الجزائر تعتمد «إجراءات استعجالية» بعد إضرابات واحتقان شديد بقطاع النقل

زيادات مفاجئة في أسعار الوقود وتشديد عقوبات قانون المرور يثيران احتجاجات واسعة

ازدحام في الشارع بسبب نقص حافلات النقل إثر إعلان نقابة القطاع عن إضراب (ناشطون)
ازدحام في الشارع بسبب نقص حافلات النقل إثر إعلان نقابة القطاع عن إضراب (ناشطون)
TT

الجزائر تعتمد «إجراءات استعجالية» بعد إضرابات واحتقان شديد بقطاع النقل

ازدحام في الشارع بسبب نقص حافلات النقل إثر إعلان نقابة القطاع عن إضراب (ناشطون)
ازدحام في الشارع بسبب نقص حافلات النقل إثر إعلان نقابة القطاع عن إضراب (ناشطون)

سارعت الحكومة الجزائرية إلى اتخاذ إجراءات استعجالية، تحت ضغط الإضرابات وحالة الاحتقان اللتين خلّفتهما الزيادة في أسعار الوقود وبداية تنفيذ قانون المرور الجديد، وذلك من خلال تعديل تسعيرة النقل بسيارات الأجرة بطلب من نقابة القطاع، والإعلان عن مراجعة بعض أحكام القانون، لا سيما تلك المتعلقة بتشديد العقوبات بالسجن، وفرض غرامات باهظة، بهدف الحدّ مما تصفه الصحافة بـ«إرهاب الطرقات».

من جلسة التصويت على قانون المرور المثير للجدل في البرلمان (البرلمان)

بعد ارتفاع أسعار الوقود في الأول من يناير (كانون الثاني) الحالي، يُرتقب أن تشهد تعريفة النقل زيادة في الجزائر، وفق ما أعلنته «النقابة الوطنية لناقلي سيارات الأجرة»، مساء الجمعة، إثر لقاء جمع نقابات الناقلين، التي تضم سيارات الأجرة والحافلات والشاحنات، بوزارة الداخلية والنقل. وقد عُقد هذا الاجتماع في اليوم السابق للإضراب الذي شنه الناقلون يوم الخميس مع بدء الزيادات في أسعار البنزين والديزل والغاز بشكل مفاجئ؛ إذ لم تعلن عنها وزارة المحروقات، وهو ما أثار تذمر المستهلكين من أصحاب العربات والناقلين، رغم أن الزيادات كانت طفيفة تراوحت بين دينار وثلاثة دنانير.

وخلال الاجتماع تمّ التوصل إلى «اتفاق، بموافقة أعلى سلطات البلاد، لا سيما وزير الداخلية والجماعات المحلية والنقل والوزير الأول (رئيس الوزراء)، يقضي بزيادة رسمية في تعريفة النقل»، حسب ما أفادت به النقابة، دون تقديم تفاصيل حول نسب هذه الزيادات.

دعوة لاستئناف العمل

إضافة إلى الزيادة في أسعار النقل، أعلنت النقابة أيضاً عن التوصل إلى اتفاق مع وزارة الداخلية والنقل بشأن «تعديل» مشروع قانون المرور، الذي صادق عليه «المجلس الشعبي الوطني» (الغرفة البرلمانية السفلى) في 24 من ديسمبر (كانون الأول) الماضي، وذلك من أجل «أخذ احتياجات ومتطلبات مهنيي القطاع بعين الاعتبار»، بحسب النقابة ذاتها.

احتجاج الناقلين بالمركبات بعد الإعلان عن قانون المرور الجديد (نقابة النقل)

ويُعارض بعض الناقلين هذا القانون الجديد، رغم أن الحكومة تتهمهم بأنهم من أكثر الفئات تورطاً في حوادث المرور في الجزائر. فالحافلات والشاحنات «تتصدر إحصاءات الحوادث (الأكثر فتكاً) في الجزائر، كما أن سائقيها يُعدّون الأقل احتراماً لقانون المرور، بسبب سلوكيات خطيرة، مثل السرعة المفرطة والتجاوز الخطير وغيرهما»، بحسب ما كتبه الموقع الإخباري «كل شيء عن الجزائر».

