«الغالبية الرئاسية» تنتفض ضد وثائقي فرنسي استهدف رموز الجزائر

«حرب سرديات» إعلامية تسبق وساطة سيغولين رويال لكسر الجمود الدبلوماسي

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 (الرئاسة الجزائرية)
TT

«الغالبية الرئاسية» تنتفض ضد وثائقي فرنسي استهدف رموز الجزائر

الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 (الرئاسة الجزائرية)
الرئيسان الجزائري والفرنسي في قمة المناخ بشرم الشيخ 2022 (الرئاسة الجزائرية)

خلّف برنامج صحافي بثّته القناة الفرنسية العمومية «فرانس2»، وتناول قضايا خلافية مثيرة بين الجزائر وباريس، موجة سخط واسعة في أوساط «الغالبية الرئاسية» في الجزائر، كما تسبّب في «التشويش» على زيارة سياسية فرنسية مرموقة مرتقبة إلى الجزائر، تهدف إلى فتح قنوات تفاهم بين ضفتي المتوسط لإنهاء توترات مستمرة منذ عام ونصف عام.

وأكد حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، في بيان، السبت، أنه «تلقى ببالغ الاستغراب والاستياء ما بثّته قناة فرنسية عمومية ضمن برنامج قُدِّم على أنه تحقيق صحافي، بينما لا يعدو في جوهره ممارسة فجّة في التشويه السياسي، أُلبِست زوراً ثوب العمل الإعلامي لتبرير خطاب عدائي، عبر استضافة أسماء معروفة بعدائها للجزائر، وارتباطها بمسارات فقدت كل شرعية سياسية أو أخلاقية»، في إشارة إلى ظهور اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص في العمل الصحافي، وهو يشكل لوحده إحدى حلقات التوتر بين البلدين.

وفق البيان ذاته، فإن «تمرير أوصاف سوقية، عند تناول رمز من رموز الدولة الجزائرية على قناة فرنسية رسمية يُعدّ فضيحة إعلامية وأخلاقية غير مسبوقة، ويعبّر عن وقاحة تلك القناة ومن يقف وراءها، كما يمثّل انزلاقاً خطيراً يفضح أزمة معايير داخل إعلام فرنسي فاقد لثوب الشرف، يدّعي المهنية الصحافية، بينما يتغذّى على الاستفزاز والانزلاق الأخلاقي».

أفيش وثائقي «فرانس 2» الذي أثار جدلاً حاداً في الجزائر

وجاء ذلك في إشارة إلى ما اعتُبر تهجماً من بوخرص على الرئيس عبد المجيد تبون، خلال استجوابه بشأن حادثة اختطافه، واحتجازه في أبريل (نيسان) 2024 بضواحي باريس، وهي الحادثة التي نسبها الأمن الفرنسي إلى عناصر تابعين للمخابرات الجزائرية «متخفّين في ثوب دبلوماسيين». وقد وُجّهت التهمة إلى اثنين منهم، فيما أُودِع أحدهما السجن في أبريل الماضي. وفاقم سجنه من الأزمة التي اندلعت في صيف 2024 بين البلدين إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

استنكار «المؤامرة»

من جهتها، أفادت «حركة البناء الوطني»، في بيان، أن البرنامج الاستقصائي الفرنسي «افتقد إلى المهنية واللياقة والحياد، ولا يمكن فصله عن مخططات بعض الجهات الفرنسية والإقليمية، المعروفة بحقدها على الجزائر، والتي تسعى في كل مرة إلى الضغط على الدولة الجزائرية من خلال استهداف مؤسساتها، وتشويه أجهزتها ورموزها، وبث الشك والريبة في خياراتها السيادية».

ولفت البيان إلى أن توقيت العمل الصحافي «جاء في سياق أثبتت فيه الجزائر قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية، وفق منطق الدولة المستقلة التي لا تقبل الإملاءات، ولا تنخرط في مناورات الابتزاز مهما كان مصدرها».

