الجزائر: ارتفاع مقلق للوفيات نتيجة الجرعات الزائدة من المخدرات

التعاطي ارتبط بنقل دم ملوث ما أسهم في تفشي الإيدز

مخدرات صادرها الجيش الجزائري بالحدود (وزارة الدفاع)
مخدرات صادرها الجيش الجزائري بالحدود (وزارة الدفاع)
TT

الجزائر: ارتفاع مقلق للوفيات نتيجة الجرعات الزائدة من المخدرات

مخدرات صادرها الجيش الجزائري بالحدود (وزارة الدفاع)
مخدرات صادرها الجيش الجزائري بالحدود (وزارة الدفاع)

أكدت بيانات معهد الأدلة الجنائية للدرك الوطني الجزائري حدوث تحول كبير في نمط تعاطي المخدرات، والمؤثرات العقلية في البلاد، حيث تراجع استهلاك القنب لصالح المواد المخدرة الصلبة، والمؤثرات العقلية، ما يعكس تغيراً خطيراً في أنماط التعاطي، وفق آخر البيانات الصادرة عن الديوان الوطني لمكافحة المخدرات والإدمان.

«الوضع مقلق»

هذا ما خلص إليه تقرير جهاز الدرك بشأن المخدرات. فالمؤشرات في تصاعد خطير، والبلاد تواجه انفجاراً مثيراً للانشغال في استهلاك المخدرات، والمؤثرات العقلية.

أعوان ديوان مكافحة المخدرات يشرفون على إتلاف كميات كبيرة من المؤثرات العقلية بعد مصادرتها (الديوان)

وحسب تقرير حديث أعده رئيس ديوان مكافحة المخدرات الحكومي، طارق كور، «لم يعد التعاطي يقتصر على سلوكيات إدمانية بسيطة، بل يشمل أساليب استهلاك جديدة، تحمل مخاطر قاتلة، كما يتضح من ارتفاع حالات الوفاة الناتجة عن الجرعات الزائدة».

وعرض طارق كور في تقريره أرقاماً على قدر كبير من الخطورة. فخلال سنة 2025 وحدها تمكّنت مصالح الأمن من حجز 32 مليون قرص للهلوسة بمختلف أصنافها، في زيادة مهولة بلغت 100 في المائة. كما تؤكد إحصائيات السداسي الأول من 2025 هذا المنحى المقلق: أكثر من 20 طناً و827كلغم من الحشيش المركز المستخرج من نبات القنب، ونحو 100كلغم من الهيروين، إضافة إلى 32 مليون قرص مهلوس، حسبما تضمنه نفس التقرير.

ووفقاً لبيانات معهد الأدلة الجنائية للدرك الوطني، فقد تغيّر نمط الاستهلاك في الجزائر بشكل لافت. إذ بدأت «سيادة» القنب تتراجع لصالح المؤثرات العقلية، والمخدرات الصلبة، في تحول بالغ الخطورة.

وفي هذا السياق، أشار كور إلى ارتفاع مقلق في حالات الوفاة الناتجة عن الجرعات الزائدة، وظهور ممارسات شديدة الضرر، مؤكداً أن بعض الشباب قد يربطون تناول المؤثرات العقلية بعمليات نقل دم ملوّث، مما يساهم في انتشار أمراض خطيرة، على رأسها فيروس الإيدز.

رجال دين أثناء عملية توعية من خطر المخدرات في المدارس (ديوان مكافحة المخدرات)

وأشاد تقرير كور بـ«تنفيذ الاستراتيجية الوطنية للوقاية من المخدرات 2025-2029، وهي ثمرة عمل مشترك بين أربعة عشر قطاعاً، ترتكز على الاستباق، والمرافقة، والتكفل». ودعا إلى «عمل صارم مدعوم بعلاج للمتعاطين باعتبارهم ضحايا يحتاجون إلى متابعة طبية»، مع التشديد على ضرورة تعزيز العقوبات ضد المتاجرين، والشبكات الناشطة، خصوصاً قرب المؤسسات التعليمية.