ودعت «النقابة الوطنية لناقلي سيارات الأجرة» أعضاءها إلى «استئناف العمل والمساعدة في تأمين تنقل التلاميذ، تزامناً مع العودة المدرسية بعد عطلة الشتاء». غير أن هذا النداء لم يلقَ تجاوباً عند الناقلين في بعض الولايات. ففي جيجل (350 كلم شرق العاصمة) أعلن سائقو حافلات نقل المسافرين، السبت، تصعيد احتجاجهم ليشمل خطوط النقل ما بين بلديات الولاية، ونجم عن ذلك شلل تام للنشاط.

ومن جهتها، أشارت وزارة الداخلية والنقل في بيان لها إلى «إمكانية إثراء» مشروع قانون المرور، الذي يُفترض عرضه قريباً للتصويت في «مجلس الأمة» (الغرفة البرلمانية العليا)، كما أعلنت عن «دراسة إمكانية رفع تعريفة النقل، بما يراعي الطابع الاجتماعي للخدمة العمومية والقدرة الشرائية للمواطنين».

غضب في الشارع الجزائري بعد زيادات مفاجئة في أسعار الوقود (الشرق الأوسط)

وأبرزت الوزارة أنها عقدت اجتماعات مع «المنظمة الوطنية للناقلين الجزائريين»، و«النقابة الوطنية للناقلين» و«الاتحاد العام للتجار والحرفيين الجزائريين»، وكذا «الاتحاد العام للعمال الجزائريين»، و«النقابة الوطنية لناقلي سيارات الأجرة»، مؤكدة أنها استمعت إلى «الانشغالات المهنية التي عبّر عنها الشركاء الاجتماعيون».

وأوضحت الوزارة بخصوص مشروع القانون المتعلق بالمرور، الذي يثير مخاوف سائقي الشاحنات والحافلات، أن النص «لم يدخل حيّز التنفيذ بعد، ولا يزال ضمن المسار التشريعي». وفُهم من ذلك احتمال مراجعة النص المثير للجدل، قبل التصويت عليه في الغرفة البرلمانية العليا.

وبحسب نفس البيان، يمكن «إثراء النص، الذي صادق عليه المجلس الشعبي الوطني، لاحقاً وفقاً للملاحظات والاقتراحات المقدّمة». ويتعين أن يُصادق «مجلس الأمة» (مجلس الشيوخ) على قانون المرور الجديد، قبل نشره في الجريدة الرسمية ودخوله حيّز التنفيذ رسمياً.

تبريرات الحكومة

يهدف قانون المرور الجديد أساساً إلى تقليص حوادث السير وفرض الانضباط المروري، من خلال تشديد القواعد وتنظيم السلوك المروري، حسب الحكومة التي أعدت النص. ويشمل القانون إعادة تصنيف المخالفات حسب درجة خطورتها، مع فرض غرامات مالية مشددة، وقد تصل العقوبات إلى الحبس في الحالات الخطيرة، مثل القيادة تحت تأثير الكحول أو المخدرات، أو التسبب في حوادث مميتة.

من اجتماع وزارة الداخلية والنقل مع نقابيي نشاط النقل بالمركبات (الوزارة)

كما يتضمن شروطاً أكثر صرامة للحصول على رخصة القيادة أو تجديدها، من خلال إخضاع السائقين لفحوصات طبية، واختبارات للكشف عن تعاطي المخدرات، مع اعتماد فترة تجريبية للسائقين الجدد لمدة سنتين. ويحمّل القانون المسؤولية المدنية والجزائية ليس فقط للسائقين، بل أيضاً لمدارس تعليم قيادة السيارات ومراكز المراقبة التقنية الخاصة بفحص العربة، في إطار مقاربة شاملة للسلامة المرورية.

كما يركّز النص كذلك على تعزيز السلامة التقنية للمركبات عبر رفع معايير الفحص والمواصفات الإلزامية، إضافة إلى اعتماد وسائل رقابة حديثة، مثل الرصد الإلكتروني للمخالفات، وتحليل معطيات حوادث المرور، خاصة في النقاط السوداء. ويُعد هذا القانون بمثابة إعادة تنظيم شاملة للإطار القانوني لحركة المرور، تقوم على الردع والوقاية، وتحميل المسؤولية للحد من النزيف المتواصل على الطرقات.

