المحبوب عبد السلام: الترابي ذاق خيانة تلاميذه وفي طليعتهم البشير

أدار مكتب الشيخ وكتب خطب الرئيس ثم «تخرج» من المدرسة وصار مستقلاً (الأخيرة)

TT

المحبوب عبد السلام: الترابي ذاق خيانة تلاميذه وفي طليعتهم البشير

البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)
البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)

ذاق الدكتور حسن الترابي مرارة شعور المرء أن تلامذته قد خانوه. ومن عادة التلامذة أن يفعلوا. نصّب الترابي الضابط عمر حسن البشير رئيساً، وربما راوده حلم أن يحتفظ لنفسه بدور المرشد على غرار ما هو عليه الوضع في إيران. تمرد البشير ومن عادة الجنرالات أن يفعلوا. السلطة وليمة باذخة لا تحتمل التقسيم والشركاء.

في عام 2017، وكان قد مضى عام على وفاة الترابي التقيت البشير وحاورته. سألته: من أصعب رجل تعاملت معه في السودان، وجاء الجواب: «هو حسن عبد الله الترابي رحمه الله». طلبت منه تفسير العلاقة الغريبة بينهما، فقال: «هو شخصية تتمتع بكاريزما قوية جداً. ظل مسيطراً على الحركة الإسلامية لفترة طويلة. عاش صراعات كثيرة داخل الحركة وكان الكاسب دائماً، غير أنه خسر للمرة الأولى معنا».

البشير والترابي (إلى يمين الصورة) بعد الانقلاب (أ.ب)

كان البشير مغامراً ومناوراً ومتقلباً. العلاقة المتذبذبة مع إيران خير دليل. في 1992 كان وضع النظام السوداني صعباً. الحصار شديد ولا سلاح ولا ذخائر، وتراجعت قدرة العراق على المساعدة العسكرية. زار وزير المال السوداني عبد الرحيم حمدي طهران لطلب المساعدة، فكان الرد أن على نظام البشير أن يسدد الديون المستحقة على نظام جعفر نميري.

قال المسؤولون الإيرانيون إن الأولوية هي لمساعدة المجموعات الشيعية التي خرجت دولها من الاتحاد السوفياتي. أبدوا استعدادهم لتزويد السودان بالكتب والأدوات الرياضية. شعر الجانب السوداني بالصدمة. حين روى حمدي القصة للترابي كان تعليق الأخير: «ألم تقرأ كتاب البخلاء ومعظمه عن الفرس؟».

تغير موقف إيران لاحقاً. دعمت الجيش السوداني في حرب دارفور بعد 2003. جاء الإيرانيون وفتحوا حسينيات وشيّعوا بعض الناس وأخذوا مئات الشباب لتدريبهم في سوريا. أقاموا صناعات عسكرية في السودان خصوصاً في جنوب الخرطوم واستخدموا مهربين من بورتسودان لتمرير الأسلحة إلى حركة «حماس» في غزة عبر الأراضي المصرية والأنفاق. واستهدفت الطائرات الإسرائيلية لاحقاً مصانع السلاح هذه.

ذات يوم سألت الرئيس البشير إن كان قادراً على التعايش مستقبلاً مع لقب الرئيس السابق، فأجاب: «ليس سهلاً فقط، بل هو متعة لأن الكل سيحترمك بصفتك رئيساً سابقاً وينادونك في الشارع يا فخامة الرئيس من دون أدنى مسؤوليات». تعلّم التجربة الصحافي العربي ألا يصدق مثل هذا النوع من العبارات التي سمعتها مراراً في عواصم مختلفة.

من جانبه، لم يكن الترابي يتوقف طويلاً عند ممارسات بعض الحكام في بلدانهم. كان يقول إن معمر القذافي «صديقه» وإنه كان يستدعيه «بغرض التحاور وبصراحة». وكان يعتقد أن «تغييرات طرأت على شخصية صدام حسين بعد حرب الخليج الأولى، خصوصاً بعدما وضع عبارة الله أكبر في العلم العراقي».

كان السياسي والباحث السوداني الدكتور المحبوب عبد السلام حاضراً في خضم تجربة الترابي والبشير التي تركت بصماتها على السودان الحالي الذي يقطر دماً.

* حين تستمع إلى أخبار السودان، هل تخشى أن تصبح بلا وطن؟

- هذا إحساس يعتري كثيرين من السودانيين، بعضهم تنتابه حالة نفسية، وبعضهم يكون واقعياً ويبدأ بترتيب أوضاعه، ويبحث عن وطن آخر. هذه حالة حقيقية واقعية تنتابني وتنتاب كثير من السودانيين عندما يتأملون الواقع، وخاصة عندما ينظرون إلى ما حدث لكل منهم، لأن الحرب هذه لم تترك شخصاً من دون أن تمسه مساً مباشراً، في تراثه المعنوي وتراثه المادي، فيما جنى وحفظ طوال عمره، وفيما ادخر.

* من يتحمل مسؤولية إيصال السودان إلى ما وصل إليه؟

- بالنسبة لي يمكن أن أقول النخب، خاصة نخب اليسار ونخب اليمين. النخب التي خرجت من رحم الماركسية، والنخب الإسلامية. صحيح أن كثيراً من تيارات الوسط تتحمل المسؤولية، في النخب، وهم، يشبه بعضهم بعضاً، اليسار واليمين، المدنيون والعسكريون، الضباط الذين يقومون بالانقلابات التي أشرت إليها، هم بعض من هذه النخب.

المحبوب عبد السلام مع الطيب صالح (أرشيف المحبوب عبد السلام)

أشار الأستاذ الطيب صالح إلى أن بعض العسكريين يستيقظون من النوم ويفكرون في الاستيلاء على السلطة. يركبون دبابة إلى الإذاعة. لكن كثيراً من المدنيين الذين لم يتأهلوا للحكم كذلك يصحون صباحاً وعندهم هذا الشغف بالحكم والوصول إلى السلطة. هناك فارق بين الآيديولوجيا والأناشيد وحقائق الواقع الاقتصادي والسياسي والعلاقات الخارجية.

