تحرّك عسكري لافت لقوات «الجيش الوطني» فى الجنوب الليبي

يستهدف «حماية الحدود وصدّ موجات الهجرة غير النظامية»

آليات «الجيش الوطني» (شعبة الإعلام الحربي)
آليات «الجيش الوطني» (شعبة الإعلام الحربي)
TT

تحرّك عسكري لافت لقوات «الجيش الوطني» فى الجنوب الليبي

آليات «الجيش الوطني» (شعبة الإعلام الحربي)
آليات «الجيش الوطني» (شعبة الإعلام الحربي)

أعلن «الجيش الوطني» الليبي برئاسة المشير خليفة حفتر عن تحرّك وحدات تابعة له في مدينة الكفرة (جنوب شرقي البلاد)، دون الكشف عن وجهتها، يأتي ذلك تزامناً مع موجة طقس سيئ أجبرت مجلس النواب على تأجيل جلسته التي كانت مقررة الاثنين.

واكتفت شعبة الإعلام الحربي التابعة للجيش بالقول إن نائب القائد العام الفريق صدام حفتر «أصدر تعليمات مباشرة بخروج وحدات اللواء الخامس مشاة التابع لرئاسة أركان الوحدات الأمنية من مدينة الكفرة لتنفيذ المهام الموكلة إليها».

وتأتي هذه التحركات العسكرية الواسعة في الكفرة بعد أسبوع واحد فقط على مشاركة عناصر من القوات نفسها في عملية أمنية نوعية بضواحي الكفرة، أسفرت عن تحرير 221 مهاجراً من جنسيات مختلفة كانوا محتجزين داخل ملاجئ تحت الأرض على عمق 3 أمتار، وطول يتجاوز 100 متر لأكثر من سنتين؛ ما يشير بحسب مراقبين إلى أن المهام الجديدة المكلفة بها هذه الوحدات تأتي استكمالاً لعملية «تطهير واسعة تستهدف شبكات الجريمة المنظمة، وتأمين الشريط الحدودي الملتهب».

آليات «الجيش الوطني» متجهة إلى تنفيذ مهمة عسكرية بالجنوب الشرقي (شعبة الإعلام الحربي)

وتكتسب مدينة الكفرة أهمية جيوسياسية فائقة كونها «الحصن الحدودي» الذي يربط ليبيا بمثلث السودان، وتشاد، ومصر، وهي المنطقة التي يوليها الفريق صدام حفتر اهتماماً خاصاً، حيث زارها في مايو (أيار) الماضي، وتعهد بخطة تأمين الجنوب، وتطوير البنية التحتية.

وبسبب موقعها الحدودي الاستراتيجي، أصبحت الكُفرة نقطة عبور مهمة للمهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء، كما تحولت إلى مركز نشاط لعصابات تهريب تستغل الفوضى الأمنية.

في شأن آخر، أعلنت حكومة أسامة حماد، المكلفة من مجلس النواب، حالة الطوارئ القصوى في المدن الشرقية والجنوبية، لمواجهة سوء الأحوال الجوية.

وقررت الحكومة منح إجازة يومي الاثنين والثلاثاء لكل الوزارات، والهيئات العامة، والمؤسسات الحكومية، مع استثناء المرافق الصحية، والجهات الأمنية، استناداً إلى تقارير مركز الأرصاد الجوية بشأن سوء الأحوال الجوية المتوقعة.

وأعلنت إدارة «مطار معيتيقة الدولي» عن إغلاقه مؤقتاً أمام حركة الطيران، حفاظاً على سلامة حركة الطيران، والمسافرين، على أن يتم استئناف العمليات الجوية فور تحسّن الظروف الجوية.

وكانت وزارة الصحة بالحكومة قد رفعت درجة الجاهزية القصوى بكافة المستشفيات، والمرافق الصحية، وذلك استناداً إلى هذه التحذيرات، وأكدت ضرورة اتخاذ كافة التدابير الاحترازية، وضمان تواجد الأطقم الطبية، والطبية المساعدة، وتعزيز التنسيق مع اللجنة العليا للطوارئ للتعامل مع أي طارئ، حفاظاً على سلامة المواطنين.

وكانت إدارة «مطار الكفرة الدولي» قد أعلنت الأسبوع الماضي إغلاقه مؤقتاً لمدة شهر كامل، لإجراء أعمال صيانة شاملة لمهبط الطائرات.


