مصير غامض يواجه مئات المهاجرين المحتجزين غرب ليبيا

حقوقيون يتساءلون عن الموقوفين في مركزي «بئر الغنم» و«العسّة»

مئات من المهاجرين المحتجزين بمركز «بئر الغنم» في غرب ليبيا سبتمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)
مئات من المهاجرين المحتجزين بمركز «بئر الغنم» في غرب ليبيا سبتمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)
TT

مصير غامض يواجه مئات المهاجرين المحتجزين غرب ليبيا

مئات من المهاجرين المحتجزين بمركز «بئر الغنم» في غرب ليبيا سبتمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)
مئات من المهاجرين المحتجزين بمركز «بئر الغنم» في غرب ليبيا سبتمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)

أعادت تخوفات حقوقية في ليبيا أزمة مئات المهاجرين غير النظاميين المحتجزين في مقري «بئر الغنم» و«العسّة» بغرب البلاد، إلى واجهة الأحداث، وسط تساؤلات عن مصيرهم الغامض، في ظل ما يوصف بـ«فوضى إدارية وانقسام داخلي في جهاز مكافحة الهجرة».

جانب من زيارة «المجلس الوطني للحريات» إلى «بئر الغنم» غرب ليبيا سبتمبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)

و«بئر الغنم» هو مقر لتجميع المهاجرين غير النظاميين، جنوب غربي العاصمة، ويضم مئات الأطفال المصريين، وجنسيات أخرى، بينما يقع «العسّة» في منطقة حدودية مع تونس.

وتعكس تقارير دولية، وشهادات حقوقية ليبية، واقعاً مأسوياً يتعلق بأوضاع المهاجرين غير النظاميين.

ودعا طارق لملوم الباحث الليبي في قضايا المهاجرين وطالبي اللجوء، وزارة الداخلية بحكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، «بصفتها المسؤولة عن مقري بئر الغنم والعسة، للكشف عن مصير المئات المحتجزين فيهما»، ووصفهما بأنهما «خارج الرقابة والمساءلة».

وحمّل لملوم في تصريح صحافي، وزير الداخلية عماد الطرابلسي، «المسؤولية بشكل مباشر عن سلامة المئات من المحتجزين داخل المركزين»، وأشار إلى أنه «رغم زيارة المجلس الوطني للحريات مقر بئر الغنم، وإطلاق الوعود بتحسين أوضاع المحتجزين هناك، والتنسيق مع سفارات بلدانهم لترحيلهم أو الإفراج عنهم، فإنه لم يُسجل أي تحرك فعلي بشأن إعادة ترحيل المصريين المحتجزين منذ عدة أشهر».

مهاجرون تم إنقاذهم من الموت بعد غرق مركبهم الذي انطلق من سواحل ليبيا في اتجاه أوروبا (أ.ب)

وتقول منظمات حقوقية دولية ومحلية، إن مراكز احتجاز المهاجرين كافة في ليبيا «تُرتكب فيها انتهاكات واسعة»، لكن يبرز اسم «بئر الغنم» في شكاوى كثيرة، خصوصاً من مصريين يتحدثون عن اعتقال أبنائهم في هذا المركز.

والحال في «بئر الغنم» لا تختلف كثيراً عن باقي مراكز إيواء المهاجرين - بحسب المختصين في ملف الهجرة وحقوق الإنسان - غير أن الأنباء الصادرة عن هذا المركز، تتحدث عن وجود 600 مهاجر ينتمون إلى عشر دول على الأقل، غالبيتهم من الأطفال والقُصَّر.

وينوه لملوم بأنه «لا تتوفر معلومات دقيقة حول أوضاع بقية الجنسيات، أو مصير المهاجرين القصّر المحتجزين في مركز بئر الغنم».