وعرض البرنامج المثير للجدل تحقيقاً صحافياً بعنوان «شائعات وضربات خفية: الحرب السرية بين فرنسا والجزائر»، وهو عمل استقصائي خصص لمتابعة تطورات العلاقات الراهنة بين البلدين.

وركز التقرير على ما يصفه الصحافيون بـ«حرب سرية» تقوم على السرديات المتضاربة، والتأثير المتبادل بين باريس والجزائر، في ظل توتر دبلوماسي يوصف بأنه الأخطر منذ استقلال الجزائر (1962). ويتناول تصاعد الشائعات وتبادل الاتهامات، وحملات التأثير الإعلامي والسياسي التي تتقاطع على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.

واعتمد التحقيق على شهادات متعددة، من بينها شهادات منتخبين فرنسيين من أصول جزائرية، تحدثوا عن «ضغوط» يُفترض أنها مورست عليهم من قبل جهاز الأمن الجزائري للتأثير في مواقفهم، أو في تواصلهم السياسي، أو من أجل الترويج لما سُمّي «تعزيز الهوية الجزائرية». ويذكر أيضاً أن مهندساً فرنسياً جزائرياً جرى تجنيده لمراقبة أو نقل معلومات حول معارضين جزائريين مقيمين في فرنسا.

ووفقاً للطرح الذي يقدّمه البرنامج، يسعى التقرير إلى تفكيك آليات ما يوصف بالتأثير أو التجسس السياسي، اعتماداً على مزيج من الأدلة والوثائق الداخلية والمقابلات الصحافية، وذلك في محاولة لفهم الديناميات التي تحكم الأزمة القائمة بين البلدين.

وقبل بثه بساعات، هاجمت «وكالة الأنباء الجزائرية» البرنامج، عادّة أنه «يفتقر إلى التوازن»، ورأت أنه «يقدم الجزائر بصورة عدائية أو منحازة، بل قريبة من أطروحات اليمين الفرنسي المتطرف»، معتبرة أن المعالجة «يعوزها الحياد والدقة المهنية».

ويوجد إجماع في الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر بأن التفاعلات الحزبية والإعلامية مع الوثائقي الفرنسي لم تكن معزولة عن السياق السياسي العام، بل عكست، بشكل أو بآخر، حسبهم، موقف السلطات السياسية منه.

الخارجية الجزائرية تستدعي القائم بأعمال سفارة فرنسا للاحتجاج

ردّاً على هذه التطورات، أعلنت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، اليوم (السبت)، أنها استدعت القائم بأعمال سفارة فرنسا لدى الجزائر على خلفية بث القناة العمومية «فرانس 2» البرنامج الذي وُصف بأنه «مليء بالأكاذيب والافتراءات والإساءات بحق الدولة الجزائرية ومؤسساتها»، وفق بيان للوزارة.

وأكدت السلطات الجزائرية «خطورة تورّط قناة خدمة عمومية فرنسية في هذا العمل»، معتبرة ذلك «مؤشراً على تواطؤ أو موافقة رسمية»، كما انتقدت مشاركة السفارة والسفير شخصياً في الوثائقي، ما اعتبرته «حملة عدائية غير مسبوقة، تمثل تصعيداً في الممارسات المعادية للجزائر».

وفي هذا السياق، أدانت الحكومة الجزائرية البرنامج بشدة، وعبّرت عن رفضها القاطع «لأي تصرفات تتنافى مع الأعراف الدبلوماسية»، مؤكدة احتفاظها «بحق اتخاذ الإجراءات المناسبة» رداً على هذه التطورات.

«دبلوماسية موازية» لتجاوز القطيعة

سبق هذا المناخ المليء بالتوتر والتصعيد، تنقل سيغولين رويال، رئيسة جمعية «فرنسا - الجزائر»، إلى الجزائر في 26 من يناير (كانون الثاني) الحالي، في مهمةٍ اقتصادية في ظاهرها، لكن هدفها الأساسي أداءُ «وساطة مدنية» تمزج بين الملفات الاقتصادية والقضايا الرمزية الشائكة، في مسعى لكسر الجمود الدبلوماسي الرسمي.

