ليبيا: سباق البحث عن «دعم عسكري» يطغى على «مسارات التسوية»

الدبيبة ناقش مع تركيا تعزيزات دفاعية... وحفتر ينتظر «صفقة باكستان»

صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
TT

ليبيا: سباق البحث عن «دعم عسكري» يطغى على «مسارات التسوية»

صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)
صدام حفتر يتوسط عناصر «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)

تُظهر تحركات جبهتيْ شرق ليبيا وغربها سعياً ملحوظاً باتجاه التسلّح وتعزيز القدرات العسكرية تدريباً واستعداداً، أكثر منه «تجاوباً» مع المسار الانتخابي، أو ما يعكس نيات حقيقية لإنهاء الانقسام الذي يفتّت المؤسسات الحكومية.

وتعمل الولايات المتحدة ودول إقليمية عدة على مساعدة طرفي النزاع في ليبيا على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة، لكن دون إحداث تغيير في المشهد المحتقن، باستثناء اجتماعات تضمّ قيادات من شرق البلاد وغربها.

عناصر من «اللواء 106- القوات الخاصة» 29 يناير (القيادة العامة)

ويسعى الطرفان راهناً، بشكل منفرد، إلى تعزيز القدرة القتالية لقواتهما على نحو يراه متابعون يشير إلى «صعوبة التوافق على الاندماج في جيش موحّد، بقدر ما يوحي بالسعي لتعظيم القوة المنفردة». وعلى هذا النحو يعمل عبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، على استثمار علاقته بأنقرة، في حين لم يكتفِ المشير خليفة حفتر، قائد «الجيش الوطني»، بالحليف الروسي، ومدَّد تعاونه مع باكستان.

ويفرض مجلس الأمن الدولي حظراً كاملاً على تصدير السلاح إلى ليبيا، منذ إسقاط نظام الرئيس الراحل معمر القذافي في عام 2011.

وسعت حكومة «الوحدة»، نهاية الأسبوع الماضي، إلى التماس تعاون عسكري جديد مع أنقرة لتعزيز قوة عناصرها، في إطار تعاون ممتد منذ حرب «الجيش الوطني» على طرابلس، في أبريل (نيسان) 2019، بالإضافة إلى إشارات بحصولها على «مُسيّرات» أوكرانية.

وقالت «الوحدة» إن وزير الخارجية التركي هاكان فيدان استقبل اللواء عبد السلام الزوبي، وكيل وزارة الدفاع، بمكتبه في العاصمة التركية أنقرة، مشيرة إلى أن اللقاء تناول «سبل تعزيز التعاون الثنائي بين ليبيا وتركيا في المجال العسكري والدفاعي»، بالإضافة إلى «بحث آليات تطوير برامج التدريب وبناء القدرات، وتعزيز التنسيق بين الجهات المختصة في البلدين».

صورة وزّعتها القوات البرية التابعة لـ«الجيش الوطني» الليبي لدورياتها في جنوب غربي البلاد

وتعمل قوات تركية في غرب ليبيا راهناً على مواصلة تدريب عناصر «الوحدة»، والإشراف على تخريج دفعات جديدة من كليات عسكرية، علماً بأن البرلمان التركي سبق أن وافق، في نهاية العام الماضي، على تمديد مهمة قوات أنقرة في طرابلس لمدة عامين إضافيين.

يأتي هذا امتداداً لاتفاقيات سابقة، حيث سبق أن وقّعت وزارة الدفاع في حكومة «الوحدة الوطنية»، في العاشر من يوليو (تموز) 2025، اتفاقية تعاون جديدة مع نظيرتها التركية، تهدف إلى «رفع كفاءة وقدرات الجيش الليبي، في إطار خطة تطوير مؤسسي شاملة تنفذها الوزارة».

وتتضمن الاتفاقية مجالات متعددة؛ من بينها التدريب العسكري المتقدم، وتبادل الخبرات والدعم الفني واللوجستي، بما يسهم في تعزيز الجاهزية القتالية والمهنية لعناصر الجيش الليبي.

