هل حوّل الانقسام السياسي سفارات ليبيا إلى أداة لكسب الولاءات؟

ديوان المحاسبة رصد ارتفاع بند الرواتب بنسبة 37% في ظل عجز مالي

الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
TT

هل حوّل الانقسام السياسي سفارات ليبيا إلى أداة لكسب الولاءات؟

الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)

أعاد تقرير رقابي حديث صدر، الأسبوع الماضي، عن ديوان المحاسبة الليبي تسليط الضوء على أوضاع السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج، بعدما كشف عن ارتفاع ملحوظ في مخصصات بند الرواتب بنسبة 37 في المائة خلال عام 2024، مقارنة بالعام السابق له.

وأثار هذا الارتفاع موجة انتقادات جديدة وُجهت إلى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة ووزارة خارجيتها، بشأن معايير الإنفاق وآليات التعيين داخل السلك الدبلوماسي، ودور الترضيات السياسية والميليشيات بهذه التعيينات في بلد يعيش حالة انقسام حكومي، وسياسي وأمني مستمر بين شرقه وغربه منذ 7 سنوات.

وتعكس القفزة التي سجلتها مرتبات العاملين بالسفارات والبعثات الدبلوماسية بأكثر من 953 مليون دينار، بحسب رؤية وكيل وزارة الخارجية السابق، حسن الصغير، «استنزافاً ممنهجاً» لميزانيات السفارات، وعزاها إلى «التوسع غير المبرر في أعداد الموظفين، واستحداث بعثات دبلوماسية لا تستجيب لحاجات فعلية، إلى جانب تضخم المطالبات المالية»، بحسب تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

ويستند المسؤول الليبي السابق في تقييمه إلى بيانات ديوان المحاسبة، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، التي أشارت إلى ارتفاع إجمالي نفقات الرواتب إلى مليار و999 مليوناً و622 ألف دينار، مقابل مليار و45 مليوناً و846 ألف دينار في عام 2023. (الدولار يساوي 5.41 دينار في السوق الرسمية و8.71 دينار بالسوق الموازية).

ومن منظور أكاديمي، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، أن هذه الزيادة «غير طبيعية ومُبالغ فيها» في بلد يعاني عجزاً مالياً يقدر بـ300 مليون دولار، مبرزاً ما عدّه «ضعفاً واضحاً لمبدأ الجدارة والكفاءة في التعيينات، مع استخدام محاصصة المناصب لكسب ولاءات سياسية واجتماعية من جانب السلطات في غرب البلاد في ظل الانقسام السياسي».

ويصف مخلوف التوسع في البعثات بأنه «غير قانوني، ولم يحقق أي نجاح ملموس في السياسة الخارجية»، عاداً أن هذه الممارسات تعكس اختلال أولويات الدولة، وتفريطاً في الموارد العامة دون أي أثر إيجابي في الأداء الدبلوماسي.

وحيال هذا الواقع، هناك من قرر اللجوء إلى ساحات القضاء؛ إذ أعلن عبدالسلام أبو غالية، عضو مجلس السياسات في «الحزب الديمقراطي»، عزمه الطعن أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بعدم دستورية القانون المنظم للعمل الدبلوماسي، الصادر في عهد النظام السابق، بحجة أنه لم يعد ملائماً للمرحلة الراهنة، وأسهم في إضعاف الأداء المؤسسي عبر الاستعانة بشخصيات غير محترفة في العمل الدبلوماسي.

في المقابل، دافع مصدر دبلوماسي ليبي رفيع المستوى عن وزارة الخارجية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «ميزانيتها تُعد الأدنى بين الوزارات السيادية؛ إذ لا تتجاوز سقف ملياري دينار»، وبالقياس فإن نفقات المرتبات خلال العام الماضي في وزارة الدفاع بغرب البلاد بلغت نحو 4.2 مليار دينار، أما في وزارة الداخلية فقد بلغت نحو 4.9 مليار دينار خلال العام نفسه، بحسب مصرف ليبيا المركزي.