وقالت منظمة «هيومن رايتس ووتش» في مايو (أيار) 2025 إن معظم مراكز احتجاز المهاجرين في ليبيا «تخضع لسيطرة جماعات مسلحة منتهكة وغير خاضعة للمساءلة»، وأشارت إلى أن هذه الانتهاكات تشمل «الاكتظاظ الشديد، والضرب، والتعذيب، ونقص الطعام والماء، والعمل القسري، والاعتداء الجنسي والاغتصاب، واستغلال الأطفال».

مهاجرون غير شرعيين في ليبيا (متداولة)

وبخصوص «مركز إيواء العسّة» الواقع بالقرب من الحدود التونسية - الليبية، قال لملوم، إن السلطات الليبية تحتجز فيه هو الآخر «المئات من المهاجرين، وسط غياب تام للمعلومات عن مصيرهم أو أماكن نقلهم».

ويرى لملوم، أن «هذا الغموض يعكس فوضى إدارية، وانقساماً داخلياً في إدارة مراكز الاحتجاز، ولم يعد واضحاً ما الجهة المسؤولة عن الاحتجاز أو عن إجراءات الترحيل والإفراج».

وذهب إلى أنه «إن لم تُقدِم السلطات الليبية على حسم ملف هذه المراكز سيئة السمعة، وإخضاعها للرقابة والمساءلة، فإن التحرك الدولي قد يصبح الخيار الوحيد القادر على فرض المساءلة، وإنقاذ الضحايا والمغيبين».

وسبق أن راج مقطع فيديو لسيدة مصرية على «إنستغرام»، تناشد السلطات المصرية سرعة التحرك لإنقاذ محتجزين في «بئر الغنم»، قالت إنهم «يتعرضون للمساومة على دفع فدية مقابل إطلاق سراحهم».

قبيل ترحيل مهاجرين غير نظاميين من ليبيا إلى نيجيريا في 13 أكتوبر الماضي (جهاز مكافحة الهجرة)

وكانت «منظمة ضحايا لحقوق الإنسان» الليبية، قالت إنها تلقت شكاوى من ناجين تم إنقاذهم من الغرق في البحر تحدثوا عن «إهانة وضرب وتعذيب واستغلال في أعمال البناء داخل مركز الإيواء وخارجه، والإفراج عن البعض مقابل مبالغ مالية».

ولا تزال عصابات الاتجار بالبشر تعمل على تهريب المهاجرين عبر البحر المتوسط إلى أوروبا، لكن عناصر خفر السواحل الليبي تعيد عدداً كبيراً منهم جبراً إلى شواطئ البلاد، وتودعهم مقار الإيواء.

وأعلنت «المنظمة الدولية للهجرة»، اعتراض وإعادة 568 مهاجراً من البحر إلى ليبيا خلال الفترة من 2 إلى 8 نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، لافتة إلى اعتراض وإعادة 23.513 مهاجراً منذ بداية العام الحالي، من بينهم 2037 امرأة، و851 طفلاً.

ودائماً ما تؤكد المنظمة الدولية، أن «ليبيا ليست ميناءً آمناً لإنزال المهاجرين، وأنها لم تشارك في إعادتهم إليها».

مهاجرون غير نظاميين ينتظرون الترحيل في مدينة درنة بشرق ليبيا (جهاز مكافحة الهجرة غير الشرعية)

وعلى خلفية إعادة المهاجرين جبراً من البحر، قالت 13 منظمة إغاثة دولية في 8 نوفمبر الحالي، إنها «علّقت الاتصال مع حرس السواحل الليبي في البحر المتوسط، بداعي زيادة حالات العنف أثناء اعتراض قوارب الهجرة غير المشروعة في البحر، وتعرض المهاجرين واللاجئين إلى انتهاكات وتعذيب داخل مراكز الاحتجاز الليبية».

وبحسب ما نقلته «الغارديان» البريطانية، أرجعت المنظمات قرارها، إلى رفض «ضغوط متنامية من قبل الاتحاد الأوروبي وإيطاليا على وجه الخصوص، لمشاركة المعلومات مع حرس السواحل الليبي».


