السودان: قتال استنزاف على «طريق الصادرات» يعمق الأزمة الإنسانية

بات أخطر الجبهات في معركة الإمداد وكسر الإرادة للسيطرة على مدينتي أم درمان والأُبيض

جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

السودان: قتال استنزاف على «طريق الصادرات» يعمق الأزمة الإنسانية

جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، لم تقتصر المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» على المدن الكبرى والمقار العسكرية، بل امتدت إلى الطرق الحيوية التي تشكّل شرايين الاقتصاد وحركة السكان.

ويبرز «طريق الصادرات» الذي يربط بين مدينتَي أم درمان (شمال العاصمة) والأٌبيض (شمال كردفان) إلى مدينة الفاشر (شمال دارفور) في مقدمة هذه المسارات، بوصفه محوراً استراتيجياً يربط غرب البلاد بوسطها، ويمثل خط إمداد بالغ الأهمية عسكرياً وتجارياً، ما جعله ساحةً دائمةً لحرب استنزاف مفتوحة، تتجاوز القتال المباشر إلى حرب نفسية تستهدف كسر المعنويات وإرباك الخصم.

ويُعرف هذا الطريق سياسياً واقتصادياً باسم «طريق الصادرات»، لارتباطه بنقل السلع والمحاصيل من غرب السودان إلى وسطه، وصولاً إلى مواني التصدير. غير أنه تحوّل، بفعل ضراوة المعارك وطول أمد الصراع، إلى ما يسميه السكان المحليون «طريق الموت»، بعد أن ظلَّ مسرحاً لا يهدأ للاشتباكات منذ الأيام الأولى للحرب.

معارك كر وفر

وخلال الأسابيع الماضية، شهد هذا الطريق الاستراتيجي معارك كرّ وفرّ عنيفة، وسط تضارب في الروايات بين طرفَي الصراع. فبينما تحدَّثت منصات موالية لـ«قوات الدعم السريع» عن اقترابها من مدينة أم درمان، أعلن الجيش تصديه للهجمات واستعادته مواقع في المنطقة، واصفاً ما يجري بأنه جزء من حرب نفسية تسعى «قوات الدعم السريع» من خلالها إلى تضخيم مكاسبها الميدانية.

وتُعد المسافة الممتدة من غرب أم درمان، مروراً ببلدتَي أم أندرابة ورهيد النوبة، وصولاً إلى مدينتَي بارا والأُبيض، العقدة البرية الأبرز في القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فهذا المحور ظل خط تماس حساساً لم يتوقف فيه أزيز الرصاص طوال نحو 1000 يوم من الحرب، ومع ازدياد أعداد الضحايا، ترسَّخ اسمه شعبياً بوصفه «طريق الموت».

في الأيام الأولى للحرب، كان الطريق واقعاً تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، ابتداءً من مدينة بارا وحتى أم درمان، حيث شكّل خط الإمداد الرئيسي لتحركاتها ونقل عتادها. إلا أن هذا المسار ظل عرضةً لقصف جوي مكثف من الجيش، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ممر انسحبت عبره «قوات الدعم السريع» باتجاه غرب البلاد.

ووفقاً لتقارير صحافية، تسيطر «قوات الدعم السريع» حالياً على المقطع الممتد من رهيد النوبة إلى تخوم مدينة الأُبيض، مروراً بمدينتَي بارا وجبرة الشيخ، بينما يسيطر الجيش على المسافة الواقعة بين أم درمان وتخوم رهيد النوبة، إضافة إلى المنطقة المحيطة بدائرة مدينة الأبيض. أما المقطع الغربي من الطريق، الممتد من الأبيض إلى الفاشر، فتخضع غالبية مناطقه لسيطرة «قوات الدعم السريع».

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «دارفور 24» المستقلة، الأسبوع الماضي، أن الجيش صدّ هجوماً واسعاً شنّته «قوات الدعم السريع» على طريق الصادرات عند بلدتَي أم أندرابة ورهيد النوبة، اللتين تبعدان نحو 100 كيلومتر عن مدينة أم درمان. وبحسب الصحيفة، استهدف الهجوم خطوط الدفاع المتقدمة للجيش في الجبهة الغربية للمدينة، بعد حشد «قوات الدعم السريع» أعداداً كبيرة من المقاتلين والآليات.

