المحبوب عبد السلام: الترابي ذاق خيانة تلاميذه وفي طليعتهم البشير

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (الأخيرة)

TT

المحبوب عبد السلام: الترابي ذاق خيانة تلاميذه وفي طليعتهم البشير

البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)
البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)

ذاق الدكتور حسن الترابي مرارة شعور المرء أن تلامذته قد خانوه. ومن عادة التلامذة أن يفعلوا. نصّب الترابي الضابط عمر حسن البشير رئيساً، وربما راوده حلم أن يحتفظ لنفسه بدور المرشد على غرار ما هو عليه الوضع في إيران. تمرد البشير ومن عادة الجنرالات أن يفعلوا. السلطة وليمة باذخة لا تحتمل التقسيم والشركاء.

في عام 2017، وكان قد مضى عام على وفاة الترابي التقيت البشير وحاورته. سألته: من أصعب رجل تعاملت معه في السودان، وجاء الجواب: «هو حسن عبد الله الترابي رحمه الله». طلبت منه تفسير العلاقة الغريبة بينهما، فقال: «هو شخصية تتمتع بكاريزما قوية جداً. ظل مسيطراً على الحركة الإسلامية لفترة طويلة. عاش صراعات كثيرة داخل الحركة وكان الكاسب دائماً، غير أنه خسر للمرة الأولى معنا».

البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)

كان البشير مغامراً ومناوراً ومتقلباً. العلاقة المتذبذبة مع إيران خير دليل. في 1992 كان وضع النظام السوداني صعباً. الحصار شديد ولا سلاح ولا ذخائر، وتراجعت قدرة العراق على المساعدة العسكرية. زار وزير المال السوداني عبد الرحيم حمدي طهران لطلب المساعدة، فكان الرد أن على نظام البشير أن يسدد الديون المستحقة على نظام جعفر نميري.

قال المسؤولون الإيرانيون إن الأولوية هي لمساعدة المجموعات الشيعية التي خرجت دولها من الاتحاد السوفياتي. أبدوا استعدادهم لتزويد السودان بالكتب والأدوات الرياضية. شعر الجانب السوداني بالصدمة. حين روى حمدي القصة للترابي كان تعليق الأخير: «ألم تقرأ كتاب البخلاء ومعظمه عن الفرس؟».

تغير موقف إيران لاحقاً. دعمت الجيش السوداني في حرب دارفور بعد 2003. جاء الإيرانيون وفتحوا حسينيات وشيّعوا بعض الناس وأخذوا مئات الشباب لتدريبهم في سوريا. أقاموا صناعات عسكرية في السودان خصوصاً في جنوب الخرطوم واستخدموا مهربين من بورتسودان لتمرير الأسلحة إلى حركة «حماس» في غزة عبر الأراضي المصرية والأنفاق. واستهدفت الطائرات الإسرائيلية لاحقاً مصانع السلاح هذه.

ذات يوم سألت الرئيس البشير إن كان قادراً على التعايش مستقبلاً مع لقب الرئيس السابق، فأجاب: «ليس سهلاً فقط، بل هو متعة لأن الكل سيحترمك بصفتك رئيساً سابقاً وينادونك في الشارع يا فخامة الرئيس من دون أدنى مسؤوليات». تعلّم التجربة الصحافي العربي ألا يصدق مثل هذا النوع من العبارات التي سمعتها مراراً في عواصم مختلفة.

من جانبه، لم يكن الترابي يتوقف طويلاً عند ممارسات بعض الحكام في بلدانهم. كان يقول إن معمر القذافي «صديقه» وإنه كان يستدعيه «بغرض التحاور وبصراحة». وكان يعتقد أن «تغييرات طرأت على شخصية صدام حسين بعد حرب الخليج الأولى، خصوصاً بعدما وضع عبارة الله أكبر في العلم العراقي».

كان السياسي والباحث السوداني الدكتور المحبوب عبد السلام حاضراً في خضم تجربة الترابي والبشير التي تركت بصماتها على السودان الحالي الذي يقطر دماً.

* حين تستمع إلى أخبار السودان، هل تخشى أن تصبح بلا وطن؟

- هذا إحساس يعتري كثيرين من السودانيين، بعضهم تنتابه حالة نفسية، وبعضهم يكون واقعياً ويبدأ بترتيب أوضاعه، ويبحث عن وطن آخر. هذه حالة حقيقية واقعية تنتابني وتنتاب كثير من السودانيين عندما يتأملون الواقع، وخاصة عندما ينظرون إلى ما حدث لكل منهم، لأن الحرب هذه لم تترك شخصاً من دون أن تمسه مساً مباشراً، في تراثه المعنوي وتراثه المادي، فيما جنى وحفظ طوال عمره، وفيما ادخر.

* من يتحمل مسؤولية إيصال السودان إلى ما وصل إليه؟

- بالنسبة لي يمكن أن أقول النخب، خاصة نخب اليسار ونخب اليمين. النخب التي خرجت من رحم الماركسية، والنخب الإسلامية. صحيح أن كثيراً من تيارات الوسط تتحمل المسؤولية، في النخب، وهم، يشبه بعضهم بعضاً، اليسار واليمين، المدنيون والعسكريون، الضباط الذين يقومون بالانقلابات التي أشرت إليها، هم بعض من هذه النخب.

المحبوب عبد السلام مع الطيب صالح (أرشيف المحبوب عبد السلام)

أشار الأستاذ الطيب صالح إلى أن بعض العسكريين يستيقظون من النوم ويفكرون في الاستيلاء على السلطة. يركبون دبابة إلى الإذاعة. لكن كثيراً من المدنيين الذين لم يتأهلوا للحكم كذلك يصحون صباحاً وعندهم هذا الشغف بالحكم والوصول إلى السلطة. هناك فارق بين الآيديولوجيا والأناشيد وحقائق الواقع الاقتصادي والسياسي والعلاقات الخارجية.