مقالات ذات صلة

المغرب: حقوقيون يطالبون بـ«إغاثة سريعة» للعالقين في سبتة

شمال افريقيا مهاجرون تمكنوا من دخول سبتة بطريقة سرية في انتظار دورهم للحصول على طعام (د.ب.أ)

المغرب: حقوقيون يطالبون بـ«إغاثة سريعة» للعالقين في سبتة

طالبت «المنظمة المغربية لحقوق الإنسان»، بحماية الحق في الحياة، وصون كرامة المهاجرين، وحماية الأطفال والقاصرين.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا عناصر من «الهلال الأحمر» بطرابلس يواصلون انتشال جثث مهاجرين غرقوا في «المتوسط» قبالة تاجوراء (الهلال)

سلطات بنغازي تشدد على التصدي للهجرة غير النظامية

فيما تواجه سواحل طرابلس فاجعة جديدة تمثلت بغرق قارب بالبحر المتوسط شددت السلطات في غرب ليبيا على الاستمرار في مكافحة أفواج المهاجرين غير النظاميين.

«الشرق الأوسط» (القاهرة)
شمال افريقيا مهاجرون مغاربة خلال رحلة عودتهم إلى المغرب بعد أن تمكنوا من التسلل إلى سبتة (أ.ف.ب)

الهجرة إلى سبتة... هل تعكس تراجعاً للثقة بالمستقبل أم انتصاراً لصورة جذابة عن أوروبا؟

يرى باحثون أن موجة الهجرة إلى جيب سبتة لا تنبع فقط من عوز وبطالة بل تنطلق من تراجع للثقة بالمستقبل لدى طبقات أخرى.

«الشرق الأوسط» (الرباط)
شمال افريقيا إسبانيا عززت وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة تحسباً لمحاولة اختراق جماعي آخر للحدود السبت (إ.ب.أ)

إسبانيا تستنفر قواتها تخوفاً من اقتحام جديد لسبتة من قبل المهاجرين

عززت إسبانيا وجود الشرطة والجيش في ‌جيب سبتة بشمال أفريقيا، وذلك في ظل انتشار رسائل على مواقع التواصل الاجتماعي تحث المهاجرين على محاولة اختراق جماعي آخر للحدود

«الشرق الأوسط» (سبتة)
شمال افريقيا الأمن المغربي شدَّد إجراءات المراقبة على الطرق المؤدية إلى المدن المحاذية لجيب سبتة تحسباً لاقتحام جماعي للمدينة غداً السبت (رويترز)

طوق أمني حول سبتة في ظل استمرار الدعوات لاقتحامها غداً

شدَّدت المصالح الأمنية المغربية إجراءات المراقبة على الطرق والمحاور، المؤدية إلى مدن جهة طنجة، والمحاذية لجيب سبتة الذي تحتله إسبانيا شمال المغرب.

«الشرق الأوسط» (الرباط)

مصر تعلن عن منطقة حرة للنفط والغاز بالعلمين

الحكومة المصرية تسعى لتعزيز قدراتها التخزينية من البترول والغاز  (صفحة وزارة البترول على فيسبوك)
الحكومة المصرية تسعى لتعزيز قدراتها التخزينية من البترول والغاز (صفحة وزارة البترول على فيسبوك)
TT

مصر تعلن عن منطقة حرة للنفط والغاز بالعلمين

الحكومة المصرية تسعى لتعزيز قدراتها التخزينية من البترول والغاز  (صفحة وزارة البترول على فيسبوك)
الحكومة المصرية تسعى لتعزيز قدراتها التخزينية من البترول والغاز (صفحة وزارة البترول على فيسبوك)

سعياً لتعزيز موقع مصر كـ«مركز إقليمي لتداول المنتجات البترولية»؛ أعلنت الحكومة إنشاء «منطقة حرة للنفط والغاز» في مدينة العلمين على ساحل البحر المتوسط (شمال البلاد).

