السودان: قتال استنزاف على «طريق الصادرات» يعمق الأزمة الإنسانية

بات أخطر الجبهات في معركة الإمداد وكسر الإرادة للسيطرة على مدينتي أم درمان والأُبيض

جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

السودان: قتال استنزاف على «طريق الصادرات» يعمق الأزمة الإنسانية

جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، لم تقتصر المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» على المدن الكبرى والمقار العسكرية، بل امتدت إلى الطرق الحيوية التي تشكّل شرايين الاقتصاد وحركة السكان.

ويبرز «طريق الصادرات» الذي يربط بين مدينتَي أم درمان (شمال العاصمة) والأٌبيض (شمال كردفان) إلى مدينة الفاشر (شمال دارفور) في مقدمة هذه المسارات، بوصفه محوراً استراتيجياً يربط غرب البلاد بوسطها، ويمثل خط إمداد بالغ الأهمية عسكرياً وتجارياً، ما جعله ساحةً دائمةً لحرب استنزاف مفتوحة، تتجاوز القتال المباشر إلى حرب نفسية تستهدف كسر المعنويات وإرباك الخصم.

ويُعرف هذا الطريق سياسياً واقتصادياً باسم «طريق الصادرات»، لارتباطه بنقل السلع والمحاصيل من غرب السودان إلى وسطه، وصولاً إلى مواني التصدير. غير أنه تحوّل، بفعل ضراوة المعارك وطول أمد الصراع، إلى ما يسميه السكان المحليون «طريق الموت»، بعد أن ظلَّ مسرحاً لا يهدأ للاشتباكات منذ الأيام الأولى للحرب.

معارك كر وفر

وخلال الأسابيع الماضية، شهد هذا الطريق الاستراتيجي معارك كرّ وفرّ عنيفة، وسط تضارب في الروايات بين طرفَي الصراع. فبينما تحدَّثت منصات موالية لـ«قوات الدعم السريع» عن اقترابها من مدينة أم درمان، أعلن الجيش تصديه للهجمات واستعادته مواقع في المنطقة، واصفاً ما يجري بأنه جزء من حرب نفسية تسعى «قوات الدعم السريع» من خلالها إلى تضخيم مكاسبها الميدانية.

وتُعد المسافة الممتدة من غرب أم درمان، مروراً ببلدتَي أم أندرابة ورهيد النوبة، وصولاً إلى مدينتَي بارا والأُبيض، العقدة البرية الأبرز في القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فهذا المحور ظل خط تماس حساساً لم يتوقف فيه أزيز الرصاص طوال نحو 1000 يوم من الحرب، ومع ازدياد أعداد الضحايا، ترسَّخ اسمه شعبياً بوصفه «طريق الموت».

في الأيام الأولى للحرب، كان الطريق واقعاً تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، ابتداءً من مدينة بارا وحتى أم درمان، حيث شكّل خط الإمداد الرئيسي لتحركاتها ونقل عتادها. إلا أن هذا المسار ظل عرضةً لقصف جوي مكثف من الجيش، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ممر انسحبت عبره «قوات الدعم السريع» باتجاه غرب البلاد.

ووفقاً لتقارير صحافية، تسيطر «قوات الدعم السريع» حالياً على المقطع الممتد من رهيد النوبة إلى تخوم مدينة الأُبيض، مروراً بمدينتَي بارا وجبرة الشيخ، بينما يسيطر الجيش على المسافة الواقعة بين أم درمان وتخوم رهيد النوبة، إضافة إلى المنطقة المحيطة بدائرة مدينة الأبيض. أما المقطع الغربي من الطريق، الممتد من الأبيض إلى الفاشر، فتخضع غالبية مناطقه لسيطرة «قوات الدعم السريع».

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «دارفور 24» المستقلة، الأسبوع الماضي، أن الجيش صدّ هجوماً واسعاً شنّته «قوات الدعم السريع» على طريق الصادرات عند بلدتَي أم أندرابة ورهيد النوبة، اللتين تبعدان نحو 100 كيلومتر عن مدينة أم درمان. وبحسب الصحيفة، استهدف الهجوم خطوط الدفاع المتقدمة للجيش في الجبهة الغربية للمدينة، بعد حشد «قوات الدعم السريع» أعداداً كبيرة من المقاتلين والآليات.

محاولات لإعادة الحياة لسوق أم درمان الشعبية العريقة ضمن جهود ترميم العاصمة (الشرق الأوسط)

أشارت الصحيفة إلى أن «قوات الدعم السريع» أجبرت الجيش، خلال الهجوم، على التراجع باتجاه منطقة وادي الحوت القريبة من أم درمان؛ نتيجة استخدامها المكثف للطائرات المسيّرة. غير أن الجيش شنَّ لاحقاً هجوماً مضاداً أجبر «قوات الدعم السريع» على التراجع نحو مدينة جبرة الشيخ وبلدة أم قرفة بولاية شمال كردفان.