* هل أفهم أن شراهة المدنيين إلى السلطة لم تكن تقل عن شراهة العسكريين؟

- أعتقد ذلك، لأن بعض الناس، لشغفه بالسلطة، يعدّ السياسة مهنة من لا مهنة له. السياسة تحتاج إلى تدريب خاص. الطيب صالح ذكر أن العسكري، الضابط، قد يؤهل في «ساندهيرست» (الأكاديمية العسكرية البريطانية) أو في المدرسة العسكرية بباريس، لا ليحكم لكن ليدافع أو ليحارب. كذلك كثير من المدنيين يأتون من حقول بعيدة عن السياسة. بعضهم غاب عن السودان عشرات السنين، لكن الشغف بالسلطة يدفعهم إلى تولي مناصب وهم ليسوا في مستوى التحدي الذي تطرحه. فكلهم جميعاً لديهم شغف بالسلطة من دون إعداد لها، من دون برامج، من دون حتى وضع حزبي، لأنه الآن لا يوجد زعماء. لا توجد قيادات متكاملة يمكن أن تقود الوطن إلى بر الأمان.

السياسة مهنة تحتاج إلى أن يتفرغ الإنسان في اليوم الواحد 4 إلى 5 أو 6 ساعات يقرأ ويعرف ما يدور في العالم، وتحتاج إذا كنت سودانياً إلى معرفة عميقة بالسودان، وأن تكون فعلاً قد زرت أنحاءه، ولكن لا يمكن أن تأتي من لا مكان.

* هل تقصد أن الجنرالات فشلوا؟

- نعم.

* وأن المدنيين فشلوا أيضاً، وأن ما يعشيه السودان هو لقاء فشلين؟

- هو كما أشار مفكر سوداني جيد جداً، توفي رحمه الله، عبد العزيز حسين الصاوي، بقوله إذا جمعنا العلمانيين واليسار مع الإسلاميين فسنحل مشكلة السودان. مثلاً، نتأمل مشكلة مثل مشكلة الجنوب، ونظن أنها صراع سببه فقط السلطة والثروة، ولكن صراع الأجندة السياسية كذلك كان له دور كبير فيما حدث في الجنوب وفي استقلال الجنوب وخروجه عن السودان. هما فشلان لا ريب، أو فشل واحد لنخبة واحدة.

* هل تتمنى حينما تراجع نفسك لو أن الحركة الإسلامية في السودان لم تستولِ على السلطة في 1989؟

- ويمكن حتى قبل أن تستولي على السلطة، كان عندي هذا الإحساس أنها لم تنضج النضج الكافي الذي يجعلها تتولى السلطة. صحيح كنا ننظر إلى أنفسنا فنرى أن الحركة تضم قيادات مؤهلة جداً، قضت عشرات السنين في السلطة، في السياسة، بعضهم أمضى سنوات مقدرة في السلطة، عندنا كوادر تخرجت في الجامعات ونالت دراسات عليا وعاشت في الخارج، بالعشرات بالمئات. لكن الدولة، كما ذكرت أكثر من مرة، أشبه بالحائط، وكلما حاولت أن تمد يديك لتحتوي الحائط تجد أنه أكبر منك. أعتقد أننا لو تركنا الحركة الإسلامية بنخبتها بكوادرها المؤهلة تنضج على نار ديمقراطية هادئة لكانت النتيجة أفضل.

* قصة الترابي مثيرة. يدخل السجن ثم يخرج إلى السلطة. دخل السجن 5 مرات؟

- نعم، حتى في النظام الذي صنعه دخل 3 مرات.

* هل تعتقد أن الترابي هو مهندس انقلاب 1989؟

- من دون أدنى شك، نعم طبعاً.

* هل هو من صنع عمر حسن البشير؟

- لم يصنعه إنما كان ضمن خطوطه، ضمن أطره، خاصة في بداية العلاقة. كان البشير مطيعاً وكان ملتزماً بكل ما يطلب منه.

* يقال إن الترابي رآه مرة واحدة قبل الانقلاب؟

- نعم، هذه رواية الترابي ومفادها أنه التقاه يوم الأربعاء وكان موعد الانقلاب يوم الجمعة، وهذه هي التي قال فيها العبارة الشهرية: اذهب أنت إلى القصر رئيساً وسأذهب أنا إلى السجن حبيساً. لأن الانقلاب كان يقوم على خطة تمويه.

* هذه الجملة: اذهب أنت إلى القصر رئيساً وأذهب أنا إلى السجن حبيساً، هل تفسر ما حصل لاحقاً؟ هل خدع الترابي القوى السياسية ودول الجوار حول هوية الانقلاب؟

- نعم، وكان هذا هدفاً تكتيكياً ومؤكداً. وكان يقول دائماً إن العالم لا يقبل نظاماً إسلامياً، لو جاء بالديمقراطية أو جاء بانقلاب. الجوار الإقليمي لا يقبل، والعالم لا يقبل، والحرب خدعة. كان يعدّ الثورة والانقلاب حالة حرب تجوز فيها الخدعة، فخدع فعلاً دول الجوار وخدع العالم لفترة، ولكن سرعان ما اكتشفت القوى الحقيقة وراء الانقلاب.

* مرارة الخديعة كانت في مصر تحديداً لأنني أعتقد أن مصر رحبت بالنظام الجديد ولم تكن تعرف هويته؟

- نعم.