محاولات لإعادة الحياة لسوق أم درمان الشعبية العريقة ضمن جهود ترميم العاصمة (الشرق الأوسط)

أشارت الصحيفة إلى أن «قوات الدعم السريع» أجبرت الجيش، خلال الهجوم، على التراجع باتجاه منطقة وادي الحوت القريبة من أم درمان؛ نتيجة استخدامها المكثف للطائرات المسيّرة. غير أن الجيش شنَّ لاحقاً هجوماً مضاداً أجبر «قوات الدعم السريع» على التراجع نحو مدينة جبرة الشيخ وبلدة أم قرفة بولاية شمال كردفان.

معارك نحو أم درمان

وخلال الأيام الماضية، كثّف الإعلام الموالي لـ«قوات الدعم السريع» حديثه عن عمليات عسكرية تستهدف أم درمان، مؤكداً اقتراب قواته من حدودها الغربية. في المقابل، شدَّد الإعلام الموالي للجيش على أن أم درمان لا تزال «عصية»، متحدثاً عمّا وصفها بـ«هزيمة قوات الدعم السريع وفرارها غرباً». لكن صحيفة «دارفور 24»، رأت أن «قوات الدعم السريع» تسعى إلى إحكام سيطرتها على كامل الطريق وصولاً إلى تخوم أم درمان، إلى جانب توسيع نفوذها في مدينة بارا، التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن مدينة الأبيض، وجبرة الشيخ الواقعة شمال شرقيها.

وفي هذا الإطار، توقَّعت الصحافية المتخصصة في شؤون الإقليم والجغرافيا العسكرية فاطمة غزالي، عودة «قوات الدعم السريع» لمحاولة التقدم نحو أم درمان. وقالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوات الدعم السريع تسعى للاقتراب من أم درمان، لاستعادة المناطق التي انسحبت منها سابقاً». وأضافت أن سيطرتها على الفاشر وبابنوسة، إلى جانب حصارها مدن كادوقلي والدلنج والأُبيض، أسهمت في رفع معنوياتها، ما يوفر لها دافعاً لمحاولة الوصول إلى أم درمان.

آثار الدمار الذي لحق بمبنى وزارة المالية السودانية ومؤسسات أخرى مع استئناف جهود إعادة الحياة إلى العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

وتوقَّعت غزالي تكثيف «قوات الدعم السريع» هجماتها خلال الفترة المقبلة، استباقاً لهجمات محتملة من الجيش، في ظل تداول معلومات عن حصوله على أسلحة متطورة من باكستان وتركيا. وعدّت أن خطاب «قوات الدعم السريع»، القائل إن السلاح الجديد لن يمنعها من التقدم نحو أم درمان، يندرج ضمن رسالة ضغط وزعزعة للحكومة التي عادت من بورتسودان إلى الخرطوم، مفادها بأن «الخرطوم ليست آمنة، وأن الحرب لم تنتهِ بعد».

حرب نفسية

في المقابل، يرى الناشط السوداني محمد خليفة، الذي يتابعه ملايين المستخدمين على موقع «فيسبوك»، أن «قوات الدعم السريع» لا تمتلك في الوقت الراهن القدرة على شنِّ هجوم مباشر على أم درمان. ويصف الهجمات التي تنفِّذها غرب المدينة بأنها «حرب نفسية»، هدفها إبقاء القوات الكبيرة للجيش، المتمركزة في مدينة الأُبيض، في حالة دفاع دائم، لمنعها من الانفتاح نحو جنوب كردفان وفك الحصار عن مدينتَي كادوقلي والدلنج.

