استراتيجية «تطويق الأرض»: صراع شرق ليبيا وغربها على «النفوذ والجغرافيا»

حفتر يزيد من توسّعه جنوباً... والدبيبة لإعادة ترتيب الحدود الإدارية لبعض البلديات

المنفي في زيارة سابقة لمنشأة عسكرية بغرب ليبيا (مكتب المنفي)
المنفي في زيارة سابقة لمنشأة عسكرية بغرب ليبيا (مكتب المنفي)
TT

استراتيجية «تطويق الأرض»: صراع شرق ليبيا وغربها على «النفوذ والجغرافيا»

المنفي في زيارة سابقة لمنشأة عسكرية بغرب ليبيا (مكتب المنفي)
المنفي في زيارة سابقة لمنشأة عسكرية بغرب ليبيا (مكتب المنفي)

تمضي السلطات في شرق ليبيا وغربها في صراع يبدو في بعض جوانبه صامتاً، لكنه يعتمد - وفق دلائل - استراتيجية «تطويق الأرض»، وهي عملية مرحلية في سباق التنافس على مزيد من النفوذ المُعزَّز ببسط القوة على الأرض.

حفتر يزور مقراً للتصنيع الحربي (الجيش الوطني الليبي)

ويتموضع «الجيش الوطني» برئاسة المشير خليفة في شرق ليبيا، منذ إعادة تشكيله في عام 2014، لكنه منذ ذلك التاريخ بدأ يتوسع من خلال أذرعته في أنحاء مختلفة باتجاه وسط وجنوب البلاد. في موازاة ذلك تتمترس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة برئاسة عبد الحميد الدبيبة في طرابلس العاصمة، غير أنها أصدرت مؤخراً قراراً يعزز قبضتها على بعض البلديات.

ويرصد مراقبون كيف أن سلطات بنغازي، الممثلة في قيادة «الجيش الوطني» وحكومة أسامة حمّاد، أحدثت «اختراقاً» في جبهة العلاقات الاجتماعية لغريمتها «الوحدة»، وذلك بمد جسور التواصل مع مَن كانوا يُصنَّفون على أنهم «أعداء أمس»، سواء في الزاوية أو مدن أخرى بالعاصمة.

تجمع لسكان من الزاوية بعد وضع حجر أساس مطار الزاوية الدولي (صفحة موثوقة موالية لحكومة حمّاد)

مطار الزاوية التجاري الدولي

في مدينة الزاوية غرب العاصمة طرابلس، وضعت حكومة حمّاد الأسبوع الماضي حجر الأساس لبناء مطار الزاوية التجاري الدولي، بحضور وزيري داخليتها عصام أبو زريبة، والمواصلات عبد الحكيم الغزيوي، وعدد من أعضاء مجلسي النواب و«الأعلى للدولة»، في خطوة أحدثت ترحيباً من سكان المدينة.

وفي خطوة وُصفت بأنها «دليل على الجدية»، وصل مدير شركة «SRJ» التركية المُكلَّفة من «الجهاز الوطني للتنمية» برفقة الفريق المختص لبدء المسح الجغرافي، ووضع الخرائط تمهيداً لانطلاق أعمال إنشاء المطار.

ووسط تنديد من المناوئين لحفتر بما يُسمُّونه «معركة استقطاب الأطراف المحسوبة على سلطات طرابلس»، قال مصدر موالٍ لـ«الجيش الوطني» إن القائد العام المشير حفتر «ترك فرصاً كثيرة للأطراف السياسية والمؤسسات للعمل على إنقاذ ليبيا؛ إلا أنه يرى في ذلك تحركاً ينقذ البلاد مما هي فيه؛ فأصدر تحذيره الأخير بأن الجيش لن يتجاهل ما يحدث».

واستقبل حفتر على مدار الأسابيع الماضية وفوداً كثيرة من مشايخ وأعيان قبائل من جنوب وغرب ووسط ليبيا، كانوا محسوبين على سلطات طرابلس، بينما وسّع الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني»، جولاته في مناطق كثيرة بالجنوب الليبي ضمن جولاته الميدانية.