مقالات ذات صلة

ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

شمال افريقيا حفتر يتفقد المناورة من الجو (وسائل إعلام موالية للجيش الوطني)

ليبيا: حفتر يُطلق مناورة عسكرية «كبرى» ويُثني على عزيمة الجنود

انخرطت قوات «الجيش الوطني» الليبي بكل وحداتها العسكرية البرية والبحرية والجوية في «مناورات كبرى» انطلقت بعد ظهر الثلاثاء شاركت فيها جميع الألوية العسكرية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جندي بـ«الجيش الوطني» الليبي يقف بالقرب من دبابات مشاركة في مناورات «درع الكرامة 2» العسكرية (أ.ف.ب)

مناورات عسكرية منفصلة في شرق ليبيا وغربها

تجري قوات «الجيش الوطني» الليبي مناورة عسكرية بشرق البلاد، في حين تنفذ قوات غرب ليبيا مشروعاً للرماية بسلاح المدفعية في ظل تساؤلات عن مدلول هذه التحركات.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صورة وزعها «الجيش الوطني» لمتابعة صدام حفتر استعدادات ما قبل إطلاق المناورة 4 مايو

«الجيش الوطني» يستعد لإطلاق «أكبر» مناورة عسكرية في ليبيا

استعداداً لإطلاق مناورة عسكرية وصفت بأنها الأكبر في ليبيا، وجه صدام حفتر نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» بـ«ضرورة الحفاظ على أعلى درجات الجاهزية والانضباط».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر وصالح وحمّاد وعدد من المسؤولين والنواب يشاركون في افتتاح التجمع السكني (صندوق الإعمار والتنمية)

درنة... من «ساحات للإعدام» إلى تحولات عمرانية متسارعة

في مشهد يطوي ذاكرة الدم، ويخفف ندوب الماضي الأليم، افتتح المشير خليفة حفتر، القائد العام لـ«الجيش الوطني» تجمعاً سكنياً جديداً في مدينة درنة الليبية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا خالد حفتر مستقبلاً وفداً من قيادات «التبو» (رئاسة الأركان بـ«الجيش الوطني»)

«الوطني الليبي» يعزز علاقته بقبائل «التبو» لإحكام قبضته على الجنوب

يعمل «الجيش الوطني» الليبي على توسيع قاعدته الشعبية والأمنية والعسكرية في جنوب البلاد، في مواجهة تحركات تقودها «غرفة تحرير الجنوب» عبر الحدود المترامية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
TT

فئات النقد المصري تلهث لملاحقة التضخم والغلاء

القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)
القيمة الشرائية للعملة تتراجع في مصر مع تصاعد الغلاء (الشرق الأوسط)

فوجئت المصرية الثلاثينية، آلاء حواش، باستنزاف نزهة واحدة مع أولادها «لم تتضمَّن سوى تناول الطعام خارج المنزل» أكثر من 1500 جنيه (الدولار يعادل نحو 52.2 جنيه)، بعدما جمع الأبناء هذا المبلغ عيديةً من أقاربهم في عيد الأضحى. وتقول آلاء لـ«الشرق الأوسط»: «أي مبالغ نقدية لم تعد لها قيمة» في إشارة إلى الغلاء المتصاعد بالبلاد.

وتنوَّعت الفئات النقدية لدى أبناء آلاء الثلاثة بين 10 جنيهات و50 و100 و200 جنيه، والأخيرة هي الفئة النقدية الأكبر في مصر حالياً، والتي «لم تكفِ كل طفل لتناول وجبة طعام في أحد المطاعم بالمهندسين في محافظة الجيزة»، بحسب الأم المصرية، مشيرة إلى أن «أي فئة من العملة لم تعد تكفي؛ بل إن قيمتها قلت، فمثلاً عملة الـ100 جنيه فعلياً على أرض الواقع قلت كثيراً بسبب الغلاء».

وأمام موجات الغلاء التي يشهدها الشارع المصري، انتشرت شائعات عن توجه رسمي لإصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى؛ بسبب انخفاض قيمة العملات المتداولة حالياً؛ نتيجة ارتفاع أسعار السلع، ومن بين هذه الفئات إصدار ورقة نقدية بقيمة 10 آلاف جنيه. وقد تداول متابعون على «السوشيال ميديا» صورة لعملة شبيهة بالـ200 جنيه كُتب عليها 10 آلاف جنيه، وهو ما نفته الحكومة.

