدمين»، لافتاً إلى أن «هذا التأثير امتد إلى سلوك المواطن، مع تنامي التفاعل الافتراضي على حساب المشاركة الميدانية، بما أتاح هامشاً أوسع لأطراف الصراع لإدارة خصومتهم عبر الفضاء الرقمي».


مقالات ذات صلة

سلطات طرابلس وبنغازي تداهم مقار تؤوي «مهاجرين»

شمال افريقيا جانب من مهاجرين غير نظاميين تم ضبطهم في مدينة زوارة غرب ليبيا 4 يوليو (مديرية أمن زوارة)

سلطات طرابلس وبنغازي تداهم مقار تؤوي «مهاجرين»

تصعّد الأجهزة المعنية بالهجرة غير المشروعة في ليبيا من حملاتها ضد المهاجرين غير النظاميين شرق البلاد وغربها بغرض ضبط «من لا يمتلكون أوراقاً ثبوتية موثقة».

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع الكوني مع تيتيه بطرابلس 5 يوليو (البعثة الأممية)

ليبيا: الكوني يحشد ضد تغييرات «المخابرات»

شددت رئيسة البعثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه على «أهمية الحفاظ على مصداقية المؤسسات الليبية»، وذلك على خلفية أزمة تعيين رئيس جديد للمخابرات العامة في طرابلس.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا محطة كهرباء في زليتن بغرب ليبيا (الشركة العامة للكهرباء)

الدبيبة يوجّه بحلّ أزمة انقطاع الكهرباء في ليبيا

عقب شكاوى ليبيين لانقطاع التيار الكهربائي لساعات طويلة في ظل ارتفاع درجات الحرارة وجّه عبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة ببحث أزمات القطاع.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا وقفة لعدد من أعضاء المجلس العسكري لمصراتة في غرب ليبيا الجمعة (لقطة من تسجيل مصور)

ليبيا: المبادرة الأميركية تصطدم برفض قوى عسكرية في مصراتة

اصطدمت المساعي الأميركية الرامية إلى تحريك الجمود السياسي في ليبيا برفض علني من قوى عسكرية نافذة في مدينة مصراتة.

خالد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا من اجتماع سابق للهيئة الوطنية لمكافحة الفساد في غرب ليبيا (الصفحة الرسمية للهيئة)

ليبيون ينشدون إطلاق حملة واسعة لمواجهة الفساد على غرار العراق

لم يكن أكثر ما استوقف قطاعات من الليبيين في الحملة الواسعة التي تشنها السلطات العراقية على مسؤولين وسابقين ومتهمين بالفساد، حجم الأموال والمصوغات المضبوطة

علاء حموده (القاهرة)

اتهام «كتيبة البراء بن مالك» السودانية بتجنيد الأطفال قسراً

قائد «كتيبة البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)
قائد «كتيبة البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)
TT

اتهام «كتيبة البراء بن مالك» السودانية بتجنيد الأطفال قسراً

قائد «كتيبة البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)
قائد «كتيبة البراء بن مالك» الإسلامية المصباح طلحة (وسط) يقف على يمين رئيس أركان الجيش السوداني ياسر العطا (متداولة)

اتهم «المرصد السوداني الوطني لحقوق الإنسان»، يوم الأحد، «كتيبة البراء بن مالك» الإسلامية، التي تصنفها الولايات المتحدة كياناً إرهابياً، بمواصلة تجنيد الأطفال قسراً من داخل المدارس.

وقال «المرصد» في بيان إنه «حصل على أدلة مصورة جديدة توثق استمرار (كتيبة البراء بن مالك) في تجنيد الأطفال وإخضاعهم لتدريبات عسكرية في (الساحة الخضراء) بالعاصمة الخرطوم». وأضاف أن «هذه الممارسات تشكل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واتفاقية حقوق الطفل».

يذكر أن «كتيبة البراء بن مالك» هي ميليشيا إسلامية تدعم الجيش في معاركه المستمرة ضد «قوات الدعم السريع»، وفق ما ذكرت «وكالة الأنباء الألمانية». وصنفت الولايات المتحدة، في مارس (آذار) الماضي، جماعة «الإخوان المسلمين» بجناحها العسكري «كتيبة البراء بن مالك» كياناً إرهابياً، وأدرجتها وزارة الخارجية الأميركية ضمن قائمة المنظمات الإرهابية الأجنبية. كما فرضت واشنطن، في سبتمبر (أيلول) الماضي، عقوبات على «الكتيبة»، متهمة إياها بـ«الإسهام في تأجيج الصراع القائم وبارتباطات مع إيران».