ورأى المصدر الدبلوماسي أن «تحميل وزارة الخارجية وحدها مسؤولية الإخفاقات القائمة يفتقر إلى الإنصاف»، عاداً أن الخلل الحقيقي يكمن في تدخل أطراف متعددة في العمل الدبلوماسي، وإخراجه عن مساره المهني، ما وضع العاملين في الوزارة «بين مطرقة ضعف القدرة على أداء مهامهم، وسندان اللوم من الرأي العام».

وأشار المصدر نفسه إلى أن الانقسام السياسي ومحاولات السلطات المتعاقبة تقديم ترضيات سياسية لأطراف نافذة، ومجموعات مسلحة وشبكات مصالح، حوّلت السفارات إلى «أداة للمحاصصة»، لافتاً إلى أن نحو 10 في المائة فقط من العاملين في بعض البعثات هم موظفون أصليون تابعون للوزارة، بينما جرى تعيين البقية من خارجها، أو حتى من خارج القطاع العام.

كما أوضح المصدر الدبلوماسي نفسه أن وزارة الخارجية تتحمل أعباءً مالية إضافية، تتعلق بالملاحق الصحية والعسكرية والتعليمية، رغم أن هذه الكوادر تتبع في الأصل وزارات الدفاع والصحة والتعليم، منتقداً تعيين ملاحق في دول لا تربطها بليبيا علاقة أو عسكرية أو عمالية.

وكشف التقرير الرقابي الصادر، الأربعاء، لعام 2024، عن استحداث وظائف جديدة ضمن الملاك الوظيفي للملحقين الفنيين والعسكريين والعماليين والاقتصاديين والصحافيين، إلى جانب تشديد إجراءات تأمين السفارات، والتوسع في برامج الإيفاد إلى الخارج، مع تسجيل ملاحظة لافتة بشأن ارتفاع أعداد العمالة المحلية الأجنبية في بعض البعثات، مقارنة بعدد الدبلوماسيين العاملين فيها.

ولا يعد الجدل حول ميزانية السفارات ومرتبات الدبلوماسيين جديداً؛ إذ شهد غرب ليبيا، صيف العام الماضي، موجة انتقادات مماثلة؛ ما دفع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، إلى إصدار إجراءات تقشفية شملت إغلاق 25 سفارة، وتقليص الكادر الدبلوماسي بنسبة 20 في المائة. وقد قوبلت هذه الخطوات بترحيب سياسي من جهة، وعُدت محاولة لامتصاص غضب الشارع من جهة أخرى.

غير أن المصدر الدبلوماسي يرى عكس ذلك، قائلاً إن «ليبيا بحاجة إلى توسيع تمثيلها الخارجي، خصوصاً في الدول ذات الجاليات الكبيرة»، بينما يؤكد الباحث علي سليم أن الحديث عن أي إصلاح يبدو «شكلياً»، إذا لم يشمل «إغلاق السفارات غير الفاعلة، وتقليص الكادر المتضخم، وربط المرتبات بالأداء والنتائج».


مقالات ذات صلة

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

شمال افريقيا آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

لم تكد تمر ساعات على تحذيرات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا من هجمات الميليشيات، حتى تعرضت محطة كهرباء جنوب الزاوية لهجوم جديد.

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا محافظ المصرف المركزي الليبي ناجي عيسى خلال اجتماع سابق مع اللجنة الوطنية لمكافحة غسل الأموال (المصرف المركزي)

انتشار الفوضى ينعش جرائم «غسل الأموال» في ليبيا

تسلط تحويلات وإيداعات مصرفية مشبوهة تجاوزت قيمتها 24 مليون دينار ليبي الضوء مجدداً على اتساع مخاطر غسل الأموال في ليبيا.

