الجزائر: صياغة جديدة لـ«قانون الاستعمار» لفتح خطوط عودة العلاقات مع فرنسا

باريس عدّته «خطوة عدائية» تزيد التوتر مع مستعمرتها السابقة

النواب الجزائريون يصوتون على مشروع قانون «تجريم الاستعمار» يوم 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
النواب الجزائريون يصوتون على مشروع قانون «تجريم الاستعمار» يوم 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
TT

الجزائر: صياغة جديدة لـ«قانون الاستعمار» لفتح خطوط عودة العلاقات مع فرنسا

النواب الجزائريون يصوتون على مشروع قانون «تجريم الاستعمار» يوم 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)
النواب الجزائريون يصوتون على مشروع قانون «تجريم الاستعمار» يوم 24 ديسمبر 2025 (البرلمان)

تعتزم الجزائر إجراء مراجعة لمشروع قانون «تجريم الاستعمار» المعروض على «مجلس الأمة»، في مناورة سياسية تهدف إلى تغليب لغة التهدئة مع باريس، وضمان وجود «خطوط عودة» دبلوماسية، وتجنب تحويل القانون إلى حجر عثرة أمام الجهود المبذولة لتبديد التوتر مع فرنسا التي سبق أن انتقدت هذا المشروع.

وأفادت تقارير صحافية بأن النواب أصحاب «مبادرة تجريم الاستعمار بقانون» يتجهون نحو تجميد أو إعادة صياغة مشروع القانون، مع استبعاد المطالبة المباشرة بـ«الاعتذار» أو «التعويضات» في الوقت الراهن؛ وذلك بمناسبة بدء مناقشة النص القانوني في مجلس الأمة (الغرفة البرلمانية العليا)، الخميس، علماً بأن المجلس الشعبي الوطني (الغرفة السفلى) اعتمده في 24 ديسمبر (كانون الأول) الماضي.

ولا يمكن أن يحمل النص التشريعي صفة «القانون» إلا بعد مصادقة غرفتي البرلمان عليه، ويصبح نافذاً بمجرد نشره في «الجريدة الرسمية».

من اجتماع سابق لإعلان إطلاق لجنة صياغة «قانون تجريم الاستعمار» (البرلمان)

ويستعد أعضاء «مجلس الأمة» لإدخال تعديلات عميقة على الصيغة الأولية للمشروع، بغرض جعله منسجماً مع موقف الجزائر الرسمي، وفق مصادر برلمانية، حيث تُعَد الأحكام المتعلقة بالمطالبة بالاعتذار والتعويضات من أكثر النقاط استهدافاً بالتعديل.

وقبل التصويت عليه في الجلسة العامة المقررة الخميس، خضع مشروع القانون للدراسة خلال جلسة انعقدت يوم الاثنين الماضي بحضور رئيس مجلس الأمة عزوز ناصري، وعضوين من الحكومة هما عبد المالك تشريفت وزير المجاهدين، ونجيبة جيلالي وزيرة العلاقات مع البرلمان.

وخلال الجلسة، عبَّر مقرر «لجنة الدفاع الوطني» بـ«مجلس الأمة»، فيصل بوسدراية، عن تحفظات خاصة بشأن مسألتي «الاعتذار» و«التعويض» كما وردتا في الصيغة المقترحة من قبل النواب، التي صادق عليها «المجلس الشعبي الوطني».

وعدّت «اللجنة» أن إدراج هذين المطلبين «لا ينسجم مع التوجه الذي حدده رئيس الجمهورية، والقائم على المطالبة باعتراف صريح بالجرائم الاستعمارية بصفته عنصراً أساسياً من عناصر المسؤولية التاريخية والقانونية، دون ربط ذلك بمطالب التعويض أو الاعتذار»، حسبما ورد في تقرير نُشر على الموقع الإلكتروني لـ«مجلس الأمة».

وعليه، دعت «لجنة الدفاع» إلى مراجعة بعض الأحكام وتحسين صياغتها من أجل «تعزيز الانسجام والدقة في النص، وضمان توافقه مع الأهداف السيادية التي أُعد من أجلها».

حسابات تكتيكية

ويُنظر إلى هذه المناورة بوصفها خطوة استراتيجية من الجزائر، تهدف إلى خفض سقف التوتر، وتوفير أرضية ملائمة لترميم العلاقات المتذبذبة مع فرنسا.