الإعدام لمروجي المخدرات في المدارس

أضحت الحدود البرية، وفق تقارير أمنية، اليوم معبراً رئيساً للمؤثرات العقلية، ومنها الكوكايين، والهيروين. وينص قانون العقوبات الجزائري على عقوبات تتراوح بين 20 و30 سنة سجناً نافذاً، وقد تصل إلى الإعدام عندما تُرتكب الجرائم قرب المدارس أو داخلها، أو مؤسسات التكوين المهني.

ويشدّد القانون رقم 25-03، المتعلق بالوقاية من المخدرات وقمع الاتجار غير المشروع بها وبالمؤثرات العقلية، العقوبات على تجارة المخدرات الاصطناعية، والمواد الكيميائية المحظورة، لتصل إلى الإعدام، أو السجن المؤبد، خاصة في حالة العود.

رئيس الديوان الوطني لمكافحة المخدرات (الديوان)

وتتضمن التدابير الإضافية غرامات تصل إلى مليونَي دينار (15400 دولار)، وإغلاقاً إدارياً لمتاجر ومطاعم وقاعات حفلات، أو فنادق ارتُكبت فيها جرائم، إضافة إلى النشر الإلزامي للأحكام في وسائل الإعلام على نفقة المحكوم عليهم. كما تسمح الأحكام القانونية الجديدة بسحب الجنسية الجزائرية المُكتسبة من مرتكبي الجرائم الخطيرة المرتبطة بالمخدرات، والمنع الدائم أو المؤقت من الإقامة، فضلاً عن فتح تحقيقات مالية وطنية، ودولية مع تجميد الأصول، ومنع السفر.

وبحسب خبراء، يمثل هذا الإطار القانوني تقدماً حاسماً في مكافحة آفة المخدرات، لأنه يجمع بين المقاربة الأمنية، والوقائية، والاجتماعية، كما نبهوا إلى تزايد المحاولات الرامية إلى زعزعة استقرار البلاد.

وقامت الأجهزة الأمنية، الأسبوع الماضي، بعملية واسعة النطاق تضمنت تزييف العملة الوطنية، وتداولها بشكل مشفر في عدد من الولايات.

وفي تقرير يعود لعام 2023، استند إلى بيانات حالات الاستشفاء الطارئ، كانت المواد الأكثر شيوعاً التي تم الإبلاغ عن تعاطيها هي الكوكايين بنسبة (35.5 في المائة)، يليه البوبرينورفين (27.5 في المائة)، ثم البريغابالين (22.5 في المائة)، وأخيراً القنب (17.5 في المائة). وقد أكدت دراسة بهذا الخصوص خطورة التعاطي، حيث انتهت بعض الحالات (7.5 في المائة من العينة) بالوفاة أثناء الاستشفاء نتيجة الجرعة الزائدة.

ولفت نفس التقرير إلى أن ظاهرة التعاطي لم تعد تقتصر على القنب (الحشيش)، بل تشمل المخدرات الصلبة، والمؤثرات العقلية، وذلك منذ 10 سنوات على الأقل، وفق الدراسة ذاتها.

وتؤكد الأرقام الأمنية هذا التوجه، حيث أشارت تقارير حديثة إلى أن السلطات تمكنت من حجز نحو 169 كيلوغراماً من الكوكايين في عام 2023. كما كشفت دراسة سابقة، شملت تلاميذ المدارس في حي الأبيار بأعالي العاصمة، أن التعاطي يشمل فئات عمرية متنوعة، حيث أقرّ أن 0.42 في المائة من التلاميذ يتعاطون الكوكايين، و0.32 في المائة يتعاطون الهيروين، إلى جانب 2.72 في المائة للقنب.