محطة حافلات فارغة بالعاصمة بسبب الإضراب (ناشطون)

ومن أكثر المواد إثارة للجدل تلك التي تنص على عقوبة السجن لمدة 10 سنوات، مع التنفيذ في حال «القتل الخطأ». وقد أكد الناقلون، خصوصاً سائقي العربات الثقيلة، في فيديوهات عدة، نشروا بعضها عبر وسائل الإعلام الاجتماعي، رفضهم «تحمّل أخطاء سائقي المركبات الخفيفة والدراجات النارية، الذين يؤدي تهوّرهم أحياناً إلى سقوط ضحايا».


مقالات ذات صلة

«السوبر الأفريقي»: اتحاد العاصمة لمفاجأة صندوانز في عقر داره

رياضة عربية اتحاد العاصمة الجزائري يبحث عن تحقيق مفاجأة في الكأس السوبر الأفريقي (نادي اتحاد العاصمة)

«السوبر الأفريقي»: اتحاد العاصمة لمفاجأة صندوانز في عقر داره

يبحث اتحاد العاصمة الجزائري عن تحقيق مفاجأة في الكأس السوبر الأفريقي لكرة القدم، عندما يحل الأحد في بريتوريا على ماميلودي صندوانز الجنوب أفريقي الجريح.

«الشرق الأوسط» (بريتوريا (جنوب أفريقيا))
شمال افريقيا الاجتماع الوزاري لاحتواء أزمة الندرة (الوزارة الأولى)

اختلالات التموين تدفع الحكومة الجزائرية إلى التحرك لاحتواء أزمة الندرة

أطلقت الحكومة الجزائرية تدابير عاجلة للسيطرة على اختلالات التموين بمادتي البطاطس وزيت المائدة، تفادياً لأي احتقان شعبي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية البطلة الأولمبية الملاكمة الجزائرية إيمان خليف (رويترز)

الجزائرية إيمان خليف تخوض أول نزال احترافي الشهر المقبل

تخوض البطلة الأولمبية الملاكمة الجزائرية إيمان خليف، بعد غيابها عن الحلبات منذ أولمبياد باريس، أول نزال احترافي لها في 15 ديسمبر (كانون الأول) في باريس.

«الشرق الأوسط» (باريس)
شمال افريقيا رئيس النيجر خلال استقبال وزير خارجية الجزائر (وزارة الخارجية الجزائرية)

جولة وزير خارجية الجزائر في النيجر وتشاد لاحتواء التوتر الإقليمي

بحث وزير الخارجية الجزائري أحمد عطاف، خلال جولة سريعة شملت تشاد والنيجر، سبل حلِّ الأزمة الأمنية والدبلوماسية، التي اندلعت بين البلدين الشهر الماضي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا اجتماع أطر سلطة الانتخابات للتحضير للاقتراع المرتقب (السلطة)

الجزائر: انطلاق سباق «المحليات» وسط جدل حول «النزاهة»

تتنافس الأحزاب الجزائرية، بدءاً من الخميس ولمدة 21 يوماً، على أصوات 23 مليون ناخب، في حملة الانتخابات المحلية، المقررة يوم 28 من الشهر الحالي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
TT

غرب ليبيا يعوّل على دور القاهرة في احتواء الانقسام

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)
الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

تجمع زيارة وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي إلى العاصمة الليبية طرابلس، السبت، بين توسيع التعاون، وفتح قنوات للتشاور السياسي؛ في وقت تراهن فيه حكومة الوحدة «المؤقتة» على دور مصري يساعد في احتواء الانقسام الليبي.

وينظر مراقبون باهتمام بالغ إلى الزيارة، التي جاءت للمشاركة في أعمال الدورة الثانية والعشرين للمجلس التنفيذي لتجمع دول الساحل والصحراء، بوصفها الأولى لوزير خارجية مصري منذ 5 سنوات، حيث أجرى عبد العاطي محادثات مع رئيس حكومة «الوحدة» عبد الحميد الدبيبة، لقيت اهتماماً من وسائل إعلام محلية في غرب البلاد وشرقها.