ويشير خليفة إلى أن «قوات الدعم السريع» تشنُّ، في الوقت ذاته، هجمات متواصلة على تخوم مدينة الأُبيض من 3 جهات على الأقل، مع ترويجها لادعاءات باقترابها من اجتياح المدينة، كما نقلت وكالة «رويترز»، غير أنه يستبعد توجه «الدعم السريع» نحو الأُبيض في هذه المرحلة، ما لم تُحكم سيطرتها أولاً على مدن جنوب كردفان، عادّاً أن المعارك في محيط المدينة ليست سوى عمليات إلهاء لإبقاء قوات الجيش وحلفائه في وضعية دفاع، إلى حين إرسال تعزيزات لقواتها المحاصرة هناك.

وعلى الصعيد المدني، انعكست معارك «طريق الصادرات» بشكل مباشر على حياة السكان في المناطق المحيطة به، حيث تعطَّلت حركة السلع، وارتفعت تكلفة النقل، وتراجعت الإمدادات. ويُعد قرار والي ولاية الخرطوم بتقييد نقل السلع عبر الحدود الغربية ومناطق التماس في شمال كردفان ودارفور، والذي أوردته صحيفة «سودان تربيون»، أحد أبرز تجليات هذه التداعيات الاقتصادية والإنسانية.

وفي المحصلة، تميل غالبية التحليلات إلى توصيف ما يجري على جانبَي «طريق الموت» بوصفه حرب استنزاف نفسية، ومعركة معنويات لا تقل شراسة عن القتال الميداني نفسه، أكثر من كونه معارك حسم وسيطرة أو تهديداً وشيكاً لمدن الخرطوم أو أم درمان أو الأُبيض، أو محاولة لطرد «قوات الدعم السريع» منها.


مقالات ذات صلة

مفوضية حوض النيل «عالقة» بين تحفظات مصرية - سودانية وإصرار إثيوبي

شمال افريقيا مقر وزارة الخارجية المصرية بالقاهرة على ضفاف نهر النيل (أ.ف.ب)

مفوضية حوض النيل «عالقة» بين تحفظات مصرية - سودانية وإصرار إثيوبي

تصطدم محاولات إثيوبيا تفعيل مفوضية حوض النيل بتحفظات مصرية وسودانية حول اتفاقية عنتيبي وآليات اتخاذ القرار داخل المفوضية، ليظل مستقبلها مرهوناً بتجاوز الخلافات.

محمد محمود (القاهرة )
شمال افريقيا قوى سياسية ومدنية سودانية مجتمعة في أديس أبابا يوم 23 أغسطس 2026 (قوى إعلان نيروبي)

قوى سودانية تعلن رفضها دعوة البرهان للحوار الوطني

أعلنت قوى سياسية ومدنية سودانية عن رفضها دعوة رئيس «مجلس السيادة» قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، لحوار وطني، قائلة إن الخطوة تُكرّس لتقسيم السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني خلال عرض عسكري بمدينة القضارف 17 أغسطس 2026 (أ.ف.ب) p-circle

الجيش السوداني يعلن إسقاط مسّيرة قادمة من إثيوبيا

أعلن الجيش السوداني، يوم الأحد، إسقاط طائرة مسيّرة في منطقة دندرو جنوب شرقي البلاد، قائلاً إنها الثانية التي يسقطها الجيش في تلك المنطقة.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك مشاركاً في اجتماعات أديس أبابا (إعلام حزب الأمة القومي)

قوى سودانية تبحث في أديس أبابا دعوة البرهان لحوار وطني

بدأت في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا، السبت، اجتماعات القوى السياسية والمدنية المنضوية تحت إعلان نيروبي، لبحث دعوة «البرهان» لحوار داخل السودان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا قارب مهجور جنح على ضفاف النيل الأزرق وقاع النهر المكشوف في الخرطوم (أ.ف.ب)

العطش يضرب العاصمة السودانية... وسعر برميل المياه بلغ 4 آلاف جنيه

أفاد تقرير، السبت، بتفاقم الأوضاع الإنسانية والمعيشية في العاصمة السودانية الخرطوم التي تشهد نقصاً حادّاً في إمدادات مياه الشرب.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)

عبد العاطي لبولس: مصر ترفض النفاذ البحري بالقوة في «القرن الأفريقي»

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
TT

عبد العاطي لبولس: مصر ترفض النفاذ البحري بالقوة في «القرن الأفريقي»

وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)
وزير الخارجية المصري خلال لقاء سابق مع كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

أعلنت مصر رفضها «التحركات الأحادية في منطقة القرن الأفريقي بما تتضمنه من النفاذ البحري بالقوة»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، وسط مساعٍ إثيوبية للحصول على ميناء.