مؤثرات عقلية صادرها الجيش أثناء مطاردة مهربين في الصحراء (وزارة الدفاع)

وتشير الدراسات التحليلية، بناءً على بيانات الديوان الوطني لمكافحة المخدرات للفترة 2012–2019، إلى أن ظاهرة الاتجار والإدمان طالت مختلف الفئات العمرية والمناطق، مع استمرار ارتفاع عدد القضايا، والمتهمين. وتوضح هذه الأرقام الأمنية أن المشكلة باتت تتجاوز الحالات الفردية لتصبح ظاهرة مجتمعية شاملة.


مقالات ذات صلة

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

شمال افريقيا وزير العدل الجزائري خلال عرض مشروع تعديل قانون العقوبات على اللجنة القانونية البرلمانية (وزارة  العدل)

وزير العدل الجزائري يتعهد بـ«محاكمة عادلة» في جرائم «إضرام النار»

تعهد وزير العدل الجزائري لطفي بوجمعة بتوفير جميع ضمانات المحاكمة العادلة لكل من يُتهم في جرائم تصل عقوبتها إلى الإعدام

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الأميركي لدى إلقاء كلمته أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة أمس (أ.ب)

ترمب يخيّر طهران بين اتفاق أو «الدمار الشامل»

واشنطن: علي بردى ــ لندن: «الشرق الأوسط»

«الشرق الأوسط» (لندن) علي بردى (واشنطن)
شمال افريقيا حرائق مستعرة بمنطقة قالمة شرق الجزائر في يوليو الماضي (الحماية المدنية)

الجزائر تربط حرائق الصيف بـ«إيعاز أجنبي» وتفتح باب التنفيذ الفعلي للإعدام

أعلنت الجزائر رسمياً رفع التجميد عن عقوبة الإعدام إذا ثبتت على أي شخص تهمة «إضرام النار عمداً».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شؤون إقليمية الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان قبل مغادرته إلى نيويورك لحضور الجمعية العامة للأمم المتحدة في مطار مهر آباد بطهران 22 سبتمبر 2026 (إ.ب.أ)

طائرة الرئيس الإيراني تحط في الجزائر إثر «توقف تقني»

قال التلفزيون الجزائري الرسمي إن الطائرة الخاصة بالرئيس الإيراني مسعود بزشكيان، حطت، اليوم (الثلاثاء)، بمطار الجزائر الدولي «هواري بومدين» إثر توقف تقني.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عالمية لاعب الوسط الجزائري عديل بوربعة (أ.ف.ب)

بوربعة يعوض غياب بن طالب المصاب في تشكيلة الجزائر

أعلن منتخب الجزائر الاثنين انضمام لاعب الوسط عديل بوربعة بدلاً من المصاب نبيل بن طالب، للتشكيلة التي تستعد لخوض تصفيات كأس الأمم الأفريقية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
TT

الانتخابات أولاً أم الدستور؟... فصل جديد للأزمة السياسية في ليبيا

الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)
الدبيبة خلال لقاء مع قيادات اجتماعية وقبلية في مصراتة بغرب ليبيا (مكتب رئيس حكومة الوحدة)

اتسعت مساحة التباين داخل المشهد السياسي في غرب ليبيا بشأن الطريق إلى الانتخابات المؤجلة، بعدما أبدى رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة دعماً لمسار لجنة الحوار المصغر «4+4»، في وقت جدد فيه رئيس «المجلس الأعلى للدولة » محمد تكالة تمسكه بالمسار الدستوري والاستفتاء على مشروع الدستور المُنجَز عام 2017.