* لم تكن المخابرات المصرية قادرة على استشفاف محرك الخيوط الحقيقي الذي ذهب إلى السجن للإيحاء بأنه يعامل أسوة ببقية الأحزاب والقوى؟

- نعم.

* هل تركت هذه الحادثة بصماتها على العلاقات مع الدول المجاورة؟

- نعم إلى حد كبير، وجاءت حادثة كبرى أخطر هي حادثة حرب الخليج والموقف الذي اتخذه السودان والتصريحات التي جاءت من قادته. هو صُنف منذ ذلك الحين بأنه نظام وراءه حركة إسلامية ووراءه زعيم إسلامي معروف، ثم جاء هذا الموقف واختبروا مدى انسجام الحركة الإسلامية، التي استولت على السلطة في السودان، مع الإقليم ومع العالم فكان موقفها شاذاً ودفعت أثماناً عالية على هذا الموقف.

طبعت تقلبات علاقة البشير بالترابي مرحلة فارقة في تاريخ السودان (أ.ف.ب)

* هل شهدنا في السودان تجربة الشيخ والرئيس، أي الشيخ هو المرجع الأخير والرئيس هو في الظاهر مرجع المؤسسات، لكن القرار يقيم في مكان آخر؟

- ربما لم نشهد هذه الظاهرة في أي مكان كما شهدناها في السودان. لأنه فعلاً كان الحالة المثالية لحالة الشيخ والرئيس. صحيح أنهما كانا في آخر الأمر يلتقيان في مكتب واحد، في جهاز تنظيمي واحد، كان يسمى مكتب القائد، لكن الشيخ بما له من خبرة وبما له من معرفة وبما له من كاريزما وهو رسمياً رئيس الحركة والبشير عضو فيها، فهذا الظاهر والباطن. وهذا كان لا بد أن يؤدي إلى المفاصلة.

* باختصار، ما هذه المفاصلة؟

- المفاصلة هي اللحظة التي برزت فيها تناقضات الإسلام السياسي مع الدولة الحديثة. وقد حصلت في 12/12/1999.

* بعد العقد الأول؟

- نعم بعد نهاية العقد الأول تماماً، وفي بداية القرن الجديد.

* هل انتهى الأمر، كما ينتهي عادة، بشعور الترابي أن تلامذته قد خانوه؟

- نعم هذا كان شعوراً واضحاً جداً لدى الترابي الذي كان يعتقد أن بينهم مشروعاً دينياً، وهو على رأس هذا المشروع ولا ينبغي أن يتآمر عليه في الخفاء. هذا المشروع يريد أن يغير التاريخ، أما المؤامرة فلن تغير التاريخ. تلامذته المدنيون والمقربون تآمروا مع العسكريين وفاجأوه فيما عرف في تاريخ السودان بـ«مذكرة العشرة»، وهذه كانت بداية الشرخ والخلاف الحقيقي الذي انتهى بالمفاصلة الشاملة بعد عام.

* متى شعر البشير أن الترابي تحول عبئاً على نظامه؟

- ربما في فترة مبكرة، في 1993، عندما طالب الترابي بحل «مجلس قيادة الثورة» وأن يعود العسكريون إلى الثكنات أو يتنازلوا عن الزي العسكري. فكانت هذه أول مفارقة بين برنامج الترابي الاستراتيجي والحركة الإسلامية من جهة، وطموحات العسكريين الذين تولوا السلطة لسنوات من جهة أخرى.

* بدأت نذر الطلاق باكراً بهذا المعنى؟

- ولكن من شدة التحديات التي كانت تواجههم في الخارج ومن شدة الحصار في الداخل من المعارضة كانوا يعلمون أن توحدهم، بقاءهم معاً على هذه الصورة، هو الضامن لهذا النظام. أي خلاف، مفارقة، مفاصلة، في ذلك التاريخ المبكر، كانت ستذهب بالنظام كله، إضافة إلى أن الترابي كان يتمتع إلى ذلك الوقت بقوة هائلة في تنظيمه حتى في تنظيمه العسكري.

* هل كان جهاز الأمن يتجسس على الترابي مثلاً؟

- كانوا يتجسسون بمعنى أنهم، أو هذا الذي يقولونه، يمارسون مهنتهم، وكان هناك خلاف بيننا وبينهم أن في مكتبه لا ينبغي أن يكون هناك جهاز أمني رسمي، بل ينبغي أن يكون هناك جهاز يحرس الرئيس أو الشيخ حتى من الأجهزة، كما في الغرب. في أميركا هناك أمن خاص بالبيت الأبيض.

* ماذا يخطر في بالك عندما أقول لك اسم جعفر نميري، الرئيس السابق؟

- كان رئيساً قوياً جداً ذا كاريزما عالية، ولكنه كان ديكتاتوراً. أي كما يقول الفيتوري، أنت أيها المبجل في النهاية طاغية. كان ذا كاريزما عالية وشخصية قوية. وسوى شموليته وطغيانه، كان يستعين بالكوادر المؤهلة، أعلى المستويات في النخب كان يأتي بهم وزراء.

الترابي مع النميري

وزارات النميري لم تتكرر، لم يكن قبلها ذلك المستوى ولم يكن بعدها، حتى إن هناك قصة يحكيها رئيس الحرس الجمهوري الذي ذكر أنهم عندما زاروا واشنطن أيام الرئيس رونالد ريغان، اتصل به حاكم ولاية مينيسوتا، وقال له: الرئيس ذكر لي أن وزراء النميري أذكى من سكرتاريتي، فأنا أريد أن أرى هذه الشخصيات الذكية. وكان منهم منصور خالد، وابراهيم منعم منصور، وبدر الدين سليمان، وحسن الترابي. وهذه أسماء كبيرة بالطبع.