وقال المركز الإعلامي لمجلس الوزراء، أخيراً، إن البنك المركزي المصري أفاد بأنَّه «لم يتم إصدار أي قرارات بهذا الشأن، ولا توجد حالياً أي خطط أو دراسات تتعلق بطرح هذه الفئة النقدية أو أي عملات ورقية أو بلاستيكية من فئات جديدة، بخلاف الفئات المتداولة بالفعل داخل السوق».

مسؤولون يراقبون الأسواق بهدف مواجهة أي ارتفاع للسلع (جهاز حماية المستهلك)

ورغم النفي الرسمي، فإنَّ خبراء لم يستبعدوا أن «تضطر الحكومة لإصدار فئات نقدية جديدة في حالة تفاقم التضخم والغلاء».

وقال أستاذ الاقتصاد في جامعة الإسكندرية، عاطف وليم لـ«الشرق الأوسط»: «إن إصدار فئات نقدية جديدة لن يكون سوى انعكاس لتفاقم الأزمة الاقتصادية في مصر، وتآكل قيمة العملة، بحيث تضطر الحكومة إلى إصدار فئات أعلى، بعدما انخفضت قيمة الفئات الموجودة بالفعل». لكنه في الوقت نفسه يرى أنَّ ذلك لن يحدث سوى لو وصلنا لمرحلة «التضخم الجامح».

وسجَّل معدل التضخم الشهري في أبريل (نيسان) الماضي 1.1 في المائة مقابل 3.2 في المائة في مارس (آذار) الماضي. كما سجَّل معدل التضخم السنوي في الشهر نفسه 13.8 في المائة.

ويعتقد وليم أن «معدلات التضخم التي يشعر بها المواطن في الشارع أكبر من المعدلات الرسمية»، قائلاً: «إن المواطنين يلهثون خلف الغلاء»، كما يرى أيضاً أن «الاقتصاد المصري بعيد نسبياً عن مرحلة (التضخم الجامح)»، عادّاً في الوقت نفسه أن «إصدار فئات نقدية جديدة بمبالغ أعلى لن يكون مؤشراً جيداً، وسيؤدي إلى مزيد من ارتفاع الأسعار».

عملات مصرية من فئة الـ200 جنيه (البنك الأهلي المصري)

في حين يرجح الخبير الاقتصادي الباحث في سوق المال، محمد مهدي عبد النبي، أنَّ «طباعة فئات نقدية جديدة أعلى من عملة الـ200 جنيه أمر وارد قريباً في ظلِّ تراجع القوة الشرائية للجنيه منذ عام 2022».

وكان مجلس الوزراء نفى في مايو (أيار) الحالي، التوقف عن إصدار العملة البلاستيكية من فئتَي 10 و20 جنيهاً.

وأضاف عبد النبي لـ«الشرق الأوسط»: «قد نشهد إصدار فئة نقدية أكبر، بمقدار 500 أو 1000 جنيه، حيث لم تعد الـ200 جنيه لها القوة الشرائية السابقة نفسها في ظلِّ الغلاء»، موضحاً أن «فئات العملات تلهث لملاحقة التضخم والغلاء».

مواطنون مصريون داخل سيارة أجرة في منطقة الجيزة (الشرق الأوسط)

عودة إلى عاطف وليم، الذي أشار إلى أنَّ «البرنامج الاقتصادي للحكومة على مدار سنوات لم يجنِ سوى تراجع قيمة الجنيه، فضلاً عن مزيد من الغلاء، والتضخم الذي يدفع ثمنه المواطن»، مطالباً بـ«تغيير البوصلة الاقتصادية نحو المشروعات الإنتاجية».

وتشهد مصر موجات متتالية من ارتفاع الأسعار، متأثرة بالأوضاع الإقليمية، خصوصاً الحرب الإيرانية، فضلاً عن الزيادات المتكررة في أسعار السلع والخدمات، والتي تضع الأسر تحت ضغوط إضافية، مع ثبات ما لديها من عملات نسبياً، بينما تنخفض القوة الشرائية لهذه العملات.


سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
TT

سيول جنوب ليبيا تستحضر سؤال «السدود الغائبة»

سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)
سيارات طافية فوق مياه سيول جارفة أغرقت مدينة تهالة في الجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

عادت السيول الجارفة لتضع مدينتي تهالة وغات في جنوب غربي ليبيا تحت ضغط كارثة موسمية متكررة، بعدما شهدت المنطقتان القريبتان من الحدود الجزائرية أمطاراً غزيرة منذ أول يوم في عيد الأضحى (الأربعاء)، أدت إلى جريان واسع للأودية ونزوح العائلات من المناطق المنخفضة، وسط استنفار حكومي، ودعوات متجددة إلى إنشاء سدود وشبكات حماية مائية لوقف الخسائر المتكررة.