* هل أفهم أن شراهة المدنيين إلى السلطة لم تكن تقل عن شراهة العسكريين؟

- أعتقد ذلك، لأن بعض الناس، لشغفه بالسلطة، يعدّ السياسة مهنة من لا مهنة له. السياسة تحتاج إلى تدريب خاص. الطيب صالح ذكر أن العسكري، الضابط، قد يؤهل في «ساندهيرست» (الأكاديمية العسكرية البريطانية) أو في المدرسة العسكرية بباريس، لا ليحكم لكن ليدافع أو ليحارب. كذلك كثير من المدنيين يأتون من حقول بعيدة عن السياسة. بعضهم غاب عن السودان عشرات السنين، لكن الشغف بالسلطة يدفعهم إلى تولي مناصب وهم ليسوا في مستوى التحدي الذي تطرحه. فكلهم جميعاً لديهم شغف بالسلطة من دون إعداد لها، من دون برامج، من دون حتى وضع حزبي، لأنه الآن لا يوجد زعماء. لا توجد قيادات متكاملة يمكن أن تقود الوطن إلى بر الأمان.

السياسة مهنة تحتاج إلى أن يتفرغ الإنسان في اليوم الواحد 4 إلى 5 أو 6 ساعات يقرأ ويعرف ما يدور في العالم، وتحتاج إذا كنت سودانياً إلى معرفة عميقة بالسودان، وأن تكون فعلاً قد زرت أنحاءه، ولكن لا يمكن أن تأتي من لا مكان.

* هل تقصد أن الجنرالات فشلوا؟

- نعم.

* وأن المدنيين فشلوا أيضاً، وأن ما يعشيه السودان هو لقاء فشلين؟

- هو كما أشار مفكر سوداني جيد جداً، توفي رحمه الله، عبد العزيز حسين الصاوي، بقوله إذا جمعنا العلمانيين واليسار مع الإسلاميين فسنحل مشكلة السودان. مثلاً، نتأمل مشكلة مثل مشكلة الجنوب، ونظن أنها صراع سببه فقط السلطة والثروة، ولكن صراع الأجندة السياسية كذلك كان له دور كبير فيما حدث في الجنوب وفي استقلال الجنوب وخروجه عن السودان. هما فشلان لا ريب، أو فشل واحد لنخبة واحدة.

* هل تتمنى حينما تراجع نفسك لو أن الحركة الإسلامية في السودان لم تستولِ على السلطة في 1989؟

- ويمكن حتى قبل أن تستولي على السلطة، كان عندي هذا الإحساس أنها لم تنضج النضج الكافي الذي يجعلها تتولى السلطة. صحيح كنا ننظر إلى أنفسنا فنرى أن الحركة تضم قيادات مؤهلة جداً، قضت عشرات السنين في السلطة، في السياسة، بعضهم أمضى سنوات مقدرة في السلطة، عندنا كوادر تخرجت في الجامعات ونالت دراسات عليا وعاشت في الخارج، بالعشرات بالمئات. لكن الدولة، كما ذكرت أكثر من مرة، أشبه بالحائط، وكلما حاولت أن تمد يديك لتحتوي الحائط تجد أنه أكبر منك. أعتقد أننا لو تركنا الحركة الإسلامية بنخبتها بكوادرها المؤهلة تنضج على نار ديمقراطية هادئة لكانت النتيجة أفضل.

* قصة الترابي مثيرة. يدخل السجن ثم يخرج إلى السلطة. دخل السجن 5 مرات؟

- نعم، حتى في النظام الذي صنعه دخل 3 مرات.

* هل تعتقد أن الترابي هو مهندس انقلاب 1989؟

- من دون أدنى شك، نعم طبعاً.

* هل هو من صنع عمر حسن البشير؟

- لم يصنعه إنما كان ضمن خطوطه، ضمن أطره، خاصة في بداية العلاقة. كان البشير مطيعاً وكان ملتزماً بكل ما يطلب منه.

* يقال إن الترابي رآه مرة واحدة قبل الانقلاب؟

- نعم، هذه رواية الترابي ومفادها أنه التقاه يوم الأربعاء وكان موعد الانقلاب يوم الجمعة، وهذه هي التي قال فيها العبارة الشهرية: اذهب أنت إلى القصر رئيساً وسأذهب أنا إلى السجن حبيساً. لأن الانقلاب كان يقوم على خطة تمويه.

* هذه الجملة: اذهب أنت إلى القصر رئيساً وأذهب أنا إلى السجن حبيساً، هل تفسر ما حصل لاحقاً؟ هل خدع الترابي القوى السياسية ودول الجوار حول هوية الانقلاب؟

- نعم، وكان هذا هدفاً تكتيكياً ومؤكداً. وكان يقول دائماً إن العالم لا يقبل نظاماً إسلامياً، لو جاء بالديمقراطية أو جاء بانقلاب. الجوار الإقليمي لا يقبل، والعالم لا يقبل، والحرب خدعة. كان يعدّ الثورة والانقلاب حالة حرب تجوز فيها الخدعة، فخدع فعلاً دول الجوار وخدع العالم لفترة، ولكن سرعان ما اكتشفت القوى الحقيقة وراء الانقلاب.

* مرارة الخديعة كانت في مصر تحديداً لأنني أعتقد أن مصر رحبت بالنظام الجديد ولم تكن تعرف هويته؟

- نعم.

* لم تكن المخابرات المصرية قادرة على استشفاف محرك الخيوط الحقيقي الذي ذهب إلى السجن للإيحاء بأنه يعامل أسوة ببقية الأحزاب والقوى؟

- نعم.

* هل تركت هذه الحادثة بصماتها على العلاقات مع الدول المجاورة؟

- نعم إلى حد كبير، وجاءت حادثة كبرى أخطر هي حادثة حرب الخليج والموقف الذي اتخذه السودان والتصريحات التي جاءت من قادته. هو صُنف منذ ذلك الحين بأنه نظام وراءه حركة إسلامية ووراءه زعيم إسلامي معروف، ثم جاء هذا الموقف واختبروا مدى انسجام الحركة الإسلامية، التي استولت على السلطة في السودان، مع الإقليم ومع العالم فكان موقفها شاذاً ودفعت أثماناً عالية على هذا الموقف.