ويشهد السودان حرباً منذ 15 أبريل (نيسان) 2023، حيث اندلع القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع». ووصفت الأمم المتحدة الصراع بأنه أكبر أزمة إنسانية في العالم، حيث نزح نحو 12 مليون شخص جراء الصراع، كما يواجه نصف عدد السكان صعوبة في الحصول على الغذاء.

مقتل 3 مدنيين

نساء نازحات من جنوب كردفان هرباً من الحرب يجلسن على الأرض بمدينة الأبيض يوم 15 يناير (رويترز)

لقي 3 مدنيين على الأقل مصرعهم وأصيب آخرون بقصف مدفعي استهدف أحياء سكنية في مدينة الدلنج جنوب إقليم كردفان، وذلك خلال عمليات عسكرية تجري في تلك المنطقة وسط تفاقم الأوضاع الإنسانية بكردفان.

وقالت مصادر ميدانية لـ«الشرق الأوسط» إن الضحايا سقطوا إثر قصف من «قوات الدعم السريع» وحليفتها «الحركة الشعبية»، بقيادة عبد العزيز الحلو، للأحياء الشمالية والشرقية للمدينة، مستخدمة المدفعية الثقيلة.

وأوضحت المصادر أن قصف المناطق السكنية أسفر خلال الأيام الماضية عن عدد من القتلى والجرحى، لم يُحصَوا رسمياً، وأن حصيلة يوم السبت وحدها بلغت 3 قتلى وعدداً من المصابين.

وفي شمال كردفان، قالت مصادر إن «قوات الدعم السريع»، لا تزال تنشر حشوداً عسكرية في تحول مدينة الأُبيّض، وإن الطائرات المسيّرة التابعة لها تنطلق من مدينة النهود في غرب كردفان، ومدينة بارا شمال الإقليم، وغالباً ما تستهدف مرافق حيوية تشمل المستشفيات ومحطات الوقود والخدمات العامة.

استهداف البنية التحتية

أعضاء من «المقاومة الشعبية» المؤيدة للجيش خلال مسيرة لدعم موقفه في دارفور وكردفان وولاية النيل الأزرق (أ.ف.ب)

ونقلت تقارير شهود أن «الحياة عادت تدريجياً إلى الأُبيّض، وتوفر الوقود، وعادت الكهرباء جزئياً، لكن لا تزال المخاوف قائمة بسبب استمرار الهجمات التي تطول المدنيين والبنية التحتية». ووفقاً لتلك المصادر، فإن شاحنات الوقود والمساعدات الإنسانية والبضائع الآتية عبر الطريق الشرقية الرابطة بين ولايتي النيل الأبيض وشمال كردفان، تُستهدف من قبل مسيّرات «الدعم السريع»؛ ما سبب خلال الأسابيع الماضية انقطاعاً للكهرباء والمياه وخروج عدد من المستشفيات والمراكز الصحية عن الخدمة.

وتزامنت التطورات الميدانية مع صدور بيان عن تحالف «تأسيس» المُوالي لـ«قوات الدعم السريع»، بشأن مناقشات مجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، الخاصة باستصدار قرار يدعو إلى عدم مهاجمة مدينة الأُبيّض خشية وقوع خسائر في صفوف المدنيين.

وقال الناطق الرسمي باسم التحالف، أحمد تقد، في بيان إن القانون الدولي الإنساني لا يحظر استهداف المدن التي تضم أهدافاً عسكرية، عادّاً أن الأبيّض تضم قواعد ومراكز قيادة ومنشآت تستخدم في العمليات العسكرية.

وأوضح البيان أن قوات تحالف «تأسيس» تلتزم مبادئ التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات اللازمة لحماية المدنيين، وعدّ أن التوقف عن الحرب يستلزم وقفاً شاملاً لإطلاق النار عبر عملية سياسية تعالج جذور الأزمة؛ وأن ذلك السبيل الأمثل لحماية المدنيين وإنهاء الحرب.

