السودان: قتال استنزاف على «طريق الصادرات» يعمق الأزمة الإنسانية

بات أخطر الجبهات في معركة الإمداد وكسر الإرادة للسيطرة على مدينتي أم درمان والأُبيض

جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
TT

السودان: قتال استنزاف على «طريق الصادرات» يعمق الأزمة الإنسانية

جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)
جنود من الجيش السوداني في أحد شوارع أم درمان ديسمبر الماضي (أ.ب)

منذ اندلاع الحرب في السودان في أبريل (نيسان) 2023، لم تقتصر المواجهات بين الجيش و«قوات الدعم السريع» على المدن الكبرى والمقار العسكرية، بل امتدت إلى الطرق الحيوية التي تشكّل شرايين الاقتصاد وحركة السكان.

ويبرز «طريق الصادرات» الذي يربط بين مدينتَي أم درمان (شمال العاصمة) والأٌبيض (شمال كردفان) إلى مدينة الفاشر (شمال دارفور) في مقدمة هذه المسارات، بوصفه محوراً استراتيجياً يربط غرب البلاد بوسطها، ويمثل خط إمداد بالغ الأهمية عسكرياً وتجارياً، ما جعله ساحةً دائمةً لحرب استنزاف مفتوحة، تتجاوز القتال المباشر إلى حرب نفسية تستهدف كسر المعنويات وإرباك الخصم.

ويُعرف هذا الطريق سياسياً واقتصادياً باسم «طريق الصادرات»، لارتباطه بنقل السلع والمحاصيل من غرب السودان إلى وسطه، وصولاً إلى مواني التصدير. غير أنه تحوّل، بفعل ضراوة المعارك وطول أمد الصراع، إلى ما يسميه السكان المحليون «طريق الموت»، بعد أن ظلَّ مسرحاً لا يهدأ للاشتباكات منذ الأيام الأولى للحرب.

معارك كر وفر

وخلال الأسابيع الماضية، شهد هذا الطريق الاستراتيجي معارك كرّ وفرّ عنيفة، وسط تضارب في الروايات بين طرفَي الصراع. فبينما تحدَّثت منصات موالية لـ«قوات الدعم السريع» عن اقترابها من مدينة أم درمان، أعلن الجيش تصديه للهجمات واستعادته مواقع في المنطقة، واصفاً ما يجري بأنه جزء من حرب نفسية تسعى «قوات الدعم السريع» من خلالها إلى تضخيم مكاسبها الميدانية.

وتُعد المسافة الممتدة من غرب أم درمان، مروراً ببلدتَي أم أندرابة ورهيد النوبة، وصولاً إلى مدينتَي بارا والأُبيض، العقدة البرية الأبرز في القتال بين الجيش و«قوات الدعم السريع». فهذا المحور ظل خط تماس حساساً لم يتوقف فيه أزيز الرصاص طوال نحو 1000 يوم من الحرب، ومع ازدياد أعداد الضحايا، ترسَّخ اسمه شعبياً بوصفه «طريق الموت».

في الأيام الأولى للحرب، كان الطريق واقعاً تحت سيطرة «قوات الدعم السريع»، ابتداءً من مدينة بارا وحتى أم درمان، حيث شكّل خط الإمداد الرئيسي لتحركاتها ونقل عتادها. إلا أن هذا المسار ظل عرضةً لقصف جوي مكثف من الجيش، قبل أن يتحول لاحقاً إلى ممر انسحبت عبره «قوات الدعم السريع» باتجاه غرب البلاد.

ووفقاً لتقارير صحافية، تسيطر «قوات الدعم السريع» حالياً على المقطع الممتد من رهيد النوبة إلى تخوم مدينة الأُبيض، مروراً بمدينتَي بارا وجبرة الشيخ، بينما يسيطر الجيش على المسافة الواقعة بين أم درمان وتخوم رهيد النوبة، إضافة إلى المنطقة المحيطة بدائرة مدينة الأبيض. أما المقطع الغربي من الطريق، الممتد من الأبيض إلى الفاشر، فتخضع غالبية مناطقه لسيطرة «قوات الدعم السريع».