ويعكس الموقفان، بحسب مراقبين، خلافاً يتجاوز التفاصيل الإجرائية للانتخابات، إلى سؤال أوسع يتعلق بالترتيب الذي ينبغي أن يحكم المرحلة المقبلة: هل يكون البدء بتوفير الإطار السياسي والقانوني لإجراء الانتخابات، كما يقترح اتفاق «4+4»؟ أم بإتمام الاستحقاق الدستوري عبر طرح مشروع الدستور على الليبيين للاستفتاء قبل الانتقال إلى مؤسسات دائمة؟

رئيس «المجلس الأعلى للدولة» محمد تكالة مجتمعاً مع رئيس هيئة صياغة الدستور (المجلس الأعلى للدولة)

وخلال لقاء عقده، مساء الثلاثاء، مع شخصيات سياسية واجتماعية فاعلة من مدينة مصراتة، أعطى الدبيبة إشارة ضمنية على موافقته على اتفاق «4+4» بين الطرفين الحاكمين في شرق وغرب ليبيا، عاداً إياه «يتوافق مع رؤية حكومته للذهاب إلى الانتخابات وإنهاء المراحل الانتقالية، والعبور إلى مرحلة سياسية مستقرة ودائمة»، وفق بيان صادر عن مكتبه.

وذهب إلى القول إن «الرؤية واضحة بأن يكون القرار للشعب الليبي عبر انتخابات تنهي حالة الانقسام وتمنح المؤسسات شرعيتها الحقيقية من إرادة المواطنين»، مشدداً على رفض ترتيبات من شأنها إعادة إنتاج المراحل والأجسام السياسية القائمة.

ويأتي موقف الدبيبة بعد توقيع لجنة «4+4» اتفاقها في 30 أغسطس (آب) بمقر بعثة الأمم المتحدة في طرابلس، بحضور ممثلين عن مجلسي النواب والدولة والمجلس الرئاسي وسفراء، وبرعاية المبعوثة الأممية هانا تيتيه.

وينص الاتفاق على معالجة القضايا العالقة في الإطار الدستوري والقانوني للانتخابات وإعادة تشكيل مجلس المفوضية العليا للانتخابات، ووضع إطار زمني لإجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية خلال مدة لا تتجاوز 24 شهراً، مع حسم مسألة ترشح مزدوجي الجنسية والعسكريين.

وسبق أن رحب «الجيش الوطني» بقيادة المشير خليفة حفتر بالاتفاق الذي حظي برعاية من مسعد بولس، كبير مستشار الرئيس الأميركي للشؤون الأفريقية الذي يقود تحركاً يركز على توحيد المؤسسات ودفع المسار الانتخابي، في وقت تسعى فيه الأمم المتحدة إلى توسيع قاعدة الدعم للاتفاق والتواصل مع الأطراف السياسية الأخرى.

وفي المقابل، أعاد تكالة ملف الدستور إلى واجهة المشهد السياسي خلال اجتماعه، مساء الثلاثاء، في طرابلس مع رئيس الهيئة التأسيسية لصياغة مشروع الدستور مراجع نوح، مؤكداً حرص المجلس على التواصل مع الهيئة باعتبارها الجهة المنتخبة والمختصة بصياغة الدستور.

وشدد تكالة على أهمية استكمال الاستحقاقات الدستورية وتمكين الليبيين من ممارسة حقهم في اختيار نظامهم الدستوري عبر استفتاء حرٍ ونزيه، فيما بحث الاجتماع سبل تجاوز الانسداد السياسي والوصول إلى قاعدة دستورية متفق عليها تمهد لإجراء الانتخابات الوطنية.

وانتخبت الهيئة التأسيسية لصياغة الدستور عام 2014، وأنجزت مشروع الدستور في يوليو (تموز) 2017، لكنه لم يُطرح للاستفتاء حتى الآن، ليبقى الخلاف قائماً حول أولوية الاستفتاء عليه أو اعتماد قاعدة دستورية مؤقتة تمهّد للانتخابات.

ويعيد موقف تكالة التذكير بخلاف سابق حول اتفاق «4+4»، حين رفض المسار باعتباره لا يستند، من وجهة نظره، إلى الإطار المؤسسي الكافي، ودعا إلى التمسك بالمسار الدستوري والقانوني والتنسيق مع مجلس النواب.