ويعتقد المصدر - الذي رفض ذكر اسمه لدواعٍ أمنية كونه يعيش في غرب ليبيا - أن «المؤسسة العسكرية تضطلع بدورها الوطني في حماية الليبيين من حالة المتاجرة بمستقبلهم والتشرذم التي تشهدها البلاد»، مُعتقِداً أن «هناك إقبالاً واسعاً من أطراف كانت محسوبة على الدبيبة للاصطفاف مع (الجيش الوطني)».

وقبل أن تصل حكومة حمّاد إلى الزاوية - التي تناصب حفتر العداء - يُلاحظ أن «الجيش الوطني» زاد من توسع نفوذه في الجنوب الليبي، إما بالتعاون العسكري مع الحكومة التشادية لمراقبة وتأمين الحدود، أو بمشاريع تنموية وخدمية وعسكرية مثلما حدث في مدينة سبها، ما يعزز وجوده في الحزام الجنوبي للبلاد.

صراع على الجغرافيا

غير أن فتحي الشبلي، رئيس حزب «صوت الشعب» الليبي، يرى أن «ما يحدث اليوم في ليبيا لا يخرج عن كونه صراع جغرافيا قبل أن يكون صراع سياسة». وقال إن «كل طرف يحاول توسيع نطاق سيطرته على الأرض لكسب نفوذ سياسي واقتصادي أكبر».

ولفت الشبلي في حديث لـ«الشرق الأوسط» إلى أن «معادلة القوة أصبحت تقوم على مَن يُطوِّق الآخر، ويمتلك أوراق ضغط ميدانية تمكّنه من فرض شروطه في أي تسوية مقبلة».

الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة» الليبية المؤقتة (مكتب الدبيبة)

وفي إطار تصاعد المنافسة، كان الدبيبة قد أصدر قراراً بإنشاء 15 فرعاً بلدياً جديداً يتبع بلدية مصراتة، ويشمل ذلك مناطق متعددة بعيدة جغرافياً عنها، من بينها تاورغاء، وأبو قرين، وبونجيم، وزمزم. في حين كانت محكمة استئناف طرابلس أصدرت حكماً في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي يقضي بإلغاء قرار ضم تاورغاء لبلدية مصراتة، وعدّ إنشاء فرع بلدي هناك غير قانوني.

وعدّ المحلل السياسي خالد باقان محاولة الدبيبة لضم بلديات من بني وليد حتى الحدود الإدارية لسرت لتكون تابعة لمصراتة محاولة من أجل ما سمّاه «إعلان دولة مصراتة الكبرى في حال فَقَد نفوذه وسقطت حكومته في طرابلس»، لكنّ مواليين لحكومة الدبيبة رفضوا هذا الأمر، وذهبوا إلى أن ذلك يأتي «في إطار صلاحيتها الرسمية».

وعَدَّ عضو مجلس النواب جاب الله الشيابي، الإجراء الذي اتخذه الدبيبة «سياسة توسعية لتضخيم الذات». وقال إن قرار ضمّ بلدية تاورغاء إلى بلدية مصراتة، وإنشاء فرع بلدي تابع لها، إجراء يأتي مخالِفاً لإرادة الأهالي ولقواعد الإدارة المحلية التي لم يلتزم بها مطلقاً.

وجَدَّد الشيابي في تصريح صحافي التذكير بحكم محكمة استئناف طرابلس الذي قضى بإيقاف قرار ضم البلديات، وقال إن «رئيس الحكومة لم يلتزم ويحترم حكم القضاء، في تجاوز خطير لمبدأ الشرعية وسيادة القانون»، مؤكداً أن «تاورغاء بلدية قائمة بذاتها؛ ولن نقبل بأي قرار ينتقص من استقلاليتها أو يفرض عليها تبعية إدارية دون موافقة أهلها وممثليهم».

وشدّد الشيابي على المطالبة «بإلغاء قرار الدبيبة فوراً، واحترام أحكام القضاء، والحفاظ على حقوق تاورغاء وسكانها، وعلى النائب العام التدخل الفوري إن لم يكن لحماية حقوق أهل تاورغاء، فليكن لحماية هيبة القضاء من العابثين».

ضم بلديات إلى مصراتة

ردود الفعل على قرار الدبيبة تصاعدت بشكل لافت بين البلديات التي يريد الدبيبة ضمها إلى مصراتة - مسقط رأسه - إذ طالب المجلس التسييري لبلدية بني وليد (شمال غربي ليبيا) مجلس النواب «بضم البلدية بكامل حدودها الإدارية إلى سرت، وإلغاء القرارات الصادرة عن حكومة الدبيبة كافة بشأن البلدية».