وعلى الرغم من الطابع التجاري المعلن للزيارة، فإن ثقلها الحقيقي يكمن في «ملف الذاكرة»؛ حيث تتبنى الوزيرة السابقة ومرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية لعام 2007، خطاباً جريئاً يدعو صراحة إلى «الاعتراف بجرائم الاستعمار والاعتذار عنها»، بوصفه شرطاً أساسياً لتطبيع العلاقات.

ومن المرتقب أن تشمل محادثاتها قضايا حساسة، مثل معالجة آثار التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (1961 - 1967)، واسترجاع مدفع «بابا مرزوق»؛ وهو سلاح برونزي جزائري ضخم يعود إلى عام 1542، نقل إلى مدينة بريست بفرنسا عام 1830 عقب الاحتلال.


مقالات ذات صلة

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

شمال افريقيا الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا من جلسة التصديق على تعديل قانون الانتخابات في الغرفة البرلمانية السفلى (البرلمان)

الجزائر تغلق منافذ السياسة في وجه «المال المشبوه»

بدأ أعضاء «مجلس الأمة» الجزائري (الغرفة العليا للبرلمان)، الخميس، مناقشة مشروع تعديل قانون الانتخابات، في خطوة تسبق استدعاء «الهيئة الناخبة».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا توقيع اتفاقين بين الجزائر وبلجيكا أحدهما يخص ترحيل المهاجرين السريين (وزارة الخارجية الجزائرية)

الجزائر وبروكسل تطويان عقدين من التعثر باتفاقية «تاريخية»

شهدت العلاقات الجزائرية-البلجيكية تحولاً استراتيجياً بارزاً بتوقيع اتفاقيتين جديدتين في بروكسل، يتصدرهما اتفاق مهم لإعادة قبول المهاجرين في وضعية غير قانونية.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
رياضة عربية التعادل السلبي خيّم على مواجهة المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني (أ.ب)

«ملحق المونديال»: التعادل السلبي يخيم على مواجهة الجزائر وأوروغواي

خيّم التعادل السلبي على المواجهة الودية القوية التي جمعت بين المنتخب الجزائري ونظيره الأوروغوياني مساء الثلاثاء في تورينو.

«الشرق الأوسط» (تورينو)
شمال افريقيا الرئيسان الجزائري والفرنسي قبل تفاقم التوترات بين البلدين (الرئاسة الجزائرية)

بعد عام من التعليق... الجزائر تستأنف استقبال المبعدين من فرنسا

شرعت الجزائر وباريس في فك عقدة أحد أبرز الملفات الخلافية العالقة منذ عام ونصف، وذلك رغم ظهور بوادر تصعيد جديدة مرتبطة بـ«قضية اليوتيوبر المعارض أمير دي زد».

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
TT

«إرهاب الدولة»... سابقة قضائية فرنسية تهدّد بنسف مسار التهدئة مع الجزائر

الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)
الرئيس الجزائري مستقبلاً نظيره الفرنسي قبل توتر العلاقات بين البلدين (أ.ف.ب)

دخلت العلاقات الجزائرية - الفرنسية، المتوترة أصلاً، فصلاً جديداً من التأزيم والتصعيد، أمس (الجمعة)؛ بسبب تصريح إعلامي مثير لوكيل النيابة لدى «القطب الوطني لمكافحة الإرهاب» في فرنسا، أوليفييه كريستن، في وقت أعلن فيه وزير الداخلية الفرنسي لوران نونيز بأنَّ البلدين استأنفا التعاون الأمني، والتنسيق بشأن استقبال المهاجرين الجزائريين غير النظاميين، الذين صدرت بحقهم أوامر إدارية بالترحيل.