* وإذا قلت لك الصادق المهدي؟

- الصادق المهدي كذلك شخصية ذات كاريزما عالية جداً وذكاء وجدية شديدة، ولكنه طبعاً، ولد في بيئة فيها كثير من التقديس للقائد والتوقير له. كان عنده هذا الشعور وكأنما ولد ليكون قائداً، وإذا نظرت إلى شخصيته والبيئة حوله فستجد أن له كل الحق في أن يكون لديه هذا الشعور. لكن تحديات الدولة، تحديات السياسة كانت تقتضي كذلك عنصراً آخر في شخصيته. العنصر المتعلق باتخاذ القرار والحسم. هذا كان يمثل ضعفاً في شخصية الإمام، إذا جاز لي أن أتحدث بصراحة.

المحبوب عبد السلام مع الصادق المهدي (أرشيف المحبوب عبد السلام)

* أنا خرجت بانطباع أنه يصلح للمعارضة أكثر مما يصلح للحكم، هل هذا صحيح؟

- هو يصلح مفكراً ومحاضراً أكثر مما يصلح وزيراً أو رئيساً. هو المستوى الفكري لديه خصب جداً ومقدرته على التعبير ونقل الأفكار كذلك كبيرة، لذلك يعتريك هذا الشعور أنه رجل فكر أكثر مما هو رجل سياسة.

* امتزجت عقود من حياتك بتجربة الدكتور حسن الترابي؟

- نعم.

* على مدى 10 أعوام كنت مديراً لمكتبه؟

- نعم.

* وخارج هذا المنصب، كنت قريباً وشاركت في محطات حساسة؟

- نعم.

* حينما أقول لك حسن الترابي، ماذا يتبادر إلى ذهنك؟

- يتبادر أن هذه شخصية استطاعت أن تحدث تغييراً في التاريخ الخاص ببلدي السودان. البلد كان مؤسساً على قاعدة طائفية، هي التي كانت تمد السياسي بأسباب القوة، حتى أكبر المثقفين ليبرالية لم يكن يستطيع أن يشق طريقه من دون أن ينتمي إلى إحدى الطائفتين بأحزابهما. لكن الترابي استطاع أن يشق طريقاً بين هذين التيارين القويين («الحزب الاتحادي الديمقراطي» بزعامة محمد عثمان الميرغني و«حزب الأمة» بزعامة الصادق المهدي) إلى أن أصبح كأنما هو السيد الثالث بين هذين السيدين اللذين ورثا هذه التركة من السلطة.

المحبوب عبد السلام مع حسن الترابي (أرشيف المحبوب عبد السلام)

* كيف كانت علاقته مع النميري. رأيته وزيراً في عهد النميري ومازحته: ماذا تفعل في عهد النميري؟ فأجابني بابتسامته الشهيرة: إننا نؤسلم النظام خطوة خطوة؟

- نعم، كان هدفه من التحالف مع النميري واضحاً جداً. نظام النميري لم يكن ذا سمعة جيدة عندما انضم إليه الترابي بعد سبع سنوات من حكمه، ولكن الترابي كان مستعداً أن يضحي بأن يظل 7 سنوات في السجون حتى يؤمّن الحركة الاجتماعية لحزبه، لحركته، وكي يؤمن العمل في صفوف الطلاب والشباب والنساء والمجتمع المدني، حتى في القطاعات التقليدية في الزراعة وغيرها. كان يريد أن يؤمن هذه الحركة وأن يبقى مع النميري في قمة السلطة. لكن السياسة فيها الكثير من الحركة.

الترابي نفسه وصف العلاقة مع النميري أو مع النظام بأنها Game (لعبة)، فيها إصابات وفيها «فاول» أخطاء، ولكن على أي حال هي لعبة تمضي بقوانين. النميري كان يعتقد أنهم لن يحكموا قريباً، يحكمون بعد موته، فلا بأس. دع الحركة الاجتماعية تمضي كما هي، والترابي يعلم أن النميري يريد أن يؤمّن نظامه. كثيراً ما كان النميري يداعب الترابي بالتقارير الأمنية، يقول له: سمعنا أنكم عقدتم اجتماعاً كبيراً في منزل فلان وأخبرني عمر الطيب، مدير جهاز الأمن، بما دار في الاجتماع وكذا. فكان يعلم، مع أن الدستور كان ينص على أن هناك حزباً واحداً هو «الاتحاد الاشتراكي»، ولكن الحركة الإسلامية كانت تتمتع بهامش من الحرية أتاح لها أن تبني نفسها، وربما سنوات البناء الحقيقي هي سنوات التحالف مع النميري التي نسميها المصالحة الوطنية.

* وسجن؟

- 7 سنوات.

* كيف كان في السجن؟

- السجن كان بالنسبة له مدرسة. هو وصف السجن بأنه لم يكن يشقى بخلوة قط. كثير من الكتب التي جاء بها من فرنسا وبريطانيا وجعلها مخزنة، قرأها في السجن. يقول إنه قرأ في السجن 400 مجلد في الاقتصاد، وهذا أقل ما قرأ. وكتب نظرية جديدة في أصول الفقه، وكل المعارف النظرية نالها في السجن، إضافة إلى المعرفة العملية التي كانت قبل السجن، إذ أمضى في البرلمان نحو 3 سنوات، ثم في المعارضة كذلك، ثم اعتقل، فكان مهيئاً، خاصة أنه عاش في بريطانيا وأنجز دكتوراه دولة في فرنسا. السجن بالنسبة له كان مدرسة كبيرة جداً، واستثمره إلى أقصى ما يمكن أن يستثمر المرء سنوات الخلوة.