ويرى المجلس أن القرار يستهدف «استغلال الموارد الطبيعية والمحاجر داخل البلدية»، كما أبدى رفضه ضم «بلدية زمزم بوصفها فرعاً لبلدية مصراتة، من غير وجه حق، وإن لَزِم الأمر، فالأولى أن تكون فرعاً بلدياً لبلدية بني وليد». وبني وليد من المدن التي لا تزال على ولائها للنظام السابق الذي كان يقوده الرئيس الراحل معمر القذافي.

ومنذ أن فشل «الجيش الوطني» في دخول العاصمة وتراجع إلى خارج حدودها الإدارية في منتصف 2020، وهو يرابط في محور سرت - الجفرة. ويتخذ من هذه المنطقة نقطة انطلاق إلى الجنوب.

صورة وزّعتها القوات البرية التابعة لـ«الجيش الوطني» لإحدى دورياتها (الجيش الوطني)

وتمسّك المجلس التسييري لبلدية بني وليد «بضرورة احترام الحدود الإدارية والتاريخية لبلدية بني وليد والبلديات الواقعة في نطاق الحدود العُرفية (لقبيلة ورفلة)؛ وعدم المساس بها تحت أي مبرر كان، وقصر أي مقترحات تتعلق بتعديل التبعية الإدارية على السلطة التشريعية فقط».

كما أبدى مجلس حكماء وأعيان تاورغاء رفضه لقرار حكومة «الوحدة» بشأن ضم تاورغاء كأنها فرع بلدي، ويؤكد «على الاستقلالية الإدارية لبلدية تاورغاء المشروعة بقرار الجهات التشريعية والمؤيدة بأحكام القضاء والقانون».

وتظل في ليبيا أطراف سياسية واجتماعية على يسار «الجيش الوطني» وسلطات طرابلس، لديها اعتراضات على حكومة «الوحدة»، كما تعبر عن رفضها لما وُصِفَ بـ«عسكرة ليبيا»، وترى في «توسيع الجيش سيطرته على مدن الجنوب أنه يُكرّس الانقسامين العسكري والسياسي، ويُعدّ في الوقت نفسه تحركاً استباقياً لأيّ ترتيبات أممية مُقبلة».


مقالات ذات صلة

تأكيد ليبي على «التضامن» المطلق مع السعودية

شمال افريقيا حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي (القيادة العامة)

تأكيد ليبي على «التضامن» المطلق مع السعودية

استنكرت القيادة العامة لـ«الجيش الوطني» ومجلس النواب في ليبيا الاعتداء على مطار الرياض، واصفَيْن استهداف المنشآت المدنية بالانتهاك الصارخ للقوانين الدولية.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا الصالحين عبد النبي عضو مجلس النواب المنتخب رئيساً له (صفحة عبد الله بليحق المتحدث باسم المجلس)

«النواب» الليبي يطوي صفحة صالح وينتخب عبد النبي رئيساً

طوى مجلس النواب الليبي مرحلة المستشار عقيلة صالح برئاسته الممتدة منذ 2014، بانتخاب النائب الصالحين عبد النبي رئيساً جديداً للمجلس في جلسة عقدت ببنغازي.

جمال جوهر (القاهرة)
شمال افريقيا رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح (المركز الإعلامي لصالح)

خلافات «النواب» الليبي تضع رئاسة عقيلة صالح على المحك

تضع خلافات متصاعدة داخل مجلس النواب الليبي رئاسة عقيلة صالح على المحك، وسط تحركات لتعديل اللائحة الداخلية وإعادة انتخاب قيادة المجلس.

جاكلين زاهر (القاهرة)
شمال افريقيا المشير خليفة حفتر يلتقي بعدد من النواب بمقر القيادة العامة في بنغازي يوم الخميس (القيادة العامة)

حفتر ينأى بنفسه عن خلافات «النواب» الليبي

نأى المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» بنفسه عن الخلافات داخل مجلس النواب الليبي خلال اجتماع ضم نحو 65 نائباً من المؤيدين والمعارضين لصالح.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا صدام وخالد حفتر خلال حفل تأبين رئيس الاستخبارات العسكرية في شرق ليبيا فوزي المنصوري في أغسطس الماضي (القيادة العامة)