مسؤول القطب القضائي المتخصص في الإرهاب بفرنسا (إعلام فرنسي)

أشار أوليفييه كريستن في مقابلة مع إذاعة «فرانس أنفو» إلى تحقيقات جارية، تتعلق بما وصفه بـ«إرهاب الدولة»، وخصّ بالذكر الجزائر وروسيا وإيران؛ مشيراً إلى أن هناك 8 قضايا تتعلق بـ«إرهاب الدولة» مفتوحة حالياً لدى النيابة الوطنية لمكافحة الإرهاب، وتستهدف خصوصاً البلدان الـ3.

وأجاب المسؤول القضائي الفرنسي على قضايا مطروحة بحدة في فرنسا، بينما وجهت النيابة الاتهام إلى 4 أشخاص، يُشتبه في تورطهم في مشروع هجوم استهدف المقر الباريسي لـ«بنك أوف أميركا».

وقال كريستن: «فيما يتعلق بإرهاب الدولة الإيراني، لدينا 3 قضايا قيد المعالجة حالياً»، مضيفاً أن هناك «5 قضايا أخرى ترتبط أساساً بروسيا والجزائر». وأضاف أن التحقيقات الجارية «تندرج ضمن المنطق نفسه»، موضحاً أن «هذه الدول الأجنبية لا تقوم بالضرورة بتنفيذ عمليات مباشرة ضد السكان الفرنسيين، بل تستهدف بشكل أكبر معارضيها الموجودين على الأراضي الفرنسية. أما الحالة الوحيدة التي تستهدف بشكل أوضح السكان الفرنسيين فهي إيران، حيث تستهدف جزءاً من الجالية الفرنسية، التي تمثل بالنسبة لها أعداءها، خصوصاً الجالية اليهودية».

وزير الداخلية الفرنسي مع نظيره الجزائري خلال زيارته الجزائر في شهر فبراير الماضي (الداخلية الجزائرية)

وتُعدُّ الاتهامات المُوجَّهة ضد الجزائر ثقيلة، ومن شأنها أن تقوِّض أي مساعٍ للتهدئة، وتصبّ الزيت على النار في الخلافات التاريخية والسياسية المشتعلة، بحسب مراقبين جزائريين، رأوا أن إقحام مصطلح «إرهاب الدولة» في سياق الحديث عن الجزائر يُمثّل سابقةً قضائيةً وإعلاميةً قد تدفع بالعلاقات نحو نقطة اللاعودة.

توجه إلى نقطة اللاعودة

لم يذكر مسؤول النيابة الفرنسية المتخصصة في مكافحة الإرهاب هوية «المعارضين» الجزائريين في فرنسا، الذين يُفترَض أنهم مستهدفون من طرف سلطات بلدهم، غير أنه، قياساً على الجدل المتفجر منذ عام، يرجح أن يتعلق الأمر باليوتيوبر المعارض أمير بوخرص، الذي يُشكِّل بمفرده «أزمة داخل الأزمة» في العلاقات الفرنسية - الجزائرية.

اليوتيوبر المعارض أمير بوخرص (حسابه الخاص بالإعلام الاجتماعي)

ففي أبريل (نيسان) 2025، وجَّه الادعاء الفرنسي تهمة «الإرهاب» لموظف قنصلي جزائري في باريس، تتعلق بخطف واحتجاز بوخرص، الشهير بـ«أمير دي زاد» في أبريل 2024. وأمر بسجنه على ذمة التحقيق. وجدَّد قاضي التحقيق بمحكمة باريس، الأسبوع الماضي، حبسه لسنة أخرى، الأمر الذي أثار حفيظة الجزائر، التي هدَّدت رسمياً بنسف كل خطوات التقارب، التي تمت بين البلدين في المدة الأخيرة، خصوصاً ما تعلَّق برفع التجميد عن التنسيق الأمني بشأن الإرهاب بالساحل، كما هدَّدت بتراجعها عن قرار رفض استقبال رعاياها المعنيين بالطرد من فرنسا.