وحسب حكومة «الوحدة»، ركز اللقاء على توسيع آفاق الشراكة المصرية - الليبية، وتعزيز التشاور السياسي، بما يعكس رغبة طرابلس في الاستفادة من علاقات القاهرة مع مختلف الأطراف الليبية، ودعم المساعي الرامية إلى تقريب وجهات النظر بين معسكري الشرق والغرب الليبيين.

وعلى هامش اللقاء، وقّع الجانبان مذكرة تفاهم للتعاون في المجال الصحي، بحضور وزير الصحة الليبي محمد الغوج ووزير الخارجية المصري. وتستهدف المذكرة تبادل الخبرات والإمكانات، وتوسيع الشراكة بين المؤسسات الصحية، بما يسهم في تطوير الخدمات الطبية، وتحسين مستوى الرعاية الصحية.

ولم تقتصر رسائل طرابلس على التعاون القطاعي؛ إذ أبدى الدبيبة انفتاحاً على دور مصري في معالجة الأزمة السياسية، مؤكداً أن «حكومته تعوّل على علاقاتها بالقاهرة في دعم وحدة البلاد»، في ظل استمرار الانقسام بين سلطتين تنفيذيتين في الشرق والغرب الليبيين.

الدبيبة ووزير الخارجية المصري خلال لقاء في طرابلس السبت (مكتب الدبيبة)

وفي تصريحات نقلتها قناة «القاهرة الإخبارية» الفضائية، السبت، قال الدبيبة: «نعول على أصدقائنا وجيراننا وفي مقدمتهم مصر لدعم وحدة ليبيا»، مضيفاً: «لا نمانع أي تدخل إيجابي يصب في مصلحة ليبيا وشعبها»، كما أشار إلى جهود أممية ودولية تشارك فيها القاهرة لدعم المصالحة.

وتزامنت هذه الرسائل مع افتتاح عبد العاطي مقر السفارة المصرية في طرابلس، في خطوة تحمل دلالة دبلوماسية على مستوى التواصل المباشر بين البلدين. ويأتي ذلك بعد سنوات من تعطل الخدمات القنصلية، رغم استئناف البعثة الدبلوماسية نشاطها في العاصمة عام 2021.

وتعود آخر زيارة معلنة لوزير خارجية مصري إلى طرابلس قبل زيارة عبد العاطي إلى 21 أكتوبر (تشرين الأول) 2021، حين شارك الوزير السابق سامح شكري في مؤتمر «دعم استقرار ليبيا»، والتقى مسؤولين، في تحرك ارتبط آنذاك بدعم المسار السياسي وإجراء الانتخابات.

ويرى المحلل السياسي حسام فنيش أن «الزيارة تمثل نقلة في مسار العلاقات بين القاهرة وطرابلس»، مبرزاً أنها «تبعث برسالة إلى الليبيين، مفادها أن مصر تسعى إلى بناء شراكة مع مختلف الأطراف، لا حصر علاقاتها في طرف سياسي أو جغرافي واحد بعينه».

تاريخياً، ارتبطت القاهرة بعلاقات وثيقة مع الجيش الوطني الليبي في شرق البلاد، بقيادة المشير خليفة حفتر، منذ إطلاق عملياته العسكرية عام 2014 ضد الجماعات المتطرفة، غير أن اتصالات مصر مع غرب ليبيا شهدت بدورها توسعاً خلال العامين الأخيرين، عبر لقاءات سياسية وأمنية متعددة.

وفي هذا السياق، استضافت القاهرة أخيراً اجتماعاً ضم قيادات عسكرية وممثلين عن تشكيلات مسلحة من غرب ليبيا، كما استقبل رئيس المخابرات المصرية، حسن رشاد، نائب وزير الدفاع بحكومة «الوحدة» عبد السلام الزوبي ضمن اتصالات، شملت ملفات أمنية وعسكرية.