فمن خلال التركيز على «الاعتراف التاريخي بجرائم الاستعمار» بدلاً من «المطالبات المادية والقانونية الملزمة» التي يشملها القانون، تسعى هذه المقاربة إلى إبعاد «نزاع الذاكرة» عن الحسابات السياسية الآنية، حسب مراقبين، مما يمنح الدبلوماسية فرصة لتجاوز المشكلات التاريخية مع فرنسا، وبناء شراكة على أساس المصالح المشتركة دون الغرق في دوامة الشروط المسبقة.

من جلسات مجلس الأمة الجزائري (البرلمان)

ويصنِّف قانون تجريم الاستعمار الفرنسي للجزائر (1830 - 1962) الاحتلال بوصفه «جريمة دولة»، ويُلزم فرنسا بتقديم اعتذار رسمي. كما يُحمل الدولة الفرنسية المسؤولية القانونية عن المآسي التي خلَّفها الاستعمار، ويعدد الجرائم التي لا تسقط بالتقادم، ومن بينها الإعدام خارج نطاق القانون، والتعذيب، والاغتصاب، وإجراء التجارب النووية، ونهب الثروات، مؤكداً أن التعويض الشامل عن الأضرار المادية والمعنوية يُعد «حقاً ثابتاً للدولة والشعب الجزائري».

وينصّ القانون كذلك على إلزام الجزائر بالسعي إلى انتزاع اعتراف رسمي واعتذار صريح من فرنسا، مع المطالبة بتنظيف مواقع التجارب النووية وتسليم خرائطها وخرائط الألغام المزروعة، بعدما أجرت فرنسا أكثر من 15 تجربة نووية في الصحراء الجزائرية بين عامي 1960 و1966. كما يطالب بإعادة الأرشيف والأموال المنهوبة، ويُقر عقوبات بالسجن والحرمان من الحقوق بحق «كل من يروج للاستعمار أو ينكر طابعه الإجرامي»، ويعد كل الجزائريين الذين تعاونوا مع الاستعمار الفرنسي مرتكبين لـ«جريمة الخيانة العظمى».

«جبر معنوي»

ويتمثل الموقف الرسمي للجزائر في المطالبة باعتراف رسمي من فرنسا بماضيها الاستعماري وبالجرائم التي ارتكبتها خلاله، وهو موقف كرره الرئيس عبد المجيد تبون مراراً في تدخلاته وخطاباته.

الرئيسان الجزائري والفرنسي على هامش قمة «السبع» بإيطاليا 14 يونيو 2024 (الرئاسة الجزائرية)

وفي خطاب ألقاه نهاية 2024 أمام غرفتي البرلمان مجتمعتيْن، قال مخاطباً الفرنسيين: «لا أطلب منكم أن تعتذروا عمَّا فعله أسلافكم، لكن على الأقل اعترفوا»، مؤكداً أن الجزائر لا تنتظر تعويضات مالية من فرنسا، وإنما تنتظر اعترافاً معنوياً بما حدث خلال 132 سنة من استعمارها الجزائر.

وأضاف في الخطاب نفسه، في إشارة إلى التجارب الذرية: «لا تعطونا أموالاً، بل تعالوا ونظفوا المواقع التي لوثتموها».

من جهتها، وصفت الحكومة الفرنسية مشروع القانون بأنه «خطوة عدائية»، معربة عن استنكارها الشديد لتوجه الجزائر نحو اعتماده. وهي ترى أن هذه المبادرة من شأنها تقويض مسارات الحوار بين البلدين، وتشكيل عقبة كبيرة أمام جهود تطبيع العلاقات التاريخية، لا سيما في الشق المتعلق بـ«ملف الذاكرة» والقضايا الثنائية الشائكة.

وقالت الخارجية الفرنسية في يوم التصويت على مشروع القانون إن هذه «خطوة ضارة بالمناخ الدبلوماسي»، مشيرة إلى أنه يتعارض مع المساعي الرامية لتهدئة الخلافات العميقة حول الماضي الاستعماري.

وتندرج هذه الردود في سياق مناخ شديد التوتر بين الجزائر وباريس خلال الأشهر الأخيرة، إذ تفاقمت الحساسية الدبلوماسية نتيجة تباين المواقف إزاء عدد من القضايا الإقليمية، وفي مقدمتها التحول في الموقف الفرنسي من قضية الصحراء، ما أسهم في تعقيد الحسابات السياسية وتعميق حالة الفتور في العلاقات الثنائية.