واللافت أنه في مقابل هذا التصعيد الفرنسي الجديد، يخيِّم صمت رسمي مطبق من الجانب الجزائري، بعد مرور 24 ساعة من تصريحات مسؤول الجهات القضائية المختصة بالقطب الوطني لمكافحة الإرهاب في فرنسا.

وفي ظلِّ غياب أي رد فعل فوري، يرى مراقبون أن سكوت سلطات الجزائر قد يكون الهدوء الذي يسبق العاصفة، خصوصاً في ظلِّ تراكم الملفات العالقة، وغياب مؤشرات حقيقية تعكس رغبة مشتركة في احتواء الأزمات المتتالية.

وبحسب علي بوخلاف، الصحافي الجزائري المتابع بدقة لتطور الخلافات بين باريس ومستعمرتها القديمة، فإنَّه «لن تؤدي هذه التصريحات الخاصة بإرهاب الدولة إلا إلى تأزيم العلاقات بين البلدين، لا سيما أنَّ هذه التصريحات تحمل أبعاداً خطيرة». في حين قال عدلان مدَي، مراسل مجلة «لوبوان» الفرنسية بالجزائر، إن المسؤولين في فرنسا «اختاروا معسكر أمير دي زد، وعليهم الآن تحمُّل تبعات قرارهم».

بدوره، كتب الموقع الإخباري الجزائري «إنترلينيي» بهذا الخصوص: «في كل محاولة لتدفئة العلاقات بين الجزائر وباريس، تظهر حبّة رمل تعرقل سير الآلة. والمثير للانتباه أن هذه الحبّة تأتي دائماً من الجهة نفسها»، مشيراً إلى أنَّ تصريحات أوليفييه كريستن حول تحقيقات بشأن إرهاب الدولة، تشمل خصوصاً الجزائر، «لن تسهم في تهدئة الوضع».

تهدئة رسمية مقابل تصعيد إعلامي

الموقع الإخباري «الجزائر 54» المؤيد لسياسات الحكومة، أوضح من جهته أن إقحام اسم الجزائر في سياق جيوسياسي مطبوع بحرب تشنها إسرائيل وحليفها الأميركي، «يندرج ضمن العداء الصريح الذي تضمره الدولة العميقة في فرنسا تجاه الجزائر، وهذه الحلقة الجديدة من الاستهداف تعيدنا إلى حملات العداء التي شهدتها سنوات العشرية السوداء، والتي قادتها الدولة العميقة الفرنسية، وأذناب الحنين إلى الحقبة الاستعمارية ضد الشعب الجزائري ومؤسساته».

الصحافي الفرنسي المسجون كريستوف غليز (مراسلون بلا حدود)

وأضاف الموضع ذاته قائلاً: «يجسد هذا التجاوز الفاضح لأوليفييه كريستن الوجه الحقيقي لنظام فرنسي يعيش حالة من الاحتضار، ويسقط ضحية لنموذجه الاستعماري الجديد تجاه الجزائر وشعبها. ويأتي هذا في وقت تسارع فيه دول أوروبية أخرى، على غرار بلجيكا، وسويسرا والبرتغال وإسبانيا، وإيطاليا، الخطى نحو تعزيز وتمتين علاقاتها مع الجزائر، التي باتت تُعدّر، أكثر من أي وقت مضى، فاعلاً وشريكاً موثوقاً لا يمكن الاستغناء عنه»، في إشارة إلى طلب أوروبي متزايد على الغاز الجزائري، في سياق تداعيات الحرب الجارية في الشرق الأوسط.

ومن المفارقات، أن هذا الفصل الجديد من التوتر جاء في اليوم نفسه، الذي أكد فيه وزير الداخلية، لوران نونيز، أن زيارته إلى الجزائر، التي تمت في فبراير (شباط) الماضي، بدأت تعطي نتائج إيجابية، مؤكداً في مداخلة عبر قناة «بي أف تي في» الفرنسية أن العلاقات مع الجزائر «دخلت مرحلة الاستئناف التدريجي»، وذلك بعد أزمة دبلوماسية حادة تجاوزت مدتها 18 شهراً، اندلعت إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.