ويرى وزير الخارجية المصري الأسبق، عضو مجلس الشيوخ محمد العرابي، أن زيارة عبد العاطي تندرج في إطار تحركات القاهرة لتقريب وجهات النظر بين شرق ليبيا وغربها، وصولاً إلى توحيد مؤسسات الدولة، في ظل استمرار الانقسام السياسي القائم.

وقال العرابي لـ«الشرق الأوسط» إن التحرك المصري يتكامل مع جهود الأمم المتحدة والمبادرات الدولية لتسوية الأزمة، مشيراً إلى أهمية آلية دول الجوار التي تضم مصر وتونس والجزائر، في دعم التوافق بين الأطراف الليبية، ودفع العملية السياسية قدماً فعلياً وبصورة ملموسة.

وربط العرابي هذا الاهتمام باعتبارات الأمن القومي المصري، قائلاً إن «القاهرة تتحرك انطلاقاً من حرصها على استقرار ليبيا، بوصفه جزءاً من أمنها القومي، إلى جانب العمل على الحد من التدخلات الأجنبية، ودعم تسوية تحفظ وحدة البلاد، ومؤسساتها الوطنية الموحدة المستقرة».

ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا لم يغب عن محادثات زيارة وزير الخارجية المصري إلى طرابلس (الرئاسة التركية)

ولم يغب ملف ترسيم الحدود البحرية بين ليبيا وتركيا عن محادثات الزيارة، بعد موافقة مجلس النواب الليبي أخيراً على مذكرة التفاهم، الموقعة بين طرابلس وأنقرة عام 2019، وهي خطوة أثارت اعتراضات مصرية ويونانية وقبرصية وأوروبية في وقت سابق من جانب القاهرة.

وأعلن الدبيبة أن «اللجنة المشتركة الليبية - المصرية» ستجتمع لمناقشة ملف الحدود البحرية، وقال بهذا الخصوص: «من يمتلك خرائط يقدمها، وهذا أمر صحي أن نتحاور ونتناقش، أما القرارات الفردية والتعنت فلن يصل بنا إلى أي نتيجة تخدم مصالح البلدين المشتركة».

ويشير العرابي إلى أن القاهرة لديها رؤى بشأن تداعيات الخطوة البرلمانية الليبية، لافتاً إلى أن «حكومة الدبيبة أبدت تفهماً للشواغل المصرية، بما يتيح مناقشة الملف عبر القنوات المشتركة، بدلاً من ترك الخلافات تتسع في ظل تشابك المصالح الإقليمية والدولية المتداخلة والمعنية».

قائد القوات التركية في ليبيا إلى جانب الدبيبة والحداد (الوحدة)

وانتهى وزير الخارجية المصري الأسبق إلى وصف ملف الحدود البحرية بأنه «متشعب»، لارتباطه بالحضور التركي في ليبيا، وتداخل المصالح الإقليمية والدولية، لكنه تحدث عن «وجود إرادة سياسية لمعالجة الخلافات، بما يحفظ المصالح المصرية والليبية، ويفتح المجال أمام تفاهمات أوسع مستقبلاً بين البلدين».


هل يخفف مقترح خفض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين حدة الانتقادات بليبيا؟

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
TT

هل يخفف مقترح خفض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين حدة الانتقادات بليبيا؟

وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)
وقفة احتجاجية سابقة لأطباء وممرضين ليبيين للمطالبة برفع الأجور (اتحاد حراك القطاع الصحي في ليبيا)

أثار مقترح قدمته حكومة الوحدة «المؤقتة» بشأن تخفيض رواتب الوزراء وكبار المسؤولين في ليبيا انتقادات واسعة، في خطوة رأى مراقبون أنها «لم تبدد الغضب حول فجوات الأجور».

وتضمَّن المقترح الذي أعدته وزارة المالية تحديد سقف مقطوع لبعض كبار المسؤولين والوزراء، ورؤساء الهيئات السيادية والرقابية والقضائية، عند 9 آلاف دينار شهرياً.

لكن عدداً من المراقبين يرون أن «جوهر الاستياء لا يرتبط بحجم التخفيض وحده؛ بل بقناعة قطاع من الليبيين بأن شريحة من النُّخب وكبار المسؤولين لا تعتمد في مستوى معيشتها على الرواتب الرسمية؛ لأنها تستفيد أيضاً من امتيازات وبدلات ومخصصات إضافية».