معارك نحو أم درمان

وخلال الأيام الماضية، كثّف الإعلام الموالي لـ«قوات الدعم السريع» حديثه عن عمليات عسكرية تستهدف أم درمان، مؤكداً اقتراب قواته من حدودها الغربية. في المقابل، شدَّد الإعلام الموالي للجيش على أن أم درمان لا تزال «عصية»، متحدثاً عمّا وصفها بـ«هزيمة قوات الدعم السريع وفرارها غرباً». لكن صحيفة «دارفور 24»، رأت أن «قوات الدعم السريع» تسعى إلى إحكام سيطرتها على كامل الطريق وصولاً إلى تخوم أم درمان، إلى جانب توسيع نفوذها في مدينة بارا، التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن مدينة الأبيض، وجبرة الشيخ الواقعة شمال شرقيها.

وفي هذا الإطار، توقَّعت الصحافية المتخصصة في شؤون الإقليم والجغرافيا العسكرية فاطمة غزالي، عودة «قوات الدعم السريع» لمحاولة التقدم نحو أم درمان. وقالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوات الدعم السريع تسعى للاقتراب من أم درمان، لاستعادة المناطق التي انسحبت منها سابقاً». وأضافت أن سيطرتها على الفاشر وبابنوسة، إلى جانب حصارها مدن كادوقلي والدلنج والأُبيض، أسهمت في رفع معنوياتها، ما يوفر لها دافعاً لمحاولة الوصول إلى أم درمان.

آثار الدمار الذي لحق بمبنى وزارة المالية السودانية ومؤسسات أخرى مع استئناف جهود إعادة الحياة إلى العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

وتوقَّعت غزالي تكثيف «قوات الدعم السريع» هجماتها خلال الفترة المقبلة، استباقاً لهجمات محتملة من الجيش، في ظل تداول معلومات عن حصوله على أسلحة متطورة من باكستان وتركيا. وعدّت أن خطاب «قوات الدعم السريع»، القائل إن السلاح الجديد لن يمنعها من التقدم نحو أم درمان، يندرج ضمن رسالة ضغط وزعزعة للحكومة التي عادت من بورتسودان إلى الخرطوم، مفادها بأن «الخرطوم ليست آمنة، وأن الحرب لم تنتهِ بعد».

حرب نفسية

في المقابل، يرى الناشط السوداني محمد خليفة، الذي يتابعه ملايين المستخدمين على موقع «فيسبوك»، أن «قوات الدعم السريع» لا تمتلك في الوقت الراهن القدرة على شنِّ هجوم مباشر على أم درمان. ويصف الهجمات التي تنفِّذها غرب المدينة بأنها «حرب نفسية»، هدفها إبقاء القوات الكبيرة للجيش، المتمركزة في مدينة الأُبيض، في حالة دفاع دائم، لمنعها من الانفتاح نحو جنوب كردفان وفك الحصار عن مدينتَي كادوقلي والدلنج.

ويشير خليفة إلى أن «قوات الدعم السريع» تشنُّ، في الوقت ذاته، هجمات متواصلة على تخوم مدينة الأُبيض من 3 جهات على الأقل، مع ترويجها لادعاءات باقترابها من اجتياح المدينة، كما نقلت وكالة «رويترز»، غير أنه يستبعد توجه «الدعم السريع» نحو الأُبيض في هذه المرحلة، ما لم تُحكم سيطرتها أولاً على مدن جنوب كردفان، عادّاً أن المعارك في محيط المدينة ليست سوى عمليات إلهاء لإبقاء قوات الجيش وحلفائه في وضعية دفاع، إلى حين إرسال تعزيزات لقواتها المحاصرة هناك.

وعلى الصعيد المدني، انعكست معارك «طريق الصادرات» بشكل مباشر على حياة السكان في المناطق المحيطة به، حيث تعطَّلت حركة السلع، وارتفعت تكلفة النقل، وتراجعت الإمدادات. ويُعد قرار والي ولاية الخرطوم بتقييد نقل السلع عبر الحدود الغربية ومناطق التماس في شمال كردفان ودارفور، والذي أوردته صحيفة «سودان تربيون»، أحد أبرز تجليات هذه التداعيات الاقتصادية والإنسانية.