مدينة الكرمك

وفي محور النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد، ذكرت مصادر عسكرية أن الجيش السوداني بات قريباً من استرداد مدينة الكرمك الاستراتيجية على الحدود مع إثيوبيا، وأنه استعاد عدداً من المواقع كانت قد سيطرت عليها «قوات الدعم السريع» منذ أواخر مارس الماضي، في ظل غطاء جوي مكثف يستهدف مواقع انتشار القوات داخل الغابات والأحراش.

وأعلنت قيادة «الفرقة الرابعة مشاة» التابعة للجيش في مدينة الدمازين، عن تنفيذ عملية تمشيط في منطقة سركم، أسفرت عن الاستيلاء على أسلحة وذخائر ومعدات عسكرية خلفتها «قوات الدعم السريع» بعد انسحابها من المدينة. وقالت إن العملية جرت دون خسائر في صفوف القوة المنفذة، وتوعدت باستمرار عمليات التمشيط لتأمين المنطقة وتعزيز سيطرة الجيش.

وفي تطور منفصل، اتهم تحالف «تأسيس» الجيشَ باستهداف مقر إقامة طلاب الشهادة الثانوية في بلدة أم قرفة شمال كردفان.

وقال التحالف في بيان إن «مسيّرات الجيش استهدفت مقر إقامة طلاب الشهادة الثانوية في البلدة؛ ما أسفر عن مقتل وإصابة عدد من الطلاب»، واتهمت ما سمتها «ميليشيا الحركة الإسلامية» بتنفيذ الهجوم بطائرة مسيّرة، وطالبت بفتح تحقيق دولي مستقل ومحاسبة المسؤولين عن الهجوم.

تفشي وباء الكوليرا

مركز لعلاج الكوليرا بالعاصمة السودانية الخرطوم (منظمة الصحة العالمية)

إنسانياً، حذرت غرفة «طوارئ دار حمر»، وهي جماعة طوعية خدمية، من تفشي وباء الكوليرا في بلدتي ود بندة والنهود، بالإضافة إلى القرى المجاورة لهما في غرب إقليم كردفان.

وقالت الغرفة على منصة «فيسبوك» إن 30 شخصاً توفوا بالكوليرا، وأُصيب أكثر من 800، موزعين على أكثر من 25 قرية. وأضافت أن هناك نقصاً حاداً في أدوية مرض السكري بالبلدات الشمالية، ودعت الغرفة المنظمات الإنسانية والجهات الصحية إلى التدخل العاجل لاحتواء الوباء وتوفير الإمدادات الطبية.

وتشهد ولايات كردفان والنيل الأزرق تصعيداً عسكرياً متواصلاً منذ أشهر، في ظل استمرار المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» والحركات المسلحة المتحالفة مع طرفي النزاع في بعض المحاور.

وأدى التصعيد العسكري والاستخدام المكثف للطائرات المسيّرة القتالية إلى اتساع رقعة الأزمة الإنسانية في البلاد، وتعطل الخدمات الأساسية، وازدياد أعداد الضحايا والنازحين مع مرور الوقت، فيما نشطت دعوات إقليمية ودولية متكررة لوقف إطلاق النار وحماية المدنيين.

وأعربت «شبكة أطباء السودان» يوم الأحد عن بالغ قلقها إزاء التدهور المتسارع للأوضاع الإنسانية والصحية في مناطق شمال كردفان، حيث يواجه أكثر من 200 ألف مواطن، بينهم أكثر من 20 ألف طفل، ظروفاً إنسانية بالغة القسوة نتيجة النقص الحاد في الغذاء والدواء إلى جانب تفشي وباءَيْ الحصبة والكوليرا.

وقالت «الشبكة» في بيان إن المعلومات الميدانية تشير إلى تسجيل أكثر من 100 حالة إصابة بالحصبة وسط الأطفال في عدد من المراكز الصحية، إضافة إلى 45 حالة إصابة بالكوليرا، في ظل تراجع حاد بالخدمات الصحية وانعدام الإمدادات الطبية الأساسية.