ذلك الرفض يحمل بحسب خبيرة في الشؤون الأفريقية تحدثت لـ«الشرق الأوسط» رسالة حاسمة من مصر لواشنطن بحكم تعاونها مع إثيوبيا، لمنع أي مخالفات للقانون الدولي.

ورجحت أن مواقف القاهرة وتحركاتها مع المجتمع الدولي لن تسمح لأديس أبابا بالنفاذ البحري بالقوة، وأن المفاوضات هي السبيل الوحيد لأي استقرار بالمنطقة.

اتساع التوتر

ويتسع التوتر بين مصر وإثيوبيا إثر خلافات حادة في ملف المياه، والمنافذ البحرية، وترفض القاهرة إقامة أديس أبابا أي سدود جديدة على النيل، ولوّحت «بحق الدفاع الشرعي» عن حقوقها المائية، كما ترفض حصول إثيوبيا، الدولة الحبيسة تاريخياً، على أي منفذ على البحر الأحمر، باعتباره ليس حقاً قانونياً لها.

وأفادت وزارة الخارجية المصرية، في بيان الاثنين، بأن الاتصال الهاتفي بين عبد العاطي وبولس تناول تطورات الأوضاع في منطقة القرن الأفريقي.

وشدد عبد العاطي على «ضرورة احترام سيادة ووحدة وسلامة أراضي دول المنطقة، والامتناع عن أية تحركات أحادية من شأنها تهديد السلم والأمن الإقليميين، أو السعي لفرض النفاذ البحري بالقوة بالمخالفة لقواعد القانون الدولي».

وأكد الجانبان أهمية مواصلة التنسيق والتشاور إزاء التطورات في منطقة القرن الأفريقي، وتكثيف الجهود الإقليمية والدولية الرامية إلى دعم الحلول السياسية والدبلوماسية للأزمات، وبما يسهم في تعزيز الأمن والاستقرار في القارة الأفريقية.

ولم يُسمِ عبد العاطي الدول المقصودة، غير أنه قال في تصريحات خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 إن «مصر ترفض دخول إثيوبيا في حوكمة سواحل البحر الأحمر».

وباتت إثيوبيا دولة حبيسة غير ساحلية منذ عام 1993 عندما حصلت إريتريا على استقلالها بعد حرب استمرت ثلاثة عقود، وهي تعتمد على موانئ جيرانها، لا سيما ميناء جيبوتي.

رسالة قوية

وأكدت الخبيرة في الشؤون الأفريقية أسماء الحسيني أن محادثات عبد العاطي وبولس تأتي في توقيت مهم بعد حديث عن اتفاق دفاعي بين واشنطن وأديس أبابا، حيث تم التأكيد بشكل قاطع على رفض مصر التام لفكرة النفاذ البحري بالقوة التي تسعى إليها إثيوبيا في منطقة القرن الأفريقي.

وأشارت إلى أن مصر تسعى جاهدة لإيصال رسالة قوية وحازمة جداً إلى جميع الأطراف في الإقليم، وإلى المجتمع الدولي، وإلى الحكومة الإثيوبية نفسها، مفادها بأن الأمور التي تجري حالياً لن يكتب لها النجاح، كونها تثير القلاقل في المنطقة، وتتسبب في أضرار كبيرة ستؤدي حتماً إلى زعزعة الأمن والاستقرار.

وأكدت أن هذه التطورات لا تمس فقط منطقة القرن الأفريقي، وحوض النيل، والبحر الأحمر، بل يتعدى ذلك إلى الإضرار بالمصالح الدولية نتيجة التصرفات الإثيوبية، «التي تخلق حالة من الاضطراب والتوتر قد تؤدي إلى صراعات، ونزاعات، وتوتر غير مسبوق في الأجواء الإقليمية».