علاء حموده (القاهرة)
العالم العربي وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي يستقبل نظيره التركي خلال لقاء سابق في مدينة العلمين (الخارجية المصرية)

الترتيبات الإقليمية تتصدر زيارة وزير الخارجية التركي إلى مصر

تهيمن التطورات بالمنطقة وتعزيز التعاون الثنائي، على زيارة وزير الخارجية التركي، هاكان فيدان، الخميس، إلى مصر، والتي تشمل لقاءات مع الرئيس عبد الفتاح السيسي.

محمد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا حفتر يعزي عائلة رئيس الاستخبارات العسكرية بالجيش الوطني فوزي المنصوري الذي اغتيل في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

سلطات شرق ليبيا تعلن إحباط «مخطط إرهابي» في بنغازي

باشرت السلطات في شرق ليبيا تحقيقات مكثفة مع أفراد خلية إرهابية أُلقي القبض عليها في مدينة بنغازي، للاشتباه في تخطيطها لتنفيذ أعمال تهدد أمن المواطنين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الدبيبة ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال مباحثات في العاصمة الليبية طرابلس اليوم الثلاثاء (مكتب الدبيبة)

توحيد المؤسسات الليبية يتصدر محادثات الدبيبة وفيدان في طرابلس

تصدر ملف توحيد المؤسسات الليبية مباحثات رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في غرب ليبيا عبد الحميد الدبيبة، ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الثلاثاء.

علاء حموده (القاهرة)

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
TT

«مسيرات» الميليشيات تستهدف محطة كهرباء بالزاوية الليبية

آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)
آثار حريق محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الأربعاء (الشركة العامة للكهرباء)

لم تكد تمر ساعات على تحذيرات رئيس حكومة الوحدة الوطنية المؤقتة في ليبيا، عبد الحميد الدبيبة، بمحاسبة الأطراف المتورطة في هجمات بطائرات مسيّرة استهدفت مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية (غرب)، حتى تعرضت محطة كهرباء جنوب المدينة لهجوم جديد في وقت متأخر الثلاثاء.

وهذا التصعيد الذي بدا من منظور مراقبين تجاهلاً لتحذيرات الدبيبة، أثار أيضاً مخاوف من اتساع دائرة الاستهداف لتشمل منشآت حيوية، تمس حياة السكان مباشرة.

بقايا طائرة مسيرة استهدفت محطة كهرباء في جنوب مدينة الزاوية الليبية الثلاثاء (الشركة العامة للكهرباء)

ويأتي الهجوم الأحدث بعد سلسلة اعتداءات طالت خلال الأيام الماضية منشآت نفطية في الزاوية، وسط تقارير محلية وشهادات عن استخدام مجموعات مسلحة طائرات مسيّرة في تنفيذها، ما يضع السلطات في طرابلس أمام اختبار أمني متزايد لمدى قدرتها على احتواء الجماعات المسلحة، الناشطة في المنطقة الغربية.

ووسط استياء شعبي عم مدينة الزاوية نتيجة انقطاع التيار الكهربائي، نشرت الشركة العامة للكهرباء، الأربعاء، صوراً للأضرار التي لحقت بمحطة تحويل جنوب الزاوية، جراء استهدافها ليل الثلاثاء، موضحة أن الهجوم أدى إلى احتراق المحطة بالكامل وخروجها عن الخدمة، ما تسبب في فقدان التغذية الكهربائية عن مناطق واسعة جنوب المدينة.

وقالت الشركة إنها اتخذت الإجراءات الفنية اللازمة لحصر الأضرار وتقييمها، تمهيداً للبدء في إعادة تأهيل المحطة، التي تضم محولين بكامل ملحقاتهما بجهد 11/30 كيلوفولت.

احتراق مرافق ومنشآت نفطية في مدينة الزاوية بعد استهدافها بطائرات مسيّرة (أ.ب)

وكانت الشركة قد حذرت، عقب الهجوم، من خطورة استمرار الاعتداءات على منشآت ومكونات الشبكة الكهربائية، مؤكدة أن فقدان المزيد من محطات التحويل، وخطوط ومكونات نقل الطاقة، قد يؤدي إلى اضطرابات واسعة في المنظومة، تصل إلى إطفاء جزئي أو عام للشبكة.