وحسب مجلس الوزراء، تختص المنطقة الحرة «بنشاط تخزين وتداول المنتجات البترولية»، في خطوة يراها خبراء «تسهم في توفير مخزون استراتيجي من الطاقة في ظل الاضطرابات الإقليمية»، كما تساعد في «تعزيز دور مصر خلال عملية تداول الطاقة وتصديرها إلى الأسواق الأوروبية والغربية».

وأصدر رئيس الوزراء مصطفى مدبولي قراراً بشأن «إنشاء منطقة حرة خاصة باسم شركة الفجيرة العلمين للنفط والغاز»، ووفق إفادة للحكومة، الثلاثاء، «تختص المنطقة الحرة بنشاط تخزين وتداول المنتجات البترولية والزيت الخام».

وستقام المنطقة الحرة على نحو 738 ألف متر مربع في مدينة العلمين التابعة لمحافظة مطروح الساحلية.

وحسب بيان مجلس الوزراء، تلتزم شركة الفجيرة العلمين للنفط والغاز بتصدير نسبة لا تقل عن 100 في المائة من حجم إنتاجها سنوياً إلى خارج البلاد، إلى جانب استخدام مكون محلي في منتجاتها بنسبة لا تقل عن 50 في المائة.

ويقول أستاذ هندسة الطاقة بالجامعة الأميركية بالقاهرة جمال القليوبي، لـ«الشرق الأوسط»، إن «الحكومة تستهدف تأمين مخزون استراتيجي من الطاقة يكفي لعدة أشهر في ظل الاضطرابات الإقليمية».

ويرى أن المنطقة الحرة «ستعزز من موقع مصر في تجارة الطاقة»، ويشير إلى أن «إقامة المنطقة الحرة على ساحل المتوسط ستزيد من عمليات التداول الإقليمي والربط مع الأسواق الأوروبية»، وينوه بأن «أهمية مناطق تخزين الطاقة تتمثل في أنها تؤمن الإمدادات المحلية وتساعد على زيادة التصدير للأسواق الأخرى».

وبحسب القليوبي، ستفيد منطقة التخزين بالعلمين في الربط بين أسواق الطاقة بالمنطقة العربية وأوروبا، ويوضح أن «هناك مقترحات للربط العربي مع موانئ البحر المتوسط حال إغلاق مضيق هرمز، وتعثر تدفقات النفط العربي للأسواق الخليجية»، كما يشير إلى أن «أهمية مناطق تخزين الطاقة في هذه المرحلة، أنها توفر القدرة على الربط بين هذه الأسواق».

ويعتقد خبير الطاقة حافظ سلماوي أن اتجاه الحكومة لإقامة مناطق تخزين للبترول والغاز على ساحل المتوسط «نتيجة طبيعية للصعوبات التي تواجه إمدادات الطاقة على وقع الحرب الإيرانية»، ويشير إلى أن «دولاً عربية لجأت إلى إنشاء خزانات قريبة من الأسواق الأوروبية لمواجهة أي صعوبات في تداول الطاقة».

ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «المنطقة الحرة سوف تساعد في تأمين الاحتياجات المحلية في ظل استيراد ثلث احتياجات البلاد من الخارج».


مصر تعزز جهودها لتقليص الفجوات السياسية بين حفتر والدبيبة

السيسي خلال استقباله حفتر في العلمين بمصر أمس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال استقباله حفتر في العلمين بمصر أمس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
TT

مصر تعزز جهودها لتقليص الفجوات السياسية بين حفتر والدبيبة

السيسي خلال استقباله حفتر في العلمين بمصر أمس الأربعاء (الرئاسة المصرية)
السيسي خلال استقباله حفتر في العلمين بمصر أمس الأربعاء (الرئاسة المصرية)

تعزز مصر تحركاتها وجهودها السياسية والدبلوماسية لتقليص الفجوات بين الأطراف الليبية، في وقت تسعى فيه أطراف إقليمية ودولية إلى دفع البلاد نحو تسوية تنهي الانقسام السياسي والمؤسسي، المستمر منذ سنوات بحسب سياسيين.