بدر عبد العاطي خلال ومسعد بولس أثناء محادثات سابقة (صفحة وزارة الخارجية على فيسبوك)

والرفض المصري لنفاذ إثيوبيا للبحر الأحمر متكرر، وخلال لقاء عبد العاطي في مايو (أيار) الماضي مع رئيس الوزراء اليمني شائع الزنداني في القاهرة تم بحث مسألة أمن البحر الأحمر، وخليج عدن. وشدد عبد العاطي حينها على «الرفض المصري القاطع لأي مساعٍ لتدويل أو عسكرة البحر الأحمر، وخليج عدن، وكذا رفض انخراط أي أطراف غير مطلة عليه في ترتيبات تخصه».

وخلال زيارته إلى أسمرة في مايو الماضي، التقى الوزير المصري مع وزير الخارجية الإريتري عثمان صالح، وشددا على أن أمن وإدارة البحر الأحمر «يظلان مسؤولية حصرية للدول المشاطئة له، وأن مصر ترفض أي محاولات من أطراف غير مشاطئة لفرض ترتيبات أو أدوار أمنية في هذا السياق»، حسب بيان للخارجية المصرية آنذاك.

كما قال المتحدث باسم وزارة الخارجية الإثيوبية نبيات غيتاتشو في مايو الماضي إن الحكومة المصرية تحاول تطويق وعرقلة وصول بلاده إلى البحر الأحمر. ولم يحدد تفاصيل، غير أنه أكد أن بلاده ستواصل العمل جاهدة للحصول على منفذ بحري عبر طرق سلمية، ومستدامة.

ومنذ توليه منصبه في أبريل (نيسان) 2018 يسعى رئيس الوزراء الإثيوبي آبي أحمد للوصول إلى البحر الأحمر، عبر ما تسمى «دبلوماسية الموانئ»، وفي فبراير (شباط) الماضي، ربط آبي أحمد استقرار منطقة القرن الأفريقي بحصول بلاده على منفذ بحري.

وقبل أيام كشفت «وكالة الأنباء الإثيوبية» عن اتفاق إثيوبي-أميركي للتعاون الدفاعي عقب مشاورات ثنائية رفيعة المستوى أجرتها إثيوبيا والولايات المتحدة في وزارة الدفاع الأميركية.

وإزاء الرفض المصري وإصرار إثيوبيا وتحركاتها بالمنطقة، تعتقد الحسيني أن مصر لن تقف مكتوفة الأيدي تجاه هذه التصرفات الإثيوبية التي لا تهدف فقط للمساس بأمن مصر المائي كما هو الحال في قضية «سد النهضة»، إنما تتعدى ذلك للمساس بوحدة واستقرار دول المنطقة.

وترى أهمية أن تتخذ القوى الدولية -وفي مقدمتها الولايات المتحدة- مواقف أكثر إيجابية وتوازناً تجاه التحركات الإثيوبية، وعدم التماهي معها في تعاون عسكري يفهم منه أنه مكافأة لأديس أبابا، متوقعة أن المواقف المصرية والإقليمية والدولية القوية ستجبر إثيوبيا على مراجعة موقفها، والبحث عن حلول تفاوضية، وقانونية.


مصر تسعى إلى جذب خطوط ملاحية أميركية لموانئها

مصر تسعى إلى جذب خطوط ملاحية أميركية لموانئها (هيئة ميناء دمياط)
مصر تسعى إلى جذب خطوط ملاحية أميركية لموانئها (هيئة ميناء دمياط)
TT

مصر تسعى إلى جذب خطوط ملاحية أميركية لموانئها

مصر تسعى إلى جذب خطوط ملاحية أميركية لموانئها (هيئة ميناء دمياط)
مصر تسعى إلى جذب خطوط ملاحية أميركية لموانئها (هيئة ميناء دمياط)

تسعى مصر إلى جذب خطوط ملاحية أميركية إلى موانئها؛ إذ عرض وزير النقل كامل الوزير على واشنطن قائمة مشروعات استثمارية في مجال النقل واللوجستيات منها «إدارة وتشغيل المحطات، وإقامة مناطق صناعية لوجستية مشتركة».