وأوضحت الشركة أن الظروف الأمنية التي شهدتها الزاوية خلال الفترة الماضية انعكست بصورة مباشرة على قطاع الكهرباء، وتسببت في أضرار لعدد من منشآت ومكونات الشبكة، فضلاً عن تعطيل برامج الصيانة وتأثر وحدات الإنتاج في محطة كهرباء الزاوية.

وأضافت الشركة أن تدهور الوضع الأمني خلال يونيو (حزيران) الماضي دفع شركة «جي إي» الأميركية إلى سحب فرقها الفنية، وتعليق أعمالها في المحطة، الأمر الذي أدى إلى تأخر استكمال أعمال الصيانة، واستمرار فقدان أكثر من 700 ميغاوات من القدرة الإنتاجية، من إجمالي قدرة للمحطة تبلغ نحو 1300 ميغاوات.

جهود رجال الإطفاء لإخماد النيران التي اندلعت بمنشآت نفطية في الزاوية (أ.ب)

وحمّلت الشركة مسؤولية أي تبعات قد تلحق بالشبكة، أو تؤثر في استمرارية التغذية الكهربائية، لاستمرار استهداف منشآتها ومكوناتها، وتعذر تنفيذ أعمال الصيانة والتشغيل في بيئة آمنة.

وجاء الهجوم الجديد فيما تواجه السلطات في طرابلس ضغوطاً متزايدة لاحتواء التوتر الأمني في الزاوية، خصوصاً في ظل علاقات وتفاهمات سابقة مع عدد من التشكيلات المسلحة النافذة في المنطقة الغربية.

وكان الدبيبة ونائب رئيس المجلس الرئاسي، عبد الله اللافي، قد عقدا خلال اليومين الماضيين لقاءات مع قادة مجموعات مسلحة في طرابلس والزاوية، في مساعٍ لخفض التوتر، ومنع انزلاق المنطقة إلى مواجهة أوسع.

وقبل ساعات قليلة من الهجوم، وصف الدبيبة، في بيان عبر منصة «إكس» مساء الثلاثاء، استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة، وتصعيد لن يمر دون رد»، معتبراً أنه عمل منظم تجاوز «خطأ لا يمكن السماح بتجاوزه»، ويمس أمن البلاد واقتصادها ومقدرات الليبيين.

وأوضح الدبيبة أن الجهات المختصة باشرت التحقيقات لتحديد مصدر الطائرات المستخدمة في الهجوم، مشيراً إلى أنه تابع تطورات الحريق الذي اندلع في خزان بالمنطقة الصناعية في الزاوية، الواقعة على بعد نحو 40 كيلومتراً غرب طرابلس، ووجّه برفع مستوى الاستجابة مع إعطاء الأولوية لحماية الأرواح ومنع امتداد النيران.

وتكتسب الزاوية، الواقعة على بُعد نحو 40 كيلومتراً غرب العاصمة طرابلس، أهمية استراتيجية، إذ تضم أكبر مصفاة نفط عاملة في ليبيا بطاقة إنتاجية تبلغ 120 ألف برميل يومياً، وترتبط بإمدادات حقل الشرارة النفطي، الذي تصل طاقته الإنتاجية إلى نحو 300 ألف برميل يومياً. لكنها تشهد في المقابل انتشاراً لفصائل مسلحة متعددة الولاءات، تتنافس على النفوذ ومسارات تهريب الوقود والبشر والهجرة غير النظامية، وفق تقارير أممية.