وتناول المسؤول الفرنسي في حديثه عودة التنسيق الفعلي ضمن 3 محاور استراتيجية تُشكِّل العمود الفقري للتعاون الثنائي، وهي: الأمن، والقضاء، ومكافحة الهجرة غير النظامية. وفي تصريح مباشر يعكس هذا التوجه، أكد نونييز قائلاً: «إن التعاونَين الشرطي والقضائي، وكذا التنسيق في ملف الهجرة مع الجزائر بدأت تشق طريقها من جديد».

الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وفي مقابل هذا الانفتاح، تجنَّب نونيز الخوض في تفاصيل الملفات السياسية ذات الحساسية العالية، على غرار قضية الصحافي الفرنسي كريستوف غليز، المسجون في الجزائر بتهمة «تمجيد الإرهاب»، عادّاً أنَّها «ملفات سيادية، تقع ضمن الاختصاص الحصري لوزارة الشؤون الخارجية».


الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
TT

الرئيس الموريتاني يحسم الجدل: لا أرغب في ولاية ثالثة

الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)
الرئيس محمد ولد الشيخ الغزواني قرر التنازل عن 100 ألف أوقية من راتبه (2500 دولار تقريباً) في سياق ترشيد النفقات (الرئاسة)

حسم الرئيس الموريتاني، محمد ولد الشيخ الغزواني، الجدل الذي أثير حول ترشحة لولاية ثالثة بتأكيده أنه لا يرغب في الترشح للرئاسيات المقبلة، موضحاً أنه لم يأمر أحداً بالعمل على تعديل الدستور من أجل ذلك.

كما رفض أي تدخل في جلسات الحوارالمرتقب، مؤكداً أنه لن يأمر بحذف أي نقطة يريد طرفٌ ما طرحها للنقاش.

وجاء تأكيد الرئيس خلال اجتماع عقده، مساء الخميس، مع وفد من مؤسسة المعارضة الديمقراطية، ورداً على طلب الأغلبية الرئاسية الحاكمة في وقت سابق إدراج نقطة المأموريات الرئاسية ضمن أجندة الحوار المرتقب، وهو ما رفضته المعارضة بشدة.


مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
TT

مصر: تراجع الملاحة يوجه دفّة الاهتمامات لـ«اقتصادية قناة السويس»

عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)
عبد العاطي أكد خلال لقاء لافروف الجمعة أهمية العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس (الخارجية المصرية)

في ظل تراجع الملاحة بقناة السويس بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، توجه مصر دفّة الاهتمامات نحو المنطقة الاقتصادية للقناة، وسط تطلع مصري إلى تسريع المشروعات الصناعية الروسية.

وتمتد المنطقة الاقتصادية لقناة السويس على مساحة 455 كيلومتراً، وتضم 4 مناطق صناعية (شرق بورسعيد، والسخنة، وغرب القنطرة، وشرق الإسماعيلية)، بالإضافة إلى 6 موانئ (شرق بورسعيد، وغرب بورسعيد، والسخنة، والطور، والأدبية، والعريش).

وتكثّف الحكومة المصرية من جهودها لتعظيم الاستفادة من المنطقة الاقتصادية للقناة، وتحدّث وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي، خلال لقاءات عدة مع مسؤولين بروسيا، في أثناء زيارته الحالية إلى موسكو، عن «المنطقة الاقتصادية».

وأكد عبد العاطي، خلال لقائه نظيره الروسي، سيرغي لافروف، الجمعة، «أهمية الإسراع في تفعيل العمل على المنطقة الصناعية الروسية في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، فضلاً عن جذب الاستثمارات الروسية، خصوصاً في القطاعات ذات الأولوية مثل الصناعات الدوائية، والكيماوية، والسيارات، والبتروكيماويات».