طبعت تقلبات علاقة البشير بالترابي مرحلة فارقة في تاريخ السودان (أ.ف.ب)

* هل شهدنا في السودان تجربة الشيخ والرئيس، أي الشيخ هو المرجع الأخير والرئيس هو في الظاهر مرجع المؤسسات، لكن القرار يقيم في مكان آخر؟

- ربما لم نشهد هذه الظاهرة في أي مكان كما شهدناها في السودان. لأنه فعلاً كان الحالة المثالية لحالة الشيخ والرئيس. صحيح أنهما كانا في آخر الأمر يلتقيان في مكتب واحد، في جهاز تنظيمي واحد، كان يسمى مكتب القائد، لكن الشيخ بما له من خبرة وبما له من معرفة وبما له من كاريزما وهو رسمياً رئيس الحركة والبشير عضو فيها، فهذا الظاهر والباطن. وهذا كان لا بد أن يؤدي إلى المفاصلة.

* باختصار، ما هذه المفاصلة؟

- المفاصلة هي اللحظة التي برزت فيها تناقضات الإسلام السياسي مع الدولة الحديثة. وقد حصلت في 12/12/1999.

* بعد العقد الأول؟

- نعم بعد نهاية العقد الأول تماماً، وفي بداية القرن الجديد.

* هل انتهى الأمر، كما ينتهي عادة، بشعور الترابي أن تلامذته قد خانوه؟

- نعم هذا كان شعوراً واضحاً جداً لدى الترابي الذي كان يعتقد أن بينهم مشروعاً دينياً، وهو على رأس هذا المشروع ولا ينبغي أن يتآمر عليه في الخفاء. هذا المشروع يريد أن يغير التاريخ، أما المؤامرة فلن تغير التاريخ. تلامذته المدنيون والمقربون تآمروا مع العسكريين وفاجأوه فيما عرف في تاريخ السودان بـ«مذكرة العشرة»، وهذه كانت بداية الشرخ والخلاف الحقيقي الذي انتهى بالمفاصلة الشاملة بعد عام.

* متى شعر البشير أن الترابي تحول عبئاً على نظامه؟

- ربما في فترة مبكرة، في 1993، عندما طالب الترابي بحل «مجلس قيادة الثورة» وأن يعود العسكريون إلى الثكنات أو يتنازلوا عن الزي العسكري. فكانت هذه أول مفارقة بين برنامج الترابي الاستراتيجي والحركة الإسلامية من جهة، وطموحات العسكريين الذين تولوا السلطة لسنوات من جهة أخرى.

* بدأت نذر الطلاق باكراً بهذا المعنى؟

- ولكن من شدة التحديات التي كانت تواجههم في الخارج ومن شدة الحصار في الداخل من المعارضة كانوا يعلمون أن توحدهم، بقاءهم معاً على هذه الصورة، هو الضامن لهذا النظام. أي خلاف، مفارقة، مفاصلة، في ذلك التاريخ المبكر، كانت ستذهب بالنظام كله، إضافة إلى أن الترابي كان يتمتع إلى ذلك الوقت بقوة هائلة في تنظيمه حتى في تنظيمه العسكري.

* هل كان جهاز الأمن يتجسس على الترابي مثلاً؟

- كانوا يتجسسون بمعنى أنهم، أو هذا الذي يقولونه، يمارسون مهنتهم، وكان هناك خلاف بيننا وبينهم أن في مكتبه لا ينبغي أن يكون هناك جهاز أمني رسمي، بل ينبغي أن يكون هناك جهاز يحرس الرئيس أو الشيخ حتى من الأجهزة، كما في الغرب. في أميركا هناك أمن خاص بالبيت الأبيض.

* ماذا يخطر في بالك عندما أقول لك اسم جعفر نميري، الرئيس السابق؟

- كان رئيساً قوياً جداً ذا كاريزما عالية، ولكنه كان ديكتاتوراً. أي كما يقول الفيتوري، أنت أيها المبجل في النهاية طاغية. كان ذا كاريزما عالية وشخصية قوية. وسوى شموليته وطغيانه، كان يستعين بالكوادر المؤهلة، أعلى المستويات في النخب كان يأتي بهم وزراء.

الترابي مع النميري

وزارات النميري لم تتكرر، لم يكن قبلها ذلك المستوى ولم يكن بعدها، حتى إن هناك قصة يحكيها رئيس الحرس الجمهوري الذي ذكر أنهم عندما زاروا واشنطن أيام الرئيس رونالد ريغان، اتصل به حاكم ولاية مينيسوتا، وقال له: الرئيس ذكر لي أن وزراء النميري أذكى من سكرتاريتي، فأنا أريد أن أرى هذه الشخصيات الذكية. وكان منهم منصور خالد، وابراهيم منعم منصور، وبدر الدين سليمان، وحسن الترابي. وهذه أسماء كبيرة بالطبع.

* وإذا قلت لك الصادق المهدي؟

- الصادق المهدي كذلك شخصية ذات كاريزما عالية جداً وذكاء وجدية شديدة، ولكنه طبعاً، ولد في بيئة فيها كثير من التقديس للقائد والتوقير له. كان عنده هذا الشعور وكأنما ولد ليكون قائداً، وإذا نظرت إلى شخصيته والبيئة حوله فستجد أن له كل الحق في أن يكون لديه هذا الشعور. لكن تحديات الدولة، تحديات السياسة كانت تقتضي كذلك عنصراً آخر في شخصيته. العنصر المتعلق باتخاذ القرار والحسم. هذا كان يمثل ضعفاً في شخصية الإمام، إذا جاز لي أن أتحدث بصراحة.

المحبوب عبد السلام مع الصادق المهدي (أرشيف المحبوب عبد السلام)

* أنا خرجت بانطباع أنه يصلح للمعارضة أكثر مما يصلح للحكم، هل هذا صحيح؟

- هو يصلح مفكراً ومحاضراً أكثر مما يصلح وزيراً أو رئيساً. هو المستوى الفكري لديه خصب جداً ومقدرته على التعبير ونقل الأفكار كذلك كبيرة، لذلك يعتريك هذا الشعور أنه رجل فكر أكثر مما هو رجل سياسة.

