«الصندوق الأسود» يربك رواية سقوط طائرة الحداد ويشعل تساؤلات الليبيين

جدل كبير بعد اعتذار ألمانيا عن تحليله

من مراسم تشييع الحداد ومرافقيه في مدينة مصراتة الليبية (مكتب الدبيبة)
من مراسم تشييع الحداد ومرافقيه في مدينة مصراتة الليبية (مكتب الدبيبة)
TT

«الصندوق الأسود» يربك رواية سقوط طائرة الحداد ويشعل تساؤلات الليبيين

من مراسم تشييع الحداد ومرافقيه في مدينة مصراتة الليبية (مكتب الدبيبة)
من مراسم تشييع الحداد ومرافقيه في مدينة مصراتة الليبية (مكتب الدبيبة)

خيّمت أجواء من الارتباك والجدل على المشهد الليبي عقب اعتذار ألمانيا عن تحليل الصندوق الأسود لطائرة «فالكون 50» التي تحطمت في أنقرة الأسبوع الماضي، وأودت بحياة رئيس الأركان التابع لحكومة «الوحدة» المشير محمد الحداد ومرافقيه.

وتزاحمت الشكوك مع الروايات الرسمية في النقاشات العامة لليبيين حول تفسير أسباب الحادث خلال الأربع والعشرين ساعة الماضية، وسط مخاوف البعض من أن يقود مسار التحقيق إلى نتائج حساسة تتجاوز حدود حادث طيران تقليدي.

الحداد بجوار المنفي قبل اجتماع الشهر الماضي في طرابلس (المجلس الرئاسي)

القرار الألماني الذي أعلنته وزارة الداخلية في حكومة «الوحدة الوطنية» الليبية، الجمعة، لم يُأخذ بوصفه إجراءً تقنياً صرفاً، بل فجّر تساؤلات واسعة لدى سياسيين ونشطاء بشأن دوافعه وتوقيته، لا سيما في ظل تأكيد الحكومة أن دولاً أخرى قادرة على تحليل الصندوق الأسود، وأن بريطانيا اختيرت لاستكمال الإجراءات الفنية، بالتوازي مع تحقيقات ليبية - تركية مشتركة لا تزال جارية.

وفي خضم جدل هيمن على مواقف سياسيين ونشطاء على منصات التواصل الاجتماعي، شدّد عضو لجنة الدفاع والأمن القومي بمجلس النواب الليبي، علي الصول، على أن «البرلمان يترقّب نتائج شفافة ودقيقة ونزيهة للتحقيقات الجارية في حادث سقوط الطائرة»، مؤكداً ضرورة «تحييد هذا الملف الحساس عن أي توظيف أو تسييس أو اتهامات لأي طرف».

الدبيبة في مراسم تشييع الحداد ومرافقيه في مدينة مصراتة الليبية (مكتب الدبيبة)

وقال الصول، في حديث لـ«الشرق الأوسط» إن «انخراط الليبيين بشكل مباشر في مسار التحقيق بات أمراً لا غنى عنه»، داعياً إلى «إشراك خبرات وكوادر ليبية متخصصة في مجال الطيران، إلى جانب أعضاء من مكتب النائب العام، بما يضمن سيادة القرار الوطني، ويعزّز ثقة الرأي العام في نتائج التحقيق، وصولاً إلى كشف مهني ومسؤول لأسباب الحادث وملابساته».

ومنذ اللحظة الأولى، بدا الاعتذار الألماني «غير مقنع» لقطاع من السياسيين والمحللين الليبيين، إذ يصعب - برأيهم - التسليم بعجز تقني لدولة تُعد من رواد العالم في صناعات الطيران والتحقيقات الفنية المعقّدة.

وتساءل عضو مجلس النواب سعيد مغيب، في منشور عبر حسابه بموقع «فيسبوك»: «من الذي لا يريد للحقيقة أن تظهر؟» فيما عبّر عضو المجلس الأعلى للدولة سعد بن شرادة عن استغرابه من غياب لجنة تحقيق مشتركة تضم الحكومتين المتنافستين في ليبيا وتركيا، متسائلاً عن أسباب عدم تشكيل مثل هذه اللجنة عقب الاعتذار الألماني.