كما أشار إلى أهمية «العمل على زيادة حجم الاستثمارات في مصر، بحيث تمتد لتشمل مختلف المناطق الحرة، بما يحقق المنفعة المشتركة، ويعزّز استفادة المستثمرين الروس من الحوافز الاستثمارية التي توفرها الدولة المصرية».

وأعرب عبد العاطي، أيضاً خلال لقاء، الجمعة، مع ممثلي كبرى الشركات الروسية التي ستشارك في مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، عن التطلّع إلى «جذب مزيد من الاستثمارات الروسية في ظل المناخ الجاذب للاستثمارات والحوافز والتسهيلات التي تمنحها الحكومة المصرية للتيسير على المستثمرين الأجانب».

وزير الخارجية المصري يتحدث عن قناة السويس خلال لقاء ممثلي كبرى الشركات الروسية الجمعة (الخارجية المصرية)

ووفق إفادة لوزارة الخارجية المصرية، تناول اللقاء مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، بوصفه محطة إضافية بارزة في مسار التعاون الثنائي، حيث تم التأكيد على «أهمية بدء العمل في هذه المنطقة الصناعية الروسية في أسرع وقت ممكن».

وحسب مراقبين فإن «مصر تزيد الاهتمام بالمنطقة الاقتصادية للقناة الآن، بسبب تراجع حركة المرور في قناة السويس نتيجة تصاعد الحرب الإيرانية». وأكد المراقبون أن «القاهرة تسعى لمزيد من الشراكات المستقبلية من أجل تعزيز الاستثمارات في المنطقة الاقتصادية للقناة».

مستشار النقل البحري، خبير اقتصادات النقل، أحمد الشامي، أشار إلى «تعديل في السياسة الاقتصادية للدولة المصرية، ليس فقط بسبب تداعيات حرب إيران، وإنما منذ حرب غزة». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن الدولة المصرية تتبنّى تعديل الرؤية الاقتصادية على أساس محورَين؛ «التنمية المستدامة» و«كيفية مقاومة الأزمات»، وكذلك المحور الآخر الذي يهم قناة السويس «عبر استغلال الموقع الجغرافي المتميز باعتبار أن مصر وجودها في الشمال الشرقي الأفريقي تعدّ تقريباً في مركز وقلب التجارة العالمية».

ويرى الشامي أن «تعديل الرؤية المصرية بهدف الاستمرار على مبدأ الاستدامة وإضافة كيفية مواجهة الأزمات، نتيجة أن الدولة منذ 2020 حتى الآن دخلت في أزمات لا علاقة لها بها؛ بدءاً من (جائحة كورونا) ثم الحرب الروسية-الأوكرانية، ثم الحرب في غزة، وحالياً تداعيات الحرب الإيرانية».

ويضيف أن «الدولة المصرية تسعى الآن لشراكات وتعاون استراتيجي مع (أهم اللاعبين) في المناطق الاقتصادية الكبرى كافّة، ومن بينهم روسيا، وذلك عبر مشروعات وامتيازات وتوجيه الاهتمام العالمي أكثر نحو الاستثمار في المنطقة الاقتصادية لقناة السويس».

إحدى السفن خلال مرورها في قناة السويس فبراير الماضي (هيئة القناة)

وحقّقت الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس أعلى إيرادات في تاريخها خلال العام المالي 2023-2024 بلغت 8.25 مليار جنيه، بزيادة 36 في المائة عن العام المالي السابق عليه، ووافقت الهيئة نهائياً على 98 مشروعاً بإجمالي استثمارات 2.23 مليار دولار، وفقاً لإحصاءات صادرة عنها بنهاية 2024.

ووفق الشامي فإن «قناة السويس من أهم المسارات الملاحية التي تربط بين قارات آسيا وأفريقيا وأوروبا، مما يجعل هناك تركيزاً متزايداً على المحورَين؛ الجنوبي (منطقة السخنة)، والشمالي (منطقة شرق وغرب بورسعيد)».