* امتزجت عقود من حياتك بتجربة الدكتور حسن الترابي؟

- نعم.

* على مدى 10 أعوام كنت مديراً لمكتبه؟

- نعم.

* وخارج هذا المنصب، كنت قريباً وشاركت في محطات حساسة؟

- نعم.

* حينما أقول لك حسن الترابي، ماذا يتبادر إلى ذهنك؟

- يتبادر أن هذه شخصية استطاعت أن تحدث تغييراً في التاريخ الخاص ببلدي السودان. البلد كان مؤسساً على قاعدة طائفية، هي التي كانت تمد السياسي بأسباب القوة، حتى أكبر المثقفين ليبرالية لم يكن يستطيع أن يشق طريقه من دون أن ينتمي إلى إحدى الطائفتين بأحزابهما. لكن الترابي استطاع أن يشق طريقاً بين هذين التيارين القويين («الحزب الاتحادي الديمقراطي» بزعامة محمد عثمان الميرغني و«حزب الأمة» بزعامة الصادق المهدي) إلى أن أصبح كأنما هو السيد الثالث بين هذين السيدين اللذين ورثا هذه التركة من السلطة.

المحبوب عبد السلام مع حسن الترابي (أرشيف المحبوب عبد السلام)

* كيف كانت علاقته مع النميري. رأيته وزيراً في عهد النميري ومازحته: ماذا تفعل في عهد النميري؟ فأجابني بابتسامته الشهيرة: إننا نؤسلم النظام خطوة خطوة؟

- نعم، كان هدفه من التحالف مع النميري واضحاً جداً. نظام النميري لم يكن ذا سمعة جيدة عندما انضم إليه الترابي بعد سبع سنوات من حكمه، ولكن الترابي كان مستعداً أن يضحي بأن يظل 7 سنوات في السجون حتى يؤمّن الحركة الاجتماعية لحزبه، لحركته، وكي يؤمن العمل في صفوف الطلاب والشباب والنساء والمجتمع المدني، حتى في القطاعات التقليدية في الزراعة وغيرها. كان يريد أن يؤمن هذه الحركة وأن يبقى مع النميري في قمة السلطة. لكن السياسة فيها الكثير من الحركة.

الترابي نفسه وصف العلاقة مع النميري أو مع النظام بأنها Game (لعبة)، فيها إصابات وفيها «فاول» أخطاء، ولكن على أي حال هي لعبة تمضي بقوانين. النميري كان يعتقد أنهم لن يحكموا قريباً، يحكمون بعد موته، فلا بأس. دع الحركة الاجتماعية تمضي كما هي، والترابي يعلم أن النميري يريد أن يؤمّن نظامه. كثيراً ما كان النميري يداعب الترابي بالتقارير الأمنية، يقول له: سمعنا أنكم عقدتم اجتماعاً كبيراً في منزل فلان وأخبرني عمر الطيب، مدير جهاز الأمن، بما دار في الاجتماع وكذا. فكان يعلم، مع أن الدستور كان ينص على أن هناك حزباً واحداً هو «الاتحاد الاشتراكي»، ولكن الحركة الإسلامية كانت تتمتع بهامش من الحرية أتاح لها أن تبني نفسها، وربما سنوات البناء الحقيقي هي سنوات التحالف مع النميري التي نسميها المصالحة الوطنية.

* وسجن؟

- 7 سنوات.

* كيف كان في السجن؟

- السجن كان بالنسبة له مدرسة. هو وصف السجن بأنه لم يكن يشقى بخلوة قط. كثير من الكتب التي جاء بها من فرنسا وبريطانيا وجعلها مخزنة، قرأها في السجن. يقول إنه قرأ في السجن 400 مجلد في الاقتصاد، وهذا أقل ما قرأ. وكتب نظرية جديدة في أصول الفقه، وكل المعارف النظرية نالها في السجن، إضافة إلى المعرفة العملية التي كانت قبل السجن، إذ أمضى في البرلمان نحو 3 سنوات، ثم في المعارضة كذلك، ثم اعتقل، فكان مهيئاً، خاصة أنه عاش في بريطانيا وأنجز دكتوراه دولة في فرنسا. السجن بالنسبة له كان مدرسة كبيرة جداً، واستثمره إلى أقصى ما يمكن أن يستثمر المرء سنوات الخلوة.

* هل الاحتكاك بالثقافة الأوروبية جعل الترابي مختلفاً داخل الحركة الإسلامية في السودان؟

- وفي العالم كله، وفي العالم العربي تحديداً. يمكن أن نقول إنه أحدث أكثر النسخ رقياً لحركة «الإخوان المسلمين» وأكثرها استجابة لتحديات العصر. الثقافة الغربية فعلاً أثرت، وهناك جانب آخر منه هو التخطيط. هو كان يخطط لحركته مرحلة تلو مرحلة كما وصف في كتابه. قال: كانت هناك مرحلة خمول، دعوة سرية، ثم مرحلة إعداد وبناء، ثم مرحلة تمكين. كان يبني استراتيجياته على هذه المراحل، سيمتد في هذا القطاع على هذا النحو، وسيمتد إلى القطاع الآخر على هذا النحو، ثم يمتد حتى في القوات المسلحة ثم سيستولي على السلطة، ربما سلماً وبالديمقراطية والانتخابات، وربما حرباً أو ثورة وبانقلاب. فكان يخطط لهذا كله، وهذا من أثر الثقافة الغربية.

* كان حلم الانقلاب مبكراً لدى الترابي؟

- بعد أن خرج كل الشعب ضد العساكر في 1964ساد اعتقاد أنهم لن يحاولوا مرة ثانية الاستيلاء على السلطة، وهذا كان رأي عبد الخالق محجوب نفسه أن أكتوبر درس كبير للسلطة العسكرية ولذلك لن تحاول مجدداً. ولكن في 1969، استولى النميري على السلطة.

النميري ضابطاً في القاهرة قبل توليه الرئاسة بـ15 عاماً (أ.ف.ب)

* تتحدث عن عبد الخالق محجوب. هل تكره الشيوعيين السودانيين؟

- لا، لا، لا. لا أكره الشيوعيين.