ويكشف تباين مواقف الدبيبة وتكالة عن خلاف أوسع داخل المؤسسات السياسية في طرابلس بشأن كيفية تحويل التفاهمات السياسية إلى مسار انتخابي قابل للتنفيذ؛ إذ يتفق الطرفان في المبدأ على إنهاء المرحلة الانتقالية وإجراء الانتخابات، لكنهما يختلفان حول الإطار السياسي والقانوني الذي ينبغي أن يقود إليها.


«الرباعي» يدعم «مؤسسات الدولة» والخرطوم ترفض موقف واشنطن

وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
TT

«الرباعي» يدعم «مؤسسات الدولة» والخرطوم ترفض موقف واشنطن

وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»
وزراء خاارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان خلال اجتماعهم في نيويورك حول السودان «واس»

دخلت التحركات الدولية لوقف الحرب في السودان مرحلة جديدة من التجاذب السياسي والدبلوماسي، مع تمسك السعودية ومصر وتركيا وباكستان، بدعم «مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية» ورفض الكيانات الموازية، ورفض الخرطوم الموقف الأميركي من شرعية طرفي الحرب، وسط قلق أممي من تواصل أزمة تأشيرة رئيس مجلس السيادة الانتقالي قائد الجيش عبد الفتاح البرهان، وتصاعد الخلاف بين واشنطن وقيادة الجيش حول هدنة إنسانية مقترحة لمدة 90 يوماً.

وأكد وزراء خارجية السعودية ومصر وتركيا وباكستان، خلال اجتماع تشاوري على هامش الدورة الـ81 للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، دعمهم «الثابت» لسيادة السودان ووحدته واستقلاله وسلامة أراضيه، وشددوا على أهمية الحفاظ على «مؤسسات الدولة الوطنية الشرعية»، ورفض أي كيانات موازية من شأنها تقويض سيادة البلاد ووحدتها. كما طالب الوزراء بوقف التدفق غير المشروع للأسلحة والمرتزقة والمقاتلين الأجانب إلى السودان، في وقت تتزايد فيه التحركات الدولية والإقليمية لإيجاد صيغة توقف الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023.

الخرطوم ترفض

وأعلنت الخارجية السودانية، الأربعاء، رفضها للموقف الأميركي الأخير من طرفي الحرب، وقالت إن أي مبادرة للسلام ينبغي أن تنطلق من احترام سيادة السودان ووحدته وسلامة أراضيه و«مؤسساته الوطنية الشرعية»، وأن تعالج التدخلات الخارجية ومصادر دعم «قوات الدعم السريع».

الأمير فيصل بن فرحان وزير الخارجية السعودي خلال استقباله نظيره السوداني محيي الدين سالم أحمد إبراهيم في الرياض (واس)

ورفضت الخارجية مساواة الجيش بـ«الدعم السريع»، أو أن تفضي أي عملية تفاوضية إلى إضفاء الشرعية على واقع فرضته الحرب، مؤكدة في الوقت نفسه استعداد الخرطوم للتعامل مع الولايات المتحدة وشركاء إقليميين ودوليين من أجل تحقيق السلام.

وعدد البيان، إلى جانب الولايات المتحدة، السعودية ومصر وقطر وروسيا والصين وتركيا وباكستان، فضلاً عن الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي و«إيغاد» ومنظمة التعاون الإسلامي والمجموعة الأفريقية في مجلس الأمن، ضمن الجهات التي قالت الخرطوم إنها مستعدة للتعاون معها.

قلق غوتيريش

وفي موازاة ذلك، تصاعدت أزمة عدم حصول البرهان على تأشيرة لدخول الولايات المتحدة، بعدما نقل السودان الخلاف إلى الأمم المتحدة.

وكان مندوب السودان لدى المنظمة الدولية الحارث إدريس قد وجه رسالة، في 21 سبتمبر (أيلول)، إلى الأمين العام أنطونيو غوتيريش، طالبه فيها بـ«التدخل الفوري» لدى السلطات الأميركية لضمان إصدار التأشيرات للبرهان ووفده. وحذر إدريس من أن استمرار الوضع سيمنع رئيس دولة عضو في الأمم المتحدة من المشاركة شخصياً في أعمال الجمعية العامة.