وذهب بعض الفاعلين المحليين إلى أبعد من ذلك، إذ أدرج رئيس حزب «الائتلاف الجمهوري» عز الدين عقيل الحادث ضمن سردية أوسع أقرب إلى «نظرية المؤامرة»، عادّاً أن سقوط الطائرة لا يمثل مجرد خلل تقني، بل حلقة في سلسلة طويلة من الاضطرابات التي عاشتها ليبيا منذ عام 2011. وقال إن مصير الطائرة «يتصل اتصالاً عضوياً بما جرى للبلاد منذ إسقاط نظام القذافي وحتى لحظة رحيل الحداد».

أما الأكاديمي وأستاذ القانون الليبي مجدي الشبعاني، فقد رأى أن ألمانيا تمتلك قدرات متقدمة في تحليل الصناديق السوداء، وأن الامتناع عن القيام بهذه المهمة «من دون سبب قانوني أو فني واضح» يفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة، عادّاً أن هذا الموقف «لا يمكن قراءته قراءة تقنية بحتة، بل قد يُفهم بوصفه تحفّظاً أو تهرّباً ذا بعد سياسي».

غير أن عضو الأمانة العامة لحزب «ليبيا النماء» حسام فنيش يذهب إلى ضرورة الفصل بين المسارين الفني والسياسي، محذّراً من أن التسرع في تفسير الحادث سيزيد الغموض بدلاً من كشفه، وأكد لـ«الشرق الأوسط» أن «الحقيقة التقنية هي التي يجب أن ترسم حدود القراءة السياسية، لا العكس»، وأن التحقيقات في حوادث الطيران ذات الأبعاد السياسية ينبغي أن تنطلق من معطيات فنية مستقلة وموثوقة.

مراسم تشييع الحداد ومرافقيه في مدينة مصراتة الليبية (مكتب الدبيبة)

هذا الجدل الليبي الدائر، ومن منظور محللين من بينهم الباحث في المعهد الملكي البريطاني للدراسات الدفاعية والأمنية جلال حرشاوي، «ينطوي على مبالغة واضحة في سياق الأزمة السياسية الليبية وتراكماتها منذ 14 عاماً».

ويعتقد حرشاوي، متحدثاً لـ«الشرق الأوسط»، أن الحادث لا يمكن فصله عن المناخ العام للصراع في ليبيا، لكنه عبّر في الوقت ذاته عن «تشاؤمه من الوصول إلى نتائج حاسمة»، مستشهداً بحوادث طيران مشابهة لسياسيين وعسكريين حول العالم، بقيت ملابساتها غامضة حتى بعد مرور عقود.

يأتي الارتباك في تفسيرات ملف الصندوق الأسود لطائرة الحداد، فيما ودّع الليبيون ضحايا الحادث، حيث أدى آلاف المواطنين، الأحد، صلاة الجنازة في مدينتي مصراتة وغريان على رئيس الأركان ومرافقيه، في مشهد عكس حجم الصدمة التي خلّفها سقوط الطائرة.

وكانت طائرة «فالكون 50» قد تحطمت بعد أقل من 40 دقيقة على إقلاعها من أنقرة أثناء عودتها إلى طرابلس عقب زيارة رسمية إلى تركيا، يوم الثلاثاء الماضي، ما أسفر عن مصرع ثمانية أشخاص، بينهم خمسة ليبيين من كبار القادة العسكريين.

وضمت قائمة الضحايا، إلى جانب الحداد، قائد القوات البرية الفريق ركن الفيتوري غريبيل، ومدير التصنيع العسكري العميد محمود جمعة القطيوي، ومستشار رئيس الأركان محمد العصاوي، والمصور محمد عمر أحمد محجوب.