* هل تعدّ محجوب رمزاً؟

- نعم. من دون أدنى شك، الحزب الشيوعي السوداني حزب وطني حقيقي وقدم إنجازات كبيرة جداً. لكن أنا عندما تحدثت عن النخب تحدثت عن النخب الآيديولوجية. كانت علاقتهم بالاتحاد السوفياتي وبالماركسية كفكرة تعميهم عن كثير من المصالح الوطنية، إضافة إلى أنهم اتخذوا من الزملاء الآخرين في النخبة الحديثة، أي الإسلاميين، عدواً استراتيجياً. اليسار والإسلاميون في السودان كحالة توأمين سياميين، يجب أن يموت أحدهما ليبقى الآخر، يموت أحدهما ليحيا الآخر.

* أنا سمعت من الدكتور الترابي إشادة بمحمد إبراهيم نقد، سكرتير الحزب الشيوعي، وسمعت من نقد الشيء نفسه. إشادة كمحاور مختلف؟

- نعم.

* ما قصة هذه العلاقة وقد توطدت في سجن كوبر؟

- هي علاقة قديمة منذ أيام الدراسة الثانوية في حنتوب.

* ومعهم النميري، الثالث؟

- نعم، ثالثهم النميري. كانوا في المدرسة الثانوية نفسها، في الجزيرة بالسودان. ولكن صحيح، عندما دخل نقد إلى السجن وكان زميلاً للترابي بعد الانقلاب كان في مرحلة متقدمة من النضج الفكري والسياسي والروحي، وكذلك الترابي، فالتقيا بمستوى عالٍ من الخبرة والتجربة. الترابي اقترح عليهم في السجن، على الصادق وعلى نقد وعلى السيد الميرغني، أن يتنازلوا جميعاً عن السياسة ويكونوا حزباً واحداً لا يكونون هم رؤساء وأن يتركوا الأمر للأجيال الجديدة، ولكنهم كانوا يعلمون أن الانقلاب كان وراءه الترابي، فلم يقبلوا هذا المقترح.

* ماذا فعلت ثانوية حنتوب بالسودان؟ أنجبت النميري والترابي ونقد، أبرز ثلاثة لاعبين، ويمكن أن نضيف إليهم الصادق المهدي؟

- نعم، الصادق ليس من حنتوب بل من الخارج. لكن أنا ذكرت في واحدة من دراساتي أن البريطانيين الذين أنشأوا ثانوية حنتوب وعزلوها عن المجتمع أخرجوا جيلاً مولعاً بالمنافسات. تعرف في السودان، نتراتب في الفصول المدرسية، الأول فالثاني فالثالث إلى الأخير، فلهذا نولع بالمنافسة. هذا الولع بالمنصب الأول، بالتفوق، أحدث فتناً كثيرة في النخبة السودانية من تأثير التربية البريطانية وحنتوب.

* أريد أن أسألك عن التنافس بين الترابي والصادق المهدي وهما قريبان؟

- هما صاحبان. دائماً في العلاقة بينهما أتذكر بيت الشعر، الشطر الثاني من بيت شعر المعري، تشابه الأضداد. هما متشابهان جداً في الفكر، كلاهما ينطلق من مدرسة إسلامية، كلاهما يهتم بالحريات، بتحرير المرأة، بالاقتصاد الحر. هذه أفكار أساسية يتفقان فيها، وكانا طبعاً كأنهما حزب واحد، لأنه في أول العلاقة بينهما، كان الصادق متأكداً من زعامته للسودان بما يملك من جمهور لا يضاهى، وكان يظن أن الترابي وبعض المثقفين سينفعون في عملية التحديث في حزب الأمة، التي كان يهتم بها كثيراً. لذلك، كان يتوقع أن أقصى ما يمكن أن يكونه الترابي هو أن يكون وزيراً في إحدى حكوماته.

لكن الترابي كان له طموح آخر. كان يريد أن يؤسس حركة وأن يؤسس هذا التيار الثالث في السودان. ربما لو استمر التكامل بين حزب الأمة والإسلاميين، لشهد السودان تياراً كبيراً يضمن مستوى جيداً من الاستقرار.


مقالات ذات صلة

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

شمال افريقيا من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع»...

وجدان طلحة (الخرطوم)
شمال افريقيا قائد «قوات الدعم السريع» محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي» (رويترز)

حكم غيابي بإعدام قائد «الدعم السريع» في السودان

أصدرت محكمة سودانية، يوم الأحد، حكماً غيابياً بإعدام قائد «قوات الدعم السريع»، محمد حمدان دقلو المعروف بـ«حميدتي»، وآخرين لاتهامهم بارتكاب جرائم ضد الإنسانية .

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا 
مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب)

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً

أثار تسريب وثيقة أميركية، تتضمن عدة نقاط، لوقف الحرب في السودان، جدلاً واسعاً بشأن فرص التوصل إلى هدنة إنسانية تنهي أكثر من ثلاثة أعوام من الحرب.

أحمد يونس (كمبالا)
شمال افريقيا مسعد بولس يعرب عن القلق إزاء الأوضاع في مدينة الأُبَيِّض (أرشيفية - أ.ف.ب) p-circle

وثيقة أميركية لهدنة سودانية من 90 يوماً تعقبها مفاوضات

أعاد تسريب وثائق متبادلة بين الإدارة الأميركية والحكومة السودانية إحياء آمال السودانيين بإمكانية التوصل إلى هدنة إنسانية توقف جانباً من معاناة المدنيين

أحمد يونس (كمبالا) محمد أمين ياسين (نيروبي)
شمال افريقيا لاجئة سودانية من دارفور تستريح بجوار خيمة تابعة للمفوضية السامية للأمم المتحدة لشؤون اللاجئين داخل مخيم تولوم شرق دولة تشاد 30 نوفمبر 2025 (رويترز)

مسؤولة بـ «الجنائية الدولية» تؤكد إحراز تقدم في تحقيقات دارفور

تحقق المحكمة الجنائية الدولية في الهجمات التي استهدفت مدينتي الجنينة في عام 2023 والفاشر العام الماضي.