جاء ذلك خلال محادثات الوزير مع نائب مساعد وزير التجارة الأميركي مارك ميتشيل على هامش مؤتمر «البنية التحتية للموانئ والابتكار البحري» الذي نظمه «المكتب التجاري بالسفارة الأميركية» بالقاهرة، الاثنين.

المشروعات المقترحة

وأكد وزير النقل في إفادة رسمية أن من بين المشروعات المقترحة «التعاون في مجال إدارة عدد من المحطات بالموانئ، وجذب خطوط ملاحية أميركية، إلى جانب إقامة مناطق لوجستية صناعية مشتركة في ظهير هذه المحطات، يتم من خلالها تصنيع المنتجات الموجهة للتصدير إلى الولايات المتحدة الأميركية، واستيراد المواد الخام والخامات الأولية من أميركا لإعادة تصنيعها في مصر» بما «يسهم في جعل مصر مركزاً للصناعات الأميركية في الشرق الأوسط والمنطقة».

وبحسب وزارة النقل، فإن عدداً من المشروعات «يمكن أن تشهد تعاوناً مشتركاً بين الجانبين»، منها «إدارة وتشغيل وصيانة ثم إعادة تسليم محطة حاويات عملاقة بميناء (المكس)، وإدارة وتشغيل وصيانة، ثم إعادة تسليم محطة بضائع عامة بميناء (دمياط)، وإنشاء ترسانة لبناء السفن التجارية بمدينة دمياط وإدارة وتشغيل وإعادة تسليم محطة استقبال خام الحديد بميناء (الأدبية) والمنطقة اللوجستية العالمية بميناء السلوم والمنطقة اللوجستية بمدينة السادات الصناعية».

خريطة من الموانئ

تمتلك مصر خريطة من الموانئ البحرية في البحرين الأحمر والمتوسط، وتستهدف تطويرها لتحسين دورها في التجارة الدولية، ووفق وزارة النقل يهدف التطوير إلى «تحويل مصر إلى مركز إقليمي للنقل واللوجستيات، وتجارة الترانزيت، واستيعاب النمو المتزايد في حركة التجارة العالمية».

ونقل البيان المصري عن ميتشيل تأكيده على أن «قائمة المشروعات التي استعرضها وزير النقل المصري تعكس حجم التطور الذي شهده قطاع النقل في مصر، وحرص الدولة على مواصلة التقدم في هذا المجال».

وشدد على «اهتمام الجانب الأميركي بإقامة شراكات مصرية - أميركية في قطاع النقل تنعكس إيجاباً على حركة التجارة بين البلدين، سواء من خلال القطاع العام أو القطاع الخاص»، مضيفاً أن «المرحلة المقبلة ستشهد التنسيق مع عدد من الشركات الأميركية المهتمة بالتعاون والشراكة مع الجانب المصري في مشروعات النقل، بهدف تحديد المشروعات التي يمكن تنفيذها وفقاً لأولويات الجانبين المصري والأميركي».

محادثات وزير النقل المصري مع نائب مساعد وزير التجارة الأميركي بالقاهرة الاثنين (صفحة وزارة النقل على فيسبوك)

الخبير الاقتصادي وائل النحاس يرى أن المساعي المصرية تتزامن مع اتجاه أميركي لإنشاء أسطول تجاري بحري كامل على مستوى العالم، ومناطق لوجستية بعدد من الدول ذات الموقع الاستراتيجي، وهو أيضاً اتجاه عالمي؛ حيث تسعى عديد من الدول إلى التوسع في تدشين المناطق اللوجستية ومحطات التخزين لتجنب تأثيرات أي توترات إقليمية على حركة التجارة.

ويؤكد النحاس لـ«الشرق الأوسط» أنه «في حال تنفيذ هذه المشروعات ستعود بفوائد اقتصادية كبيرة على مصر، وتتحول بالفعل إلى مناطق وممرات لوجستية لحركة التجارة العالمية، وستكون قفزة لاقتصاد القاهرة».