مقالات ذات صلة

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

شمال افريقيا وحدات النخبة الليبية التابعة للجيش الوطني خلال مشاركتها في تمرين «فلينتلوك 2026» المقام بمدينة سرت (شعبة الإعلام الحربي)

مستشار ترمب يتحدّث عن دور أكبر لليبيا في مكافحة الإرهاب

وصف مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية، الأربعاء، تمرين «فلينتلوك 2026»، الذي تستضيفه مدينة سرت الليبية، بأنه «إشارة تبعث على الأمل».

خالد محمود (القاهرة)
شمال افريقيا لقاء سابق بين صدام حفتر ومسعد بولس في بنغازي (إعلام القيادة العامة)

مصراتة تصعد رفضها للمبادرة الأميركية لتسوية الأزمة الليبية

تشهد مدينة مصراتة الليبية ذات الأهمية الاستراتيجية والاقتصادية في غرب البلاد حالة من الرفض المتصاعد حيال ما يُتداول بشأن «مقترح أميركي» لإعادة ترتيب السلطة

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا في نيويورك الثلاثاء (لقطة من تسجيل مصور)

شكوك وتساؤلات حول جدوى القيود الأممية على تهريب النفط الليبي

أثار قرار مجلس الأمن الدولي القاضي بتمديد التدابير والقيود الخاصة بمكافحة تهريب النفط الليبي حتى أغسطس 2027 شكوكاً متجددة حول جدوى هذه الإجراءات

علاء حموده (القاهرة)
شمال افريقيا المنفي يلتقي «نخبة من الفاعلين» بالعاصمة طرابلس (المجلس الرئاسي الليبي)

المنفي وتكالة يبحثان توحيد الجهود لكسر الجمود السياسي في ليبيا

شدّد محمد المنفي رئيس المجلس الرئاسي ومحمد تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا على «أهمية توحيد الجهود الوطنية والدفع بالمسارات الدستورية والقانونية».

خالد محمود (القاهرة)
أوروبا العلم البريطاني خارج إحدى محاكم لندن (رويترز-أرشيفية)

محاكمة سمسارَي أسلحة في بريطانيا أبرما صفقات مع ليبيا وجنوب السودان

أبلغ مدعون بريطانيون محكمة في لندن، اليوم الثلاثاء، أن اثنين من سماسرة الأسلحة رتبا صفقات غير قانونية لتزويد ليبيا وجنوب السودان بأسلحة.

«الشرق الأوسط» (لندن)

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
TT

«مؤتمر برلين»: تعهدات بـ 1.5 مليار دولار للسودان

المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)
المشاركون في المؤتمر الدولي بشأن السودان الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين يوم الأربعاء (أ.ف.ب)

تعهدت الجهات المانحة تقديم مساعدات بقيمة 1.5 مليار دولار إلى السودان، وذلك خلال المؤتمر الذي استضافته العاصمة الألمانية برلين أمس، برعاية ألمانيا والولايات المتحدة وبريطانيا وفرنسا والاتحاد الأوروبي والاتحاد الأفريقي.

وعُقد «مؤتمر برلين» وسط غياب ممثلين عن طرفي الحرب، أي الجيش السوداني، والحكومة الموالية له، و«قوات الدعم السريع». وقبل انطلاقه، انتقدت الحكومة السودانية استضافة ألمانيا للمؤتمر، قائلة إن هذا «تدخل مفاجئ وغير مقبول» في الشأن الداخلي. ويعد هذا المؤتمر الدولي الثالث حول السودان بعد مؤتمرين سابقين في باريس، ولندن.

وحض الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش، في كلمة مسجلة خلال المؤتمر، على السلام في السودان، و«إنهاء كابوس» الحرب، ووقف «التدخلات الخارجية، وتدفق الأسلحة اللذين يؤججان النزاع». وطالب طرفي القتال بـ«وقف فوري للأعمال الحربية».


رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
TT

رئيس الوزراء السوداني: لسنا معنيين بمخرجات مؤتمر برلين

رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)
رئيس وزراء السودان كامل إدريس متحدثاً في مؤتمر صحافي بالخرطوم يوم الأربعاء (إعلام مجلس الوزراء)

قال رئيس الوزراء السوداني كامل إدريس، الأربعاء، إن حكومته غير معنية بمخرجات «مؤتمر برلين» الدولي بشأن الوضع الإنساني في السودان، مؤكداً أنها لم تتلقَّ دعوة للمشاركة في المؤتمر.

وأضاف في مؤتمر صحافي بالعاصمة الخرطوم أن تغييب الحكومة السودانية «خطأ فادح» من قبل الجهات المنظمة للمؤتمر، مشيراً إلى الاحتجاجات التي نظمتها مجموعات من السودانيين في العواصم الأوروبية تعبيراً عن رفضها لتوصيات المؤتمر واستبعاد الحكومة.

وقال: «كنا نأمل أن تُقدَّم لنا الدعوة للمشاركة في مؤتمر برلين لتوضيح الحقائق كافة عن الأوضاع في السودان».

وأكد أن حكومته منفتحة على كل المبادرات وعلى الحوار مع الأطراف الإقليمية والدولية الساعية لتحقيق السلام العادل والشامل في السودان.


تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
TT

تصريحات نائب عن المهاجرات الأفريقيات تثير جدلاً واسعاً في تونس

مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)
مجموعة من المهاجرين والمهاجرات الأفارقة بضواحي صفاقس (أ.ف.ب)

أثارت تصريحات نائب تونسي حول الاغتصاب والمهاجرين من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً وانتقادات واسعة، وجّهتها منظمات المجتمع المدني، وصولاً إلى اتهامه بـ«العنصرية» حيال المهاجرين.

وفي جلسة استماع وتوجيه أسئلة لوزير الداخلية، عُقدت بالبرلمان، قال النائب طارق المهدي في مداخلته عن قضية المهاجرات: «أن تُغتصب أفريقية (مهاجرة) فهذا أمر لا يحدث. التونسيات جميلات... لا ينقصنا شيء في تونس». وأضاف المهدي في تصريحات نقلتها «وكالة الصحافة الفرنسية»: «يجب أن يخرجن بأي ثمن. لقد تم تجاوز كل الخطوط الحمراء».

وتثير الهجرة من دول أفريقيا جنوب الصحراء جدلاً في تونس بشكل منتظم.

ومطلع عام 2023، ندّد الرئيس قيس سعيّد بوصول «جحافل من المهاجرين غير النظاميين»، متحدثاً عن مؤامرة «لتغيير التركيبة الديموغرافية» للبلاد.

وندد «المنتدى التونسي للحقوق الاقتصادية والاجتماعية»، في بيان، الثلاثاء، بتصريحات المهدي، معتبراً أنها «عنصرية... وتمثل اعتداء صارخاً على الكرامة الإنسانية، وتبريراً خطيراً للعنف الجنسي والاغتصاب ضد النساء»، وطالب بمحاسبته.

ولاحقاً، كتب النائب على صفحته على «فيسبوك»: «إنهم يخرجون كلامي كلياً عن سياقه، والذي لا أقصد منه أي تشجيع على أي شكل من أشكال العنف، ولا على الاغتصاب. قصدت من قولي حتى ولو خانني التعبير... أن أقول إن نساءنا من أكثر النساء جمالاً وثقافة، ولا غاية لنا أن تعتدي على أي كان».

كما استنكرت «الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان» التصريحات، في بيان، وعدّتها «انتهاكاً خطيراً لكرامة النساء، ومساساً جوهرياً بمبادئ حقوق الإنسان».

وأكدت أن خطاب المهدي «ينطوي على عنصرية فجة، ويغذي بشكل مباشر خطاب الكراهية، والتمييز ضد المهاجرين والمهاجرات من أفريقيا جنوب الصحراء».

وتُعد تونس نقطة عبور مهمة في شمال أفريقيا لآلاف المهاجرين الوافدين من دول أفريقيا جنوب الصحراء، والذين يسعون للوصول بشكل غير قانوني إلى أوروبا من طريق البحر.