سلطات طرابلس وبنغازي تداهم مقار تؤوي «مهاجرين»

جانب من مهاجرين غير نظاميين تم ضبطهم في مدينة زوارة غرب ليبيا 4 يوليو (مديرية أمن زوارة)
جانب من مهاجرين غير نظاميين تم ضبطهم في مدينة زوارة غرب ليبيا 4 يوليو (مديرية أمن زوارة)
TT

سلطات طرابلس وبنغازي تداهم مقار تؤوي «مهاجرين»

جانب من مهاجرين غير نظاميين تم ضبطهم في مدينة زوارة غرب ليبيا 4 يوليو (مديرية أمن زوارة)
جانب من مهاجرين غير نظاميين تم ضبطهم في مدينة زوارة غرب ليبيا 4 يوليو (مديرية أمن زوارة)

زادت سلطات غرب ليبيا من مداهمة منازل ومقار تضم مهاجرين غير نظاميين «مخالفين للقانون»، في وقت أعلن «جهاز مكافحة الهجرة» في شرق البلاد عن حملة مشابهة أسفرت عن ضبط 175 شخصاً.

عنصر أمن تابع لمديرية أمن زوارة خلال حملة مداهمة مقار تضم مهاجرين غير نظاميين 4 يوليو (مديرية الأمن)

وقالت مديرية أمن زوارة في (غرب ليبيا)، مساء السبت، إن الحملة الأمنية التي أطلقتها لحصر الأجانب بالمنطقة «داهمت منازل ومرافق تؤوي مهاجرين غير نظاميين من غير حاملي الوثائق الثبوتية المعتمدة»، وسط تحذيرات لأصحاب هذه الممتلكات من المساءلة القانونية.

وتسارعت هذه الحملة ضد المهاجرين غير النظاميين على خلفية مخاوف من «توطينهم في البلاد». وتزامن ذلك مع تصاعد ما وصفته البعثة الأممية، بـ«خطاب الكراهية» في ليبيا.

وتعدّ مدينة زوارة الساحلية من أهم نقاط انطلاق أفواج المهاجرين إلى الشواطئ الأوروبية، بالإضافة إلى القرة بوللي وصبراتة والزاوية، التي تكثر فيها عمليات جلب المهاجرين وتخزينهم في مخازن أو شقق سكنية، لحين «إنزالهم البحر في وقت تحدده تلك العصابات حسب الأوقات المناسبة».

مظاهرة في طرابلس يونيو الماضي ضد «توطين المهاجرين» (صفحة حراك نشطاء طرابلس ضد التوطن والتوطين)

وأوضحت مديرية زوارة أن هذه الحملة جاءت إثر سلسلة من الاجتماعات التي عقدتها لجنة حصر الأجانب بالبلدية، والتي خلصت إلى «ضرورة الانتقال إلى مرحلة التطبيق الفعلي على أرض الواقع، بعد أن استُنفدت جميع مراحل الإنذار والتوعية».

وشددت البلدية على أن «هذا القرار المتعلق بإغلاق المنازل بات نافذاً فوراً ودون أي تأخير، وأن الأجهزة الأمنية المختصة مُخوَّلة باتخاذ الإجراءات اللازمة كافة في هذا الشأن»، محذرةً «جميع من تسوّل له نفسه إيواء أشخاص غير نظاميين، أو المساس بأمن المدينة واستقرارها، بأنه سيواجه المساءلة القانونية الكاملة دون تهاون أو تساهل».

وفي 24 يونيو (حزيران) الماضي، قررت الحكومة المكلفة من مجلس النواب في شرق ليبيا حظر دخول مواطني السودان وإريتريا وإثيوبيا والصومال إلى البلاد عبر المنافذ البرية والجوية والبحرية، في خطوة قالت إنها «تستهدف الحد من تدفقات المهاجرين غير النظاميين».

ويواصل «جهاز مكافحة الهجرة» في شرق ليبيا وغربها، ترحيل مئات المهاجرين إلى بلدانهم بالتنسيق مع المنظمة الدولية للهجرة.

إنزال مهاجرين بميناء في غرب ليبيا بعد إنقاذهم من الغرق (أرشيفية من إدارة أمن السواحل)

الشيء نفسه تكرر في شرق ليبيا، وقالت رئاسة «جهاز مكافحة الهجرة غير المشروعة» في بنغازي، إن دوريات تابعة للجهاز بمدينة مرزق (جنوب ليبيا) شرعت في تنفيذ حملة أمنية موسعة ضمن الخطة الأمنية الهادفة إلى الحد من ظاهرة الهجرة غير المشروعة، وضبط المخالفين، ومكافحة جميع الأنشطة المرتبطة بها.

