هل حوّل الانقسام السياسي سفارات ليبيا إلى أداة لكسب الولاءات؟

ديوان المحاسبة رصد ارتفاع بند الرواتب بنسبة 37% في ظل عجز مالي

الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
TT

هل حوّل الانقسام السياسي سفارات ليبيا إلى أداة لكسب الولاءات؟

الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)
الدبيبة ووزير خارجيته المكلف الطاهر الباعور خلال مؤتمر في طرابلس نوفمبر الماضي (حكومة الدبيبة)

أعاد تقرير رقابي حديث صدر، الأسبوع الماضي، عن ديوان المحاسبة الليبي تسليط الضوء على أوضاع السفارات والبعثات الدبلوماسية في الخارج، بعدما كشف عن ارتفاع ملحوظ في مخصصات بند الرواتب بنسبة 37 في المائة خلال عام 2024، مقارنة بالعام السابق له.

وأثار هذا الارتفاع موجة انتقادات جديدة وُجهت إلى حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة ووزارة خارجيتها، بشأن معايير الإنفاق وآليات التعيين داخل السلك الدبلوماسي، ودور الترضيات السياسية والميليشيات بهذه التعيينات في بلد يعيش حالة انقسام حكومي، وسياسي وأمني مستمر بين شرقه وغربه منذ 7 سنوات.

وتعكس القفزة التي سجلتها مرتبات العاملين بالسفارات والبعثات الدبلوماسية بأكثر من 953 مليون دينار، بحسب رؤية وكيل وزارة الخارجية السابق، حسن الصغير، «استنزافاً ممنهجاً» لميزانيات السفارات، وعزاها إلى «التوسع غير المبرر في أعداد الموظفين، واستحداث بعثات دبلوماسية لا تستجيب لحاجات فعلية، إلى جانب تضخم المطالبات المالية»، بحسب تصريحه لـ«الشرق الأوسط».

ويستند المسؤول الليبي السابق في تقييمه إلى بيانات ديوان المحاسبة، أكبر جهاز رقابي في ليبيا، التي أشارت إلى ارتفاع إجمالي نفقات الرواتب إلى مليار و999 مليوناً و622 ألف دينار، مقابل مليار و45 مليوناً و846 ألف دينار في عام 2023. (الدولار يساوي 5.41 دينار في السوق الرسمية و8.71 دينار بالسوق الموازية).

ومن منظور أكاديمي، يرى أستاذ العلاقات الدولية بجامعة بنغازي، الدكتور محمد حسن مخلوف، أن هذه الزيادة «غير طبيعية ومُبالغ فيها» في بلد يعاني عجزاً مالياً يقدر بـ300 مليون دولار، مبرزاً ما عدّه «ضعفاً واضحاً لمبدأ الجدارة والكفاءة في التعيينات، مع استخدام محاصصة المناصب لكسب ولاءات سياسية واجتماعية من جانب السلطات في غرب البلاد في ظل الانقسام السياسي».

ويصف مخلوف التوسع في البعثات بأنه «غير قانوني، ولم يحقق أي نجاح ملموس في السياسة الخارجية»، عاداً أن هذه الممارسات تعكس اختلال أولويات الدولة، وتفريطاً في الموارد العامة دون أي أثر إيجابي في الأداء الدبلوماسي.

وحيال هذا الواقع، هناك من قرر اللجوء إلى ساحات القضاء؛ إذ أعلن عبدالسلام أبو غالية، عضو مجلس السياسات في «الحزب الديمقراطي»، عزمه الطعن أمام الدائرة الدستورية بالمحكمة العليا في طرابلس بعدم دستورية القانون المنظم للعمل الدبلوماسي، الصادر في عهد النظام السابق، بحجة أنه لم يعد ملائماً للمرحلة الراهنة، وأسهم في إضعاف الأداء المؤسسي عبر الاستعانة بشخصيات غير محترفة في العمل الدبلوماسي.

في المقابل، دافع مصدر دبلوماسي ليبي رفيع المستوى عن وزارة الخارجية، مؤكداً لـ«الشرق الأوسط» أن «ميزانيتها تُعد الأدنى بين الوزارات السيادية؛ إذ لا تتجاوز سقف ملياري دينار»، وبالقياس فإن نفقات المرتبات خلال العام الماضي في وزارة الدفاع بغرب البلاد بلغت نحو 4.2 مليار دينار، أما في وزارة الداخلية فقد بلغت نحو 4.9 مليار دينار خلال العام نفسه، بحسب مصرف ليبيا المركزي.

ورأى المصدر الدبلوماسي أن «تحميل وزارة الخارجية وحدها مسؤولية الإخفاقات القائمة يفتقر إلى الإنصاف»، عاداً أن الخلل الحقيقي يكمن في تدخل أطراف متعددة في العمل الدبلوماسي، وإخراجه عن مساره المهني، ما وضع العاملين في الوزارة «بين مطرقة ضعف القدرة على أداء مهامهم، وسندان اللوم من الرأي العام».

وأشار المصدر نفسه إلى أن الانقسام السياسي ومحاولات السلطات المتعاقبة تقديم ترضيات سياسية لأطراف نافذة، ومجموعات مسلحة وشبكات مصالح، حوّلت السفارات إلى «أداة للمحاصصة»، لافتاً إلى أن نحو 10 في المائة فقط من العاملين في بعض البعثات هم موظفون أصليون تابعون للوزارة، بينما جرى تعيين البقية من خارجها، أو حتى من خارج القطاع العام.

كما أوضح المصدر الدبلوماسي نفسه أن وزارة الخارجية تتحمل أعباءً مالية إضافية، تتعلق بالملاحق الصحية والعسكرية والتعليمية، رغم أن هذه الكوادر تتبع في الأصل وزارات الدفاع والصحة والتعليم، منتقداً تعيين ملاحق في دول لا تربطها بليبيا علاقة أو عسكرية أو عمالية.

وكشف التقرير الرقابي الصادر، الأربعاء، لعام 2024، عن استحداث وظائف جديدة ضمن الملاك الوظيفي للملحقين الفنيين والعسكريين والعماليين والاقتصاديين والصحافيين، إلى جانب تشديد إجراءات تأمين السفارات، والتوسع في برامج الإيفاد إلى الخارج، مع تسجيل ملاحظة لافتة بشأن ارتفاع أعداد العمالة المحلية الأجنبية في بعض البعثات، مقارنة بعدد الدبلوماسيين العاملين فيها.

ولا يعد الجدل حول ميزانية السفارات ومرتبات الدبلوماسيين جديداً؛ إذ شهد غرب ليبيا، صيف العام الماضي، موجة انتقادات مماثلة؛ ما دفع رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، عبد الحميد الدبيبة، إلى إصدار إجراءات تقشفية شملت إغلاق 25 سفارة، وتقليص الكادر الدبلوماسي بنسبة 20 في المائة. وقد قوبلت هذه الخطوات بترحيب سياسي من جهة، وعُدت محاولة لامتصاص غضب الشارع من جهة أخرى.

غير أن المصدر الدبلوماسي يرى عكس ذلك، قائلاً إن «ليبيا بحاجة إلى توسيع تمثيلها الخارجي، خصوصاً في الدول ذات الجاليات الكبيرة»، بينما يؤكد الباحث علي سليم أن الحديث عن أي إصلاح يبدو «شكلياً»، إذا لم يشمل «إغلاق السفارات غير الفاعلة، وتقليص الكادر المتضخم، وربط المرتبات بالأداء والنتائج».


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا صدام حفتر وعبد السلام الزوبي في سرت قبيل انطلاق تمرين «فلينتلوك» (قناة «ليبيا الحدث» المقربة من «الجيش الوطني»)

تعويل أميركي على «فلينتلوك 2026» لتحقيق التكامل العسكري بليبيا

عدّ مسعد بولس، مستشار الرئيس الأميركي، انطلاق تدريب «فلينتلوك 2026» متعدد الجنسيات في ليبيا، خطوة مهمة للأمام في سياق العمل على توحيد المؤسسة العسكرية المنقسمة.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.