«الشرق الأوسط» (نجامينا )

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
TT

مصر تُجدد رفض التدخلات الخارجية في شؤون سوريا

لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)
لقاء سابق في القاهرة بين وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي ونظيره السوري أسعد الشيباني (الخارجية المصرية)

جددت مصر رفضها التدخل في شؤون سوريا، وأكدت ضرورة «تمكين مؤسسات الدولة الوطنية السورية»، وذلك خلال اتصال هاتفي بين وزير الخارجية بدر عبد العاطي وتوم برّاك، مبعوث الرئيس الأميركي الخاص لكل من سوريا والعراق، الأحد.

وأشار عبد العاطي إلى «أهمية الحفاظ على وحدة الأراضي السورية وسلامتها»، وشدد على «رفض أي تدخلات خارجية في شؤونها الداخلية»، وجدد إدانة مصر العملية الإرهابية الأخيرة التي شهدتها العاصمة دمشق الأسبوع الماضي، مؤكداً «أهمية تضافر الجهود لمكافحة الإرهاب والتطرف بكل صوره وأشكاله».

ووقع صباح يوم الثلاثاء الماضي تفجيران أمام مبنى وزارة السياحة السورية في منطقة جسر فكتوريا وسط العاصمة دمشق، قرب الفندق الذي كان يُقيم فيه الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون، في أول زيارة لرئيس غربي إلى سوريا، ما أدى إلى مقتل شخص وإصابة 31 آخرين، أغلب إصاباتهم طفيفة، وكان ذلك الحادث الإرهابي الثاني خلال أسبوع.

وفي ذلك الحين، أعربت مصر عن «إدانتها الشديدة للتفجيرين»، وأكدت رفضها لكل أشكال العنف والإرهاب، مشددة على «ضرورة التصدي لكل ما من شأنه زعزعة أمن واستقرار الجمهورية العربية السورية».

وجددت القاهرة تأكيد وقوفها إلى جانب سوريا «في مواجهة كل ما يستهدف أمنها واستقرارها، معربة عن دعمها الجهود الرامية إلى حفظ الأمن ومكافحة الإرهاب».

وفي سبتمبر (أيلول) من العام الماضي، شدد وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقائه نظيره السوري أسعد الشيباني، على هامش أعمال الجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، على ضرورة «استعادة سوريا دورها الطبيعي داخل محيطها العربي والإقليمي، ما سيُعزز الأمن القومي العربي»، وفق بيان صادر عن وزارة الخارجية المصرية.

كما جدد عبد العاطي «رفض مصر القاطع للانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للسيادة السورية»، محذراً من «خطورة محاولات استغلال الأوضاع الراهنة لتبرير التدخلات الخارجية».

وشهدت الفترة الأخيرة لقاءات مصرية - سورية متتالية، يراها مسؤولون ومراقبون «دفعةً لمسار التقارب» في العلاقات بين البلدين. والشهر الماضي التقى عبد العاطي نظيره الشيباني على هامش اجتماع مجلس جامعة الدول العربية في العاصمة الأردنية عمَّان. وأكد الوزيران «عمق الروابط التاريخية والشعبية التي تجمع مصر وسوريا... وأهمية البناء على الزيارة التي قام بها وزير الخارجية السوري إلى القاهرة مطلع شهر مايو (أيار) الماضي».

كما رحبا بعقد الاجتماع الحكومي المصري - السوري الثاني على مستوى كبار المسؤولين بمشاركة الوزارات والهيئات المعنية بالتجارة والاستثمار في البلدين، لبحث الخطوات التنفيذية لتعزيز التعاون الاقتصادي المشترك.


«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
TT

«الصليب الأحمر»: أكثر من 11 ألف مفقود منذ اندلاع حرب السودان

من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)
من مشاهد الحرب السودانية (د.ب.أ)

قال الناطق باسم «اللجنة الدولية للصليب الأحمر»، فريد الحميد، إن عدد المفقودين في السودان يزيد على 11 ألف شخص منذ بدء الحرب في أبريل (نيسان) 2023. وأضاف لـ«الشرق الأوسط» أن هذا الرقم يمثل فقط الحالات المسجلة لدى «اللجنة» والجمعيات الوطنية المحلية، مرجحاً أن يكون عدد الأشخاص المفقودين أعلى بكثير من هذا الرقم.

وأوضح الحميد أن استمرار النزاع فاقم حركة النزوح السكاني، وأدى إلى «ازدياد عدد الأشخاص الذين يلتمسون المساعدة لإعادة الروابط العائلية أو لمعرفة مصير أحبائهم الذين انقطع بهم الاتصال؛ مما يعكس الحجم الواسع والأبعاد العميقة للعواقب الإنسانية لهذه الحرب».

وذكر أن «اللجنة» تلقّت في العام الماضي أكثر من 1682 طلبَ بحثٍ من عائلات داخل السودان، و2200 طلب من الخارج؛ للحصول على معلومات بشأن مصير وأماكن وجود أقاربها المفقودين، «بما في ذلك التأكد من سلامتهم أو معرفة ما إذا كانوا محتجزين لدى أي جهة عسكرية أو أمنية». وأفاد المسؤول الدولي بأن «اللجنة الدولية» ساعدت العائلات في توفير معلومات عن 846 من الأشخاص المفقودين.

النساء المفقودات

من جانبها، قالت وزيرة الدولة للرعاية الاجتماعية، سليمى إسحاق، لـ«الشرق الأوسط»، إن عدد النساء المفقودات منذ اندلاع الحرب تجاوز 600. وأضافت أن الجهات المختصة تواجه «تحديات كبيرة في الحصول على المعلومات الدقيقة بشأن أعداد المفقودات؛ إذ إن غالبية الأسر تخشى الإبلاغ عن مفقوديها الفتيات لأسباب اجتماعية بحتة متعلقة بوصمة العار».

وذكرت إسحاق أن كثيراً من النساء المفقودات خلال الحرب «تركن خلفهن مئات الأطفال في أعمار مختلفة».