الدبيبة وصف استهداف المنشآت الحيوية بالطائرات المسيّرة بأنه «جريمة خطيرة» (إ.ب.أ)

وفي موازاة التصعيد الأمني، تكثف الأمم المتحدة اتصالاتها لدعم التهدئة في المنطقة الغربية. وأكدت مبعوثة الأمم المتحدة إلى ليبيا، هانا تيتيه، دعم البعثة الكامل للجهود الرامية إلى خفض التوتر واستعادة الاستقرار، مشددة على ضرورة حماية المدنيين ودعم حقوق الإنسان، إلى جانب توفير الدعم السياسي والمؤسسي لتنفيذ الترتيبات الأمنية على امتداد الساحل الغربي.

وجددت تيتيه، خلال لقائها في طرابلس رئيس أركان القوات الموالية لحكومة الوحدة صلاح النمروش ووفداً من مدينة صرمان، ضم النائب الأول لرئيس مجلس النواب فوزي النويري، دعم الأمم المتحدة للجهود الرامية إلى إنهاء القتال وضمان سلام وأمن مستدامين.

وأشادت المبعوثة بالاجتماع الذي عقد مؤخراً بين رئيسي الأركان العامة في سرت، معتبرة أن مثل هذه الخطوات يمكن أن تشكل مدخلاً عملياً نحو إعادة توحيد المؤسسة العسكرية الليبية، في وقت تتزايد فيه الدعوات إلى معالجة أسباب التوتر الأمني في المنطقة الغربية، ومنع تحوله إلى تهديد مباشر للمنشآت الحيوية والسكان.


تركيا تتطلع لدور تنسيقي ضمن جهود توحيد المؤسسات الليبية

المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)
TT

تركيا تتطلع لدور تنسيقي ضمن جهود توحيد المؤسسات الليبية

المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)
المشير خليفة حفتر ووزير الخارجية التركي هاكان فيدان خلال لقائهما في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)

أكد وزير الخارجية التركي هاكان فيدان، الأربعاء، حرص بلاده على «دعم الجهود الرامية إلى توحيد المؤسسات الليبية»، معرباً عن تطلع أنقرة إلى الاضطلاع بدور في تنسيق الجهود الدولية، و«دعم المبادرة الأميركية الرامية إلى إنهاء الانقسام المؤسسي في ليبيا».

جاء ذلك خلال مباحثات أجراها فيدان في بنغازي مع قائد «الجيش الوطني» المشير خليفة حفتر، ونائبه الفريق أول صدام حفتر، إلى جانب رئيس الأركان خالد حفتر، وذلك في اليوم الثاني من زيارة الوزير التركي إلى ليبيا.

وكان فيدان قد بدأ زيارته، الثلاثاء، من طرابلس، حيث التقى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة، ورئيس المجلس الرئاسي محمد المنفي، ورئيس المجلس الأعلى للدولة محمد تكالة، قبل أن ينتقل إلى بنغازي للقاء عدد من كبار المسؤولين في شرق البلاد.

وتأتي الزيارة في توقيت حساس، تشهد فيه ليبيا تكثيفاً للاتصالات بشأن المبادرة الأميركية التي يقودها مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، والرامية إلى الدفع نحو صيغة جديدة لتوحيد السلطة التنفيذية، والمؤسسات المنقسمة في البلاد.

وبحسب ما جرى تداوله عن ملامح المبادرة، فإنها تتضمن إعادة ترتيب السلطة التنفيذية، مع إسناد رئاسة المجلس الرئاسي إلى صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، والإبقاء على الدبيبة رئيساً للحكومة، في إطار صيغة تستهدف جمع مراكز القوى الرئيسية في شرق البلاد وغربها.

وخلال لقائه حفتر، أعرب فيدان عن تقديره لدوره، وفق بيان للقيادة العامة، معتبراً أن زيارته تمثل امتداداً لمسار تطوير العلاقات بين تركيا وليبيا. كما أشار إلى بدء القنصلية التركية في بنغازي أعمالها، بعد تعيين قنصل تركي جديد.

وقدم الوزير التركي تعازيه إلى حفتر في وفاة الفريق فوزي المنصوري، مدير إدارة الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا، الذي اغتيل، الاثنين، إثر استهداف سيارته بعبوة ناسفة في حي الهواري بمدينة بنغازي.