عكس ذلك محادثات الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي مع قائد «الجيش الوطني الليبي»، المشير خليفة حفتر، في مدينة العلمين بالساحل الشمالي، الأربعاء، التي جدد خلالها التأكيد على ثوابت الموقف المصري بشأن الحفاظ على وحدة ليبيا وتوحيد مؤسساتها.

وجاء لقاء السيسي وحفتر بعد أقل من ثلاثة أسابيع من استقبال الرئيس المصري لعبد الحميد الدبيبة، رئيس حكومة الوحدة الوطنية التي تتخذ من طرابلس مقراً لها، في خطوة تعكس استمرار القاهرة في التواصل مع طرفي الانقسام الليبي، بالتوازي مع الدفع نحو مسار سياسي، يفضي إلى إجراء الانتخابات وتوحيد مؤسسات الدولة.

مصر تواصل جهودها للدفع نحو مسار سياسي يفضي إلى إجراء الانتخابات (مفوضية الانتخابات)

وأكدت الرئاسة المصرية، في بيان، أن الرئيس السيسي «جدد التأكيد على موقف مصر الثابت إزاء ليبيا، القائم على ضرورة الحفاظ على وحدة ليبيا والعمل على توحيد المؤسسات الليبية، وعقد الانتخابات البرلمانية والرئاسية». كما شدد على دعم مصر لأمن ليبيا واستقرارها، ومساندة المبادرات الرامية إلى تحقيق ذلك، بما يضمن أمن البلاد وتنميتها، وازدهارها ووحدة أراضيها.

خالد حفتر (أ.ف.ب)

وحضر لقاء السيسي وحفتر من الجانب الليبي خالد حفتر، رئيس أركان «الجيش الوطني الليبي»، وبلقاسم حفتر رئيس «صندوق إعمار ليبيا»، بينما حضر من الجانب المصري حسن رشاد رئيس المخابرات العامة، في مؤشر على الأهمية التي توليها القاهرة للملف الليبي، وتطوراته السياسية والأمنية.

وبحسب رئيس «لجنة الشؤون العربية» بمجلس النواب المصري، محمد صلاح أبو هميلة، فإن «الجهود المصرية المكثفة في الملف الليبي تستهدف تقليص الفجوات السياسية بين الأطراف الليبية، ضمن استراتيجية تقوم على رفض أي مساس بوحدة البلاد أو تقسيمها».

وأوضح أبو هميلة لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الاستراتيجية «تشمل الدفع نحو إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية بشكل متزامن، وتفكيك الميليشيات المسلحة، وخروج القوات الأجنبية والمرتزقة من ليبيا، إلى جانب توحيد مؤسسات الدولة بما يعزز الاستقرار». مبرزاً أن الملف الليبي «يمثل محوراً مهماً من محاور الأمن القومي المصري»، مؤكداً أن أمن ليبيا واستقرارها «يشكلان هدفاً رئيسياً للسياسة الخارجية المصرية».

وكان السيسي قد استقبل الدبيبة أواخر الشهر الماضي، حيث أكدت الرئاسة المصرية حينها أن القاهرة «كانت دائماً حريصة على استقرار وازدهار ليبيا الشقيقة»، وأنها أولت اهتماماً كبيراً بدعم السلم والاستقرار، وضمان وحدة وسلامة أراضيها.

عقيلة صالح رئيس مجلس النواب الليبي (رويترز)

وسبق أن زار رئيس مجلس النواب الليبي، عقيلة صالح، مصر في مايو (أيار) الماضي؛ حيث التقى بمسؤولين وبرلمانيين مصريين، وألقى كلمة أمام مجلس النواب المصري، مؤكداً «عمق العلاقات التاريخية والروابط المشتركة بين البلدين، ودعم مصر المستمر لاستقرار ليبيا».