وفي وقت سابق، طالبت الحكومة السودانية الأمين العام للأمم المتحدة، أنطونيو غوتيريش، بالتدخل العاجل للكشف عن مصير أكثر من 20 ألف سجين تحتجزهم «قوات الدعم السريع» في ظروف إنسانية بالغة السوء.

البحث عن الأقارب

عوضية مع بنت ابنها المفقود (الشرق الأوسط)

في الأثناء، يواصل آلاف السودانيين البحث عن أبنائهم وأقاربهم الذين فُقدوا في الحرب. عوضية عباس (60 عاماً) اعتُقل ابنها مبارك من قبل «قوات الدعم السريع» إبان سيطرتها على العاصمة الخرطوم، عندما كان في طريقه لشراء بعض الأغراض، وما زالت تبحث عنه بعد مرور نحو عامين على اختفائه قسراً.

قالت: «لا أعرف مصيره وما إذا كان حياً أم ميتاً. ما أتمناه في هذه الدنيا رؤيته قبل موتي»، مضيفة: «أترقب دخوله في أي لحظة... لكنه حتي الآن لم يرجع».

وأصيب والده مصطفى بمرض أقعده عن الحركة ثم توفى بعد 4 أشهر من غياب ابنه. ومبارك نفسه أب لـ4 أبناء، أكبرهم عمره 15 عاماً، وأصغرهم طفلة ذات 5 أعوام لا تكف عن سؤال جدتها متى يعود والدها إلى البيت.

ومنذ ذلك الوقت تتابع عائلته المنشورات على مواقع التواصل الاجتماعي، أملاً أن يكون أحدهم قد تعرف عليه في المعتقلات.

سحر هارون مثالُ آخر... فقدت زوجها واثنين من إخوانها منذ منتصف مارس (آذار) 2024. قالت لـ«الشرق الأوسط»: «علمنا بأن (قوات الدعم السريع) تحتجزهم في سجن سوبا شرق العاصمة الخرطوم، وذهبنا مرات عدة، لكن لم يسمحوا لنا بزيارتهم».

وبعد استعادة الجيش السيطرة على الخرطوم وخروج «قوات الدعم السريع» منها، قالت سحر إن بعض المعتقلين الذين أُطلق سراحهم أبلغوها بترحيل أفراد أسرتها إلى غرب السودان، لكن حتى الآن لا تتوفر أي معلومات عن مكانهم.

ابتزاز الفدية

عناصر من «قوات الدعم السريع» السودانية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي ظل هذه الظروف، وقع كثير من العائلات ضحايا للابتزاز المالي، حيث كانوا يتلقون مكالمات هاتفية من أشخاص يزعمون أنهم يحتجزون أقرباءهم، ويطلبون فدية للإفراج عنهم مقابل إطلاق سراحهم، مهددين بقتلهم إذا لم تستجب الأسر.

وتعرض آلاف المعتقلين، في مراكز احتجاز منتشرة بالخرطوم، لشتى أنواع التعذيب الجسدي والنفسي، وفق شقيق فتاة مفقودة بعد اقتيادها من منزلها في الخرطوم. وقال إن الأسرة لا تزال تترقب عودتها في أي لحظة، رغم انقطاع الاتصال بها أكثر من 8 أشهر.

واعتقل المئات من المدنيين؛ غالبيتهم من الشباب، عند نقاط التفتيش التي كانت تقيمها «قوات الدعم السريع» في المناطق التي كانت تسيطر عليها داخل ولايتي الخرطوم والجزيرة في وسط البلاد، دون إخطار عائلاتهم، بينما تشير أنباء عن مقتل أعداد كبيرة منهم داخل معتقلات التعذيب والتجويع المتعمد.


وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
TT

وفد عسكري مصري يزور تركيا... تنسيق متزايد في مواجهة توترات إقليمية

جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)
جانب من فعاليات التدريب المصري التركي «العقاب الذهبي» الأسبوع الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

زيارة رسمية هي الأولى من نوعها لوزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر، لتركيا، تأتي وسط توترات تشهدها المنطقة مع عودة التصعيد الأميركي-الإيراني، وقلق إسرائيلي متصاعد من تقارب القاهرة وأنقرة.

تأتي هذه الزيارة الرسمية بعد توالي التدريبات العسكرية المشتركة، وتؤشر، حسب خبراء في مصر وتركيا تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن التنسيق العسكري وصل لمرحلة متقدمة للغاية، وسيعزز فرص تعزيز الاستقرار بالمنطقة ومواجهة أي توترات إقليمية.

كما أكد الخبراء أيضاً «أن إسرائيل ستظل تنظر لهذا التقارب بريبة كبيرة دون أي تدخل مباشر، خصوصاً ونحن إزاء دولتين كبيرتين بالمنطقة عسكرياً وحسابات المواجهة معهما معقدة».

أول زيارة منذ 13 عاماً

وأعلن الجيش المصري، في بيان الأحد، أن الوزير زاهر، «غادر أرض الوطن متوجهاً إلى دولة تركيا على رأس وفد عسكري رفيع المستوى في زيارة رسمية بدعوة من وزير الدفاع التركي يشار غولر لإجراء عدد من المباحثات لدعم آفاق التعاون العسكري بين القوات المسلحة لكلا البلدين في العديد من المجالات».

وهذه أول زيارة من نوعها لوزير الدفاع المصري الحالي الذي تم تعيينه في منصبه في فبراير (شباط) الماضي، والأولى لوزير دفاع مصري يقوم بزيارة رسمية لتركيا منذ 2013، ففي 8 مايو (أيار) من ذلك العام، قام وزير الدفاع المصري وقتها عبد الفتاح السيسي بزيارة رسمية لتركيا، والتقى وقتها عصمت يلمظ وزير الدفاع الوطني التركي آنذاك.

وفي نهاية أبريل (نيسان) 2024، أعلن صالح موتلو شن، السفير التركي في القاهرة، أن رئيس أركان الجيش المصري وقتها الفريق أسامة عسكر، زار تركيا بدعوة من رئيس هيئة الأركان التركية الفريق أول متين غوراك، وأجرى محادثات هناك، في أول زيارة لمسؤول عسكري مصري رفيع المستوى لتركيا منذ توتر العلاقات بين البلدين عام 2013.

وفي مايو الماضي، أجرى رئيس أركان الجيش المصري، الفريق أحمد خليفة، زيارة رسمية إلى تركيا، التقى خلالها نظيره التركي الفريق أول متين غوراك، ضمن فعاليات الاجتماع الرابع للجنة العسكرية المشتركة بين البلدين، وتم بحث سبل تطوير التعاون العسكري، لا سيما في مجالات التدريب وتبادل الخبرات.

وزير الدفاع المصري أشرف سالم زاهر (صفحة المتحدث العسكري المصري)

ويرى المستشار في «الأكاديمية العسكرية للدراسات العليا والاستراتيجية» اللواء عادل العمدة، أن الزيارة غير المسبوقة «تأتي ضمن التقارب العسكري المصري-التركي وتطوره إلى تعاون عسكري مؤسسي شمل اتفاقات دفاعية واجتماعات دورية وتدريبات مشتركة للقوات المسلحة، بما يعكس انتقال العلاقات من مرحلة بناء الثقة إلى مرحلة التعاون العملي».

ويشير العمدة إلى أن الزيارة «تحقق أهدافاً على ثلاثة محاور، أولها استراتيجياً باعتبار أن مصر وتركيا تمتلكان أكبر قوتين عسكريتين في شرق المتوسط، وبالتالي فإن أي تقارب بينهما يغيّر ميزان القوى الإقليمي، وأمنياً مع وجود مصالح مشتركة في تأمين شرق المتوسط والبحر الأحمر وليبيا ومكافحة الإرهاب وتأمين خطوط الملاحة، وصناعياً مع التوجه للتعاون نحو الصناعات الدفاعية ونقل الخبرات، والتدريب وربما التصنيع المشترك لبعض المعدات العسكرية مستقبلاً».

تعاون يتنامى

ويرى الباحث في الشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو أن هذا التعاون المصري التركي «يتصاعد على كل المستويات وبدأ ينمو عسكرياً في الفترة الأخيرة، ما يشكل تحولاً مهماً في مسار العلاقات بعد سنوات من الفتور»، مشيراً إلى أن ذلك «يعني وجود رغبة بين البلدين لخدمة مصالحهما المشتركة وسط تطورات وتعقيدات إقليمية ستدفعهما لمزيد من التنسيق».

وشهد التعاون العسكري بين مصر وتركيا تطوراً ملحوظاً منذ 2023 مع عودة العلاقات الدبلوماسية الكاملة، وتبادل الزيارات الرئاسية؛ ما انعكس على مجال الصناعات الدفاعية، حيث استأنف البلدان التدريبات المشتركة «بحر الصداقة»، واتفقا على التعاون في التصنيع المشترك للطائرات المسيّرة، كما انضمت القاهرة لبرنامج طائرات الجيل الخامس الشبحية التركية «KAAN».

وقد عُرضت نماذج لطائرات بيرقدار (Bayraktar) التركية المسيّرة خلال معرض الصناعات الدفاعية «إيديكس 2025» في القاهرة، وظهرت الطائرات والذخائر وهي تحمل العلم المصري.

وفي فبراير 2026، وقّعت مصر وتركيا «اتفاقية تعاون عسكري» في القاهرة، بحضور الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي ونظيره رجب طيب إردوغان، الذي كان يزور العاصمة المصرية آنذاك.

ووقّعت مصر وتركيا، في أغسطس 2025، اتفاقاً للتصنيع المشترك للطائرات المسيّرة ذات الإقلاع والهبوط العمودي.

جانب من تدريب «نسر الأناضول» نهاية يونيو الماضي (صفحة المتحدث العسكري المصري)

وفي ضوء ذلك، يرى طه عودة أوغلو، «أن الزخم الكبير في التعاون العسكري، يحمل إشارة واضحة على وجود تنسيق متزايد بين البلدين، تترجمه المناورات والاتفاقيات والزيارات بشكل لافت في العامين الماضيين».

وعن مستقبل التعاون العسكري، يتوقع اللواء عادل العمدة أنه «إذا استمرت العلاقات السياسية في مسارها الحالي فمن المتوقع زيادة المناورات البرية والبحرية والجوية المشتركة، وتوسيع التعاون في الصناعات العسكرية والتكنولوجيا الدفاعية، وتنسيق أكبر بشأن أمن البحر الأحمر وشرق المتوسط».

تخوف إسرائيلي

هذا التصاعد في التعاون المصري التركي تتخوف منه إسرائيل، وزعمت صحيفة «معاريف» الإسرائيلية يونيو (حزيران) الماضي أن المخابرات الأميركية رصدت نشاطاً غير عادي، مفاده أن مصر وتركيا «تعملان بهدوء على تعزيز تعاون عسكري واسع النطاق قد يشمل صفقات أسلحة تغير موازين القوى».

ويعتقد العمدة «أن إسرائيل تتابع هذا التقارب باهتمام في ظل حديث مستمر منها عن قلق من تنامي العلاقات المصرية–التركية، وتضع في حساباتها أنهما قوتان عسكريتان وإقليميتان مؤثرتان وأي تنسيق بينهما قد يغيّر الحسابات الأمنية في شرق المتوسط»، مستدركاً «لكن لا توجد مؤشرات معلنة على وجود تحالف عسكري موجه ضد إسرائيل، خصوصاً أن السياسة المصرية تقوم على تنويع الشراكات العسكرية مع الحفاظ على استقلال القرار الاستراتيجي، ما يجعل التعاون بينهما قائماً على المصالح المشتركة أكثر من كونه تحالفاً شاملاً».

ويتفق معه الباحث بالشأن التركي والعلاقات الدولية طه عودة أوغلو، قائلاً: «إسرائيل ترى أن التقارب المصري التركي عسكرياً يؤثر على موازين القوى في المنطقة، لكن ذلك لا يعني تشكيل حلف ضد إسرائيل كما تسوق تل أبيب عادة، بل محاولة من البلدين لتعزيز التنسيق في المنطقة ولعب أدوار مهمة في تهدئة التوترات».