وأوضح الجهاز، مساء السبت، أن الحملة أسفرت حتى الآن عن ضبط 175 مهاجراً غير شرعي من جنسيات أفريقية مختلفة، إضافة إلى إخلاء عدد من المواقع والأماكن التي كانت تُستغل مراكزَ لتجمع وإيواء المهاجرين داخل المدينة.

وشدد الجهاز على أن الحملة الأمنية «لا تزال متواصلة، وتشمل مدينة مرزق والمناطق المجاورة لها، في إطار الجهود الأمنية الرامية إلى فرض القانون، ومكافحة شبكات الهجرة غير المشروعة، وتعزيز الأمن والاستقرار بالمنطقة».

ويحظى تصاعد الخطاب المعادي للمهاجرين في ليبيا بمتابعة وثيقة من الأمم المتحدة، التي أبدت قلقاً متزايداً إزاء تداعياته.

وعادة ما تلتمس منظمة «أطباء بلا حدود» أعذاراً للمهاجرين الفارين عبر المتوسط، وترى أن «الافتقار إلى خيارات آمنة وقانونية، إضافة إلى العنف الذي يعانيه المهاجرون في ليبيا، لا يترك لهم خياراً سوى عبور البحر، ومن ثم زيادة عدد الضحايا».

قوة أمنية في شرق ليبيا تستوقف وافدين (أرشيفية من جهاز مكافحة الهجرة)

وسبق لحكومتي «الوحدة» المؤقتة في العاصمة طرابلس، ونظيرتها في شرق ليبيا، عقد مؤتمرات دولية بشأن ملف الهجرة غير النظامية، انتهت جميعها إلى توصيات تتعلق بسبل مكافحة الظاهرة، لكن متابعين لهذا الملف يرون ضرورة «القضاء أولاً على سوق السمسرة في المهاجرين، المنتشرة في غالبية المدن الليبية، ثم إنهاء الصراع السياسي»، ويشيرون إلى أن هناك «تجارة رائجة تديرها عصابات ومجموعات مسلحة، وأحياناً جهات أمنية رسمية».


ليبيا: الكوني يحشد ضد تغييرات «المخابرات»

اجتماع الكوني مع تيتيه بطرابلس 5 يوليو (البعثة الأممية)
اجتماع الكوني مع تيتيه بطرابلس 5 يوليو (البعثة الأممية)
TT

ليبيا: الكوني يحشد ضد تغييرات «المخابرات»

اجتماع الكوني مع تيتيه بطرابلس 5 يوليو (البعثة الأممية)
اجتماع الكوني مع تيتيه بطرابلس 5 يوليو (البعثة الأممية)

واصل عضو «المجلس الرئاسي» الليبي، موسى الكوني، حشد الدعم المحلي لموقفه السياسي المعارض لتعيين قيادة جديدة لجهاز المخابرات الليبية، وسط مساعٍ أممية للوساطة.

ونقل الكوني، عن وفد من شيوخ وأعيان وحكماء المنطقة الغربية، التقاه الأحد في العاصمة طرابلس، «رفضه القاطع لسياسات فرض الأمر الواقع أو اتخاذ قرارات أحادية قد تمس بسلامة المؤسسات السيادية للدولة واستقرارها».

كما شدد الوفد على «ضرورة النأي الكامل بالمؤسسات الأمنية والسيادية الحساسة عن التجاذبات والخلافات السياسية الحالية»، وعدّ أن التعيينات في المناصب العليا والحساسة «يجب أن تخضع للضوابط والآليات المتفق عليها، بعيداً عن سياسة المغالبة أو الانفراد بالرأي».

المنفي ونائبه الكوني في لقاء سابق في مارس الماضي (مكتب المنفي)

وفي الإطار ذاته، قالت رئيسة بعثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، إنها ناقشت، الأحد، في طرابلس، مع الكوني، «أهمية صون الوحدة الوطنية والحفاظ على مصداقية المؤسسات الليبية، بما يتماشى مع المبادئ المنصوص عليها في الاتفاق السياسي الليبي وخريطة طريق ملتقى الحوار السياسي الليبي».

كما شددا، حسب بيان للبعثة، على «ضرورة الحفاظ على مهنية مؤسسات الدولة وتماسكها، باعتبارهما ركيزتين أساسيتين للحفاظ على السلام والاستقرار ووحدة الدولة الليبية».