وفيما أعلنت السلطات المحلية، الجمعة، عدم تسجيل خسائر بشرية حتى الآن، فإن المخاوف تصاعدت من تكرار سيناريوهات سابقة شهدتها المنطقة، التي تتاخم الحدود مع الجزائر خلال الأعوام الماضية، حين تحولت الأمطار الموسمية إلى كوارث خلفت وفيات، وأضراراً واسعة في البنية التحتية والمزارع والمساكن.

وجدد محمد علي مختار، مدير مكتب الإعلام ببلدية تهالة، مطالبة الحكومتين في غرب ليبيا وشرقها «بالحاجة العاجلة إلى مشاريع حماية مستدامة، تشمل إنشاء سدود أو تحويل مسارات الأودية، بعيداً عن التجمعات السكنية، بل وحتى دراسة إنشاء تجمع سكاني بديل إذا استمرت الأخطار الطبيعية على حالها».

أحد عناصر الطوارئ في الهلال الأحمر خلال جولة رصد بمدينة غات بالجنوب الليبي (الهلال الأحمر الليبي)

وسلط المسؤول المحلي الضوء على معاناة المدينة التي تتكرر نتيجة السيول، وقال إنها دفعت جميع العائلات القاطنة في المدينة إلى النزوح نحو أماكن أكثر أماناً في إجراء احترازي، موضحاً أن الأضرار اقتصرت حتى اللحظة على خسائر مادية متفاوتة.

ولم تكن السيول الحالية الأولى التي تضرب المنطقة. ففي أغسطس (آب) قبل عامين، شهدت تهالة سيولاً قوية أودت بحياة ثلاثة أطفال، كما غمرت المياه الشوارع والمزارع، وألحقت أضراراً واسعة بالمنازل والبنية التحتية، بينما تعهدت السلطات حينها بإيجاد حلول جذرية، من بينها إقامة سدود لحجز المياه وتنظيم تدفق الأودية.

ويقول مختار إن المدينة تعاني منذ سنوات من هشاشة حادة في البنية التحتية، مشيراً إلى تكرار انقطاع الكهرباء وتعطل شبكات الاتصالات، وتوقف عدد من آبار المياه عن العمل مع كل موجة أمطار، مؤكداً أن الأزمة تتكرر منذ أعوام 2011 و2019 و2024 دون تنفيذ حلول جذرية تحد من أخطار السيول.

وتجددت مع الأمطار الأخيرة المطالب الشعبية والحقوقية بضرورة بناء منظومة سدود في الجنوب الغربي الليبي، خصوصاً في المناطق الواقعة على مسارات الأودية الآتية من المرتفعات الجزائرية.

وطالب الناشط السياسي والمدون فرج أبو سنينة بإنشاء سدود وحواجز مائية على الأودية المشتركة بين ليبيا والجزائر، إلى جانب إبعاد التجمعات السكنية عن مجاري السيول، وإنشاء بحيرات صناعية يمكن الاستفادة منها في الزراعة ومشروعات التشجير.

ويذهب سياسيون، من بينهم حسين الأنصاري، العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني» بجنيف السويسرية، إلى القول بأن بناء السدود في غات وتهالة بالجنوب الليبي أصبح «ضرورة وطنية حتمية» لحماية الأرواح والموارد، محذراً من أن استمرار تجاهل الحلول الهندسية الدائمة سيؤدي إلى مزيد من الخسائر البشرية والاقتصادية.

أحد عناصر اللجنة العليا للطوارئ التابعة لحكومة الاستقرار يتفقد المركز الصحي بمدينة تهالة بالجنوب الليبي (بلدية تهالة)

وقال الأنصاري، إن «الدولة الليبية تنفق سنوياً ملايين الدنانير على عمليات الإغاثة الطارئة، والتعويضات وصيانة الطرق المتضررة بشكل مؤقت، بينما تبقى الحلول الترقيعية عاجزة عن منع تكرار الكوارث مع كل موسم أمطار»، وفق منشور عبر صفحته بموقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك».