وفي هذا السياق، نقلت صحيفة «دارفور 24» المستقلة، الأسبوع الماضي، أن الجيش صدّ هجوماً واسعاً شنّته «قوات الدعم السريع» على طريق الصادرات عند بلدتَي أم أندرابة ورهيد النوبة، اللتين تبعدان نحو 100 كيلومتر عن مدينة أم درمان. وبحسب الصحيفة، استهدف الهجوم خطوط الدفاع المتقدمة للجيش في الجبهة الغربية للمدينة، بعد حشد «قوات الدعم السريع» أعداداً كبيرة من المقاتلين والآليات.

محاولات لإعادة الحياة لسوق أم درمان الشعبية العريقة ضمن جهود ترميم العاصمة (الشرق الأوسط)

أشارت الصحيفة إلى أن «قوات الدعم السريع» أجبرت الجيش، خلال الهجوم، على التراجع باتجاه منطقة وادي الحوت القريبة من أم درمان؛ نتيجة استخدامها المكثف للطائرات المسيّرة. غير أن الجيش شنَّ لاحقاً هجوماً مضاداً أجبر «قوات الدعم السريع» على التراجع نحو مدينة جبرة الشيخ وبلدة أم قرفة بولاية شمال كردفان.

معارك نحو أم درمان

وخلال الأيام الماضية، كثّف الإعلام الموالي لـ«قوات الدعم السريع» حديثه عن عمليات عسكرية تستهدف أم درمان، مؤكداً اقتراب قواته من حدودها الغربية. في المقابل، شدَّد الإعلام الموالي للجيش على أن أم درمان لا تزال «عصية»، متحدثاً عمّا وصفها بـ«هزيمة قوات الدعم السريع وفرارها غرباً». لكن صحيفة «دارفور 24»، رأت أن «قوات الدعم السريع» تسعى إلى إحكام سيطرتها على كامل الطريق وصولاً إلى تخوم أم درمان، إلى جانب توسيع نفوذها في مدينة بارا، التي تبعد نحو 70 كيلومتراً عن مدينة الأبيض، وجبرة الشيخ الواقعة شمال شرقيها.

وفي هذا الإطار، توقَّعت الصحافية المتخصصة في شؤون الإقليم والجغرافيا العسكرية فاطمة غزالي، عودة «قوات الدعم السريع» لمحاولة التقدم نحو أم درمان. وقالت لـ«الشرق الأوسط»، إن «قوات الدعم السريع تسعى للاقتراب من أم درمان، لاستعادة المناطق التي انسحبت منها سابقاً». وأضافت أن سيطرتها على الفاشر وبابنوسة، إلى جانب حصارها مدن كادوقلي والدلنج والأُبيض، أسهمت في رفع معنوياتها، ما يوفر لها دافعاً لمحاولة الوصول إلى أم درمان.

آثار الدمار الذي لحق بمبنى وزارة المالية السودانية ومؤسسات أخرى مع استئناف جهود إعادة الحياة إلى العاصمة الخرطوم (أ.ف.ب)

وتوقَّعت غزالي تكثيف «قوات الدعم السريع» هجماتها خلال الفترة المقبلة، استباقاً لهجمات محتملة من الجيش، في ظل تداول معلومات عن حصوله على أسلحة متطورة من باكستان وتركيا. وعدّت أن خطاب «قوات الدعم السريع»، القائل إن السلاح الجديد لن يمنعها من التقدم نحو أم درمان، يندرج ضمن رسالة ضغط وزعزعة للحكومة التي عادت من بورتسودان إلى الخرطوم، مفادها بأن «الخرطوم ليست آمنة، وأن الحرب لم تنتهِ بعد».

حرب نفسية

في المقابل، يرى الناشط السوداني محمد خليفة، الذي يتابعه ملايين المستخدمين على موقع «فيسبوك»، أن «قوات الدعم السريع» لا تمتلك في الوقت الراهن القدرة على شنِّ هجوم مباشر على أم درمان. ويصف الهجمات التي تنفِّذها غرب المدينة بأنها «حرب نفسية»، هدفها إبقاء القوات الكبيرة للجيش، المتمركزة في مدينة الأُبيض، في حالة دفاع دائم، لمنعها من الانفتاح نحو جنوب كردفان وفك الحصار عن مدينتَي كادوقلي والدلنج.