من جانبه، أكد حفتر «متانة العلاقات بين ليبيا وتركيا وما تشهده من تطور»، مشيراً إلى مساهمة الشركات التركية في مشاريع إعادة الإعمار، وارتفاع مستوى التبادل التجاري بين البلدين.

ووفق بيان القيادة العامة، فقد أكد الجانبان أهمية مواصلة توطيد العلاقات الثنائية وتعزيزها بما يخدم المصالح المشتركة.

وعقب اللقاء، استقبل رئيس مجلس النواب، عقيلة صالح، وزير الخارجية التركي في مكتبه بمقر المجلس في بنغازي، بحسب وكالة أنباء «الأناضول».

صدام حفتر مرحباً بفيدان في بنغازي الأربعاء (إعلام القيادة العامة)

وتعكس جولة فيدان في شرق ليبيا وغربها انفتاحاً تركياً متزايداً على مختلف مراكز القوة في البلاد، بعدما ارتبط الدور التركي خلال حرب طرابلس عامي 2019 و2020 بصورة وثيقة بحكومة «الوفاق الوطني» السابقة في غرب ليبيا.

وكان ملف توحيد المؤسسات الليبية في صدارة مباحثات فيدان مع الدبيبة في طرابلس، الثلاثاء، فيما شدد المنفي خلال لقائه الوزير التركي على ضرورة أن تسهم مختلف الجهود في توحيد مؤسسات الدولة، وأن تستند أي مبادرات أو تفاهمات إلى احترام مؤسسات الدولة والسيادة الوطنية، و«ملكية الليبيين للعملية السياسية»، وصولاً إلى انتخابات تنهي المراحل الانتقالية وتؤسس لاستقرار مستدام.

كما بحث فيدان مع تكالة الجهود الرامية إلى دفع العملية السياسية نحو التوافق والاستقرار، من دون الكشف عن تفاصيل إضافية بشأن المباحثات.


أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
TT

أزمة «ملكية خطوط الجوال» تربك المصريين المغتربين

خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)
خلال لقاء وزير الخارجية المصري بأبناء الجالية المصرية في نيويورك سبتمبر 2025 (وزارة الخارجية المصرية)

فوجئت سمر إسماعيل (اسم مستعار)، وهي مصرية تُقيم في كندا منذ سنوات طويلة، بأن رقمها القومي المصري مُسجَّل عليه عدد من خطوط الهاتف الجوال (الشرائح) التي لا تعلم عنها شيئاً، ما دفعها إلى توكيل المحامي حسن شومان لاتخاذ الإجراءات اللازمة لتعقّب هذه الأرقام، تجنباً لتورطها في أي مشكلة أو مسؤولية قانونية بسببها.

ويؤكد شومان لـ«الشرق الأوسط» أنه بمجرد حصوله على التوكيل الذي ستُحرره سمر في السفارة المصرية بكندا سيتوجه إلى فرع شركة الجوال لتوقيع إنكار ملكية، ثم يحرر محضراً في قسم الشرطة لحماية موكلته من التورط في أي جريمة من الممكن ارتكابها بهذه الخطوط.

ورغم ما حققته أزمة خطوط الجوال الأخيرة من قلق وارتباك لدى المصريين في الداخل، فقد حققت أضعاف ذلك للمصريين بالخارج، ممن قد يتعرض أحدهم للتوقيف في المطار بسبب حكم في جريمة لا يعلم عنها شيئاً.

ويزيد من صعوبة موقف المغتربين، عجز الكثيرين منهم عن مجرد الاستعلام عن هذه الخطوط، إذ يتطلب أبلكيشن «ماي نترا»، التابع لـ«الجهاز القومي للاتصالات»، رقماً مصرياً، يتم عبره إرسال رقم سري لاستكمال خطوات التسجيل، وهو ما فشل أحمد إبراهيم، الذي يعمل في إحدى دول الخليج، فيه.