* هل الاحتكاك بالثقافة الأوروبية جعل الترابي مختلفاً داخل الحركة الإسلامية في السودان؟

- وفي العالم كله، وفي العالم العربي تحديداً. يمكن أن نقول إنه أحدث أكثر النسخ رقياً لحركة «الإخوان المسلمين» وأكثرها استجابة لتحديات العصر. الثقافة الغربية فعلاً أثرت، وهناك جانب آخر منه هو التخطيط. هو كان يخطط لحركته مرحلة تلو مرحلة كما وصف في كتابه. قال: كانت هناك مرحلة خمول، دعوة سرية، ثم مرحلة إعداد وبناء، ثم مرحلة تمكين. كان يبني استراتيجياته على هذه المراحل، سيمتد في هذا القطاع على هذا النحو، وسيمتد إلى القطاع الآخر على هذا النحو، ثم يمتد حتى في القوات المسلحة ثم سيستولي على السلطة، ربما سلماً وبالديمقراطية والانتخابات، وربما حرباً أو ثورة وبانقلاب. فكان يخطط لهذا كله، وهذا من أثر الثقافة الغربية.

* كان حلم الانقلاب مبكراً لدى الترابي؟

- بعد أن خرج كل الشعب ضد العساكر في 1964ساد اعتقاد أنهم لن يحاولوا مرة ثانية الاستيلاء على السلطة، وهذا كان رأي عبد الخالق محجوب نفسه أن أكتوبر درس كبير للسلطة العسكرية ولذلك لن تحاول مجدداً. ولكن في 1969، استولى النميري على السلطة.

النميري ضابطاً في القاهرة قبل توليه الرئاسة بـ15 عاماً (أ.ف.ب)

* تتحدث عن عبد الخالق محجوب. هل تكره الشيوعيين السودانيين؟

- لا، لا، لا. لا أكره الشيوعيين.

* هل تعدّ محجوب رمزاً؟

- نعم. من دون أدنى شك، الحزب الشيوعي السوداني حزب وطني حقيقي وقدم إنجازات كبيرة جداً. لكن أنا عندما تحدثت عن النخب تحدثت عن النخب الآيديولوجية. كانت علاقتهم بالاتحاد السوفياتي وبالماركسية كفكرة تعميهم عن كثير من المصالح الوطنية، إضافة إلى أنهم اتخذوا من الزملاء الآخرين في النخبة الحديثة، أي الإسلاميين، عدواً استراتيجياً. اليسار والإسلاميون في السودان كحالة توأمين سياميين، يجب أن يموت أحدهما ليبقى الآخر، يموت أحدهما ليحيا الآخر.

* أنا سمعت من الدكتور الترابي إشادة بمحمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي، وسمعت من نقد الشيء نفسه. إشادة كمحاور مختلف؟

- نعم.

* ما قصة هذه العلاقة وقد توطدت في سجن كوبر؟

- هي علاقة قديمة منذ أيام الدراسة الثانوية في حنتوب.

* ومعهم النميري، الثالث؟

- نعم، ثالثهم النميري. كانوا في المدرسة الثانوية نفسها، في الجزيرة بالسودان. ولكن صحيح، عندما دخل نقد إلى السجن وكان زميلاً للترابي بعد الانقلاب كان في مرحلة متقدمة من النضج الفكري والسياسي والروحي، وكذلك الترابي، فالتقيا بمستوى عالٍ من الخبرة والتجربة. الترابي اقترح عليهم في السجن، على الصادق وعلى نقد وعلى السيد الميرغني، أن يتنازلوا جميعاً عن السياسة ويكونوا حزباً واحداً لا يكونون هم رؤساء وأن يتركوا الأمر للأجيال الجديدة، ولكنهم كانوا يعلمون أن الانقلاب كان وراءه الترابي، فلم يقبلوا هذا المقترح.

* ماذا فعلت ثانوية حنتوب بالسودان؟ أنجبت النميري والترابي ونقد، أبرز ثلاثة لاعبين، ويمكن أن نضيف إليهم الصادق المهدي؟

- نعم، الصادق ليس من حنتوب بل من الخارج. لكن أنا ذكرت في واحدة من دراساتي أن البريطانيين الذين أنشأوا ثانوية حنتوب وعزلوها عن المجتمع أخرجوا جيلاً مولعاً بالمنافسات. تعرف في السودان، نتراتب في الفصول المدرسية، الأول فالثاني فالثالث إلى الأخير، فلهذا نولع بالمنافسة. هذا الولع بالمنصب الأول، بالتفوق، أحدث فتناً كثيرة في النخبة السودانية من تأثير التربية البريطانية وحنتوب.

* أريد أن أسألك عن التنافس بين الترابي والصادق المهدي وهما قريبان؟

- هما صاحبان. دائماً في العلاقة بينهما أتذكر بيت الشعر، الشطر الثاني من بيت شعر المعري، تشابه الأضداد. هما متشابهان جداً في الفكر، كلاهما ينطلق من مدرسة إسلامية، كلاهما يهتم بالحريات، بتحرير المرأة، بالاقتصاد الحر. هذه أفكار أساسية يتفقان فيها، وكانا طبعاً كأنهما حزب واحد، لأنه في أول العلاقة بينهما، كان الصادق متأكداً من زعامته للسودان بما يملك من جمهور لا يضاهى، وكان يظن أن الترابي وبعض المثقفين سينفعون في عملية التحديث في حزب الأمة، التي كان يهتم بها كثيراً. لذلك، كان يتوقع أن أقصى ما يمكن أن يكونه الترابي هو أن يكون وزيراً في إحدى حكوماته.

لكن الترابي كان له طموح آخر. كان يريد أن يؤسس حركة وأن يؤسس هذا التيار الثالث في السودان. ربما لو استمر التكامل بين حزب الأمة والإسلاميين، لشهد السودان تياراً كبيراً يضمن مستوى جيداً من الاستقرار.


مقالات ذات صلة

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

شمال افريقيا مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا طواقم إزالة الألغام تمشط العاصمة السودانية (أ.ف.ب)

حرب الألغام في الخرطوم... خطر كامن يلاحق العائدين

تواصل الفرق المختصة في الجيش السوداني عمليات تحييد الألغام وتفكيكها في مدن العاصمة الخرطوم وسط تحديات التمويل، وتكثيف التوعية لحماية المدنيين.

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز)

الجيش السوداني يُعلن تدمير عشرات الدبابات والآليات لـ«الدعم السريع»

أعلن الجيش السوداني أنه كثّف ضرباته في عدد من محاور القتال ضد «قوات الدعم السريع»، مؤكداً إلحاق خسائر بالأفراد والعتاد.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية p-circle

الاتحاد الأوروبي ملتزم بوحدة السودان ويرفض أي حكومة موازية

صعّد الاتحاد الأوروبي من لهجته تجاه الحرب في السودان ولوح باتخاذ عقوبات جديدة تستهدف اقتصاد الحرب والمستفيدين منها معلناً تمسكه بوحدة السودان ورفضه لأي حكم مواز

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا عناصر من الجيش السوداني يحتفلون بعد تحرير مصفاة نفط في شمال ضاحية الخرطوم بحري 25 يناير 2025 (رويترز) p-circle

الجيش السوداني يستعيد منطقة استراتيجية بولاية النيل الأزرق

أعلن الجيش السوداني، الثلاثاء، استعادة منطقة «مقجة» الاستراتيجية بولاية النيل الأزرق (جنوب شرق)، بعد معارك مع «قوات الدعم السريع».

محمد أمين ياسين (نيروبي)

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
TT

حمى الضنك تضرب السودان مجدداً في ظل انهيار للنظام الصحي

مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)
مستشفى الناو التعليمي في أم درمان وهو المرفق الصحي الرئيسي العامل في العاصمة (أ.ف.ب)

تشهد ولايات عدة في السودان عودة ملحوظة لانتشار حمى الضنك، بعد فترة من التراجع النسبي في معدلات الإصابة.

ووفقاً لآخر التقارير الصحية، سُجّل أكثر من 6 آلاف إصابة في ولاية نهر النيل وحدها منذ بداية العام، بينها 205 حالات خلال يومين فقط، إضافة إلى 12 حالة وفاة تراكمية. ولا يزال المرض منتشراً في ولايات أخرى، من بينها العاصمة الخرطوم، والجزيرة، ودارفور.

وأفادت وزارة الصحة بولاية نهر النيل، في تقريرها اليومي، بارتفاع كبير في عدد الإصابات، حيث بلغ إجمالي الحالات 6392 إصابة حتى يوم الجمعة. وسُجلت 97 إصابة جديدة يوم الخميس، و108 حالات يوم الأربعاء، استدعت دخول المستشفيات. وتوزعت الإصابات داخل الولاية على عدة مدن، حيث سجلت شندي 2495 إصابة و4 وفيات، تلتها الدامر بـ2100 إصابة و4 وفيات، ثم المتمة بـ1722 إصابة و6 وفيات، فيما سجلت عطبرة 75 إصابة.

وامتد انتشار المرض أيضاً إلى الولاية الشمالية المجاورة، حيث سُجلت أول إصابة في منطقة الزومة بمحلية مروي منذ ظهور المرض في فبراير (شباط) الماضي. وبلغ إجمالي الإصابات هناك 174 حالة حتى يوم الجمعة، في محليتي مروي والدبة.

دعوات للتدخل السريع

وفي إطار جهود التصدي للوباء، عقدت الإدارة العامة للطوارئ الصحية ومكافحة الأوبئة اجتماعاً مع قيادات مجتمعية وممثلين عن جمعية الهلال الأحمر السوداني، لبحث التدخلات العاجلة وتعزيز التنسيق المجتمعي للحد من انتشار المرض.

وفي العام الماضي، شهدت عدة ولايات سودانية تفشياً وبائياً واسعاً لحمى الضنك، لا سيما في الخرطوم والجزيرة ودارفور، وذلك في ظل انهيار شبه كامل للبنية التحتية الصحية نتيجة الحرب. ووفق الإحصاءات، سُجل أكثر من 14 ألف إصابة في ولاية الخرطوم وحدها، ونحو 3 آلاف إصابة في ولاية الجزيرة، إلى جانب 176 حالة وفاة مرتبطة بالمرض حتى أكتوبر (تشرين الأول) الماضي.

وفي مواجهة التصاعد الحالي، أعلنت وزارة الصحة بولاية نهر النيل أن مفوضية العون الإنساني أطلقت نداءً عاجلاً موجهاً إلى المنظمات الأممية والوطنية وشركاء العمل الإنساني، للتدخل السريع والحد من انتشار الوباء في مدن وبلدات الولايات الشمالية، مع الدعوة إلى تكثيف الجهود العلاجية والوقائية بصورة عاجلة لتقليل آثار المرض.

وزير الصحة الاتحادي د. هيثم محمد إبراهيم يتفقد المنشآت الصحية في شمال البلاد (صفحة الوزارة على فيسبوك)

وفي هذا السياق، أجرى وزير الصحة الاتحادي، هيثم محمد إبراهيم، جولة ميدانية في الولايات الشمالية، أعلن خلالها تدشين حملة موسعة لمكافحة نواقل الأمراض والحد من انتشار الحميات، تشمل تنفيذ عمليات رش ومكافحة جوية وأرضية في جميع محليات ولايتي نهر النيل والشمالية.

وأشار الوزير إلى أن حمى الضنك باتت منتشرة في جميع ولايات السودان الثماني عشرة، مؤكداً أهمية تكثيف الجهود المجتمعية والمشاركة الشعبية الواسعة في حملات المكافحة، وتسريع التدخلات لخفض معدلات الإصابة. كما دعا المتطوعين وأئمة المساجد ووسائل الإعلام إلى تعزيز التوعية الصحية بين المواطنين.

ويأتي هذا التفشي في سياق أوسع من تدهور الأوضاع الصحية والبيئية في البلاد، حيث انتشرت أوبئة عدة مثل الكوليرا والملاريا إلى جانب حمى الضنك، نتيجة تدهور البيئة وانهيار البنية التحتية الصحية بفعل الحرب.

وكانت منظمة الصحة العالمية قد حذّرت في تقرير سابق من أن النظام الصحي في السودان يقف على «حافة الهاوية»، مشيرة إلى أن أقل من 25 في المائة من المرافق الصحية لا تزال تعمل في الولايات الأكثر تضرراً، فيما تعمل نحو 45 في المائة فقط بكامل طاقتها في الولايات الأقل تأثراً.

وتُعد حمى الضنك مرضاً فيروسياً ينتقل إلى الإنسان عبر لدغة بعوضة «الزاعجة المصرية» (Aedes aegypti)، وهي نوع من البعوض يُعد من أخطر نواقل الأمراض للإنسان، وتنشط خلال النهار وتتكاثر في المياه الراكدة. وتتراوح فترة ظهور الأعراض بين 4 و10 أيام، وتشمل ارتفاعاً مفاجئاً في درجة الحرارة، وآلاماً حادة في العضلات والمفاصل، ما أكسبها لقب «حمّى تكسير العظام»، إضافة إلى إرهاق شديد. وفي الحالات المتقدمة، قد تتطور إلى حمى نزفية مصحوبة بنزيف من الأنف واللثة، وانخفاض حاد في ضغط الدم، ما قد يؤدي إلى فشل في الأعضاء الداخلية.


«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
TT

«عفو رئاسي» عن مئات السجناء في مصر

أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)
أحد السجناء المفرج عنهم السبت بين أسرته (وزارة الداخلية المصرية)

قرر الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، السبت، العفو عن 602 من السجناء المحكوم عليهم في «قضايا».

وقالت وزارة الداخلية المصرية في إفادة، إنه «بمناسبة الاحتفال بـ(عيد تحرير سيناء) وتنفيذاً لقرار الرئيس السيسي بشأن الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة بالنسبة لبعض المحكوم عليهم الذين استوفوا شروط العفو، فقد عقد (قطاع الحماية المجتمعية) لجاناً لفحص ملفات النزلاء على مستوى ربوع البلاد، لتحديد مستحقي الإفراج بالعفو عن بقية مدة العقوبة».

وأضافت: «انتهت أعمال اللجان إلى انطباق القرار على 602 نزيل ممن يستحقون الإفراج عنهم بالعفو».

وتحتفل مصر في يوم 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»؛ حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء، بعد استعادتها من إسرائيل في عام 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها، تنفيذاً لـ«معاهدة السلام».

السجناء المفرج عنهم في مصر بموجب «عفو رئاسي» (وزارة الداخلية المصرية)

وأوضحت «الداخلية»، السبت، أن الإفراج عن السجناء «يأتي في إطار حرص الوزارة على تطبيق السياسة العقابية بمفهومها الحديث، وتوفير أوجه الرعاية المختلفة لنزلاء (مراكز الإصلاح والتأهيل)، وتفعيل الدور التنفيذي لأساليب الإفراج عن المحكوم عليهم الذين تم تأهيلهم للانخراط في المجتمع».

وأكدت وزارة الداخلية المصرية في وقت سابق أن «جميع (مراكز الإصلاح والتأهيل) تتوفر فيها الإمكانات المعيشية والصحية كافة للنزلاء، في إطار ما شهدته المنظومة العقابية من تطوير وتحديث، وفقاً لأعلى معايير حقوق الإنسان الدولية، فضلاً عن أنها تخضع للإشراف القضائي».


مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
TT

مشروعات تنموية متزايدة لترسيخ الاستقرار الأمني في سيناء

مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)
مصطفى مدبولي خلال افتتاح عدد من مشروعات التنمية في سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

تزامناً مع الذكرى الرابعة والأربعين لتحرير سيناء، تستهدف الحكومة المصرية التوسع في مشروعات التنمية في شبه جزيرة سيناء، ما يعزز من الاستقرار الأمني، ويحمي حدود البلاد الشرقية.

وتحتفل مصر في 25 أبريل (نيسان) من كل عام بذكرى «تحرير سيناء»، حيث تم رفع العلم المصري فوق شبه جزيرة سيناء بعد استعادتها من إسرائيل في 1982، وانسحاب آخر جندي إسرائيلي منها تنفيذاً لمعاهدة السلام.

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي أن «معركة التحرير التي خاضها المصريون بالسلاح والدماء والفكر في سيناء، امتدت (اليوم) إلى معركة البناء والتنمية»، وقال في كلمة بهذه المناسبة، السبت، إنه «كما استعادت مصر الأرض بالتضحيات، فإننا نصونها ونشيدها بالعرق والعمل».

وافتتح رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، الأسبوع الماضي، عدداً من المشروعات التنموية والخدمية بمحافظة شمال سيناء (شرق البلاد)، مؤكداً أن «رؤية الدولة للتنمية في شمال سيناء تتركز على أن تكون المنطقة مقصداً للاستثمار، ومركزاً عمرانياً وصناعياً وزراعياً وسياحياً كبيراً لمصر».

وسبق أن ذكر مدبولي في نهاية 2023 أن «الحكومة أنفقت على مشروعات التنمية في سيناء خلال عشر سنوات أكثر من 600 مليار جنيه مصري (الدولار يساوي 52.56 جنيه مصري) شملت مشروعات في مختلف القطاعات التنموية»، ونوه حينها إلى أن «المرحلة الثانية من مشروعات التنمية في سيناء تقدر بنحو 363 مليار جنيه لتنفيذ نحو 302 مشروع خلال ثلاث سنوات»، حسب إفادة لـ«مجلس الوزراء المصري».

جانب من المشروعات في شمال سيناء (وزارة الري المصرية)

وتزامناً مع ذكرى «تحرير سيناء»، أعلنت وزارة التخطيط والتنمية الاقتصادية في مصر أن «حجم الاستثمارات المخصصة لمحافظتي شمال وجنوب سيناء خلال عامي (2026 - 2027) تبلغ نحو 35 مليار جنيه، وأكدت، في بيان، السبت، أن «59 في المائة من هذه الاستثمارات موجهة للتنمية البشرية وبناء الإنسان».

ووفق الخبير العسكري المصري، اللواء محمد قشقوش، «تشكل خطة التنمية في سيناء خط الدفاع الأول عن شبه جزيرة سيناء في الوقت الحالي»، ويشير إلى أن «الحكومة المصرية تضع مشروع التنمية في سيناء ضمن أولوياتها خلال السنوات الأخيرة، بغرض زيادة الاستثمارات، ما ينعكس على الكثافة السكانية بتلك المنطقة».

ويرى قشقوش أن «زيادة الكثافة السكانية في سيناء وارتفاع نسبة الأيدي العاملة في المشروعات التنموية والخدمية والاستثمارية بها، سيساهم في حماية وأمن هذه المنطقة التي تشكل البوابة الشرقية للدولة المصرية»، ويقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الدولة تستهدف زيادة السياحة في هذه المنطقة التي تضم مقاصد سياحية وترفيهية عديدة».

رئيس الوزراء المصري خلال لقائه أعضاء البرلمان عن سيناء الأسبوع الماضي (مجلس الوزراء المصري)

وأعلنت الحكومة، العام الماضي، عن «استراتيجية مصر الوطنية لتطوير شبه جزيرة سيناء»، التي شهدت مشروعات (طرق وموانئ وسكك حديدية ومناطق صناعية ولوجستية) بهدف تحويلها إلى مركز تجاري يربط بين البحر المتوسط والبحر الأحمر، ويعزز الربط مع الأسواق الإقليمية والدولية.

وبحسب قشقوش، «تستهدف الحكومة المصرية تعزيز الربط الدائم بين سيناء والدلتا، عبر مشروعات طرق وأنفاق وكبارٍ عديدة».

وأقامت الحكومة المصرية 6 أنفاق أسفل المجرى الملاحي لقناة السويس، ضمن مشروعات التنمية والتعمير في سيناء، بتكلفة وصلت إلى 35 مليار جنيه، وقال السيسي في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، إن «بلاده ربطت سيناء بالدلتا عبر 6 أنفاق تحت قناة السويس لمن لا ينتبه، لتصبح سيناء والدلتا حتة (قطعة) واحدة».

ويشير الخبير الأمني في مكافحة الإرهاب، حاتم صابر إلى أن «الحكومة المصرية أقامت مشروعات التنمية بالتوازي مع مواجهة شاملة مع تنظيمات الإرهاب التي كانت تتخذ من سيناء موضع قدم لها».

والشهر الماضي، تحدث الرئيس المصري عن تكلفة الحرب التي خاضتها بلاده ضد الإرهاب منذ عام 2012 وحتى 2022، قائلاً إن «مصر أنفقت نحو 120 مليار جنيه في الحرب على الإرهاب».

جامعة العريش - سيناء (وزارة التعليم العالي المصرية)

ويرى صابر أن «الحكومة تعمل على توسيع المشروعات لتوفير بيئة صالحة للاستثمار والتنمية»، وعدّ ذلك «يمنع أي محاولات لاستغلال الظهير الصحراوي في سيناء من قبل جماعات متطرفة، كما يحبط أي سيناريوهات كانت تستهدف توطين الفلسطينيين في سيناء».

وتشدد مصر بشكل متكرر على «رفض تهجير الفلسطيني من غزة»، وتقول إن ذلك يعدّ «خطاً أحمر بالنسبة لها».

وتشكل شبه جزيرة سيناء أهمية استراتيجية كبرى لمصر، بوصفها البوابة الحدودية الشرقية، وتبلغ مساحتها 61 ألف كيلومتر مربع؛ أي نحو 6 في المائة من مساحة مصر، وتضم محافظتين هما: شمال سيناء وعاصمتها العريش، وجنوب سيناء وعاصمتها الطور.

بُعد آخر تحدث عنه صابر بقوله لـ«الشرق الأوسط»، إن «هناك حرصاً على مشاركة أهالي سيناء في مشروعات التنمية، بما يعزز من قيم المواطنة والمشاركة، عقب شكاوى التهميش التي كان يرددها بعضهم في وقت سابق».

وأكد رئيس الوزراء المصري، الأسبوع الماضي، أن «التنمية المتكاملة في سيناء قائمة على سواعد أهالي شمال سيناء أنفسهم».