وفي المحصلة، تميل غالبية التحليلات إلى توصيف ما يجري على جانبَي «طريق الموت» بوصفه حرب استنزاف نفسية، ومعركة معنويات لا تقل شراسة عن القتال الميداني نفسه، أكثر من كونه معارك حسم وسيطرة أو تهديداً وشيكاً لمدن الخرطوم أو أم درمان أو الأُبيض، أو محاولة لطرد «قوات الدعم السريع» منها.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

شمال افريقيا سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

رغم الجهود المتواصلة لإنهاء الحرب في السودان، فإنها تدخل عامها الرابع دون مؤشرات تدل على وجود أي رغبة من طرفيها الجيش و«الدعم السريع» في التوصل لحل سلمي

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا الدخان يتصاعد من داخل مطار الخرطوم خلال اشتباكات سابقة بين «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني (رويترز)

مستشار لترمب: لا ننحاز لأحد في حرب السودان ونركّز على الجانب الإنساني

قال مسعد ​بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية اليوم الأربعاء، إن الولايات المتحدة ‌لا ‌تنحاز ​لأي ‌طرف ⁠في ​الحرب الدائرة ⁠في السودان.

«الشرق الأوسط» (برلين - الخرطوم)
شمال افريقيا واحد من كل 4 سودانيين يعيش فقراً مدقعاً بأقل من دولارين في اليوم (رويترز)

السودان: 700 قتيل بهجمات مسيّرات منذ يناير.. و70 % من السكان تحت خط الفقر

تضاعفت معدلات الفقر في السودان منذ اندلاع الحرب قبل 3 سنوات، بحيث بات 70 في المائة من السكان يعيشون تحت خط الفقر.

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا طالبات بمدرسة بحري الحكومية (الشرق الأوسط)

أكثر من نصف مليون طالب سوداني يؤدون امتحانات الشهادة الثانوية

انطلقت، الاثنين، أولى جلسات امتحانات الشهادة الثانوية السودانية في المناطق التي يسيطر عليها الجيش السوداني.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس خلال المؤتمر الصحافي بمطار الخرطوم الاثنين (مجلس الوزراء)

الحكومة السودانية ترفض استبعادها عن مؤتمر برلين

احتجَّت الحكومة السودانية، برئاسة كامل إدريس، رسمياً على عدم دعوتها للمشارَكة في «مؤتمر برلين»، المزمع عقده في الـ15 من أبريل (نيسان) الحالي.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.


حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
TT

حرب السودان تدخل عامها الرابع... ولا آفاق لوقف القتال

سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)
سيدة ترفع لافتة خلال فعالية في نيروبي بكينيا بمناسبة دخول الحرب بالسودان عامها الرابع يوم الأربعاء (أ.ب)

في وقت تتواصل فيه الجهود الإقليمية والدولية من أجل إنهاء الحرب في السودان التي دخلت، الأربعاء، عامها الرابع، فإنه لا تلوح في الأفق أي مؤشرات على وجود رغبة لدى أطرافها للتوصل إلى حل سلمي متفاوض عليه لإيقاف القتال، وسط أزمة إنسانية تزداد تفاقماً يوماً بعد يوم.

ومنذ تفجرت الحرب بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في صبيحة 15 أبريل (نيسان) 2023، راهن كل طرف على توجيه ضربات سريعة خاطفة للخصم، لا تتجاوز مدتها أياماً، أو بضعة أسابيع على الأكثر، لحسم المعركة، والقضاء على الطرف الآخر. لكن البلاد تقترب الآن أكثر فأكثر من سيناريو الانقسام إلى دولتين بعد عام من إعلان حكومة موازية في مناطق سيطرة «الدعم السريع» في غرب البلاد.

وُصفت الحرب المتصاعدة في السودان على مدى ثلاث سنوات دونما انقطاع بأنها الأكثر «عنفاً ودموية» في تاريخ حروب المدن؛ وحسب تقارير أممية موثقة، فإن المدنيين الأبرياء كانوا ولا يزالون أكبر ضحية لهذا النزاع، إذ دفعوا أثماناً باهظة جرَّاءه.

مساعي الوساطة

وبعد أسابيع قليلة على اندلاع الحرب، استضافت مدينة جدة، بمبادرة سعودية-أميركية، محادثات بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في مايو (أيار) أفضت إلى توقيع ما عُرف بـ«إعلان جدة الإنساني»، ونص على حماية المدنيين، والمرافق الخاصة، والعامة، والامتناع عن استخدامها لأغراض عسكرية، لكن الطرفين لم يلتزما بما اتُفق عليه.

نازحون سودانيون في تشاد ينتظرون مساعدات غذائية من برنامج الأغذية العالمية (أرشيفية - رويترز)

كما فشلت لاحقاً جولة ثانية عقدت في جدة في أكتوبر (تشرين الأول) من العام نفسه، بيد أنها واجهت تعنتاً من طرفي الصراع، وانسحب على أثرها «الجيش السوداني» من المفاوضات، ما دفع الوساطة السعودية-الأميركية إلى تعليقها، ولاحقته الاتهامات بعدم الجدية في وقف الحرب.