وتعيش ليبيا منذ سنوات على وقع انقسام سياسي بين سلطات متنافسة في الشرق والغرب، وتتنازع السلطة فيها حكومتان إحداهما برئاسة الدبيبة في غرب البلاد، والأخرى مكلفة من البرلمان يترأسها أسامة حماد، وتحظى بدعم من حفتر، وهي تسيطر على شرق البلاد وأجزاء واسعة من جنوبها.

وتأتي التحركات المصرية بالتزامن مع جهود دولية وإقليمية لدفع الأزمة الليبية نحو تسوية سياسية، وفي مقدمتها «خريطة الطريق» التي أقرتها الأمم المتحدة قبل عام، إلى جانب مبادرة كبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية مسعد بولس، الرامية إلى توحيد السلطتين في ليبيا.

مسعد بولس (أ.ف.ب)

ووفقاً لما تسرب عن المبادرة الأميركية، تتضمن المقترحات تولي صدام حفتر نجل قائد «الجيش الوطني» منصباً في رئاسة المجلس الرئاسي، مع تشكيل حكومة موحدة برئاسة الدبيبة. وقد لقيت المبادرة ترحيباً من حفتر، بينما لم يصدر عن الدبيبة موقف معلن بشأنها.

ورغم عدم الإشارة إلى مبادرة لحل الأزمة الليبية بالاسم، فقد حمل البيان الرئاسي المصري إشارة إلى دعم السيسي وحفتر «للمبادرات الهادفة إلى تحقيق الأمن والاستقرار في ليبيا، والحفاظ على وحدتها».

وأدرج أبو هميلة هذه المواقف ضمن «دعم مصر لمختلف المبادرات الرامية إلى إنهاء الصراع الليبي، بما في ذلك (خريطة الطريق) الأممية ومبادرة بولس، انطلاقاً من دعم حل ليبي - ليبي، يحفظ سيادة البلاد ووحدتها، ويضمن أن تكون ثرواتها ومواردها ملكاً للشعب الليبي».

من الجانب الليبي، يرى المحلل السياسي عبد الله الديباني أن لقاء السيسي وحفتر يمثل تأكيداً لدور مصر «كحليف استراتيجي في دعم الاستقرار والأمن، ومكافحة الإرهاب ودعم الجيش الوطني».

ويعتبر الديباني أن «المحادثات تعكس رغبة القاهرة في المضي نحو الاستقرار السياسي وحلحلة الأزمة الليبية»، خصوصاً مع ما يصفه بأنه «تكامل مبادرة بولس مع المسار الأممي، الذي تقوده البعثة الأممية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن الموقف المصري يعكس توجهاً واضحاً نحو «دعم توحيد المؤسسات الليبية، والذهاب إلى الاستحقاق الانتخابي، وإعادة إطلاق المسار السياسي وإنهاء الانقسام، الذي ألقى بظلاله على مؤسسات الدولة الليبية لسنوات».

إقليمياً، يلحظ مراقبون أهمية محادثات السيسي وحفتر، في ضوء انعقادها بعد أيام من زيارة وزير الخارجية التركي هاكان فيدان إلى العلمين، وما عكسته من توافق مصري – تركي حول ضرورة حل الأزمة الليبية، والحفاظ على وحدة البلاد، عقب جولة لفيدان شملت طرابلس وبنغازي، ولقاءاته مع الأطراف المعنية.


كيف حافظت السياسة النقدية المصرية على الاستقرار النسبي للجنيه؟

جدد الرئيس السيسي تكليف حسن عبد الله برئاسة المركزي (رويترز)
جدد الرئيس السيسي تكليف حسن عبد الله برئاسة المركزي (رويترز)
TT

كيف حافظت السياسة النقدية المصرية على الاستقرار النسبي للجنيه؟

جدد الرئيس السيسي تكليف حسن عبد الله برئاسة المركزي (رويترز)
جدد الرئيس السيسي تكليف حسن عبد الله برئاسة المركزي (رويترز)

أعاد تجديد تكليف محافظ البنك المركزي المصري، حسن عبد الله، تسليط الضوء على السياسات النقدية التي حافظت على قدر من الاستقرار النسبي للجنيه المصري، بعد سنوات من التراجع.

وأصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً جمهورياً، الثلاثاء، بإعادة تكليف عبد الله قائماً بأعمال محافظ البنك المركزي لمدة عام تنتهي في 17 أغسطس (آب) 2027 للمرة الخامسة على التوالي.

وشغل حسن عبد الله المنصب خلفاً لطارق عامر الذي تولى المنصب بين عامي 2015 و2022، وهي الفترة التي شهدت تخفيضات حادة في سعر الصرف، فضلاً عن تكرار أزمة توافر العملات الأجنبية حتى مع اتخاذ قرار تحرير سعر صرف الجنيه في نوفمبر (تشرين الثاني) 2016.

وخلال فترة تولي حسن عبد الله منصب محافظ البنك المركزي اتخذ عدة قرارات مرتبطة بالسياسات النقدية، منها تحرير سعر الصرف في مارس (آذار) 2024 ضمن سلسلة من الإجراءات الاقتصادية التي اتخذت لتنفيذ اتفاق مع صندوق النقد الدولي.

وانتقل الدولار من نحو 7.82 جنيه قبل قرار تحرير سعر الصرف في عام 2016، ووصل إلى 24 جنيهاً في نهاية عام 2022، ومند مارس (آذار) 2024 يحافظ الجنيه المصري على حدود تتراوح ما بين 47 جنيهاً وأقل من 55 جنيهاً لكل دولار صعوداً وهبوطاً.

الرئيس المصري خلال اجتماع سابق مع عبد الله ورئيس الحكومة (الرئاسة المصرية - أرشيف)

واعتبر عضو اللجنة الاقتصادية بمجلس النواب (البرلمان) محمد فؤاد لـ«الشرق الأوسط» أن تجديد الثقة في حسن عبد الله «يمثل قراراً منطقياً بالنظر إلى طبيعة المرحلة التي تولى خلالها المسؤولية، حيث نجح في إعادة قدر من الانضباط إلى إدارة السياسة النقدية، واستعادة الثقة في سوق الصرف بعد فترة اتسمت بحدة الاختلالات».

ويرى فؤاد «أن الفارق بين تجربة حسن عبد الله وسلفه طارق عامر يعكس اختلافاً في فلسفة إدارة السياسة النقدية، وليس خلافاً شخصياً، واتجه عبد الله إلى إدارة أكثر هدوءاً، وترك آليات السوق تقوم بدور أكبر في تحديد قيمة الجنيه».

ويؤكد «أن تقييم أداء محافظ البنك المركزي يجب أن ينطلق من الأدوات المتاحة له، لا من تحميله مسؤولية جميع مشكلات الاقتصاد»، مشيراً إلى أن أداء حسن عبد الله «أسهم في إعادة موارد النقد الأجنبي إلى القنوات الرسمية، وتحسين انتظام سوق الصرف، وتعزيز مصداقية السياسة النقدية، ما جعل السوق والمؤشرات الاقتصادية أكثر تعبيراً عن أداء البنك المركزي من التصريحات المباشرة للمحافظ».

وهنا يشير المصرفي وعضو مجلس النواب حسن عمار لـ«الشرق الأوسط» إلى «التقييم الإيجابي لأداء البنك المركزي خلال الفترة الماضية مع تبني سياسة أكثر مرونة في تحديد سعر الصرف، ما عزز قدرة الاقتصاد المصري على امتصاص الصدمات، خصوصاً في ظل الأزمات الجيوسياسية المتلاحقة بالمنطقة».

