خلّف برنامج صحافي بثّته القناة الفرنسية العمومية «فرانس2»، وتناول قضايا خلافية مثيرة بين الجزائر وباريس، موجة سخط واسعة في أوساط «الغالبية الرئاسية» في الجزائر، كما تسبّب في «التشويش» على زيارة سياسية فرنسية مرموقة مرتقبة إلى الجزائر، تهدف إلى فتح قنوات تفاهم بين ضفتي المتوسط لإنهاء توترات مستمرة منذ عام ونصف عام.
وأكد حزب «التجمع الوطني الديمقراطي»، في بيان، السبت، أنه «تلقى ببالغ الاستغراب والاستياء ما بثّته قناة فرنسية عمومية ضمن برنامج قُدِّم على أنه تحقيق صحافي، بينما لا يعدو في جوهره ممارسة فجّة في التشويه السياسي، أُلبِست زوراً ثوب العمل الإعلامي لتبرير خطاب عدائي، عبر استضافة أسماء معروفة بعدائها للجزائر، وارتباطها بمسارات فقدت كل شرعية سياسية أو أخلاقية»، في إشارة إلى ظهور اليوتيوبر الجزائري المعارض أمير بوخرص في العمل الصحافي، وهو يشكل لوحده إحدى حلقات التوتر بين البلدين.
وفق البيان ذاته، فإن «تمرير أوصاف سوقية، عند تناول رمز من رموز الدولة الجزائرية على قناة فرنسية رسمية يُعدّ فضيحة إعلامية وأخلاقية غير مسبوقة، ويعبّر عن وقاحة تلك القناة ومن يقف وراءها، كما يمثّل انزلاقاً خطيراً يفضح أزمة معايير داخل إعلام فرنسي فاقد لثوب الشرف، يدّعي المهنية الصحافية، بينما يتغذّى على الاستفزاز والانزلاق الأخلاقي».

وجاء ذلك في إشارة إلى ما اعتُبر تهجماً من بوخرص على الرئيس عبد المجيد تبون، خلال استجوابه بشأن حادثة اختطافه، واحتجازه في أبريل (نيسان) 2024 بضواحي باريس، وهي الحادثة التي نسبها الأمن الفرنسي إلى عناصر تابعين للمخابرات الجزائرية «متخفّين في ثوب دبلوماسيين». وقد وُجّهت التهمة إلى اثنين منهم، فيما أُودِع أحدهما السجن في أبريل الماضي. وفاقم سجنه من الأزمة التي اندلعت في صيف 2024 بين البلدين إثر إعلان «الإليزيه» اعترافه بسيادة المغرب على الصحراء.
استنكار «المؤامرة»
من جهتها، أفادت «حركة البناء الوطني»، في بيان، أن البرنامج الاستقصائي الفرنسي «افتقد إلى المهنية واللياقة والحياد، ولا يمكن فصله عن مخططات بعض الجهات الفرنسية والإقليمية، المعروفة بحقدها على الجزائر، والتي تسعى في كل مرة إلى الضغط على الدولة الجزائرية من خلال استهداف مؤسساتها، وتشويه أجهزتها ورموزها، وبث الشك والريبة في خياراتها السيادية».
ولفت البيان إلى أن توقيت العمل الصحافي «جاء في سياق أثبتت فيه الجزائر قدرتها على إدارة شؤونها الداخلية والخارجية، وفق منطق الدولة المستقلة التي لا تقبل الإملاءات، ولا تنخرط في مناورات الابتزاز مهما كان مصدرها».
وعرض البرنامج المثير للجدل تحقيقاً صحافياً بعنوان «شائعات وضربات خفية: الحرب السرية بين فرنسا والجزائر»، وهو عمل استقصائي خصص لمتابعة تطورات العلاقات الراهنة بين البلدين.
وركز التقرير على ما يصفه الصحافيون بـ«حرب سرية» تقوم على السرديات المتضاربة، والتأثير المتبادل بين باريس والجزائر، في ظل توتر دبلوماسي يوصف بأنه الأخطر منذ استقلال الجزائر (1962). ويتناول تصاعد الشائعات وتبادل الاتهامات، وحملات التأثير الإعلامي والسياسي التي تتقاطع على ضفتي البحر الأبيض المتوسط.