ووفقاً لوزير الاقتصاد والتجارة السابق بحكومة «الوحدة»، محمد الحويج، فإن «صافي راتب الوزير يصل حالياً إلى 10 آلاف دينار شهرياً»؛ مشيراً في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن بعض الوزراء «يضاعفون هذا الرقم عبر علاوات السفر والسكن والمهام الخارجية».

وتثير هذه الامتيازات تساؤلات حول قدرة خفض الراتب الأساسي على تقليص إجمالي مداخيل المسؤولين؛ خصوصاً في ظل تراجع القوة الشرائية للدينار، علماً بأن سعر صرف العملة يتفاوت بين السعر الرسمي البالغ نحو 6.40 دينار للدولار، و«السوق الموازية» التي يقترب فيها من 10 دنانير.

جلسة مجلس النواب الأسبوع الماضي تناولت مستجدات الإضرابات المطالبة برفع الرواتب (المكتب الإعلامي للمجلس)

ردود أفعال ساخرة

وأثار الحديث عن رواتب المسؤولين تعليقات ساخرة على مواقع التواصل الاجتماعي؛ وفي هذا السياق تساءل الإعلامي الليبي أحمد السنوسي عن كيفية تعامل بعض الوزراء مع مقترح التخفيض، مبرزاً أن قطعة من ملابسهم أو أحذيتهم الفاخرة قد تصل قيمتها أحيانا إلى 900 يورو.

من جهته، توقف المحلل السياسي الليبي محمد محفوظ عند قناعة الشارع، بأن «النخب لا تعتمد على رواتبها الرسمية»، معتبراً أن ذلك يفسر السخرية من التخفيض. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «ما يحصل عليه هؤلاء من رواتب خلال سنوات لا يتناسب مع مستوى معيشتهم المرتفع، وبالتالي لن يكترثوا لأي قرار مالي».

ومن زاوية اقتصادية، رأى أستاذ الاقتصاد بجامعة بنغازي، علي الشريف، أن خفض الرواتب «ليس هيناً»، لافتاً إلى أن راتب رئيس المجلس الرئاسي ونائبيه قد يتراجع من نحو 25 ألف دينار إلى 9 آلاف دينار شهرياً.

لكن الشريف أشار إلى أن كبار المسؤولين «يمثلون في النهاية أقل من 2 في المائة من العاملين بالدولة»، معتبراً أن تقليص دخولهم لن يؤدي وحده إلى تحسن ملموس في الوضع الاقتصادي. كما حذر من تعويض التخفيض بالعلاوات، لافتاً إلى أن علاوة التمييز على الأداء لبعض الهيئات تصل إلى 70 في المائة.

حكومة الدبيبة قدمت مقترح خفض رواتب كبار المسؤولين بسبب فجوات الأجور بين العاملين في المؤسسات الحكومية (الوحدة)

في المقابل، انتقلت الانتقادات إلى الرواتب الأساسية المقترحة لبقية الموظفين؛ إذ حدد المقترح ألف دينار للدرجة الوظيفية الأولى، و1710 دنانير للدرجة الثامنة، وصولاً إلى 4912 ديناراً للدرجة السادسة عشرة، ما أعاد النقاش إلى مدى كفاية الأجور.

وانتقد الحويج هذه المستويات، معتبراً أن «الأجور لا تكفي الاحتياجات الضرورية؛ خصوصاً أن نحو 40 في المائة من السكان تحت خط الفقر»، لافتاً إلى أن الرواتب -وفق تقديره- تتراوح بين ما يعادل 100 دولار و430 دولاراً شهرياً.

وعزا المحلل السياسي حسام الدين العبدلي اعتراض الشارع على هذا الجدول المقترح إلى عدم تلبيته مطالب ذوي الدخل المحدود والطبقة المتوسطة. وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «النقابات لم تركز على تخفيض رواتب النواب من 16 ألفاً إلى 9 آلاف دينار، بقدر تركيزها على الزيادة الضئيلة الممنوحة لها».