وأوضح عمار «أن إدارة حسن عبد الله أسهمت في دعم قوة الجهاز المصرفي، وتحسين قدرته على التعامل مع متطلبات التمويل، والاقتراض، بالتوازي مع تحسن أداء عدد من البنوك الحكومية، وارتفاع الاحتياطيات الأجنبية، واستقرار أوضاع القطاع المصرفي»، مشيراً إلى أن «مؤشرات الشمول المالي وأداء البنوك تعكس اتجاهاً إيجابياً، حتى وإن كانت بعض المستهدفات لم تتحقق بالكامل».

ويرى عمار أن «أهم ما يميز المرحلة الحالية هو الانتقال إلى إدارة أكثر مرونة لسوق الصرف، مع الحفاظ على قوة الاحتياطي النقدي»، معتبراً أن ذلك «ساعد الاقتصاد على تجاوز جزء كبير من آثار الاختلالات السابقة، ووضع السياسة النقدية في موقع أكثر قدرة على التعامل مع المتغيرات والأزمات دون اللجوء إلى تثبيت سعر الصرف بصورة مصطنعة».

حقق حسن عبد الله استقراراً نسبياً في سعر الصرف (بنك مصر)

وزاد الاحتياطي النقدي المصري من 23.2 مليار دولار في منتصف 2022 إلى 56.29 مليار دولار في يوليو (تموز) الماضي وفق البيانات الرسمية للبنك المصري، فيما عدل «المركزي» مستهدفات التضخم لتصبح 7 في المائة (± 2 نقطة مئوية) في المتوسط خلال الربع الرابع من عام 2026، مقارنة بالمستهدف السابق البالغ 5 في المائة (± 2 نقطة مئوية) وهو التعديل الذي أرجعه في بيان رسمي إلى «الأثر الممتد للصدمات الخارجية لأسعار السلع الأساسية العالمية، والإجراءات المحلية لضبط المالية العامة».

وهنا يشير عمار إلى «نجاح عبد الله بفضل السياسات المتبعة في التعامل مع صدمات خارجية عدة غير متوقعة أثرت بشكل كبير على الاقتصاد المصري بوقت كانت نسبة التغيير في سعر الصرف لا تزيد عن 15 في المائة صعوداً وهبوطاً، الأمر الذي كانت له آثار إيجابية على الاقتصاد المصري».

وقال الخبير الاقتصادي محمد أنيس لـ«الشرق الأوسط» إن أداء حسن عبد الله «يعكس تحولاً نحو إدارة أكثر مؤسسية للبنك المركزي، سواء في الإشراف على صلابة القطاع المصرفي وتطويره، أو في إدارة السياسة النقدية وسوق الصرف»، معتبراً أن القرارات الأخيرة اتسمت بالوضوح والاستقرار دون إنتاج اختلالات جديدة.

وأوضح أنيس أن أبرز التحولات تمثلت في التطبيق الجاد لمرونة سعر الصرف، والانتقال من استهداف سعر ثابت إلى استهداف التضخم، وهو ما ساعد على استقرار سوق الصرف، وتحسين توافر العملة الأجنبية، ومنح الاقتصاد قدرة أكبر على امتصاص الصدمات، مشيراً إلى أن هذا النهج، إلى جانب دعم التحول الرقمي والشمول المالي، يعكس سياسة واضحة تستهدف بناء نتائج مستدامة على المديين المتوسط والطويل، وهو ما لم يكن متوافراً من قبل.

لكن في المقابل، فإن مراقبين يرون أن سعر العملة المحلية الذي سجل في منتصف أغسطس الجاري نحو 51 جنيهاً مقابل الدولار الواحد يشكل عبئاً على المواطنين، وكذلك على الموازنة العامة للدولة، وهو ما يتطلب مزيداً من الإجراءات التي تدعم الحفاظ على قيمة العملة المحلية، وكذلك اتباع سياسات اقتصادية من شأنها دعم الجنيه لكي يسترد جزءاً من خسائره خلال السنوات الماضية.