لكنه أبدى تخوفه مما وصفه بـ«التأثيرات السياسية للمشروعات المصرية المشتركة والمناطق اللوجستية التي نفذتها دول علاقتها بالولايات المتحدة الأميركية تتسم بـ«الصراع والتوتر» مثل المنطقتين اللوجستيتين الروسية والصينية»، ويوضح أنه «لا بد أن تتم مراعاة هذه التأثيرات».

البراغماتية الاقتصادية

إلا أن الخبير الاقتصادي رشاد عبده قلل من «هذه التأثيرات السياسية». ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الاتجاه العالمي يقوم على البراغماتية الاقتصادية؛ حيث يمكن عقد شراكات اقتصادية مع دول عدة بينها توترات سياسية».

مسؤول أميركي يؤكد أن المرحلة المقبلة ستشهد شراكات مع الجانب المصري (هيئة ميناء دمياط)

وأكد وزير النقل في إفادته، الاثنين، «وجود فرص واعدة أمام الشركات الأميركية في ميناء جرجوب الذي يتمتع بموقع جغرافي متميز، ويخدم كل التجارة العالمية المتجه إلى آسيا والقادمة من أميركا عبر البحر المتوسط، بالإضافة إلى إمكانية التعاون في مجال الجر الكهربائي». وأشار إلى «اهتمام الجانب المصري بتعزيز التعاون مع الولايات المتحدة الأميركية في مجال الممرات الدولية، بما يدعم حركة التجارة العالمية، ويعزز من مكانة مصر كمركز إقليمي للنقل واللوجستيات وتجارة الترانزيت».

ويعتقد عبده أن «التوترات الإقليمية تعزز المساعي المصرية للتحول إلى مركز لوجيستي للتجارة العالمية». وبحسب رأيه «يجب أن تقوم مصر بوضع تصورات متكاملة للمشروعات وتشكيل لجان مشتركة مع المسؤولين الأميركان، ووضع دراسات جدوى وتوضيح المزايا والحوافز، لتتم بلورة هذه المحادثات إلى مشروعات حقيقية».


تحركات دبلوماسية أميركية مكثفة لدعم توحيد المؤسسات الليبية

كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)
كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)
TT

تحركات دبلوماسية أميركية مكثفة لدعم توحيد المؤسسات الليبية

كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)
كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت في لقاء مع ناجي عيسى محافظ المصرف المركزي الليبي يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)

كثّفت الولايات المتحدة من حراكها الدبلوماسي في ليبيا، حيث وصل كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية جيريمي برنت إلى مدينة بنغازي بشرق البلاد لإجراء محادثات تعد استكمالاً لمناقشات أجراها في العاصمة طرابلس مع مسؤولين اقتصاديين وحكوميين تركزت على تعزيز الإصلاحات الاقتصادية وحماية قطاع الطاقة وتوحيد المؤسسات.

وقال برنت، في تصريحات على حساب السفارة الأميركية على منصة «إكس»، الاثنين، لدى مغادرته إلى بنغازي، إنه بحث في طرابلس مع وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» المؤقتة عبد السلام الزوبي «الجهود الأميركية القائمة لمساعدة الأطراف الليبية المعنية على توحيد المؤسسات العسكرية وتعزيز التعاون بين الضباط العسكريين المهنيين من مختلف أنحاء البلاد».

كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية برنت في لقاء مع الزوبي وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» الليبية يوم الأحد (حساب برنت على إكس)

بدوره، نقل مصرف ليبيا المركزي عن محافظه ناجي عيسى أنه بحث مع برنت المستجدات المالية والاقتصادية، ومتابعة خطوات تنفيذ «الاتفاق التنموي الموحد» والالتزام بنصوصه، بالإضافة إلى أهمية الإصلاحات المالية والاقتصادية التي ينفذها المصرف المركزي لتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي، مع التأكيد الصريح على استقلالية المصرف المركزي وإداراته.

كما ناقش رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان، مع برنت، سبل تعزيز التعاون والشراكات ودعم الجهود الرامية لتطوير قطاع النفط والغاز، وسبل تبادل الخبرات بما يسهم في الحفاظ على استقرار العمليات التشغيلية ورفع كفاءة الأداء.