واعتمد التحقيق على شهادات متعددة، من بينها شهادات منتخبين فرنسيين من أصول جزائرية، تحدثوا عن «ضغوط» يُفترض أنها مورست عليهم من قبل جهاز الأمن الجزائري للتأثير في مواقفهم، أو في تواصلهم السياسي، أو من أجل الترويج لما سُمّي «تعزيز الهوية الجزائرية». ويذكر أيضاً أن مهندساً فرنسياً جزائرياً جرى تجنيده لمراقبة أو نقل معلومات حول معارضين جزائريين مقيمين في فرنسا.
ووفقاً للطرح الذي يقدّمه البرنامج، يسعى التقرير إلى تفكيك آليات ما يوصف بالتأثير أو التجسس السياسي، اعتماداً على مزيج من الأدلة والوثائق الداخلية والمقابلات الصحافية، وذلك في محاولة لفهم الديناميات التي تحكم الأزمة القائمة بين البلدين.
وقبل بثه بساعات، هاجمت «وكالة الأنباء الجزائرية» البرنامج، عادّة أنه «يفتقر إلى التوازن»، ورأت أنه «يقدم الجزائر بصورة عدائية أو منحازة، بل قريبة من أطروحات اليمين الفرنسي المتطرف»، معتبرة أن المعالجة «يعوزها الحياد والدقة المهنية».
ويوجد إجماع في الأوساط السياسية والإعلامية في الجزائر بأن التفاعلات الحزبية والإعلامية مع الوثائقي الفرنسي لم تكن معزولة عن السياق السياسي العام، بل عكست، بشكل أو بآخر، حسبهم، موقف السلطات السياسية منه.
الخارجية الجزائرية تستدعي القائم بأعمال سفارة فرنسا للاحتجاج
ردّاً على هذه التطورات، أعلنت وزارة الشؤون الخارجية الجزائرية، اليوم (السبت)، أنها استدعت القائم بأعمال سفارة فرنسا لدى الجزائر على خلفية بث القناة العمومية «فرانس 2» البرنامج الذي وُصف بأنه «مليء بالأكاذيب والافتراءات والإساءات بحق الدولة الجزائرية ومؤسساتها»، وفق بيان للوزارة.
وأكدت السلطات الجزائرية «خطورة تورّط قناة خدمة عمومية فرنسية في هذا العمل»، معتبرة ذلك «مؤشراً على تواطؤ أو موافقة رسمية»، كما انتقدت مشاركة السفارة والسفير شخصياً في الوثائقي، ما اعتبرته «حملة عدائية غير مسبوقة، تمثل تصعيداً في الممارسات المعادية للجزائر».
وفي هذا السياق، أدانت الحكومة الجزائرية البرنامج بشدة، وعبّرت عن رفضها القاطع «لأي تصرفات تتنافى مع الأعراف الدبلوماسية»، مؤكدة احتفاظها «بحق اتخاذ الإجراءات المناسبة» رداً على هذه التطورات.
«دبلوماسية موازية» لتجاوز القطيعة
سبق هذا المناخ المليء بالتوتر والتصعيد، تنقل سيغولين رويال، رئيسة جمعية «فرنسا - الجزائر»، إلى الجزائر في 26 من يناير (كانون الثاني) الحالي، في مهمةٍ اقتصادية في ظاهرها، لكن هدفها الأساسي أداءُ «وساطة مدنية» تمزج بين الملفات الاقتصادية والقضايا الرمزية الشائكة، في مسعى لكسر الجمود الدبلوماسي الرسمي.
وعلى الرغم من الطابع التجاري المعلن للزيارة، فإن ثقلها الحقيقي يكمن في «ملف الذاكرة»؛ حيث تتبنى الوزيرة السابقة ومرشحة انتخابات الرئاسة الفرنسية لعام 2007، خطاباً جريئاً يدعو صراحة إلى «الاعتراف بجرائم الاستعمار والاعتذار عنها»، بوصفه شرطاً أساسياً لتطبيع العلاقات.
ومن المرتقب أن تشمل محادثاتها قضايا حساسة، مثل معالجة آثار التجارب النووية الفرنسية في الصحراء الجزائرية (1961 - 1967)، واسترجاع مدفع «بابا مرزوق»؛ وهو سلاح برونزي جزائري ضخم يعود إلى عام 1542، نقل إلى مدينة بريست بفرنسا عام 1830 عقب الاحتلال.