وحسب تقدير العضو السابق في «ملتقى الحوار الوطني»، فإن إنشاء شبكة سدود ركامية وتخزينية في نقاط التحول الرئيسية داخل الأراضي الليبية، إلى جانب شق قنوات لتصريف المياه بعيداً عن المدن، سيكون أقل تكلفة على المدى البعيد مقارنة باستمرار سياسة «إدارة الأزمات». مشيراً إلى أن «الطبيعة الجغرافية لحوض غات وتهالة تجعل المنطقة في مواجهة مباشرة مع سيول ضخمة تنحدر من جبال التاسيلي داخل الجزائر، ما يتطلب تنسيقاً فنياً ومبكراً بين البلدين لدراسة حركة الأحواض المائية المشتركة وآليات الإنذار المبكر».

ومع تجدد الأزمة، أعلنت السلطات في شرق ليبيا على مدى يومين حالة الاستنفار لدعم المناطق المتضررة، حيث أصدر نائب القائد العام للجيش الوطني الليبي، الفريق أول صدام خليفة حفتر، الخميس، تعليمات بتقديم الدعم والإغاثة العاجلة لسكان تهالة، فيما وصلت قوافل طبية تابعة لوزارة الصحة التابعة للحكومة المكلفة من البرلمان إلى غات وتهالة لمتابعة التطورات الميدانية.

وكان نائب رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، في غرب ليبيا سالم الزادمة قد كشف قبل عامين عن خطة حكومية لإنشاء سدود على الأودية، التي تصب في مناطق الجنوب الغربي، وذلك عندما كان يشغل المنصب ذاته في الحكومة المكلفة من البرلمان، لكن هذه الوعود لم تر النور في ظل الانقسام السياسي والحكومي الذي تشهده البلاد.

وبينما يترقب السكان انحسار السيول، يعود ملف السدود الغائبة مجدداً إلى واجهة النقاش في ليبيا، بوصفه أحد أكثر الملفات ارتباطاً بأمن الجنوب وحماية مدنه من كوارث تتكرر كل عام تقريباً، في ظل غياب مشاريع بنية تحتية، قادرة على مواجهة التحولات المناخية والتقلبات الجوية الكثيرة.


الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
TT

الزاوية الليبية تلوّح بـ«حراك شعبي» لوقف فوضى الميليشيات

قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)
قوات تابعة لـ«اللواء 25 مشاة» خلال انتشار أمني في الزاوية الشهر الحالي (الصفحة الرسمية للواء)

لوّحت أطراف قبلية في مدينة الزاوية، الواقعة غرب ليبيا، بإمكانية تحوّل الغضب الشعبي المتصاعد إلى «حراك» منظم ضد نفوذ الميليشيات المسلحة، وذلك عقب يوم دامٍ من الاشتباكات بين فصائل متناحرة، أسفر عن مقتل 3 أشخاص وإصابة آخرين، وأعاد مشاهد الفوضى الأمنية إلى المدينة الساحلية.

وشهدت الزاوية هدوءاً هشاً، الجمعة، بعد تدخل «اللواء 25 مشاة» بقيادة محمود بن رجب، وفق ناشط محلي تحدث لـ«الشرق الأوسط»، فضل عدم ذكر اسمه، غداة اشتباكات مسلحة اندلعت داخل أحياء سكنية في ثاني أيام عيد الأضحى، وسط صمت حكومي أثار انتقادات محلية، فيما اضطر السكان إلى التزام منازلهم خشية تجدّد المواجهات.

ورغم تحذيرات سابقة من بعثة الأمم المتحدة، فقد اندلعت الشرارة الأولى لتلك المواجهات، الخميس، عقب مقتل محمد عريبي، أحد عناصر ميليشيا ما يعرف بـ«جهاز مكافحة التهديدات الأمنية» بقيادة محمد بحرون (الفار)، برصاص مجموعة مسلحة مناوئة لها، قبل أن تتوسع دائرة الاشتباكات وتؤدي أيضاً إلى مقتل محفوظ المغيربي وسمير حويل، بحسب وسائل إعلام محلية وشهود عيان قالوا إن التحشيدات المسلحة لا تزال مستمرة حتى، الجمعة.

سيارة محترقة في جنزور بالعاصمة طرابلس (جهاز الدعم والإسناد الأمني)

وتأتي هذه التطورات بعد أيام من تشييع 4 قتلى، سقطوا جراء «رصاص عشوائي» في المدينة، بينما أُعلن الثلاثاء عن مقتل شخص خامس، ما زاد من حالة الاحتقان، ورفع منسوب التحشيد بين الفصائل المسلحة.