ولم يقف القتال عند العاصمة الخرطوم، بل تمدد لولايات جديدة لم تكن جزءاً من الحرب. وخلال الأشهر الستة الأولى، دخلت «قوات الدعم السريع» ولايتي الجزيرة، والنيل الأبيض في وسط البلاد، في وقت كان الجيش يتراجع عسكرياً قبل أن يستعيد زمام المبادرة على الأرض بعد أكثر من عام، ويسترد تلك الولايات في يناير (كانون الثاني) 2024.

مآسٍ وأوضاع إنسانية قاسية

أسفرت الحرب عن عشرات آلاف القتلى. وفي حين لم تتّضح الحصيلة الفعلية للصراع، تفيد تقديرات بأنها قد تصل إلى «150 ألفاً»، كما أدت إلى نزوح أكثر من 10 ملايين شخص داخل السودان، أو لجوئهم إلى البلدان المجاورة، بحسب أرقام الأمم المتحدة.

وعاش السودانيون طوال السنوات الثلاث الماضية أوضاعاً إنسانية قاسية جراء انتقال الحرب إلى أنحاء واسعة من البلاد، واستمروا في النزوح دون توقف مع وصول الحرب إلى إقليمي دارفور، وكردفان بغرب البلاد، وتشير التقارير الأممية إلى أن نحو 33 مليون سوداني يواجهون مستويات حادة من انعدام الأمن الغذائي.

وفي العام الماضي، تمكنت «قوات الدعم السريع» من السيطرة الكاملة على إقليم دارفور بعد سقوط مدينة الفاشر عاصمة شمال الإقليم، وتمددت في أجزاء واسعة من ولايات غرب وجنوب كردفان وسط غرب، بينما تواصل قواتها التقدم في ولاية النيل الأزرق جنوب شرقي البلاد.

وأدت الحرب إلى أزمة إنسانية وصفتها الأمم المتحدة بـ«أسوأ كارثة نزوح في العالم»، كما أفرزت حالة من الاستقطاب القبلي والإثني الحاد، أثارت مخاوف من تحولها إلى حرب أهلية.

سودانية تنتظر هي وأطفال للحصول على الماء في مخيم للنازحين بشرق تشاد يوم الثامن من أبريل 2026 (د.ب.أ)

وتشدد كل المبادرات الإقليمية والدولية، وأحدثها خريطة طريق رسمتها الرباعية الدولية التي تضم الولايات المتحدة، والسعودية، والإمارات، ومصر، على أنه لا يوجد حل عسكري للصراع في السودان، داعية أطراف القتال إلى هدنة إنسانية لمدة ثلاثة أشهر، تتطور إلى وقف دائم لإطلاق النار، تمهيداً لعملية انتقال شاملة وشفافة تستغرق تسعة أشهر، وتنتهي بتشكيل حكومة مدنية لا تخضع لسيطرة أي طرف مسلح.

ورغم الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية بفرض عقوبات مشددة على قادة عسكريين، ومؤسسات تابعة للجيش السوداني و«قوات الدعم السريع»، فإنها لم تجد استجابة من الطرفين للدخول في مفاوضات.

«حرب متوحشة»

ومنذ وقت باكر، سعت القوى المدنية والسياسية في تحالف «قوى الحرية والتغيير» سابقاً، (تحالف «صمود» حالياً)، للتواصل مع قيادات الجيش و«الدعم السريع» من أجل الوصول إلى وقف الحرب، وتجنب تمددها في كل البلاد.

وفي ذكرى اندلاع الحرب، قال «التحالف المدني الديمقراطي لقوى الثورة»، المعروف اختصاراً بـ«صمود»، بقيادة رئيس الوزراء السابق عبد الله حمدوك: «إن إصرار قيادات الجيش السوداني و(قوات الدعم السريع) على مواصلة هذه الحرب المتوحشة، والعبث بأرواح وممتلكات السودانيين خلَّف أسوأ وأكبر كارثة إنسانية على مستوى العالم».

وأكد التحالف، في بيان على «فيسبوك»، الحاجة الملحة لوقف فوري للحرب، والأعمال العدائية دون قيد، أو شرط، لتيسير وصول المساعدات الإنسانية إلى نحو 33 مليون شخص، أي نحو ثلث سكان البلاد، يعانون نقصاً حاداً في الغذاء.

وحذر التحالف من استمرار عسكرة الفضاء المدني الذي قال إنه تسبب في انقسام مجتمعي حاد في كل أنحاء البلاد، مشدداً على أنه لا وجود لحل عسكري للنزاع الذي طال أمده.