واستعرض الزوبي، في زيارته إلى أنقرة، نهاية الأسبوع، وفقاً للحكومة، «رؤية وزارة الدفاع حيال ملفات التعاون العسكري والأمني، وأولويات المرحلة المقبلة».

في موازاة ذلك، يعمل حفتر مبكراً على بناء الجيش الليبي في شرق البلاد منذ تفككه عقب إسقاط نظام القذافي، سعياً، رغم الحظر الدولي على التسليح، إلى مزيد من تسليحه عبر دول عدة.

ولا يزال الجمود السياسي يراوح مكانه في ليبيا، رغم ما يُبديه كلا الطرفين من تعاون مع البعثة الأممية لتحريك المياه الراكدة، لكن شيئاً لم يحدث.

ويرى مسؤول عسكري سابق بغرب ليبيا أن «الطرفين يسعيان إلى امتلاك أسلحة نوعية متطورة مثل المُسيّرات، والتوسع في تدريب عناصرهما بشكل لافت».

فريق عسكري تركي خلال إشرافه على تدريب عسكريين بمدرسة عسكرية بضواحي طرابلس (رئاسة أركان «الوحدة»)

وتحدَّث المسؤول العسكري، الذي رفض ذكر اسمه لأنه غير مخوَّل بالحديث إلى الإعلام، عن عودة دفعة جديدة من منتسبي (اللواء 166 مشاة) بالجيش الوطني، بعد انتهاء تدريبهم في بيلاروسيا، لافتاً إلى أن حفتر يترقب نتائج «صفقة الأسلحة الكبرى التي أبرمها نجله صدام مع باكستان».

كان الفريق صدام حفتر قد أبرم اتفاقاً مع قائد الجيش الباكستاني، المشير عاصم منير، تبيع بموجبه إسلام آباد لـ«الجيش الوطني» الليبي أسلحة بقيمة 4.6 مليار دولار أميركي، وهي الصفقة التي يرى موقع «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» أنها تُشكل مدخلاً استراتيجياً لـ«توسيع النفوذ الصيني» في شمال أفريقيا، من خلال صادرات عسكرية غير مباشرة.

وبموجب الاتفاق، ستمدّ باكستان حفتر بـ16 طائرة مقاتِلة من طراز JF-17، طوّرتها بالتشارك بين إسلام آباد وبكين، بالإضافة إلى 12 طائرة تدريب مِن طراز «سوبر مشاق».

ومع سعي الطرفين إلى التوسّع في التدريب والرغبة في التسلح، توقفت الاجتماعات الهادفة إلى توحيد المؤسسة العسكرية، وتعزَّز ذلك بعد وفاة الفريق أول ركن محمد الحداد في حادث تحطم طائرته فوق تركيا في 23 ديسمبر (كانون الأول) 2025.

ويظل مسار التسوية السياسي في ليبيا عالقاً دون تقدم أمام «طموح تعمل عليه جبهتا شرق ليبيا وغربها ليكون لديهما جيش له الغلبة على الآخر»، وفق ما يرصد المسؤول الأمني السابق، مشيراً إلى أن الطرفين «يعملان سراً على توسيع تسليحهما».

وعلى خلفية تقارير تشير إلى امتلاك سلطات طرابلس «مسيّرات» أوكرانية، كانت موسكو قد وجّهت اتهامات رسمية إلى «الوحدة»، في 11 أكتوبر (تشرين الأول) 2025، بالتعاون مع مَن وصفتهم بـ«عملاء أوكرانيين» في تسهيل عمليات إرهابية بمنطقة الساحل الأفريقي، بما في ذلك النيجر. كما راجت تقارير إعلامية محلية، منذ الصيف الماضي، بامتلاك «الوحدة» طائرات «مسيّرة» من أوكرانيا، استخدمتها في ضرب أوكار الميليشيات، لكن الحكومة تجاهلت ذلك.

من جلسة سابقة لمجلس الأمن حول الأزمة الليبية (البعثة الأممية)

كانت العملية البحرية الأوروبية «إيريني»، التي يقودها الاتحاد الأوروبي، والمكلَّفة بإنفاذ حظر الأسلحة على ليبيا، قد رصدت، العام الماضي، 44 رحلة جوية مشبوهة إلى ليبيا، وإخضاع 401 سفينة تجارية للتحقيق، عبر المكالمات اللاسلكية.


مقالات ذات صلة

احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

شمال افريقيا أسر ليبية تصطحب أطفالها لحديقة الحيوانات في طرابلس بمناسبة العيد «أ.ف.ب»

احتفالات الليبيين بالعيد تتجاهل «صراعات السياسة» و«التوترات الاجتماعية»

على خلفية انقسام سياسي وحكومي، يحتفل الليبيون بعيد الفطر في أجواء يعدّها البعض فرصة للتقارب وسعياً لتجاهل هموم السياسة وخلافاتها.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا اجتماع لحكومة الدبيبة الجديدة بحضور المنفي وتكالة (حكومة «الوحدة»)

حكومة «الوحدة» الليبية المعدّلة تنطلق دون موافقة حفتر وصالح

انطلقت أعمال حكومة «الوحدة» الليبية المعدّلة وسط تحديات الانقسام السياسي، ومن دون موافقة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، أو مجلس النواب.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا أبطال مسلسل «القرار» الليبي (تلفزيون بنغازي)

«القرار»... دراما تستحضر معركة شرق ليبيا ضد «داعش» وتفتح سجالاً سياسياً

وسط حالة من الانقسام السياسي بين شرق ليبيا وغربها، يُعرض مسلسل «القرار»، الذي يستحضر الحرب التي خاضها «الجيش الوطني» ضد الجماعات المتشددة في بنغازي ودرنة.

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا مدرعات عسكرية تابعة لـ«اللواء 604 مشاة» (الجيش الوطني)

«الجيش الوطني» ينهي عملية نوعية بالجنوب الليبي ضد «مارقين»

نعى الفريق صدام حفتر نائب القائد العام لـ«لجيش الوطني» الليبي وحكومة أسامة حماد، شهداء قوات الجيش الذين ارتقوا خلال مواجهات مع «قوى الإرهاب والعصابات المارقة».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا انتشار كثيف لقوات الأمن داخل طرابلس لمنع أي أحداث عنف أو مواجهات (أ.ب)

مناوئون للدبيبة يحشدون لـ«انتفاضة» ضد كل «الأجسام السياسية» الليبية

يحشد ليبيون في غرب البلاد لمظاهرات ضد الأجسام السياسية الحاكمة، تزامناً مع عودة الدبيبة إلى مصراتة من رحلة علاج في مدينة ميلانو الإيطالية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

وفاة الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال

الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري الأسبق اليامين زروال يدلي بصوته في انتخابات البرلمان عام 1997 (أرشيفية - أ.ف.ب)

نعت الرئاسة الجزائرية رئيس الجمهورية الأسبق، اليامين زروال، الذي توفي مساء أمس (السبت) عن 84 عاماً، بينما أقرَّ رئيس البلاد عبد المجيد تبون، حداداً وطنياً لثلاثة أيام على كامل التراب الوطني وفي الممثليات الدبلوماسية بالخارج، مع تنكيس العلم الوطني.

وكشف بيان مقتضب للرئاسة الجزائرية عن أن زروال توفي بالمستشفى العسكري «محمد الصغير نقاش» بالعاصمة الجزائرية مساء أمس (السبت) بعد صراع مع مرض عضال.

واحتفظ الراحل زروال، بصداقة قوية مع الرئيس الحالي عبد المجيد تبون، الذي كان يتواصل معه ويزوره للاطمئنان على صحته، وفق ما نقلت «وكالة الأنباء الألمانية».

وتولَّى الراحل زروال، بعد الاستقلال، مسؤوليات عدة في الجيش الجزائري، قبل أن يتم اختياره قائداً للمدرسة العسكرية في باتنة شرق الجزائر، ثم للأكاديمية العسكرية في شرشال، وتولَّى قيادة النواحي العسكرية السادسة والثالثة والخامسة. بعد ذلك، تم تعيينه قائداً للقوات البرية في قيادة الأركان.

واستقال من الجيش عام 1989 إثر خلاف مع رئيس الجمهورية الراحل الشاذلي بن جديد، حول مخطط لتحديث الجيش، ورغم ذلك عُيِّن سفيراً في رومانيا عام 1990، قبل أن يستقيل من منصبه بعد عام واحد فقط. ليُعيَّن في 10 يوليو (تموز) 1993 وزيراً للدفاع الوطني. ثم أصبح رئيساً للدولة لتسيير شؤون البلاد طوال المرحلة الانتقالية في 30 يناير (كانون الثاني) 1994.

ويعد زروال، أول رئيس للجمهورية في الجزائر انتخب بطريقة ديمقراطية في 16 نوفمبر (تشرين الثاني) 1995، رغم شكوك المعارضة في نزاهة العملية الانتخابية. وأعلن زروال، في 11 سبتمبر (أيلول) 1998، إجراء انتخابات رئاسية مبكرة، ليغادر رئاسة الجمهورية في 27 أبريل (نيسان) 1999، تاركاً المنصب لخلفه الراحل عبد العزيز بوتفليقة.


الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
TT

الخرطوم بين أنقاض الحرب... وأمل التعافي من كارثة بيئية

يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)
يبيع الناس بضائعهم أمام مبنى متضرر في الخرطوم (د.ب.أ)

بعد سنوات من النزاع المسلح الذي خلّف دماراً واسعاً في البنية التحتية بالسودان، لم يكن سكان العاصمة، الخرطوم، وحدهم مَن دفعوا الثمن، بل امتدت الأضرار لتطال النظام البيئي الهشَّ للمدينة، حيث تلوَّثت الموارد الطبيعية، وتراكمت النفايات، وتدهور الهواء والتربة، مع تراجع ملحوظ في الغطاء النباتي ونفوق أعداد كبيرة من الحيوانات.

وأدى القتال العنيف والقصف العشوائي إلى تدمير منشآت صناعية وشبكات الصرف الصحي، فضلاً عن تسرُّب الوقود؛ ما تسبَّب في مستويات مرتفعة من التلوث داخل المدينة. كما تضرَّرت الحدائق العامة والمساحات الخضراء، وتحوَّلت بعض المناطق إلى مكبات نفايات عشوائية؛ نتيجة انهيار خدمات النظافة.

في ظلِّ هذه الظروف، فرَّت الحيوانات من بيئاتها الطبيعية، بينما نفقت أخرى بسبب نقص الغذاء والماء والمأوى. كذلك واجهت الطيور المهاجرة، التي كانت تتخذ من ضفاف النيل محطةً موسميةً، بيئةً أكثر قسوةً وتلوثاً وأقل أماناً.

حريق في إحدى مساحات الخرطوم التي كانت خضراء (الشرق الأوسط)

في عام 2024، شهدت مصفاة الجيلي شمال الخرطوم حريقاً هائلاً أدى إلى انبعاث كميات كبيرة من الغازات والجسيمات الدقيقة؛ ما شَّكل خطراً مباشراً على صحة الإنسان والحيوان، وأسهم في تدهور جودة الهواء. كما تسبَّب الحريق في إطلاق غازات مرتبطة بظاهرة الاحتباس الحراري، إضافة إلى تلوث التربة والمياه، مُهدِّداً التوازن البيئي في المنطقة. ولم تسلم الأشجار المعمرة في شارع النيل من تداعيات الحرب، إذ جرى قطع أعداد كبيرة منها، رغم ما كانت تُمثِّله من قيمة جمالية وبيئية، ودورها في تلطيف المناخ المحلي وتحسين جودة الحياة، ما يجعل فقدانها خسارة مزدوجة، بيئية وبصرية.

ورغم حجم الدمار، فإنَّ خبراء يرون أن التعافي البيئي يظلُّ ممكناً، شريطة تبني نهج «إعادة البناء الأخضر»، الذي يدمج بين إعادة الإعمار وحماية البيئة، ويستثمر المرحلة الحالية لإعادة تخطيط المدينة بصورة أكثر استدامة، عبر توسيع المساحات الخضراء والاعتماد على مصادر طاقة نظيفة وآمنة.

مصفاة «الجيلي» للبترول بعد استهدافها في وقت سابق مما أسهم في تردي البيئة نتيجة الغازات السامة المنبعثة منها (إكس)

وأكدت الأمين العام لـ«المجلس الأعلى للبيئة والترقية الحضرية» بولاية الخرطوم، غادة حسين العوض، أنَّ الحرب خلَّفت أضراراً بيئية جسيمة، شملت تلوث المياه والهواء والتربة، وتدمير منشآت حيوية، من بينها مصفاة الجيلي، إلى جانب نهب وتخريب الموارد الطبيعية والبنية التحتية، وفقدان المختبر البيئي المرجعي. وأوضحت أن خطة استراتيجية عشرية للفترة 2026 - 2036، يجري إعدادها لإعادة الإعمار، مع التركيز على قطاع النظافة الذي فقد نحو 90 في المائة من آلياته، إلى جانب تنفيذ خطة متكاملة لإدارة النفايات؛ تشمل تأهيل المرافق البيئية، ومعالجة النفايات الطبية، وإعادة تأهيل المناطق الصناعية، وتعويض الغطاء النباتي. كما أشارت إلى إطلاق مبادرات للتشجير وتأهيل الشوارع باستخدام الطاقة الشمسية، وإعادة تأهيل المشاتل، ضمن خطة واسعة لإعادة تشجير العاصمة وتعزيز الاستدامة البيئية.

دراسة أممية لرصد الأضرار

وفي السياق ذاته، أجرى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في السودان دراسةً ميدانيةً عقب اندلاع الحرب في 2023؛ لتقييم الآثار البيئية في ولايتَي الخرطوم والجزيرة، حيث اعتمدت في مرحلتها الأولى على صور الأقمار الاصطناعية لرصد التغيُّرات في الغطاء النباتي والتربة، وقياس مستويات التلوث في الهواء والمياه، وتقييم الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

ومع تحسُّن الأوضاع الأمنية، انتقلت الفرق إلى العمل الميداني، حيث زارت المناطق الأكثر تضرراً، وأجرت مشاورات مع الجهات الحكومية والمجتمعات المحلية، ما أظهر تدهوراً كبيراً في الغابات؛ نتيجة القطع الجائر واستخدام الأخشاب وقوداً، إلى جانب تلوث ملحوظ في المياه، في حين سجَّلت الانبعاثات انخفاضاً مؤقتاً؛ بسبب توقف الأنشطة الصناعية وحركة النقل.

مساحات شاسعة في الخرطوم أصبحت قاحلة بعد أن كانت خضراء في أوقات سابقة (الشرق الأوسط)

وأشار البرنامج إلى إطلاق مبادرة تحت شعار «معاً من أجل بيئة متعافية ومجتمعات مستقرة»، تهدف إلى تعزيز الشراكات لدعم التعافي البيئي، عادّاً أنَّ المرحلة الحالية تمثل فرصةً لمعالجة اختلالات إدارة النفايات والبنية التحتية، رغم التحديات المرتبطة بمخلفات الحرب.

من جهته، يرى أستاذ الغابات والموارد الطبيعية، طلعت دفع الله، أنَّ تعافي النظام البيئي ممكن، لكنه يتطلَّب وقتاً طويلاً وجهوداً متواصلة، نظراً لحجم الدمار الذي طال قطاعات حيوية، مثل الكهرباء والمياه والخدمات الأساسية، إلى جانب تراكم النفايات والأنقاض ومخاطر المخلفات المُتفجِّرة. وأوضح أن التعافي البيئي للخرطوم يرتبط بتعافي السودان كله، مشيراً إلى أن تركيز المساعدات الدولية على الجوانب الإنسانية جاء على حساب البرامج البيئية والتنموية طويلة الأجل، ما يجعل التعافي مشروطاً بوقف الحرب، وإزالة مخلفات القتال، واستعادة الخدمات الأساسية، وإعادة تشغيل المؤسسات البيئية، ضمن رؤية متكاملة تربط بين الغابات والمياه والمراعي والحياة البرية.

ما تبقَّى من الأشجار المعمرة في الخرطوم (الشرق الأوسط)

بدوره، أكد الخبير البيئي، ساري نقد، أنَّ التعافي البيئي يقوم على مسارَين متكاملَين، أولهما التعافي الطبيعي الذي يحدث تدريجياً مع تراجع الضغوط البشرية، وثانيهما التدخل المنظم، الذي يسرّع استعادة التوازن البيئي عبر إعادة التشجير، ومعالجة التربة والمياه، وإزالة المخلفات، وتنظيم استغلال الموارد، مع تفعيل الرقابة البيئية.

ورغم حجم الأضرار، فإنَّ الخبراء يجمعون على أنَّ الخرطوم لا تزال قابلةً للتعافي، وأن الاستثمار في البيئة خلال هذه المرحلة يمثل ركيزةً أساسيةً لتحقيق الاستقرار، واستعادة الحياة الطبيعية، وبناء مستقبل أكثر استدامة وأماناً للأجيال المقبلة.


الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
TT

الاتحاد العام التونسي للشغل يختار رئيساً جديداً في خضم أزمة داخلية

نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)
نور الدين الطبوبي قاد الاتحاد منذ عام 2017 (أ.ف.ب)

أعلن الاتحاد العام التونسي للشغل، وهو قوة اجتماعية وسياسية بارزة في تونس تشهد حالياً أزمةً داخليةً وتوترات مع الحكومة، اليوم (السبت)، تعيين رئيس جديد له إثر انعقاد مؤتمره الوطني. وتولى صلاح الدين السالمي نائب الأمين العام السابق، منصب الأمين العام للاتحاد خلفاً لنور الدين الطبوبي، الذي قاد الاتحاد منذ عام 2017.

وكان الاتحاد قد فاز مناصفةً بجائزة «نوبل للسلام» عام 2015، لدوره في التحوُّل الديمقراطي في تونس بعد ثورة 2010-2011.

وانتُخب السالمي من جانب اللجنة التنفيذية الجديدة، التي شُكِّلت في المؤتمر الذي عُقد في الفترة من 25 إلى 27 من مارس (آذار) الحالي في المنستير على الساحل الشرقي للبلاد. وواجه الطبوبي معارضةً شديدةً من فئة من المنضوين داخل الاتحاد، أخذت عليه ما عدّته افتقاراً في الشفافية في إدارته، وأدت هذه الأزمة إلى تقديم الطبوبي استقالته في ديسمبر (كانون الأول) الماضي، قبل أن يتراجع عنها بعد شهر.

وفي افتتاح المؤتمر، تظاهرت مجموعة من المعارضين؛ احتجاجاً على انعقاده. الأربعاء، أقرَّ نور الدين الطبوبي بالصعوبات التي تواجه الاتحاد، قائلاً إن الاتحاد العام التونسي للشغل يمرُّ بأزمة عابرة لكنه سيظلُّ «قوياً شامخاً كالجبل».

وإضافة إلى التوترات الداخلية، يتعرَّض الاتحاد لضغوط من الحكومة. فقد دافع الرئيس قيس سعيد، الذي دعمه الاتحاد بشروط عام 2021، عن المتظاهرين الذين طالبوا برحيل قادته. وفي أوائل مارس الحالي، ندَّد الاتحاد بقرار حكومي يهدِّد الاقتطاعات التلقائية من رواتب الأعضاء، عادّاً إياها تهديداً وجودياً لتمويله. تأسس الاتحاد عام 1946، وكان ركيزة أساسية في الاحتجاجات ضد الاستعمار الفرنسي (1881 - 1956).