ويشير خليفة إلى أن «قوات الدعم السريع» تشنُّ، في الوقت ذاته، هجمات متواصلة على تخوم مدينة الأُبيض من 3 جهات على الأقل، مع ترويجها لادعاءات باقترابها من اجتياح المدينة، كما نقلت وكالة «رويترز»، غير أنه يستبعد توجه «الدعم السريع» نحو الأُبيض في هذه المرحلة، ما لم تُحكم سيطرتها أولاً على مدن جنوب كردفان، عادّاً أن المعارك في محيط المدينة ليست سوى عمليات إلهاء لإبقاء قوات الجيش وحلفائه في وضعية دفاع، إلى حين إرسال تعزيزات لقواتها المحاصرة هناك.

وعلى الصعيد المدني، انعكست معارك «طريق الصادرات» بشكل مباشر على حياة السكان في المناطق المحيطة به، حيث تعطَّلت حركة السلع، وارتفعت تكلفة النقل، وتراجعت الإمدادات. ويُعد قرار والي ولاية الخرطوم بتقييد نقل السلع عبر الحدود الغربية ومناطق التماس في شمال كردفان ودارفور، والذي أوردته صحيفة «سودان تربيون»، أحد أبرز تجليات هذه التداعيات الاقتصادية والإنسانية.

وفي المحصلة، تميل غالبية التحليلات إلى توصيف ما يجري على جانبَي «طريق الموت» بوصفه حرب استنزاف نفسية، ومعركة معنويات لا تقل شراسة عن القتال الميداني نفسه، أكثر من كونه معارك حسم وسيطرة أو تهديداً وشيكاً لمدن الخرطوم أو أم درمان أو الأُبيض، أو محاولة لطرد «قوات الدعم السريع» منها.


مقالات ذات صلة

حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

خاص آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

حرب السودان تُهدد ذاكرة 5 قرون و30 مليون وثيقة

في أرفف مغطاة بالتراب، يُحيط بها الركام والغبار من كل جانب، تقبع ملايين الوثائق المهمة التي تسجل أكثر من 500 عام من تاريخ السودان.

وجدان طلحة (الخرطوم)
الاقتصاد هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار (رويترز)

هبوط «غير مسبوق» للجنيه السوداني يفاقم الأوضاع المعيشية

هبط سعر صرف الجنيه السوداني إلى مستوى قياسي ليعادل نحو 6000 جنيه مقابل الدولار الواحد، يؤدي إلى تفاقم الأوضاع المعيشية

محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا تشييع قتلى هجمات «الدعم السريع» في مدينة الأبيض (صور متداولة في منصات التواصل الاجتماعي)

مقتل 14 سودانياً على الأقل في غارات جوية على كردفان

قال سكان لـ«الشرق الأوسط» إن مدينة الأُبَيِّض، عاصمة إقليم شمال كردفان، وسط غربي السودان، عاشت ليلة مروعة جرّاء هجوم بالمسيّرات.

محمد أمين ياسين (نيروبي)
الولايات المتحدة​ الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

الكونغرس لفرض مزيد من العقوبات على أطراف النزاع بالسودان

أقرَّت لجنة الشؤون الخارجية في مجلس النواب مشروع قانون يرسم مساراً لفرض عقوبات على مسؤولين في «قوات الدعم السريع» والجيش السوداني.

رنا أبتر (واشنطن)
شمال افريقيا لقطة لفندق تضرر من الحرب في الخرطوم (أ.ب)

دفاعات الجيش السوداني تتصدى لمسيرات استهدفت الخرطوم

أفادت تقارير بأن منظومات الدفاع الجوي التابعة للجيش السوداني تصدت لطائرات مسيّرة حاولت استهداف مناطق في مدينة أم درمان.

محمد أمين ياسين (نيروبي)

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
TT

30 مليون وثيقة تاريخية سودانية معرّضة للتلف

آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)
آثار الحرب على مقر «دار الوثائق القومية» (الشرق الأوسط)

تواجه «دار الوثائق القومية» في الخرطوم خطراً متزايداً يهدد أكثر من 30 مليون وثيقة تؤرخ لتاريخ السودان منذ عام 1505، وذلك نتيجة الأضرار التي لحقت بالمبنى خلال الحرب.

ورغم نجاة معظم الوثائق من الحرائق التي طالت أجزاء من المبنى، فإن بقاءها وسط بيئة متضررة ومليئة بالركام والغبار يثير مخاوف جدية بشأن سلامتها على المدى الطويل.