الأمين العام للأمم المتحدة أنطونيو غوتيريش قلق بسبب رفض واشنطن منح تأشيرة للبرهان (أ.ب)

وقال المتحدث باسم الأمم المتحدة ستيفان دوجاريك إن غوتيريش يشعر بـ«قلق بالغ» من عدم إصدار التأشيرة، وإن الأمانة العامة أثارت القضية على الفور مع السلطات الأميركية وتواصل اتصالاتها معها. وأفادت «رويترز» بأن البرهان أرجأ سفره إلى نيويورك، لكنه لم يتلق إخطاراً رسمياً برفض التأشيرة، فيما قال مصدر سوداني آخر للوكالة إن وزير الخارجية محيي الدين سالم سيلقي كلمة السودان أمام الجمعية العامة بدلاً منه.

هدنة الـ90 يوماً

وتتداخل أزمة التأشيرة مع خلاف أوسع بشأن مقترح أميركي لهدنة إنسانية لمدة 90 يوماً. ونقلت «رويترز» عن مصدر دبلوماسي سوداني ومحلل غربي مطلع على الاتصالات بين الجانبين أن إصدار التأشيرة يبدو مرتبطاً بموافقة البرهان على مقترح هدنة من 90 يوماً قدمه مسعد بولس، كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية. ولم تعلن الخارجية الأميركية رسمياً أن إصدار التأشيرة مشروط بقبول الهدنة. وقال مصدر سوداني رفيع للوكالة إن البرهان يرفض التعامل مع المقترح بمنطق «اقبل أو ارفض»، ويرى أن أي مبادرة ينبغي أن تكون قابلة للنقاش والتعديل.

وكان إدريس قد قال إن البرهان أبلغ بولس، في يوليو (تموز)، استعداده للتفاوض وإعلان هدنة إنسانية لمدة 90 يوماً، لكنه ربطها بانسحاب «قوات الدعم السريع» من المناطق التي تسيطر عليها، ووضع آليات لمراقبة التنفيذ وضمان إيصال المساعدات. كما قال البرهان في مقال نشرته مجلة «فورين بوليسي»، الاثنين، إنه يرفض ما وصفه بالتوجيهات الخارجية بشأن الحرب، معتبراً أن اتفاقات وقف إطلاق النار السابقة أتاحت لـ«الدعم السريع» وداعميه فرصة لإعادة تنظيم صفوفهم.

واشنطن تصعّد

في المقابل، صعّدت واشنطن لهجتها تجاه طرفي الحرب. وقالت الخارجية الأميركية إن الرئيس دونالد ترمب ملتزم بإنهاء ما وصفته بـ«أسوأ أزمة إنسانية في العالم»، متهمة الجيش و«الدعم السريع» بعدم إبداء التزام جدي بهدنة فورية، وبتكثيف العمليات القتالية وهجمات المسيّرات التي أوقعت ضحايا مدنيين.

مسعد بولس كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية (أ.ف.ب)

وقالت واشنطن إنها طلبت مراراً من الطرفين قبول هدنة إنسانية «بالصيغة المطروحة ومن دون شروط مسبقة»، والانخراط في حوار سياسي شامل يقود إلى الانتقال نحو حكومة مدنية.

وحذرت في الوقت نفسه من أنها ستسعى إلى «رفع تكلفة استمرار النزاع» على الأطراف المتحاربة والشبكات التي تغذي الحرب. وكرر بولس الموقف في نيويورك، قائلاً إن الشعب السوداني يستحق هدنة إنسانية تيسر «حواراً سودانياً - سودانياً»، وداعياً إلى توسيع حظر الأسلحة الذي تفرضه الأمم المتحدة.