وتسعى تيتيه إلى احتواء خلافات أعضاء «المجلس الرئاسي» بشأن تعيين عبد المجيد مليقطة رئيساً للمخابرات الليبية، وعبد الشفيع بوزلاعة نائباً له، بدلاً من حسين العايب، الرئيس السابق للجهاز.

بدوره، أعلن ما يُطلق على نفسه «اتحاد الشعوب الليبية الأصلية»، الممثل للمكونات الاجتماعية من الأمازيغ والتبو والطوارق، عن «رفضه القاطع لأي مبادرات فردية تعمل على الإقصاء الممنهج، وتنكر وجود هذه المكونات»، مؤكداً أنه «لا يمكن إيجاد حل سياسي حقيقي للأزمة إلا بإشراك الممثلين الفعليين لمكونات الشعب الليبي، وأن السعي وراء المبادرات الأحادية سيقابل بالرفض التام من قبلهم».

كما هاجم الاتحاد، في بيان مساء السبت عقب اجتماع بمدينة نالوت، بعثة الأمم المتحدة، واصفاً إياها «بأنها أصبحت أداة للمماطلة وعائقاً أمام أي مشروع سياسي يسعى إلى وحدة البلاد واستقرارها وتمثيل أبنائها»، كما اتهمها بـ«الوقوع تحت سيطرة بعض الأطراف الدولية التي تحرك قرارها من أجل مصالحها الخاصة، ما جعلها عاجزة تماماً عن إيجاد أي حل للأزمة الراهنة».

وشدد المجتمعون على «تمسكهم بوحدة ليبيا واستقرارها واستعادة سيادتها، معلنين أن أيديهم ممدودة لجميع أبناء الشعب الليبي من أجل الجلوس والحوار الشامل لإيجاد حل نهائي لأزمات الوطن دون إقصاء لأي مكون أو فئة، استناداً إلى الثوابت الوطنية والمصالحة ولمّ الشمل»، كما دعوا «الدول الشقيقة والصديقة إلى دعم الشعب الليبي ومساندته للوصول بالبلاد إلى الاستقرار المنشود».

من جهة أخرى، خطت باكستان خطوة «براغماتية» لافتة لموازنة علاقاتها بين شرق ليبيا وغربها؛ حيث أعلن رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة ووزير دفاعها، عبد الحميد الدبيبة، مساء السبت، عن تلقيه اتصالاً هاتفياً من قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، مشيراً إلى تبادل وجهات النظر حول عدد من القضايا ذات الاهتمام المشترك، مع تأكيد أهمية تعزيز علاقات التعاون بين البلدين في مختلف المجالات، بما يخدم المصالح المشتركة للشعبين الشقيقين.

وأعرب الجانبان، حسب بيان الحكومة، عن حرصهما «على تعميق الروابط الثنائية وتطويرها، خصوصاً في المجالات الأمنية والعسكرية والتنموية، انطلاقاً من العلاقات التاريخية المتينة بين البلدين».

ويتمتع قائد الجيش الباكستاني بعلاقات وثيقة مع قائد «الجيش الوطني» المتمركز في شرق ليبيا، المشير خليفة حفتر، علماً بأنه زار مدينة بنغازي نهاية عام 2025؛ حيث التقى حفتر ونجله ونائبه، الفريق صدام حفتر، وجرى التوقيع على اتفاقيات تعاون عسكري كبيرة تشمل التدريب، وبناء القدرات، ومكافحة الإرهاب.

كما زار حفتر باكستان في فبراير (شباط) الماضي، والتقى منير في مقر الجيش الباكستاني، وجرى تأكيد «تعزيز الروابط الدفاعية»، في إطار تعزيز التعاون العسكري بين باكستان وقوات شرق ليبيا، بما في ذلك صفقات أسلحة وتدريب.

وحسب مراقبين، يأتي الاتصال الهاتفي الأخير مع الدبيبة خطوة تعكس سعي إسلام آباد إلى موازنة علاقاتها بين الشرق والغرب في ليبيا، مستفيدةً من المبادرة التي يقودها مستشار الرئيس الأميركي مسعد بولس، بهدف توحيد المؤسسات الليبية، وتقاسم السلطة بشكل واقعي.