كبير مستشاري الشؤون السياسية بوزارة الخارجية الأميركية برنت في لقاء مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط مسعود سليمان يوم الاثنين (حساب برنت على إكس)

كما تناول الاجتماع، بحسب المؤسسة الوطنية للنفط، أهمية تكليف مكتب استشاري دولي متخصص لمتابعة تنفيذ الميزانية الموجهة لقطاع النفط، لضمان حسن توظيف الموارد ورفع كفاءة الإنفاق وتعزيز مبادئ الشفافية والحوكمة في تنفيذ المشاريع والبرامج المخصصة لتطوير القطاع.

وكان برنت قد عقد سلسلة لقاءات رفيعة المستوى شملت رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، ووزير ماليته راشد أبو غفة، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة.

وتركزت المباحثات على دفع العملية السياسية قُدماً، ودعم اتفاق لجنة الحوار المصغر «4+4» والتوقيع بالأحرف الأولى عليه، باعتباره ركيزة أساسية لاستكمال المسار المؤدي إلى إجراء الانتخابات وإنهاء الانقسام المؤسسي.

كما تطرقت النقاشات إلى سبل تعزيز الشراكات الاقتصادية بين البلدين، وتوسيع حضور الشركات الأميركية في قطاعات الطاقة والاستثمار والتنمية.

وشدد الدبيبة على أهمية دعم الشراكات بين البلدين بما يسهم في تعزيز الاقتصاد الوطني، وخلق فرص الاستثمار والعمل، وتحسين مستوى الخدمات.

وفي السياق ذاته، ناقش برنت مع وزير المالية أهمية حماية الاستقرار المالي لليبيا وقطاع الطاقة، ودعم المؤسسات التكنوقراطية الحيوية، كمصرف ليبيا المركزي والمؤسسة الوطنية للنفط، إلى جانب استعراض اتفاق الميزانية الموحدة لعام 2026 للحفاظ على القوة الشرائية للمواطنين.

وطبقاً للمجلس الأعلى للدولة، فقد ناقش اجتماع رئيسه تكالة مع المسؤول الأميركي «الجهود المبذولة للوصول إلى حل سياسي شامل ينهي حالة الانقسام المؤسسي»، حيث جرى التأكيد على أهمية تنسيق الجهود المحلية والدولية لدعم المسار الديمقراطي، وتهيئة الظروف المناسبة لإجراء انتخابات وطنية نزيهة وشفافة تلبي تطلعات الشعب الليبي في الاستقرار والتنمية.

وتزامن ذلك مع تصاعد حدة الانتقادات الموجهة لحكومة «الوحدة» في ظل تفاقم الأزمات المعيشية والخدمية، وسط شكاوى من غياب الرقابة وتعطيل المرافق العامة.

وتداول ناشطون ومصادر إعلامية محلية مقاطع مصورة توثق استياء مواطنين من إغلاق مقار شركة الكهرباء وغياب الموظفين عنها، على الرغم من إعلان الشركة حالة الطوارئ واستمرار عمل فرقها على مدار الساعة لمواجهة الانقطاعات المتكررة.

في المقابل، أعلنت الشركة العامة للكهرباء مواصلة فرقها الفنية جهودها لمعالجة الأعطال الطارئة في مكونات شبكة التوزيع بعدد من المناطق فور حدوثها لضمان استمرارية التغذية الكهربائية للمواطنين، مؤكدة أن هذه الأعطال ناجمة عن ارتفاع درجات الحرارة وتزايد الطلب المستمر على الطاقة.

ومع ذلك، فقد وجّه الشيخ الصادق الغرياني، مفتي غرب ليبيا الذي سبق وأقاله مجلس النواب، انتقادات لاذعة لسياسات حكومة «الوحدة»، واتهمها بالانشغال بالفعاليات الترفيهية، في وقت يعاني فيه الشعب من أزمات خانقة تشمل شح الوقود، وانقطاع المياه والكهرباء، وأزمات السيولة النقدية، وغلاء أسعار الدواء، معتبراً هذا التوجه «عبئاً إضافياً وعبثاً في غير وقته».