سابقة البشير

وتعيد أزمة التأشيرة إلى الواجهة التزامات الولايات المتحدة بصفتها الدولة المضيفة لمقر الأمم المتحدة، كما تستدعي سابقة سودانية تعود إلى سبتمبر 2013، عندما تقدم الرئيس السابق عمر البشير بطلب تأشيرة للسفر إلى نيويورك وسط جدل بسبب مذكرتي التوقيف الصادرتين بحقه عن المحكمة الجنائية الدولية. وأعلن البشير آنذاك تمسكه بالسفر، لكن الزيارة لم تتم، وألقى وزير الخارجية في ذلك الوقت علي كرتي كلمة السودان أمام الجمعية العامة.

طبعت تقلبات علاقة البشير بالترابي مرحلة فارقة في تاريخ السودان (أ.ف.ب)

وبعد 13 عاماً، يتكرر جانب من المشهد مع البرهان، مع اتجاه محيي الدين سالم، وفق «رويترز»، لإلقاء كلمة السودان بدلاً منه، وإن اختلفت الظروف والأسباب المحيطة بالأزمتين.


مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)
طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)
TT

مرصد عالمي: آلاف نازحي الصومال قد يواجهون الجوع بنهاية العام

طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)
طفل يعاني من سوء التغذية يتلقى العلاج في مستشفى بنادر في العاصمة الصومالية مقديشو يوم 14 مايو 2025 (أ.ب)

قال «التصنيف المرحلي المتكامل للأمن الغذائي»، وهو مرصد عالمي لمراقبة الجوع، اليوم (الأربعاء)، إن آلاف النازحين في جنوب غرب الصومال ربما يتعرّضون لمجاعة بين شهري أكتوبر (تشرين الأول) وديسمبر (كانون الأول) إذا تسببت ظاهرة إلنينيو في فيضانات أشد حدة من المتوقع وظلت المساعدات الإنسانية غير كافية، وفق ما نقلته وكالة «رويترز» للأنباء.

ويعيش في بيدوة، إحدى أكبر مدن الصومال، مئات الآلاف من النازحين بسبب الصراع والجوع.

عربة يجرها حمار تخوض مياه الفيضانات على طول شارع في مقديشو يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

أشار تقرير المرصد، وهو مبادرة مشتركة بين وكالات الأمم المتحدة والهيئات الإقليمية ومنظمات الإغاثة، إلى أن خمسة في المائة من النازحين في بيدوة، أي نحو 26 ألفاً، من المرجّح أن يواجهوا الجوع الشديد وانهيار سبل عيشهم في الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر.

وأشار التقرير إلى أن أكثر من خمسة ملايين صومالي، أي 26 في المائة من السكان الذين شملهم التحليل، يعانون بالفعل من انعدام الأمن الغذائي الذي وصل إلى مستوى الأزمة أو ما هو أسوأ بسبب موجات الجفاف المتكررة والصراع ونقص المساعدات.

ويرجّح التقرير أن يصل عدد من يعانون من انعدام الأمن الغذائي إلى 5.4 مليون شخص في الفترة بين أكتوبر وديسمبر.

صبي يخوض مياه الفيضانات على طول شارع عقب هطول أمطار غزيرة في مقديشو يوم 16 سبتمبر 2026 (رويترز)

وفي المقابل، يُتوقّع أن تصل المساعدات الغذائية إلى 70400 شخص فقط شهرياً خلال الفترة من أكتوبر إلى ديسمبر، أي ما يمثل 1.3 في المائة من المحتاجين.

كما تشير التقديرات إلى أن نحو 1.92 مليون طفل، تتراوح أعمارهم بين ستة أشهر وخمس سنوات، سيحتاجون إلى علاج من سوء التغذية الحاد بحلول يونيو (حزيران) المقبل، بينهم 433 ألفاً يعانون حالات حادة.

وشهد الصومال آخر موجة مجاعة في عام 2011، عندما لقي نحو 250 ألفاً حتفهم، وكاد يشهد موجة أخرى في عامي 2017 و2022.