ما حقيقة «تنافس» أبناء حفتر على «مراكز النفوذ» في ليبيا؟

تتضارب الآراء بشأن صعود أبناء المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني» إلى الواجهة بشرق ليبيا؛ بين قراءة تراه «صراع نفوذ»، وأخرى تؤكد أنه «توزيع للأدوار»

علاء حموده (القاهرة)

من اتفاق «الصخيرات» إلى «4+4».... ليبيا رهينة «معرقلِي الحل»

تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا أمام مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا أمام مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
TT

من اتفاق «الصخيرات» إلى «4+4».... ليبيا رهينة «معرقلِي الحل»

تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا أمام مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)
تيتيه المبعوثة الأممية لدى ليبيا أمام مجلس الأمن الأربعاء (البعثة الأممية)

تتقاطع مواقف وتوجهات ساسة ليبيا منذ تعقد الأزمة السياسية، على نحو «يدفع نحو إطالة أمد الانسداد بدلاً من النفاذ إلى جوهر الخلاف».

فمنذ توقيع اتفاق «الصخيرات» نهاية 2015، وصولاً إلى آلية «4+4»، يبقى الملمح الثابت وسط هذا التخبط هو قدرة بعض القوى النافذة على تعطيل «أي استحقاق يهدد مصالحها»، وهو ما يجبر ليبيا وشعبها على البقاء في حلقة مفرغة، ورهينة لحسابات «معرقلي الحل»، وفق ما يراه محللون.

وأمام المجتمعين في مجلس الأمن الدولي، الأربعاء، تطرقت المبعوثة الأممية لدى ليبيا هانا تيتيه إلى «معرقلي الحل»، في حديثها عن الموافقين والمعترضين على اتفاق «4+4»، الموقع نهاية أغسطس (آب) الماضي بين ممثلين عن شرق ليبيا وغربها، وقالت: «أود أن أشدد مجدداً على أنه ليس بوسع ليبيا السماح للمعرقلين بتعطيل هذه العملية».

جانب من الجلسة الأخيرة لمجلس الأمن الدولي بشأن ليبيا في 14 أكتوبر الحالي (البعثة الأممية)

وكانت المبعوثة تشير إلى موقف «المجلس الأعلى للدولة»، الذي يرأسه محمد تكالة، من الاتفاق. وأوضحت أن «ما يبعث على الأسف هو أن رفض الاتفاق ما زال يعكس محدودية استعداد بعض الأعضاء للانخراط البنّاء في هذه العملية». مبرزة أن «عدداً من أعضاء المجلس الأعلى للدولة أبدوا استعدادهم للانخراط في الاتفاق، وطلبوا مزيداً من الوقت للتشاور فيما بينهم بشأن المضي قدماً في العملية».

ويرى سياسيون ودبلوماسيون ليبيون أن تقاطع المصالح والتوجهات يُبقي ليبيا «رهينة لمعرقلي» الحل السياسي، وهو ما يتطلب تعاطي المجتمع الدولي بجدية مع الأزمة، بعيداً عن التلويح بالعقوبات، منذ توقيع اتفاق «الصخيرات» في المغرب أواخر عام 2015.

وقال السفير الليبي السابق لدى سوريا، محمد شعبان المرداس، إن هناك تياراً في ليبيا «يلعب دائماً دور المعرقل للحل؛ وهؤلاء نطلق عليهم حزب الروافض».

وأشار في تصريح لـ«الشرق الأوسط» إلى أن تيار الصادق الغرياني، مفتي غرب ليبيا (المعزول من البرلمان)، «اتخذ منهج المعارضة للانخراط في أي عملية سياسية، حتى يلتفت لهم المتوافقون؛ وهذه العملية نجحت معهم في اتفاقات (الصخيرات)، وفي جنيف بقصد الحصول على مكاسب سياسية».

ورأى المرداس أن المبادرة الأممية «باتت أمراً واقعاً وملزماً»، متوقعاً أن «يلتزم معرقِلو الحل السياسي الصمت، وفي مقدمتهم الغرياني وتكالة، في ظل تلويح مجلس الأمن بفرض عقوبات على المعرقلين».