أيضاً المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء وزير الخارجية المصري، الجمعة، رئيس مجلس الدوما الروسي، فياتشيسلاف فولودين، حيث أعرب عبد العاطي عن التطلّع إلى مواصلة العمل معاً لتعزيز التعاون الاقتصادي والتجاري والاستثماري بين البلدَين، من خلال الإسراع في تنفيذ مشروع المنطقة الصناعية الروسية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس.

ويرى المراقبون أن «الحكومة المصرية اتخذت إجراءات مهمة خلال الفترة الماضية لتطوير المنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وجذبت استثمارات جيدة على مستوى الصناعة واللوجيستيات».

رئيس الوزراء المصري في أثناء افتتاح أحد المشروعات الصناعية بالمنطقة الاقتصادية لقناة السويس خلال سبتمبر الماضي (مجلس الوزراء)

ووقّعت شركة «موانئ مصر البحرية» والهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، الشهر الماضي، عقد ترخيص لمزاولة أنشطة الشحن والتفريغ وتداول وتخزين البضائع العامة وبضائع الصب الجاف والنظيف، بما يتيح التشغيل الفوري وتعظيم الاستفادة من البنية التحتية الحالية لميناء السخنة. وكذلك وقّعت مذكرة «تفاهم لإجراء الدراسات اللازمة، بشأن إنشاء وتشغيل وصيانة وتطوير محطة صب جاف ونظيف وبضائع عامة في ميناء السخنة».

وقال وزير النقل المصري، كامل الوزير، حينها، إن «بلاده تستهدف تحويل (ميناء السخنة) إلى ميناء محوري، يضاهي أحدث الموانئ العالمية، بما يخدم حركة التجارة الإقليمية والدولية، ويُسهم في زيادة حصة مصر بالسوق العالمية لتجارة الترانزيت».

بينما أكد رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، وليد جمال الدين، «مساعي الهيئة من أجل جذب استثمارات نوعية تُسهم في تنويع الأنشطة داخل ميناء السخنة، وتلبية احتياجات حركة التجارة المتنامية». وأشار، حينها، إلى أن «الهيئة تعمل على تطوير محطات قادرة على التعامل مع مختلف أنواع البضائع، بما يحقق المرونة التشغيلية، ويعزّز تنافسية الميناء على المستويين الإقليمي والدولي».

المنطقة الاقتصادية لقناة السويس كانت محوراً مهماً خلال لقاء عبد العاطي ورئيس «الدوما الروسي» (الخارجية المصرية)

وفي سبتمبر (أيلول) الماضي، قال رئيس الوزراء المصري، مصطفى مدبولي، خلال افتتاح عدد من المشروعات في «القنطرة غرب»، إنه «من المخطط أن تستوعب منطقة (القنطرة غرب) 300 مصنع، بما يوفّر أكثر من 500 ألف فرصة عمل، مما يجعل المنطقة قادرة على التصدير بما يعادل 25 مليار دولار».

وأكد الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي، في أكثر من مناسبة، خلال مارس (آذار) الماضي، أن «بلاده تكبّدت خسائر تقارب 10 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس، بسبب الحرب في غزة، بالإضافة إلى آثار أخرى مباشرة وغير مباشرة».

وسجّلت إيرادات قناة السويس في عام 2024 تراجعاً حاداً بنسبة 61 في المائة، لتحقق 3.9 مليار دولار، مقارنة بنحو 10.2 مليار دولار عام 2023.

في غضون ذلك، أصدر السيسي قراراً جمهورياً، الجمعة، بشأن تجديد تعيين عدد من نواب رئيس الهيئة العامة للمنطقة الاقتصادية لقناة السويس، إلى جانب تعيين نائب جديد للمنطقة الشمالية، وذلك لمدة عام.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended