الجزائر: «سباق المصالح السياسية ما زال مستمراً» لدى باريس

نددت بمسعى اليمين المتطرف لإسقاط اتفاق الهجرة في البرلمان الفرنسي

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

الجزائر: «سباق المصالح السياسية ما زال مستمراً» لدى باريس

الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في أغسطس 2022 (الرئاسة الجزائرية)

أكدت الجزائر أن مسعى البرلمان الفرنسي لنقض اتفاق الهجرة بين البلدين «شأن يخص فرنسا وحدها، ويشكل موضوعاً لمنافسة انتخابية مبكرة»، في إشارة إلى أن الأزمة الدبلوماسية الحالية بين البلدين تشكل مادة تسبق استحقاقات الرئاسة في فرنسا المقررة عام 2027.

وكانت «الجمعية الوطنية» (الغرفة الأولى للبرلمان الفرنسي) اعتمدت في 30 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، بفارق صوت واحد فقط، مشروع لائحة قدمه حزب «التجمع الوطني» (اليمين المتطرف)، يهدف إلى إدانة الاتفاق الفرنسي الجزائري عام 1968، الذي ينظم الهجرة الجزائرية إلى فرنسا، وكل ما يتصل بالدراسة في الجامعات والعمل والتجارة ولمِّ شمل عائلات المهاجرين الجزائريين في فرنسا.

وزير الخارجية الجزائري خلال مقابلة صحافية مع القناة الدولية العمومية (التلفزيون الجزائري)

وفي أول رد فعل رسمي على هذا الحدث اللافت في علاقات البلدين، قال وزير خارجية الجزائر أحمد عطاف، مساء الأحد، في مقابلة مع التلفزيون العمومي، إن تصويت البرلمان الفرنسي «يشعرني بالحزن من أجل فرنسا... بكل صدق، لدي احترام كبير للجمعية الوطنية الفرنسية، ولكن عندما رأيت نتيجة التصويت، كانت أول فكرة خطرت ببالي: إن سباق المصالح السياسية ما زال مستمراً».

وعبَّر عطاف عن «حزنه لرؤية بلد كبير مثل فرنسا يجعل من تاريخ بلد آخر مستقل وذي سيادة، موضوعاً لمنافسة انتخابية مبكرة داخل فرنسا»؛ مشدداً على أن «القضية في جوهرها فرنسية بحتة تخص الحكومة والبرلمان الفرنسيين». وأضاف: «إنها قضية داخلية لا تعنينا في الوقت الحالي».

وتابع الوزير الجزائري: «قد تَهمُّنا هذه القضية -فقط- إذا أصبحت مسألة بين الحكومتين؛ لأن اتفاق 1968 هو اتفاق حكومي دولي»، لافتاً إلى أن حكومة الرئيس إيمانويل ماكرون «لم تبلغنا بأي شيء حول هذا الموضوع، لذلك من حيث المبدأ لا نعلق على الأمر... وعلى المستوى الحكومي لم نرَ شيئاً، ونأمل ألا نرى شيئاً».

مسافرون جزائريون بمطار شارل ديغول في باريس (صحيفة الوطن الجزائرية)

يُذكَر أن مسألة الهجرة والاتفاق الذي ينظمها تعد حلقة في التوترات التي تعيشها العلاقات بين البلدين، والتي اندلعت بسبب اعتراف باريس بمغربية الصحراء في صيف 2024.

كما أكد عطاف في المقابلة الصحافية، أنه يحرص على تصحيح الفهم المشوه لدى بعض السياسيين والإعلاميين في فرنسا، بشأن اتفاق 1968، قائلاً: «هذا الاتفاق لم يكن يوماً وثيقة منفتحة تسهِّل الهجرة الجزائرية؛ بل على العكس، لقد جاء ليضع قيوداً إضافية مقارنة بالنظام الذي نصت عليه اتفاقيات إيفيان»، وهي الاتفاقات التي أقرت استقلال الجزائر في 5 يوليو (تموز) 1962.

وتناول عطاف تقريراً حديثاً لنائبين من حزب الرئيس ماكرون، قدرا فيه أن الاتفاق المثير للجدل يكلف فرنسا نحو مليارَي يورو سنوياً؛ حيث قال: «ينسب إلى الاتفاق كثير من الأمور غير الصحيحة. سمعت مؤخراً أنه يكلِّف فرنسا مليارَي يورو، وهو أمر لا علاقة له بالواقع. هذه أرقام وهمية تماماً ولا أساس لها من الصحة».

ويقترح التقرير البرلماني على الحكومة إحداث تغييرات عميقة على الوثيقة، بدعوى أنها «تنقض مبدأ المساواة بين الأجانب من مختلف الجنسيات»؛ مشيراً إلى أن الاتفاق يمنح الجزائريين بطاقة إقامة لعشر سنوات بإجراءات مبسطة: «مما يُكرِّس تمييزاً قانونياً وخرقاً لمبدأ المساواة».

الرئيس الجزائري مع زعيم «بوليساريو» (الرئاسة الجزائرية)

ووفق البرلمانيَّين، يمنح الاتفاق «امتيازات لمواطني دولة واحدة دون غيرهم من الأجانب، في غياب أي مبدأ للمعاملة بالمثل من الجانب الجزائري»، مؤكدين أن إلغاءه ممكن من دون الدخول في صدام دبلوماسي.

ومن الحجج التي يقدمها البرلمانيان في مسعاهما، أن هذا الوضع يمثل «عبئاً مالياً كبيراً» على الدولة الفرنسية. وقد ذكر التقرير أن هذه التكاليف لا تقتصر على النواحي الإدارية فحسب؛ بل تمتد لتشمل المساعدات الاجتماعية التي يستفيد منها المعنيون؛ مبرزاً أن تكلفة ملياري يورو تعادل معاشات الجزائريين الذين عملوا في فرنسا سنوات طويلة.

من جهة أخرى، ذكر عطاف في المقابلة أن المغرب «فشل في فرض مشروع الحكم الذاتي كحل وحيد لقضية الصحراء الغربية»، موضحاً أن القرار الأممي «أشار إلى الحكم الذاتي؛ لكنه تضمن أيضاً بدائل أخرى، منها المقترح الصحراوي».

وأصدر مجلس الأمن، الجمعة 31 أكتوبر 2025 قراراً يحمل رقم 2795 بشأن نزاع الصحراء، من أهم ما جاء فيه دعوته الأطراف إلى الانخراط في مفاوضات «من دون شروط مسبقة» بالاستناد إلى خطة الحكم الذاتي المغربية المُقدمة في 2007. ووصف القرار هذه الخطة بأنها «الحل الأكثر واقعية» للنزاع.

كما تم تمديد ولاية بعثة الأمم المتحدة إلى الصحراء (مينورسو) حتى 31 أكتوبر 2026. وأكد «ضرورة التوصل إلى حل سياسي عادل ودائم يضمن حق تقرير المصير».

وأوضح عطاف أن المغرب «سعى إلى تحقيق 3 أهداف رئيسية: حل بعثة (مينورسو) أو تغيير مهامها، وفرض الحكم الذاتي كإطار حصري للحل، وإلغاء حق تقرير المصير للشعب الصحراوي»، مبرزاً أن «عدة دول، وليس الجزائر فقط، رفضت اللائحة؛ حيث قدمت 8 تعديلات عليها. كما أن بعثة (مينورسو) لم تُحَلّ، عكس ما كان يريد المغرب؛ بل تم تمديد تفويضها لعام كامل بشكل طبيعي».


مقالات ذات صلة

الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

شمال افريقيا وفاة الرئيس الراحل عبد العزيز بوتفليقة عجلت بسقوط عشرات المسؤولين في نظام حكمه (الشرق الأوسط)

الجزائر: ملاحقة المحيط الرئاسي بالفساد عنوان مرحلة «ما بعد بوتفليقة»

شهدت فترة حكم الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون تكريساً للتوجه القضائي في التعاطي الصارم مع ملفات الفساد، حيث استمرت الملاحقات لتطال أسماء وازنة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من مشاورات الرئاسة مع الأحزاب في 24 يناير الحالي (الرئاسة)

الجزائر: جدل سياسي بشأن «التعديل الدستوري التقني»

تترقب الرئاسة الجزائرية تسلم مواقف الأحزاب مكتوبة بشأن مشروعَيْ «التعديل الدستوري التقني» و«تعديل قانون الانتخابات».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية فلاديمير بيتكوفيتش مدرب منتخب الجزائر (رويترز)

رئيس الجزائر يدعم منتخب بلاده ومدربه بيتكوفيتش

توجه الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون، الأحد، بتهانيه الحارة لمنتخب بلاده لكرة القدم وجهازه الفني، عقب مشاركته الأخيرة في نهائيات بطولة كأس أمم أفريقيا.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا قادة أحزاب جزائرية خلال اجتماع تشاوري نظمته الرئاسة بشأن تعديل الدستور (الرئاسة)

مشاورات سياسية موسّعة في الجزائر بشأن قانون جديد للأحزاب

باشر البرلمان الجزائري الاستماع إلى آراء ومقترحات الأحزاب السياسية غير الممثّلة في المؤسسة التشريعية، بشأن مشروع قانون جديد للأحزاب السياسية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 (الرئاسة الجزائرية)

«الغالبية الرئاسية» تنتفض ضد وثائقي فرنسي استهدف رموز الجزائر

خلّف برنامج صحافي بثّته القناة الفرنسية العمومية «فرانس2»، وتناول قضايا خلافية مثيرة بين الجزائر وباريس، موجة سخط واسعة في أوساط «الغالبية الرئاسية».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«الاجتماعات السرية»... مسارات موازية لأفرقاء الأزمة السياسية الليبية

صدام حفتر مستقبلاً بولس في القيادة العامة 25 يناير (القيادة العامة)
صدام حفتر مستقبلاً بولس في القيادة العامة 25 يناير (القيادة العامة)
TT

«الاجتماعات السرية»... مسارات موازية لأفرقاء الأزمة السياسية الليبية

صدام حفتر مستقبلاً بولس في القيادة العامة 25 يناير (القيادة العامة)
صدام حفتر مستقبلاً بولس في القيادة العامة 25 يناير (القيادة العامة)

أعاد اجتماع عقد بين نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي الفريق صدام حفتر، ومستشار الأمن القومي لرئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة إبراهيم الدبيبة، في قصر الإليزيه بالعاصمة باريس، بدعم فرنسي وأميركي؛ الحديث عن أسباب هذه اللقاءات التي تأتي في مسارات موازية على خلفية انقسام حاد بين ممثلي الطرفين.

ونقل موقع «أفريكا إنتليجنس» الفرنسي أن باريس وواشنطن نظمتا «اجتماعاً غير رسمي» بين صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة في قصر الإليزيه الأربعاء؛ بهدف التوصل إلى حل يسهم في توحيد المؤسسات الليبية المنقسمة، سواء على صعيد المؤسسة العسكرية أو الحكومة.

وتعاني ليبيا من انقسام مؤسسي حاد منذ عام 2014، لكن ذلك لم يمنع الأفرقاء المنقسمين من عقد «لقاءات سرية»، سرعان ما تتكشف لتلقي بعلامات استفهام كبيرة في الأوساط السياسية.

وينظر مصدر سياسي من العاصمة الليبية إلى هذه اللقاءات على أنها «ترتبط عادة إما بالسعي للحل، أو بتعقيد الأزمة»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن الأطراف السياسية أو العسكرية في البلاد «تلعب دورها، وليست هي محور الأزمة»؛ معتبراً أن «المحور الأساسي في المعضلة الليبية يتمثل في الأطراف الدولية المتصارعة»، ولفت إلى أن «أي تقارب بين القوى المسيطرة على الأرض عسكرياً، ربما تعمل الأمم المتحدة على شرعنته من خلال الحوار المهيكل الدائر راهناً».

ولم يؤكد أي من طرفي الاجتماع في باريس النبأ أو ينفه، لكن وسائل إعلام محلية تناقلته، بينما ذكر موقع «أفريكا إنتليجنس» أن بول سوليه، المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون إلى ليبيا، عمل على التنسيق مع مسعد بولس، مستشار ترمب، لبحث الوضع في ليبيا.

إبراهيم الدبيبة (يسار) في لقاء مع القائم بالأعمال الأميركي جيريمي برنت في سبتمبر 2025 (السفارة الأميركية)

وتروج أحاديث في الأوساط السياسية الليبية بشأن تطرق مباحثات صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة إلى «توحيد الحكومتين المتنازعتين على السلطة»، لكن مصدراً آخر مقرباً تحدث عن «صعوبة التوصل إلى ذلك؛ لكون كل طرف يريد فرض رؤية جبهته».

وهذا هو اللقاء الثاني غير المعلن بينهما، إذ سبق أن اجتمع صدام حفتر وإبراهيم الدبيبة للمرة الأولى وجهاً لوجه في روما في سبتمبر (أيلول) 2025، بحضور بولس. وكان الاجتماع - الذي أُعلن عنه فيما بعد - قد تطرق إلى مناقشة دعوة الأمم المتحدة إلى تشكيل «حكومة جديدة موحدة»، تكون قادرة على إعادة الاستقرار إلى البلاد.

ويرى أستاذ القانون الليبي رمضان التويجر أن «أي حوار بين الليبيين سيكون مرحباً به، خاصة إذا صب في مصلحة استقرار البلاد وتوحيدها»، وقال لـ«الشرق الأوسط» إن «أي طرف دولي يحاول أن يجمع بين الليبيين ويدعوهم إلى توحيد صفوفهم، أمر إيجابي، خاصة إذا انطلق من نقطة إنهاء الانقسام».

ومنذ بداية الأزمة الليبية بدأت «اجتماعات سرية» احتضنتها عواصم دولية وإقليمية عديدة، خاصة اجتماعات بين قيادات تشكيلات مسلحة، ثم سياسيين وعسكريين نظاميين. وفي مطلع ديسمبر (كانون الأول) 2015 جرت مفاوضات سرية على مدى يومين في تونس بين ممثلين عن مجلس النواب والمؤتمر الوطني العام (البرلمان) السابق و(المنتهية ولايته)، كشفت عنها مصادر نيابية حينها، واستهدفت بحث استكمال المحادثات المباشرة بين طرفي الصراع على السلطة في ليبيا. وقد المغرب محطة مهمة في عقد «لقاءات سرية» بين الأفرقاء السياسيين، لا سيما في مرحلة ما قبل توقيع الاتفاق السياسي الذي تم في نهاية عام 2015.

وكان الليبيون قد فوجئوا بصورة تجمع صدام حفتر، ووزير داخلية حكومة «الوحدة» المؤقتة عماد الطرابلسي في معرض «ساها إكسبو 2024» بمدينة إسطنبول التركية، في أكتوبر (تشرين الأول) 2024.

عبد الحميد الدبيبة مستقبلاً مسعد بولس في طرابلس (أ.ب)

وبعيداً عن لقاءات الأفرقاء السياسيين، يظل «الاجتماع السري» بين وزيري خارجية إسرائيل وليبيا، إيلي كوهين ونجلاء المنقوش، في روما في أغسطس (آب) 2023 عالقاً في أذهان الليبيين، خاصة أن الإعلان عنه تسبب في إقالة الأخيرة من حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة، ومغادرتها البلاد.


سفينة فرنسية عملاقة في قناة السويس تنعش آمال عودة الملاحة لطبيعتها

القناة شهدت عبور سفينة حاويات فرنسية عملاقة الخميس (هيئة قناة السويس)
القناة شهدت عبور سفينة حاويات فرنسية عملاقة الخميس (هيئة قناة السويس)
TT

سفينة فرنسية عملاقة في قناة السويس تنعش آمال عودة الملاحة لطبيعتها

القناة شهدت عبور سفينة حاويات فرنسية عملاقة الخميس (هيئة قناة السويس)
القناة شهدت عبور سفينة حاويات فرنسية عملاقة الخميس (هيئة قناة السويس)

أنعش عبور سفينة حاويات فرنسية عملاقة في مجرى قناة السويس الآمال المصرية بعودة حركة الملاحة في الممر الملاحي الحيوي إلى طبيعتها بعد تأثرها بالهجمات الحوثية في البحر الأحمر وباب المندب.

وعدَّ رئيس هيئة قناة السويس الفريق أسامة ربيع أن عودة أكبر وأحدث سفن الحاويات في العالم للعبور من قناة السويس «تعكس الثقة في جاهزية ومكانة القناة بعدّها المسار الأفضل والمستدام لحركة التجارة العالمية المارة بين الشرق والغرب».

وأضاف في إفادة، الخميس: «حركة الملاحة بالقناة شهدت عبور سفينة الحاويات العملاقة CMA CGM SEINE، إحدى أكبر سفن الحاويات في العالم، خلال رحلتها البحرية الأولى عبر القناة ضمن قافلة الشمال قادمة من المغرب ومتجهة إلى ماليزيا».

وأصدر رئيس هيئة القناة توجيهاته باتخاذ جميع التدابير والإجراءات اللازمة لضمان العبور الآمن للسفينة العملاقة من خلال تعيين مجموعة من كبار مرشدي الهيئة، وتوفير المساعدات الملاحية من القاطرات المصاحبة، علاوة على المتابعة اللحظية من مكتب الحركة الرئيسي ومحطات الإرشاد الموجودة على طول القناة.

هيئة قناة السويس خلال الترحيب بطاقم السفينة الفرنسية الخميس (هيئة قناة السويس)

وبحسب إفادة لهيئة قناة السويس، فإن السفينة تتبع الخط الملاحي الفرنسي CMA CGM ويبلغ طولها 399 متراً وعرضها 61.3 متر وغاطسها 40 قدماً، بحمولة كلية 250 ألف طن.

وتأثرت حركة المرور في قناة السويس نتيجة هجمات جماعة الحوثيين من اليمن على سفن الشحن في البحر الأحمر، بسبب حرب إسرائيل على غزة. ومع توقيع «اتفاق غزة» في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، انخفضت تلك الهجمات بنسبة كبيرة.

الاستقرار الجيوسياسي

ويرى مستشار النقل البحري وخبير اقتصاديات النقل، أحمد الشامي، أن تعافي الملاحة ظهر منذ يوليو (تموز) الماضي «على مستوى بسيط»؛ ثم زادت الحركة منذ أكتوبر.

وقال لـ«الشرق الأوسط» إنه في ديسمبر (كانون الأول) 2025 «بدأت حركة الحاويات تتحرك، وذكرنا حينها أن العودة ستكون تدريجية خاصة في سفن الحاويات»، متوقعاً أن يشهد فبراير (شباط) ومارس (آذار) تعافياً في حركة الملاحة بالقناة لا يقل عن 11 أو 12 في المائة مقارنة بالفترة نفسها خلال العام الماضي، وأن تزيد النسبة إلى 25 و30 في المائة من أبريل (نيسان) حتى نهاية يونيو (حزيران).

ويرجح الشامي أن تتجاوز الموارد 7.5 مليار دولار مع بداية يوليو (تموز) المقبل، مضيفاً: «من الممكن أن تزيد الموارد على العام المنقضي بأكثر من 50 في المائة مع استمرار الاستقرار السياسي والجيوسياسي في البحر الأحمر».

وبلغت خسائر قناة السويس خلال عامي 2024 و2025 نحو 12 مليار دولار بسبب تداعيات الحرب وتغيير العديد من الخطوط الملاحية لمسارها، وفق تصريحات رئيس الهيئة في ديسمبر الماضي.

وحققت القناة في 2023 إيرادات بلغت 10 مليارات و200 مليون دولار.

السفينة الفرنسية CMA CGM SEINE العملاقة خلال مرورها من قناة السويس (هيئة قناة السويس)

وحث الفريق ربيع في إفادته، الخميس، الخطوط الملاحية على «تعديل جداول إبحارها واستئناف رحلاتها من منطقة البحر الأحمر وباب المندب مروراً بقناة السويس»؛ مشيراً إلى أن «القناة عكفت خلال الفترة الماضية على الارتقاء بمستوى الخدمات البحرية والملاحية المُقدمة واستحداث خدمات جديدة لتلبية متطلبات العملاء وضمان أعلى معايير السلامة البحرية للسفن العملاقة والوحدات البحرية ذات الأبعاد الخاصة».

وأضاف أن المجموعة الفرنسية CMA CGM شهدت زيادة في معدلات عبور سفن الحاويات التابعة لها، التي تزيد حمولتها الصافية على 130 ألف طن لتصل إلى 15 سفينة منذ ديسمبر الماضي، وذلك من إجمالي 38 سفينة عبرت القناة منذ مايو (أيار) الماضي «مستفيدة من السياسات التسعيرية المرنة التي تنتهجها الهيئة».

«رسالة طمأنة»

أستاذ الاقتصاد والعميد الأسبق المؤسس لكلية النقل الدولي واللوجيستيات، محمد محمود، قال إن مرور السفينة الفرنسية يبعث «رسالة طمأنة للبعض»، متمنياً عودة سريعة للملاحة في القناة خصوصاً مع توقعات أن تصل العودة إلى 85 أو 95 في المائة نهاية العام الحالي.

ولفت في حديثه لـ«الشرق الأوسط» إلى أن القناة «لا تألو جهداً في عمل توسعات وتنويع أنشطتها»، مضيفاً: «هناك مؤشرات إيجابية بعد مرور السفينة الفرنسية». لكنه يرى أن عودة الملاحة لطبيعتها في القناة سوف تأخذ بعض الوقت.

ووفق تقديراته، فإن «الأمر لا يتعلق بقناة السويس؛ لكن بحجم المعروض من طاقات سفن الحاويات الذي يفوق المطلوب في السوق، ومن ثمّ فإن العودة عبر قناة السويس سوف تقلل أسعار الشحن (النولون)».

ويقول: «قناة السويس تبقى أفضل الطرق عندما يكون سعر برميل البترول أكثر من 70 دولاراً. وسعر البرميل أقل من 70 دولاراً الآن، ومن مصلحة الناقل أن يمر من الطريق الأطول (رأس الرجاء الصالح) ويوفر رسوم المرور ويوازن ما بين تكلفة الوقود وتكلفة الرسوم».

عبور الحوض العائم Green Dock3 بقناة السويس في ديسمبر 2025 (هيئة قناة السويس)

وبحسب الشامي، فإن «قناة السويس جاهزة لاستقبال كل أنواع الحاويات وحتى المُنتظر أن تظهر في الفترات الجديدة من بعد عام 2030 من ناحية الأعماق والأطوال والعرض».

ويلفت إلى أن «الحركة التي تكون مؤثرة بصورة إيجابية، هي سفن الحاويات العملاقة»؛ مؤكداً أن القناة «مستمرة في عملية الازدواج الكامل، الذي كان مقرراً الانتهاء منه في 2026 لكن تأخر بسبب التوترات في المنطقة. ومع انتهاء الازدواج في 2027 سيكون له أثر إيجابي في ازدياد الطاقة الاستيعابية لقناة السويس».

لكن الشامي أبدى تخوفه من «أي حرب ضد إيران بسبب تأثيرها على حركة ناقلات الوقود».

وقال محمود إن تدابير قناة السويس نجحت في استقطاب بعض السفن، ومن المتوقع أن يعود البعض الآخر خلال هذا العام، «لكن في ظل التوترات التي قد تحدث بين إيران والولايات المتحدة قد تكون ذريعة جيدة لبعض الشركات».


«أطباء بلا حدود»: الفاشر مدينة مُدمَّرة وخالية من السكان

مخيم «دالي» في بلدة طويلة التي فرَّ إليها عدد كبير من سكان مدينة الفاشر (برنامج الأغذية العالمي)
مخيم «دالي» في بلدة طويلة التي فرَّ إليها عدد كبير من سكان مدينة الفاشر (برنامج الأغذية العالمي)
TT

«أطباء بلا حدود»: الفاشر مدينة مُدمَّرة وخالية من السكان

مخيم «دالي» في بلدة طويلة التي فرَّ إليها عدد كبير من سكان مدينة الفاشر (برنامج الأغذية العالمي)
مخيم «دالي» في بلدة طويلة التي فرَّ إليها عدد كبير من سكان مدينة الفاشر (برنامج الأغذية العالمي)

وصفت منظمة «أطباء بلا حدود» مدينة الفاشر، أكبر مدن إقليم دارفور في غرب السودان، بـ«المدينة المُدمَّرة، والخالية من السكان»، موضحة أنها استطاعت الوصول إلى المدينة تحت رقابة أمنية مشددة.

وفي 26 أكتوبر (تشرين الأول) الماضي سيطرت «قوات الدعم السريع» على الفاشر بعد حصار دام أكثر من 18 شهراً، وترددت أنباء حينها بوقوع انتهاكات ومقتل مدنيين، بينهم مرضى داخل المستشفى الوحيد العامل في المدينة.

وقالت المنظمة في بيان، إن فريقاً من العاملين فيها زار مدينة الفاشر، وبقي هناك لمدة 4 ساعات في منتصف يناير (كانون الثاني) الحالي، وإن الزيارة تمت تحت إشراف دائم من المسؤولين الأمنيين.

وأوضحت «أطباء بلا حدود» أن الفريق شاهد مناطق مُدمَّرة وخالية إلى حد كبير من السكان الذين كانوا يعيشون في المدينة، وأبدت مخاوفها على السكان المتبقين، قائلة: «تتزايد مخاوفنا الآن من أن غالبية المدنيين الذين كانوا لا يزالون على قيد الحياة عند سيطرة (قوات الدعم السريع) على المدينة، قُتلوا أو نزحوا».

وكشفت المنظمة عن الحصول على إذن للوصول إلى الفاشر؛ بهدف تقييم الوضع الراهن للمدنيين والمَرافق الصحية، بعد أن سيطرت «قوات الدعم السريع» على المدينة، نتيجة حصار طويل ارتكبت خلاله «فظائع»، حسب البيان. وأضاف البيان أن الفريق التابع للمنظمة سجل زيارة إلى موقعين للإيواء، معظم من يقيمون فيهما من النساء والأطفال وكبار السن، وأنه شاهد نحو 20 مريضاً يعانون إصابات قديمة في المَرافق الصحية المتبقية.

إحالة المرضى

نازحون من الفاشر في مخيم طويلة بشمال دارفور 17 ديسمبر الماضي (أ.ف.ب)

وتعهدت المنظمة بدعم إحالة المرضى المحتاجين إلى تدخلات جراحية، إلى مناطق مشاريع «أطباء بلا حدود» التي تتوفر فيها القدرات الجراحية. وتابعت: «على الرغم من أننا لم نتمكن من إجراء تقييم شامل ومستقل، فإننا لم نجد احتياجات طبية حادة فيما يبدو الآن وكأنها مدينة أشباح، بعدد قليل جداً من المدنيين بقوا فيها أو عادوا إليها، في تناقض صارخ مع ما كانت عليه المدينة من قبل».

ووصف البيان الزيارة بأنها: «كانت محدودة للغاية، ولم يمكننا سوى إلقاء نظرة سريعة على المدينة والوضع فيها. ومع ذلك، فإن هذه النظرة الخاطفة، تُعدّ تذكيراً قاتماً بالحجم الهائل للدمار الذي شهدته الفاشر».

وأشار البيان إلى أن ما شاهده فريق المنظمة، يتطابق مع الروايات التي نقلها لها المرضى الذين قامت بعلاجهم خلال الأشهر الماضية في بلدة طويلة التي تبعد عن الفاشر بنحو 60 كيلومتراً، ولجأ إليها الكثير من القارين من القتل والتعذيب والاختطاف، وغيرها من أعمال العنف في الفاشر.

والأسبوع الماضي، قالت المتحدثة باسم «يونيسف»، إيفا هيندز في تصريحات أعقبت مهمة استمرت 10 أيام في دارفور، إن منطقة طويلة في شمال إقليم دارفور أصبحت واحدة من أكبر تجمعات النازحين داخلياً في الإقليم.

وأوضحت هيندز أن التقديرات تشير إلى وجود أكثر من 500 ألف شخص في بلدة طويلة، بينما يستمر النزوح إليها، في ظل ظروف مزرية، قائلة: «تبدو أشبه بمدينة منها إلى مخيم، إنها بالتأكيد واحدة من أكبر مواقع النازحين التي رأيتها». وأضافت: «نحن موجودون على الأرض، ونقدم الدعم وسط احتياجات هائلة».