لكن اللافت هذه المرة هو تصاعد الدعوات المحلية لمواجهة حالة الانفلات الأمني عبر تحرك شعبي؛ إذ قال عضو مجلس أعيان الزاوية، الهاشمي دخيل، إن المدينة قد تشهد بدءاً من السبت «حراكاً من الأهالي للانتفاض على الأوضاع الجارية ورفض استمرار الفوضى»، وفقاً لما نقلت عنه وسائل إعلام محلية، مبرزاً أن «الحرب لن تتوقف طالما استمر المسؤولون في التأقلم مع فوضى المدينة»، ومعتبراً أن ما جرى الخميس جاء «رداً على اغتيال عريبي»، في إشارة إلى استمرار منطق الثأر والانتقام بين المجموعات المسلحة.

ويرى متابعون أن الحديث عن «حراك شعبي» يعكس تنامي حالة السخط داخل الزاوية، التي تحولت خلال السنوات الماضية إلى واحدة من أبرز بؤر الصراع المسلح غرب ليبيا، في ظل تنافس فصائل نافذة على النفوذ ومصادر التمويل.

بدوره، اعتبر القيادي العسكري السابق في عملية «بركان الغضب»، ناصر عمار، أن ما يحدث في الزاوية يستدعي «وقوف أهل الزاوية يداً واحدة لرفض هذا العبث، والمطالبة برفع الغطاء القانوني والشرعي عن المتورطين في الفوضى».

ورغم الحديث عن «الحراك الشعبي» بوصفه حاضنة اجتماعية محتملة لمواجهة حالة الفوضى، يرى الباحث الليبي المتخصص في الشؤون الأمنية، فيصل أبو الرايقة، أن «فوضى الميليشيات في مدينة الزاوية تبدو ملفاً شديد التعقيد والتشابك»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «تداخل عوامل داخلية وخارجية أسهم في ترسيخ نفوذ تلك الفصائل، في ظل هشاشة سيطرة السلطات بغرب ليبيا، إلى جانب وجود شبكات واسعة لتهريب النفط والبشر تستفيد من حالة الانفلات القائم».

وتضم الزاوية إحدى كبرى مصافي النفط في ليبيا، كما تُعرف بأنها نقطة رئيسية لتهريب الوقود، وانطلاق قوارب الهجرة غير النظامية نحو أوروبا، وهو ما يجعلها ذات أهمية أمنية واقتصادية بالغة.

وتكشف التطورات الميدانية الأخيرة أن دعوة الأمم المتحدة، التي أطلقت مطلع الأسبوع، إلى جميع الأطراف بضرورة تغليب لغة الحوار في مدينة الزاوية، وخفض حدة التصعيد خلال فترة العيد، «لم تلقَ استجابة تُذكر من جانب التشكيلات المسلحة على الأرض».

عناصر تابعة لميليشيا ما تعرف بـ«مكافحة التهديدات الأمنية» في الزاوية (الصفحة الرسمية للمجموعة المسلحة)

وكانت مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، قد أعربت عن «بالغ القلق» إزاء استمرار حشد الجماعات المسلحة، وتزايد حوادث الاغتيال في المدينة، محذّرة من أن الوضع «ينذر بموجة جديدة من العنف، ويُعرّض المدنيين لمخاطر متصاعدة». وأكدت أن استمرار التنافس بين الفصائل المسلحة على النفوذ والسيطرة على الموارد «لا يزال يقوّض الأمن ويضعف مؤسسات الدولة»، في إشارة إلى عمق الأزمة وتعقيدات المشهد الأمني بالمنطقة.

ورغم تعهد رئيس حكومة «الوحدة الوطنية»، عبد الحميد الدبيبة، مراراً بالعمل على تفكيك المجموعات المسلحة وبسط سلطة الدولة، يرى مراقبون أن «المشهد لا يزال يخضع لتوازنات معقدة تقوم على إعادة ترتيب الولاءات أكثر من إنهاء نفوذ الفصائل».

وفي مؤشر على الجدل المتواصل بشأن علاقة السلطة بالمجموعات المسلحة، كان الدبيبة قد استضاف خلال رمضان الماضي، عدداً من قادة التشكيلات البارزة في الزاوية على مأدبة إفطار رسمية، في خطوة أثارت انتقادات واسعة آنذاك.

وفي حادث منفصل يعكس استمرار الفوضى الأمنية غرب طرابلس، أفادت وسائل إعلام محلية، الخميس، بمقتل شابين في منطقة المشاشطة، جنوب جنزور، إثر انفجار قنبلة يدوية داخل سيارة كانا يستقلانها.