تكالة رئيس المجلس الأعلى للدولة في غرب ليبيا (المجلس)

ووعدت تيتيه، التي أطلعت مجلس الأمن على تطورات العملية السياسية، بأنها «ستقدم مزيداً من التفاصيل حول نتائج التواصل مع أعضاء المجلس الأعلى للدولة، والخطوات التالية التي تقترحها البعثة في إحاطتي القادمة إلى المجلس».

كما أشارت إلى أنها «ستجري مزيداً من المشاورات مع أطراف اللجنة (4+4) خلال اجتماعها معهم، المقرر عقده في وقت لاحق هذا الشهر؛ بما في ذلك بحث خيار العمل على (آلية وطنية) ذات تمثيل واسع، وفقاً لما تنص عليه المادة (5) من الاتفاق».

والتلويح الدولي والأممي بمعاقبة معرقلي حل الأزمة الليبية أسلوب قديم، لكن لم يثبت نجاعته لجهة تحريك العملية السياسية. وقد سبق أن هدّد مجلس الأمن الدولي بإنزال عقوبات على كل من يعيق استكمال تنفيذ اتفاق «الصخيرات»، الذي توصل له المبعوث الأممي حينها، برناردينو ليون، لتشكيل حكومة «وحدة وطنية».

وتتوالى على ليبيا الاتفاقات والمشاريع السياسية، بينما تعاني من انقسام حكومي وسياسي بين غرب البلاد وشرقها. وكان ريتشارد نورلاند، السفير والمبعوث الأميركي الخاص إلى ليبيا، قد لوّح في أكثر من فعالية باحتمال إقدام بلاده على معاقبة معرقلي الحلول السياسية.

من جلسة سابقة للمجلس الأعلى للدولة (المجلس)

ويظل الحديث عن فرض عقوبات على شخصيات ليبية بمثابة «رسالة ترهيب» تكررت على لسان أطراف دولية عدة، من بينها «لجنة المتابعة الدولية» بشأن ليبيا، التي لوّحت خلال اجتماع عُقد في برلين يوم 20 يونيو (حزيران) 2025 بـ«محاسبة معرقلي العملية السياسية»، دون أن يطرأ أي تغيير على المشهد العام.

بموازاة بما يجري، دعا المجلس الأعلى للدولة تيتيه إلى تصحيح موقفها بشأن مخرجات اجتماع لجنة «4+4»، وتضمين «اعتراضاته وأسانيده الدستورية والقانونية» في إحاطاتها المُرتقبة، رافضاً تفسير تحفظاته على أنها «تراجع عن الانخراط في العملية السياسية».

وجاء حديث «الأعلى للدولة» الغاضب بشأن ما تناولته تيتيه في إحاطتها لموقفه. وقال المجلس، في بيان مساء الأربعاء، إن رفضه «لا يرجع إلى التخلي عن المشاركة السياسية، أو مناهضة الحل السلمي، بل يتعلق بمدى مشروعية المسار ومخرجاته القانونية»، مؤكداً أن «التمسك بالمرجعيات الدستورية يمثل ضمانة لسلامة أي توافق سياسي، ولا يشكل عائقاً أمام تحقيقه».

وقرأ المحلل السياسي الليبي، حسام الفنيش، جلسة مجلس الأمن بشأن ليبيا بأنها «تعكس توجهاً دولياً نحو الانتقال من مرحلة التفاهمات السياسية إلى مرحلة التنفيذ، مع بروز الدور الأميركي بوصفه عامل ضغط رئيسي لدفع اتفاق (4+4) نحو استكمال خريطة الطريق الأممية».

وذهب الفنيش في إدراج له عبر حسابه على «فيسبوك» إلى أن «المداخلة الأميركية عكست، بما تضمنته من إشارات، أهمية الاتفاق والتلويح بمساءلة المعرقلين، رغبة في رفع تكلفة تعطيل المسار السياسي»، ورأى أن هذا التحرك «يمهد للانتقال إلى الاستحقاق الأهم في المرحلة المقبلة، المتمثل في إعادة تشكيل السلطة التنفيذية وتوحيد مؤسسات الدولة».

نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام ستيفاني خوري (أ.ف.ب)

وقالت البعثة الأممية، الخميس، إن نائبة الممثلة الخاصة للأمين العام، ستيفاني خوري، التقت بالقائم بأعمال وزير الخارجية والتعاون الدولي، الطاهر الباعور. وتبادل الجانبان وجهات النظر حول أحدث التطورات السياسية والاقتصادية، «وضرورة المضي قدماً في عملية سياسية شاملة لمعالجة التحديات المتعددة التي تواجه ليبيا».