وأكدت مديرة الدار، الدكتورة نجوى محمود، أن الأرشيف الإلكتروني فُقد خلال الحرب، مشيرة إلى إعداد خطة للتحول الرقمي وإعادة رقمنة الوثائق بهدف حمايتها من المخاطر المستقبلية.

من جهته، حذر مدير الإدارة العامة للتوثيق محمد يوسف من مخاطر موسم الأمطار المقبل بعدما خلفت القذائف فتحات في أسقف المبنى قد تسمح بتسرب المياه إلى قاعات الحفظ.

وتضم الدار وثائق نادرة، بينها أرشيف الدولة المهدية والحكم الثنائي البريطاني ـ المصري وأرشيف الصحافة السودانية. ويأمل المسؤولون في تأهيل المبنى والحفاظ على هذا الإرث الوطني الذي يمثل ذاكرة السودان عبر خمسة قرون.


هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
TT

هل بدأ العد التنازلي لتنفيذ مبادرة واشنطن لتقاسم السلطة في ليبيا؟

الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)
الدبيبة خلال استقبال القائم بأعمال السفارة الأميركية جيريمي برنت في طرابلس الخميس الماضي (السفارة الأميركية)

تسارعت التحركات الأميركية، على أكثر من مستوى، في الملف الليبي، عقب صدور التوصيات النهائية لـ«الحوار المهيكل»، برعاية أممية، مطلع الأسبوع الماضي، مما أثار تساؤلات في الأوساط السياسية حول ما إذا كانت واشنطن قد بدأت فعلياً التمهيد لتنفيذ مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، مسعد بولس، وتهدف إلى إعادة ترتيب السلطة التنفيذية في بلد يعيش انقساماً سياسياً ومؤسسياً منذ عام 2011.

برنت ورئيس أركان الجيش الوطني خالد حفتر في لقاء بمدينة بنغازي الثلاثاء الماضي (السفارة الأميركية)

وتقوم المبادرة -وفق ما يُتداول في الأوساط الليبية منذ أشهر ولم ينفه أي طرف ولا حتى الجانب الأميركي- على بناء تفاهمات بين سلطتي الشرق والغرب عبر صيغة جديدة لتقاسم السلطة، تتضمّن تولي صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، رئاسة مجلس رئاسي جديد، مع إبقاء عبد الحميد الدبيبة رئيساً لحكومة موحدة.

مؤشرات على قرب تنفيذ المبادرة

يرى رئيس حزب الكرامة الليبي، الدكتور يوسف الفارسي، أن التحركات الدبلوماسية الأميركية من جانب القائم بالأعمال في ليبيا، جيريمي برنت، بين طرابلس وبنغازي خلال الأيام القليلة الماضية تُعطي مؤشرات على أن «تنفيذ المبادرة بات أقرب من أي وقت مضى»، موضحاً لـ«الشرق الأوسط» أن واشنطن تعمل بالتوازي على المسارَين العسكري والاقتصادي لتهيئة الأرضية المناسبة لأي تسوية سياسية محتملة.

مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية مسعد بولس (أ.ف.ب)

على المستوى العسكري، التقى القائم بالأعمال الأميركي كلاً من رئيس أركان قوات حكومة الوحدة في غرب ليبيا، الفريق أول صلاح الدين النمروش، ووكيل وزارة الدفاع عبد السلام الزوبي. كما عقد اجتماعاً مع رئيس أركان الجيش الوطني في شرق ليبيا، الفريق أول خالد حفتر. وركزت اللقاءات على تطوير التعاون العسكري، ودعم جهود توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزيز بناء القدرات المهنية للقوات المسلحة الليبية.

مبعوثة الأمم المتحدة هانا تيتيه خلال إعلان توصيات «الحوار المهيكل» في طرابلس الأسبوع الماضي (البعثة الأممية)

وينظر مراقبون إلى هذه اللقاءات بوصفها حلقة جديدة في مسار أميركي متدرج بدأ خلال الأشهر الماضية، عبر خطوات دعّمتها واشنطن لبناء جسور تواصل بين مؤسسات الشرق والغرب، تمهيداً لتقليص الانقسام القائم. وشمل ذلك جمع عسكريين من شرق ليبيا وغربها في مناورات «فلينتلوك»، التي استضافتها مدينة سرت في أبريل (نيسان) الماضي، فضلاً عن رعاية اتفاق الإنفاق والميزانية الموحدة بين السلطتَين في بنغازي وطرابلس في الشهر ذاته، في خطوة عُدّت سابقة لم تشهدها البلاد منذ 13 عاماً من الانقسام المؤسسي.

وفق هذا التقدير أيضاً، شملت لقاءات برنت في بنغازي (شرق) مدير صندوق التنمية وإعادة إعمار ليبيا بلقاسم حفتر، والمدير العام للجهاز الوطني للتنمية محمود الفرجاني، حيث تركزت المحادثات على تنفيذ اتفاقية الميزانية الموحدة، وتشجيع الاستثمارات الأميركية، وضمان توزيع الإنفاق التنموي على مختلف المناطق الليبية.

كما سجل تعزيز التعاون الليبي مع الشركات الأميركية العاملة في قطاع النفط جانباً مهماً من جولة برنت، ضمن لقائه مع رئيس المؤسسة الوطنية للنفط، مسعود سليمان، حيث بحثا سبل زيادة الإنتاج النفطي وحماية البنية التحتية للطاقة.

تحديات سياسية معقّدة

هذا التحرك الأميركي متعدد المسارات، الذي انطلق منذ منتصف الأسبوع الماضي ولا يزال مستمراً، لا يراه مراقبون معزولاً عن نتائج «الحوار المهيكل»، التي تضمنت مقترحات لإعادة هيكلة السلطة التنفيذية عبر تشكيل مجلس رئاسي جديد، يضم رئيساً ونائبين، إلى جانب تشكيل حكومة جديدة تحت اسم «حكومة الاستحقاق الوطني» برئاسة رئيس حكومة وثلاثة نواب، يمثلون الأقاليم التاريخية الثلاثة (طرابلس وبرقة وفزان).

ومع ذلك فإن الطريق لا يزال يواجه تحديات سياسية معقدة، حسب محللين، وقال الناشط الليبي، عمر بوسعيدة، إن المبادرة تواجه داخل طرابلس «تداخلاً في أجندات قوى إقليمية تستخدم حلفاءها المحليين لعرقلة أي ترتيبات جديدة لتقاسم السلطة»، لافتاً إلى أن «الاختبار الحقيقي للمبادرة يتمثّل في القدرة على إنتاج جسم تنفيذي موحّد يحظى بقبول الأطراف الرئيسية».

وبالنسبة إلى رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا»، أشرف بلها، فإن «المبادرة لا تزال بحاجة إلى معالجة عدد من الملفات الخلافية، وفي مقدمتها معايير اختيار الحكومة المقبلة، وتوزيع الصلاحيات داخل السلطة التنفيذية الجديدة، وهي قضايا لم تصل الأطراف الليبية بعد إلى توافق نهائي بشأنها».

واستبعد بلها، في تصريح لـ«الشرق الأوسط»، إمكانية التوصل إلى تفاهمات ليبية واسعة من دون ضغوط دولية مؤثرة، مستشهداً بتجربة ملتقى الحوار السياسي، الذي رعته الأمم المتحدة في جنيف بقيادة المبعوثة الأممية السابقة، ستيفاني ويليامز، وأسفر عن تشكيل السلطة التنفيذية الحالية بعد توافقات دعمتها قوى دولية فاعلة.

وفي هذا السياق، قال رئيس «تجمع تكنوقراط ليبيا» إن واشنطن تسعى حالياً إلى تحقيق أكبر قدر ممكن من التوافق بين المبادرة الأميركية ومسار الأمم المتحدة، مشيراً إلى معلومات متداولة بشأن جهود لعقد اجتماع دولي في النرويج، خلال الفترة المقبلة، بمشاركة أطراف إقليمية ودولية لدعم هذا المسار.

وقبل جلسة مقررة لمجلس الأمن الشهر الحالي تعرض خلالها تيتيه نتائج «الحوار المهيكل»، أكد بولس عقب لقائه مبعوثة الأمم المتحدة، هانا تيتيه، الجمعة، أن جهود بلاده في توحيد السلطتَين «تتكامل» مع خريطة طريق بعثة الأمم المتحدة ومخرجات الحوار، بما يضمن عملية سياسية يقودها الليبيون لتحديد مستقبل بلادهم.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (المجلس)

وهنا يرى الفارسي أن حديث بولس عن تكامل الجهود الأميركية مع خريطة الطريق، التي تقودها بعثة الأمم المتحدة للدعم في ليبيا لا ينفي، في رأيه، أن واشنطن تمثّل القوة الدولية الأكثر تأثيراً في دفع هذا المسار، مشيراً إلى أن التحركات الأممية تحظى بدعم أميركي واضح.

ومع هذا فإن المبادرة الأميركية قد لا تستهدف من منظور باحثين إنهاء الأزمة الليبية بصورة نهائية، بقدر ما تسعى إلى إعادة تنظيم موازين القوى وإدارة الانقسام القائم عبر أدوات سياسية ومؤسسية متدرجة.

ووفق تقدير الباحث في الشؤون الأفريقية، عبد الله فارس القزاز، في دراسة نشرها «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» فإن واشنطن «تبدو منشغلة ببناء إطار أكثر استقراراً لإدارة الدولة الليبية وتوحيد مؤسساتها أكثر من انشغالها بفرض تسوية نهائية شاملة في المدى القريب».

Your Premium trial has ended


أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
TT

أكبر تجمع معارض بمصر يحاول إنعاش حضوره السياسي

«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)
«الحركة المدنية» المعارضة في مصر تحاول لملمة صفوها بعد أزمة «قصر قرطام» (صفحة الحركة على فيسبوك)

تتجه «الحركة المدنية الديمقراطية»، التي تعد أكبر تجمع لأحزاب وشخصيات عامة معارضة في مصر، نحو اتخاذ إجراءات من شأنها إعادة هيكلة تنظيمها، بعد انتقادات لاذعة طالتها مؤخراً على خلفية دفاعها عن أحد قياداتها بعد تحرك جهات تنفيذية لهدم قصر قام ببنائه على النيل بالمخالفة للقوانين الحكومية.

وتحاول «الحركة المدنية» إنعاش حضورها السياسي في أعقاب الأزمة الأخيرة. وبحسب قيادات داخلها تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، فإن اجتماعاً انعقد، مساء الجمعة، قررت فيه الحركة تشكيل لجنة لإعادة «الهيكلة»، تتولى فحص ودراسة جميع المقترحات المقدمة من داخل وخارج الحركة لتطوير وتجديد أدائها السياسي والتنظيمي، مشيرين إلى أن تلك الإجراءات بمنزلة مقدمة لـ«تصحيح المسار».

وأصدر التكتل المعارض الذي تشكل في عام 2017، بياناً نهاية الشهر الماضي، أعلن فيه رفضه قيام الحكومة بهدم قصر على النيل مملوك لرئيس حزب «المحافظين» رجل الأعمال أكمل قرطام، حيث ربطت «الحركة» قضية القصر، الذي قالت الحكومة إنه خالف إجراءات البناء، بقضايا جماهيرية عامة؛ ما أثار انتقادات واسعة، واضطرت الحركة لاحقاً إلى الاعتذار، وسحب البيان.

ولم تكن هذه هي الأزمة التي مرت بها «الحركة المدنية» خلال العامين الماضيين؛ حيث شهدت تباينات وخلافات في أثناء الإعداد للمشاركة في اقتراعات سياسية مهمة في مقدمتها انتخابات الرئاسة المصرية الأخيرة في عام 2024، وانتخابات البرلمان (مجلسي النواب والشيوخ) العام الماضي، وبدت غير قادرة على أن تكون متماسكة داخلياً.

اجتماع سابق لمجلس أمناء الحركة المدنية (صفحة الحركة على فيسبوك)

وأكد المتحدث الإعلامي باسم «الحركة المدنية» وليد العماري، أن اللجنة التي تم إسناد رئاستها إلى منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» (أحد أحزاب الحركة) أكرم إسماعيل، سترسل نتائجها والرؤية التي ستضعها خلال أسبوعين إلى جميع الأحزاب المكونة للحركة لدراستها، واستطلاع رأي قواعدها الحزبية، تمهيداً لاتخاذ القرارات النهائية خلال اجتماع سيُعقد بعد 3 أسابيع.

وقال العماري لـ«الشرق الأوسط» إن «المحاور العامة لعمل اللجنة، تتلخص في التوسع لضم شخصيات عامة جديدة من أجيال مختلفة، وإفساح المجال للقيادات الشابة، واستعادة التواصل مع الجماهيىر ليس فقط في العاصمة، بل من خلال أنشطة متنوعة بالمحافظات».

وبحسب العماري، تجري الحركة «نقداً ذاتياً لتقييم أدائها خلال المرحلة الماضية، وتدارك الأخطاء وإجراء مراجعة شاملة»، مؤكداً أنه «من بين المقترحات التي سوف تناقشها اللجنة ما يتعلق بدور مجلس الأمناء (أعلى سلطة تنظيمية بالحركة)، حيث يوجد اقتراح بإلغائه، والبحث عن تشكيل تنظيمي مختلف، بينما يذهب رأي آخر إلى الإبقاء عليه على أن يكون رأيه استشارياً».

وتضم «الحركة المدنية» عدداً من الشخصيات العامة البارزة إلى جانب أحزاب (الدستور، والكرامة، والتحالف الشعبي الاشتراكي، والمحافظين، والعربي الديمقراطي الناصري، والعيش والحرية «تحت التأسيس») وشهدت المرحلة الماضية خلافات داخلية، أعقبها إعلان أحزاب «المصري الديمقراطي الاجتماعي» و«الإصلاح والتنمية»، و«العدل» تجميد عضويتها بالحركة، وعقب أزمة «قصر قرطام» أعلن حزب «العدل» انسحابه الكامل من الحركة.

وأكد منسق الاتصال السياسي بحزب «العيش والحرية» أكرم إسماعيل، أن هدف اللجنة «تصحيح مسار الحركة، وإعادة تجديد الدماء»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «اللجنة بدأت تلقي المقترحات من داخل وخارج الحركة لبلورة رؤية للمرحلة المقبلة، تنطلق من عدة محاور، منها تصعيد القيادات الشبابية لضخ دماء جديدة، والبحث عن ضم شخصيات جديدة مرتبطة بالحركة الاجتماعية والنقابية، والنزول للجماهير لاستعادة دور الحركة بالشارع للتعبير عن القضايا المجتمعية التي تهم الناس».

وتحدث إسماعيل عن موقف الأحزاب المنسحبة من الحركة، مؤكداً أن «الرؤية الجديدة لتطوير أداء الحركة لن تتضمن أي محاولات لإعادة التواصل مع الأحزاب المنسحبة».

جانب من المؤتمر الاقتصادي الذي عقدته الحركة المدنية مطلع الشهر الماضي (صفحة الحركة على فيسبوك)

لكن الخبير في الشؤون السياسية والبرلمانية، نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» الدكتور عمرو هاشم ربيع، لا يتفاءل بشأن مستقبل الحركة، وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه «ما دامت الوجوه نفسها موجودة فلن يكون هناك جديد، وستتم إعادة إنتاج الأفكار نفسها، فإعادة الهيكلة لن تكفي»، حسب رأيه.

واستطرد قائلاً: «ربما ضخ دماء شبابية جديدة يمكن أن يؤدي إلى استعادة الحركة لدورها السياسي وتطويره، وسيظل مستقبل الحركة مرهوناً بقدرتها على مواجهة التحديات الداخلية وتوحيد الرؤى، والتركيز على قضايا سياسية نوعية، مثل ملف حقوق الإنسان، وإذا حدث ذلك فربما تستعيد الحركة زخمها السياسي».

لكن أستاذ العلوم السياسية بجامعة القاهرة، القيادي بالحركة، الدكتور مصطفى كامل السيد، أكد أن «المرجعات التي تقوم بها الحركة هدفها تدارك الأخطاء السابقة والاستفادة منها مستقبلاً»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أبرز الأخطاء التي ارتكبتها الحركة سابقاً، فكرة المركزية الديمقراطية، حيث من المفترض أنه عندما يتم اتخاذ قرارات بالتصويت عقب نقاشات بين الأحزاب أن يلتزم الجميع برأي الأغلبية، لكن هذا لم يكن يحدث».

وبحسب السيد، تحتاج الحركة إلى «البحث عن آليات جديدة، وابتكار أساليب مختلفة للتواصل مع الجماهير، مثل الأنشطة الفنية والعلمية، فالعمل السياسي ليس مجرد بيانات».