ويقول إبراهيم لـ«الشرق الأوسط»، إنه تابع ما حدث مع المصري عمرو عمارة بقلق، وحاول الاستعلام وحمّل التطبيق، لكنه لا يملك خطّاً مصرياً، إذ إنه مغترب منذ 10 سنوات وخطه القديم جرى إيقافه.

وعمارة، هو طالب مصري جامعي، حُكم عليه بالسجن المؤبد (25 عاماً) في قضية اتجار بالمخدرات، بعد سقوط عصابة تهريب للمواد المخدرة تستخدم خطاً مسجلاً باسمه في عملياتها الإجرامية. وظهر الشاب قبل تسليم نفسه لإعادة إجراءات المحاكمة، ليبين أنه قدّم بطاقته لشقيقة صديقه التي تعمل في إحدى فروع الاتصالات، فسجّلت خطاً باسمه، لكنه لم يتسلمه أو يستخدمه، ولا يعلم كيف وصل إلى هذه العصابة.

وأضاف إبراهيم، الذي يعمل في المجال الطبي، أنه لم يكن يستطيع أن يأخذ أي رد فعل فوري لو اكتشف تسجيل خطوط باسمه، مضيفاً: «توكيل المحامي يحتاج للذهاب إلى السفارة، ومواعيد عملها تتعارض مع مواعيد عملي».

مصريات في نيويورك (وزارة الخارجية المصرية)

وواجهت السيدة المصرية المقيمة في كندا مشكلة إبراهيم نفسها، ويوضح محاميها شومان، أنه «لم يكن لديها خط مصري يعمل حتى تستعلم من خلاله عن الأرقام المرتبطة برقم هويتها، فلجأت إلى حيلة بإدخال رقم والدتها المصري، وتمكنت في النهاية من التسجيل»، لافتاً إلى أن «هذه المشكلة تواجه كثيراً من المصريين في الخارج، وعلى (الجهاز القومي للاتصالات) الانتباه لها وحلها، بأن يكون التسجيل مقصوراً على الرقم القومي فقط».

ورأى وكيل نقابة المحامين سابقاً، مجدي سخي، أن حالة الإرباك التي يعيشها المصريون في الخارج هي جزء من الأزمة، مضيفاً: «إذا كان مصريو الداخل لا يعلمون الإجراءات التي يجب عليهم اتخاذها تجاه هذه الأزمة، فما بالنا بالخارج»، ناصحاً كل من وجد خطوطاً دون علمه فعليه توكيل محامٍ يتحرك نيابة عنه في الإجراءات.

وكان «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» قد أحال، الاثنين، شركات الهواتف الجوالة الأربع إلى النيابة العامة للتحقيق فيما ورد من شكاوى من مستخدمين اكتشفوا تسجيل خطوط جوالة بأسمائهم دون حيازتهم لها، وذلك «في ضوء ما قام به الجهاز من إجراءات الفحص والتفتيش للشكاوى الواردة إليه خلال اليومين الماضيين، وما تلا ذلك من استكمال للأدلة والقرائن والمستندات المرتبطة بها».

مبنى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» في مصر (الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات)

وتلقى «الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات» أكثر من 4 آلاف شكوى وفق ما أوضحه المتحدث باسم الجهاز محمد إبراهيم، في تصريحات إعلامية.

وبينما يحاول المصريون في الخارج الوصول إلى الأرقام المسجلة بأسمائهم، يتخوف جزء آخر منهم من أن الأزمة الأخيرة سيترتب عليها تحديث للبيانات يستوجب وجود صاحب الخط بنفسه، وهو ما لن يستطيعوا تحقيقه، ما قد يعرض خطوطهم المصرية للوقف رغم ما ترتبط به من حسابات ومعاملات، مطالبين عبر «السوشيال ميديا» بوضع حالاتهم في الحسبان، وإتاحة وسائل للتحقق وتقديم الشكاوى عبر السفارات والقنصليات المصرية بالخارج.