مصر تثبت أسعار الوقود رغم ارتفاع النفط عالمياً

مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)
مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)
TT

مصر تثبت أسعار الوقود رغم ارتفاع النفط عالمياً

مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)
مصر تثبت أسعار الوقود (وزارة النقل المصرية)

قررت «لجنة التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» في مصر تثبيت أسعار الوقود دون تغيير خلال اجتماعها الربع سنوي، الذي عقدته الخميس، لمراجعة المحددات الخاصة بآليات التسعير التلقائي، وذلك رغم ارتفاع أسعار النفط عالمياً.

وقالت وزارة البترول في بيان الخميس، إن «اللجنة راجعت محددات آلية التسعير التلقائي وأهمها التغيرات في سعر الصرف وسعر برميل خام برنت خلال الربع الممتد من شهر يوليو (تموز) حتى سبتمبر (أيلول) الماضي، مقارنةً بالربع السابق وقررت فى ضوء تلك المحددات الإبقاء على أسعار المنتجات البترولية دون تعديل أو تغيير».

وأشار البيان إلى أن تثبيت الأسعار يأتي في ضوء «قرار من مجلس الوزراء بعودة عمل لجنة التسعير التلقائي للمواد البترولية، حيث راجعت اللجنة التطورات المحلية والدولية المؤثرة على المعادلة السعرية، وأخذاً في الاعتبار تطورات أسعار المنتجات البترولية العالمية، وما سبق اتخاذه من إجراءات سعرية طوال الفترة الماضية، واتخذت قرارها فى ضوء هذه المحددات».

وأعلن رئيس الوزراء المصري مصطفى مدبولي، مطلع يوليو الماضي، عودة عمل لجنة «التسعير التلقائي للمنتجات البترولية» اعتباراً من الربع الأول من العام المالي 2026-2027، بهدف ربط أسعار الوقود بالمتغيرات الاقتصادية وأسعار الطاقة العالمية.

جاء القرار المصري في وقت تشهد فيه أسواق النفط العالمية تحركات حادة، إذ أظهرت بيانات وزارة البترول المصرية أن سعر خام برنت بلغ نحو 104 دولارات للبرميل في 15 أكتوبر (تشرين الأول)، في حين خفّضت مصر في موازنة السنة المالية الجديدة 2026-2027 مستهدف دعم المواد البترولية بنحو 79 في المائة ليصل إلى 15.8 مليار جنيه مقابل دعم 75 ملياراً للعام المالي الحالي.

وقبل أيام جددت وزارة البترول والثروة المعدنية في مصر نفيها رفع أسعار المنتجات البترولية، وذلك مع توقعات بوجود زيادة مرتقبة في الأسعار نتيجة ارتفاعات أسعار النفط العالمية.

وتبلغ الأسعار الرسمية الحالية، وفق بيانات وزارة البترول، 20.75 جنيه للتر بنزين 80، ونحو 22.25 جنيه لبنزين 92، ونحو 24 جنيهاً لبنزين 95، فيما يبلغ سعر لتر السولار 20.50 جنيه (الدولار يساوي 53 جنيهاً تقريباً في البنوك المصرية).


ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
TT

ترحيب حزبي في مصر بتأكيد السيسي «عدم المساس بالدستور»

السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)
السيسي أكد أن لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه ولن يمسه أحد (الرئاسة المصرية)

وسط مطالبة بـ«توسيع المشاركة السياسية في البلاد»، رحبت أحزاب وقوى سياسية بتأكيد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي «عدم المساس بالدستور»، في حين عبّر معارضون عن «أملهم في انفراجة سياسية» مقبلة.

وكان السيسي أكد أن «لمصر دستوراً تمت الموافقة عليه، ولن يمسه أحد»، وجاءت تأكيدات السيسي خلال الندوة التثقيفية بالقوات المسلحة مساء الأربعاء، في سياق حديثه عن «محاولات استهداف مصر من الداخل، وبث حرب نفسية تستهدف ثقة المصريين في مؤسسات الدولة».

كما تزامن حديث السيسي بشأن «الدستور المصري» مع تنامي مقترحات بتعديله، خاصة أن ولاية الرئيس المصري الحالية هي الأخيرة، وتنتهي عام 2030.

