شهدت فترة حكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة في هرم السلطة، شملت وزراء وكبار الموظفين برئاسة الجمهورية.
ويرى مراقبون أن هذه المحاكمات تعكس إصراراً على محاسبة مسؤولين في صدارة المشهد السياسي، ضمن مسعى تضعه السلطة في إطار «أخلقة الحياة العامة».

في هذا السياق يعيش علي عون، الوزير السابق للصناعة والإنتاج الصيدلاني، على وقع عاصفة قضائية قد تنتهي به إلى السجن، باعتبار أنه ترأس قطاعان اقتصاديان بالغا الأهمية، وسيمثل مطلع شهر فبراير (شباط) المقبل أمام «القطب الجزائي الاقتصادي والمالي بمحكمة سيدي أمحمد» بالعاصمة.
وبالإضافة إلى ابنه، الذي سيُستدعى للمثول أمام الجهة القضائية نفسها، أفادت جريدة «الشروق» بأن 25 شخصاً سيُستدعون إلى منصة المحكمة بصفتهم متهمين وشهوداً. وتعد التهم الموجهة إلى بعضهم ثقيلة، إذ تتعلق، من بين قضايا أخرى، باختلاسات طالت مؤسسات عمومية، من بينها مجمّع «إيميتال» الحكومي لإنتاج الحديد والصلب، والشركة الوطنية للصناعة الحديدية، وبعض فروعها.

وذكرت الصحيفة نفسها أن المحاكمة ستشمل أيضاً رجل أعمال من وهران، هو شرف الدين عمارة، الرئيس السابق لمجمع «مدار»، وهو مجمّع قابض ذو فروع واسعة النشاط تمتد من تكرير السكر إلى صناعة التبغ، إضافة إلى المسؤول الأول بفندق «الأوراسي» الكبير بالعاصمة، وكذا صاحب علامة سيارات صينية تنشط في الجزائر.
وتتمحور الوقائع المنسوبة إلى المتهمين حول «إبرام صفقات غير قانونية»، تشمل «عمليات مشبوهة» لشراء وبيع نفايات حديدية وغير حديدية، ما ألحق أضراراً مالية جسيمة بالمجمع العمومي. علماً أن شرف الدين عمارة يوجد في الحبس الاحتياطي منذ شهر لاتهامه في قضية فساد تخص «مدار»، وهو متابع أيضاً في ملف آخر يخص فترة رئاسته الاتحاد الجزائري لكرة القدم (2021-2022).

وعلى خلاف باقي المتهمين، سيمثل علي عون في حالة سراح. علماً أنه كان قد أدين بالفساد سنة 2007، بوصفه رئيساً لمجمع «صيدال» للدواء العمومي (1995- 2008)، وتمت تبرئته سنة 2022. وقد أُقيل عون من منصبه وزيراً للصناعة وإنتاج الدواء في نوفمبر (تشرين الثاني) 2024 عقب تفجر القضية الحالية.
تورط أقارب المسؤول في الفساد
تُمثل قضية نسيم ضيافات، الوزير المنتدب السابق المكلف بالمؤسسات الناشئة والمصغرة (2020–2022)، تحولاً لافتاً في المسار القضائي الجزائري، كونه أول وزير في عهد الرئيس عبد المجيد تبون يُدان في قضايا فساد. ففي فبراير (شباط) 2024، أصدر القضاء حكماً بسجنه خمس سنوات نافذة بعد ملاحقات بدأت في أبريل (نيسان) 2023، شملت تهم «تبديد الأموال العامة، وإساءة استغلال المنصب، واستغلال النفوذ».
وقد كشفت التحقيقات عن تجاوزات في صفقات مرتبطة بشركة «ألريم» للهياكل المعدنية، وتورط الوزير في تمكين أفراد من عائلته من مشروعات حكومية مستغلاً سلطته الوظيفية. كما توقفت المحكمة عند إنفاق غير مبرر للمال العام، تمثل في تمويل هدايا باهظة الثمن لمسؤولين، من بينها «مجسم سيف الأمير عبد القادر»، وهي وقائع بررها ضيافات بأنها «أعراف إدارية»، و«تنفيذ لتعليمات الوزير الأول الأسبق» عبد العزيز جراد، وهو ما لم يمنع إدانته مع عدد من مسؤولي الشركات.

وتبرز أهمية هذه القضية في كونها شملت شبكة من الأقارب والموظفين السامين، مما عزز توجه السلطة نحو تكريس مبدأ المساءلة ليشمل المسؤولين المباشرين في صدارة المشهد السياسي الحالي.
وتندرج «قضية تيجاني حسان هدام» ضمن تصفية ملفات التسيير المرتبطة بنهاية الحقبة السابقة، حيث شغل منصب وزير العمل والتشغيل والضمان الاجتماعي في الفترة ما بين أبريل (نيسان) 2019 ويناير(كانون الثاني) 2020، وهو ما يجعله من المسؤولين، الذين ورثهم الرئيس تبون عن آخر حكومة سبقت توليه الرئاسة في نهاية 2019.
وقد واجه هدام ملاحقات قضائية بتهم ثقيلة تتعلق بـ«تبديد أموال عمومية، وإبرام صفقات مخالفة للتشريع» خلال إدارته لـ«الصندوق الوطني للتأمينات الاجتماعية»، وانتهى المسار القضائي بإدانته في سبتمبر (أيلول) 2025 بالسجن 7 سنوات مع التنفيذ، في قضية تسببت في تبديد ما يقارب 45.6 مليون دولار.
الفساد يطال المحيط المباشر للرئيس
يعد «ملف محمد بوعكاز» من أبرز قضايا الفساد التي مست الدائرة الضيقة للرئاسة، حيث شغل منصب مستشار رئيس الجمهورية والمدير العام للتشريفات منذ ديسمبر (كانون الأول) 2019، وكان يصنف أحد أكثر المقربين من الرئيس تبون. غير أن هذا المسار انتهى بإقالته في يونيو (حزيران) 2024 بسبب «أخطاء جسيمة»، حسب بيان الرئاسة الذي أعلن عزله.
وأحيل بوعكاز لاحقاً على القضاء بتهم «استغلال الوظيفة والإثراء غير المشروع».
وفي أبريل 2025 أدانته «محكمة بئر مراد رايس» في العاصمة بالسجن خمس سنوات نافذة. وقد شهدت المحاكمة لحظات مؤثرة ودرامية، حيث انهار بوعكاز خلال الجلسة صارخاً ببراءته، ومذكراً بما وصفه بـ«أفضاله على الدولة» وتفانيه في خدمتها، نافياً استغلال منصبه لتحقيق مكاسب شخصية، إلا أن المحكمة قضت بإدانته بناءً على الأدلة المقدمة، وألزمته بتعويض الخزينة العمومية عن الأضرار الناجمة عن أفعاله.
وبعد استقالة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة في الثاني من أبريل 2019، تحت ضغط الشارع، شنت السلطات حملة اعتقالات وسجن، طالت عدداً كبيراً من كبار المسؤولين المدنيين بتهمة «الفساد»، من بينهم ثلاثة رؤساء حكومات سابقين.
ووفق الصحافة، فقد تابع القضاء أكثر من 30 وزيراً، كما تم سجن العديد من المسؤولين بالجيش، بالتهمة ذاتها، منهم رئيسا جهاز الأمن الداخلي الجنرال بشير طرطاق، والجنرال واسيني بوعزة، وقائد سلاح الدرك الجنرال مناد نوبة، زيادة على سجن مديري الشرطة عبد الغني هامل وفريد بن الشيخ.