«الأزمة لا تكمن في راتب المسؤول»

من منظور أوسع، انتقد وزير الشؤون الاقتصادية السابق بحكومة «الوحدة» سلامة الغويل، اختزال معالجة ملف الأجور في «تخفيض رواتب الوزراء والنواب وسائر أركان السلطة، وإبراز تقليص الفارق بين دخولهم وعموم المواطنين».

وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «علاج الملف يتطلب برنامجاً متكاملاً للإصلاح الاقتصادي والإداري والاجتماعي يربط الأجر بالإنتاج، ومن قبل هذا وذاك معالجة الانقسام السياسي والحكومي، وما خلَّفه من تضخم في أعداد العاملين بالدولة».

وتعيش ليبيا انقساماً بين حكومة «الوحدة» برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس غرباً، والحكومة المكلفة من مجلس النواب برئاسة أسامة حماد التي تدير الشرق وبعض مدن الجنوب، وتحظى بدعم قائد «الجيش الوطني» خليفة حفتر.

الحويج اعتبر أن «الأجور لا تكفي الاحتياجات الضرورية» للمواطنين الذين يشتكون من الغلاء المتواصل (أ.ف.ب)

ورغم عدم تأييده تضخُّم رواتب كبار المسؤولين، انتقد الغويل خفضها «بشكل غير مدروس، لا يراعي خصوصية المنصب ومتطلبات العمل العام»، مؤكداً أن «الأزمة لا تكمن في راتب المسؤول؛ بل في كيفية تحقيق الكرامة المعيشية للجميع».

وتكشف أرقام رسمية حجم العبء الذي يمثله بند الأجور في ميزانية الدولة الليبية؛ إذ استحوذت مرتبات نحو مليونين ومائتي ألف موظف خلال الأشهر التسعة الأولى من العام الجاري على نحو 60 مليار دينار، بما يعادل نحو 68 في المائة من إجمالي الإنفاق العام البالغ 88.6 مليار دينار.


محادثات مصرية - أوروبية لتعزيز الشراكة وتطوير التعاون الحقوقي

 من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)
من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)
TT

محادثات مصرية - أوروبية لتعزيز الشراكة وتطوير التعاون الحقوقي

 من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)
من استقبال «المجلس القومي لحقوق الإنسان» في مصر وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي (صفحة المجلس على «فيسبوك»)

محادثات مصرية أوروبية جديدة شملت الحديث عن التعاون الثنائي في مجالات عديدة وترتيبات عقد «القمة المشتركة الثانية»، العام المقبل.

وأفادت «الخارجية المصرية» في بيان، السبت، بأن اتصالاً هاتفياً جرى بين وزيرها بدر عبد العاطي، والممثلة العليا للشؤون الخارجية والسياسة الأمنية للاتحاد الأوروبي، كايا كالاس، تطرق إلى «الطفرة التي تشهدها العلاقات بين مصر والاتحاد الأوروبي».

وأكد عبد العاطي أهمية العمل على جذب مزيد من الاستثمارات الأوروبية إلى مصر، وتيسير نفاذ الصادرات المصرية إلى الأسواق الأوروبية، وتعزيز شراكات القطاع الخاص.

ويمثل الاتصال الهاتفي «مؤشراً مهماً على حيوية العلاقات المصرية الأوروبية، وحرص الجانبين على مواصلة تطوير الشراكة الاستراتيجية والشاملة، في لحظة إقليمية ودولية تزداد فيها التحديات»، وفق ما يرى مساعد وزير الخارجية الأسبق السفير محمد حجازي، في حديث لـ«الشرق الأوسط».

وأكد «أن نجاح المحادثات المصرية الأوروبية يتطلب البناء على الزخم السياسي القائم، وتحويل التفاهمات الاستراتيجية إلى برامج تنفيذية ومصالح متبادلة قابلة للقياس».

قمة استراتيجية

ووفقاً لبيان «الخارجية المصرية»، تناولت محادثات القاهرة وبروكسل «الترتيبات الجارية تحضيراً لانعقاد القمة المصرية الأوروبية الثانية المقرر أن تستضيفها مصر العام المقبل».

وعُقدت القمة المصرية الأوروبية الأولى في 22 أكتوبر (تشرين الأول) 2025 في مدينة بروكسل ببلجيكا، بمشاركة الرئيس عبد الفتاح السيسي وقادة الاتحاد الأوروبي، وأسفرت عن تجديد التزام التكتل بدعم مصر بحزمة مالية شاملة بقيمة 7.4 مليار يورو للفترة 2024-2027، والتي سبق أن تم إقرارها في مارس (آذار) 2024.

وتكتسب القمة المصرية الأوروبية الثانية، بحسب حجازي، «أهمية سياسية واستراتيجية خاصة، فهي ليست مجرد محطة بروتوكولية لاستعراض ما تحقق، وإنما فرصة لإعادة تقييم الشراكة وتحديد أولوياتها للسنوات المقبلة، ووضع آليات واضحة للانتقال بها إلى مستوى أكثر عمقاً وتأثيراً».

ويؤكد حجازي «ضرورة أن تنتهي القمة ببرنامج عمل محدد، يتضمن مشروعات استثمارية ذات أولوية، وجداول زمنية للتنفيذ، وآليات للمتابعة والتقييم، بما يضمن ألا تظل الشراكة حبيسة البيانات والاتفاقات، وإنما تتحول إلى واقع يشعر به المواطن والاقتصاد في الجانبين».

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي في أثناء استقباله كايا كالاس في القاهرة يناير الماضي (الخارجية المصرية)

ولم تخل المحادثات المصرية الأوروبية من التطرق للأزمة بين طهران وواشنطن الممتدة منذ فبراير (شباط) الماضي وتأثيراتها على القاهرة «والجهود المبذولة لاحتواء التوتر واستعادة التهدئة في ظل التصعيد العسكري الذي قد تشهده المنطقة»، وفق البيان المصري.

وشدد الوزير المصري،«على ضرورة ضمان حرية وسلامة الملاحة بالممرات الملاحية الدولية»،محذرا من«التداعيات الخطيرة لأي تهديدات تستهدف الممرات البحرية الحيوية علي أمني الطاقة والغذاء، لاسيما وأن مصر تعد من أكبر مستوردي الحبوب، وفي مقدمتها القمح، في العالم».

كما أن حرية الملاحة وسلامة خطوط التجارة الدولية في البحر الأحمر وباب المندب وقناة السويس والخليج «تمثل مصلحة مشتركة لمصر وأوروبا وللاقتصاد العالمي بأسره»، وفق حجازي.

تعاون حقوقي

ولم يتوقف الحوار المصري الأوروبي على قضايا الاقتصاد والتوترات، وامتد لأول مرة منذ فترة كبيرة للشق الحقوقي.

واستقبل «المجلس القومي لحقوق الإنسان»، السبت، وفداً من بعثة الاتحاد الأوروبي لدى القاهرة، لبحث سبل تعزيز التعاون والشراكة بين الجانبين، ومناقشة عدد من القضايا والموضوعات ذات الاهتمام المشترك في مجال حقوق الإنسان.

وتناول اللقاء بحسب بيان للمجلس «تبادلاً لوجهات النظر بشأن عدد من القضايا والموضوعات المتصلة بحقوق الإنسان، واستعراض الرؤى حول مجالات التعاون التي يمكن البناء عليها لتعزيز التواصل وتبادل الخبرات بين الجانبين».

ويرى حجازي «أن اللقاء خطوة إيجابية تعكس أهمية استمرار الحوار المؤسسي بين مصر وشركائها الأوروبيين». وأكد «أن تطوير الشراكة المصرية الأوروبية في مجال حقوق الإنسان، ينبغي أن ينطلق من إدراك متبادل لخصوصية السياقات الوطنية، واحترام أولويات الدولة المصرية وتحدياتها التنموية والأمنية، مع الإيمان بأن حماية الحقوق والحريات وتعزيز كرامة الإنسان، مسؤولية وطنية ومجتمعية مستمرة، تتطلب تطوير المؤسسات، وترسيخ سيادة القانون، وتوسيع مساحات المشاركة، وتعزيز الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية إلى جانب الحقوق المدنية والسياسية».