وأشار السيسي إلى أن «حجم العمل والإنجاز الذي تم في مصر منذ عام 2014 ما كان أن يتم في أقل من ثلاثين عاماً»، مؤكداً أنه سوف «يستمر في العمل حتى آخر يوم من مدته في منصبه عام 2030».

وعبّرت «الحركة المدنية الديمقراطية»، وهي أكبر تجمع معارض في البلاد، عن «ارتياحها الشديد» بشأن حديث السيسي، ورأت أنه «خطوة إيجابية تعزز احترام النصوص الدستورية».

وأكدت الحركة في بيان، مساء الأربعاء، أن «الرهان الحقيقي لإحداث انفراجة سياسية واجتماعية هو احترام الدستور وتفعيله والتداول السلمي للسلطة، والمدخل الأساسي لفتح رئة المجتمع، وتوسيع المجال العام أمام الأحزاب والنقابات والإعلام ومنظمات المجتمع المدني».

وأكدت «الحركة» أنها «تتطلع إلى أن يتحول حديث السيسي إلى التزام عملي يفتح الباب أمام مرحلة جديدة، يشعر فيها المصريون بأنهم شركاء حقيقيون في صياغة مستقبل وطنهم».

الرئيس السيسي خلال الندوة التثقيفية بالقوات المسلحة مساء الأربعاء (الرئاسة المصرية)

وقال المنسق العام للحركة المدنية أكرم إسماعيل لـ«الشرق الأوسط»، الخميس، إن الحركة «تسعى إلى الحصول على مساحة أكبر من حرية العمل السياسي والحزبي وتوسيع المشاركة الجماهيرية».

من جهته، عدّ أستاذ العلوم السياسية في «جامعة القاهرة» طارق فهمي أن حديث السيسي «مباشر وصريح». وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «الخطاب يعني أن قرار الرئيس قد حُسم سياسياً، وأنه لا تعديل للدستور».

وتوقع فهمي أن يُحدث الخطاب «زخماً سياسياً بالبلاد خلال الفترة المقبلة»، وهو ما يتطلب من كافة القوى السياسية والأحزاب أن «تعيد تقييم قوتها ووضعها، وتقدم مقترحات وسياسات وتصورات جديدة للتعاطي مع المرحلة وتوسيع المشاركة السياسية بتحالفات جديدة».

كما يعتقد أن الرئيس السيسي حسم البعد السياسي لتعديل الدستور، لكن «الأمر في النهاية ليس بيد الرئيس وحده؛ إذ توجد مؤسسات أخرى بالدولة، حيث يمكن للسلطة التشريعية أن تتبنى تعديل الدستور»، مؤكداً أن «حسم السيسي لن يوقف المطالبين بتعديل الدستور».

أحزاب سياسية رحبت بحديث السيسي عن الدستور المصري (مجلس النواب المصري)

وفي إطار تأكيده «الترحيب» بحديث السيسي، عبّر حزب «الدستور» في بيان، مساء الأربعاء، عن أمله في أن تمثل هذه التصريحات «خطوة إيجابية نحو مرحلة جديدة يكون فيها احترام الدستور ليس فقط بالحفاظ على نصوصه»، وإنما أيضاً بالتنفيذ «الكامل لأحكامه»، وأن تكون «مدخلاً لخطوات أوسع نحو فتح المجال العام، وتعزيز التعددية السياسية، وإتاحة الفرصة أمام الأحزاب والقوى السياسية والمجتمع المدني للقيام بأدوارها بحرية ومسؤولية».

وتطرق نائب مدير «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية» عمرو هاشم ربيع إلى الدلالات المباشرة لحديث السيسي، مؤكداً أن الخطاب «يعني سياسياً أننا على موعد مع رئيس جديد عقب انتهاء ولاية السيسي في 2030 ما لم يحدث شيء آخر».

ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الرئيس السيسي جاد وصادق في إعلانه رفض تعديل الدستور، لكن يمكن أن نشهد تحركات سياسية من أحزاب ترى ضرورة التعديل عبر تظاهرات أو فعاليات سياسية».

وتوقع أن تشهد الفترة المقبلة «زخماً سياسياً بالبلاد وحراكاً حزبياً»، لكن المشكلة في رأيه أن «الأحزاب لم تستعد لهذه اللحظة، وليس لديها بدائل».