مقالات ذات صلة

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

شمال افريقيا الرئيس الجزائري خلال استقبال وزير الداخلية الفرنسي في 18 فبراير الماضي (الرئاسة الجزائرية)

وفد فرنسي في الجزائر لترميم العلاقات واستعادة الثقة

يزور وفد من منظمة أرباب العمل الفرنسية، الجزائر، الخميس، بقيادة رئيسها باتريك مارتن، وبمشاركة نحو 40 من كبار رؤساء الشركات.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا الكاتب كمال داود (أ.ب)

الجزائر: السجن الغيابي 3 سنوات بحق الكاتب كمال داود

أدانت محكمة جزائرية الكاتب كمال داود، المقيم في فرنسا، بالسجن غيابياً ثلاث سنوات، وغرامة مالية قدرها خمسة ملايين دينار.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس أركان الجيش خلال اجتماع حماية المنشآت من التهديدات (وزارة الدفاع)

الجزائر: قائد الجيش يبحث حماية المنشآت الحيوية من «تهديدات جديدة»

الفريق سعيد شنقريحة يؤكد أن وقاية المنشآت الحيوية والبنى التحتية «تعد خياراً استراتيجياً وعقلانياً وجزءاً أساسياً في منظومة الدفاع الوطني»

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا وزير الصناعة والإنتاج الصيدلاني السابق علي عون (الوزارة)

الجزائر: السجن لوزير الصناعة السابق وابنه في ملف «الحديد والخردوات»

اتخذت الملاحقات منحى تصاعدياً لم يتوقف عند حدود محاسبة رموز الحقبة السابقة؛ بل امتدت لتطول مسؤولين بارزين وهم في قمة هرم السلطة الحالي...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس سلطة الانتخابات مع وزير الشباب ومستشارين بالرئاسة في لقاء مع كوادر من هيئة الانتخابات (السلطة)

«عراقيل» الترشح للانتخابات الجزائرية تفجر جدلاً سياسياً حادّاً

يحتدم جدل كبير في الجزائر حالياً بين هيئة تنظيم الانتخابات وأحزاب المعارضة، بخصوص «تأخر» المصادقة على الترشيحات الخاصة بالاستحقاق التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
TT

الهلال الأحمر: ليبيا تنقذ 404 مهاجرين على متن 10 قوارب

أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)
أرشيفية لانتشال جثامين مهاجرين في طبرق شرق ليبيا (الهلال الأحمر)

‌قال الهلال الأحمر في طبرق، أمس الأربعاء، إن خفر السواحل ​التابع للجيش الوطني الليبي والمتمركز في شرق ليبيا أنقذ ما لا يقل عن 404 مهاجرين كانوا على متن 10 قوارب بعد تعرضهم لظروف قاسية ‌في عرض ‌البحر.

وطبرق مدينة ​ساحلية ‌تقع ⁠في ​شرق ليبيا ⁠بالقرب من الحدود مع مصر.

وقال الهلال الأحمر في المدينة إن المهاجرين من جنسيات مختلفة.

وأظهرت صور نشرها الهلال الأحمر على ⁠فيسبوك متطوعيه وهم ‌يقدمون الإسعافات الأولية ‌والطعام والأغطية للمهاجرين.

وتعد ​ليبيا طريق ‌عبور للمهاجرين، وكثير ‌منهم من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، الذين يخوضون رحلة محفوفة بالمخاطر عبر الصحراء والبحر للفرار إلى ‌أوروبا أملا في الهروب من الصراعات والفقر.

ويوم الاثنين، ⁠تم ⁠تأكيد وفاة 10 مهاجرين بعد أن انقلب قاربهم قبالة طبرق ولا يزال 31 في عداد المفقودين، وفقا لثلاثة مصادر ليبية والمنظمة الدولية للهجرة. وتم انتشال ست جثث يوم السبت بعد أن جرفتها ​الأمواج إلى ​الشاطئ.


تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
TT

تحذيرات في ليبيا بعد خروج ناقلة الغاز الروسية عن السيطرة

ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)
ناقلة الغاز الروسية (بلدية زوارة الليبية)

قالت مصلحة الموانئ والنقل البحري في ليبيا إن ناقلة الغاز الروسية «أركتيك ميتا غاز» خرجت عن السيطرة.

ونشرت المصلحة صباح اليوم الخميس تحذيرا ملاحيا بخصوص انقطاع حبل جر الناقلة، وصعوبة إعادة الربط معها لظروف فنية، لافتة إلى أن الناقلة على بعد نحو 120 ميلا بحريا شمال مدينة بنغازي، ومنبهة إلى كونها في حالة «انجراف حر».

وطلبت المصلحة من جميع السفن توخي الحيطة والحذر عند الإبحار في المنطقة، والإبلاغ عن أي تغيير في حالة الناقلة مثل تسرب الغاز، أو الانبعاثات الدخانية، أو تغير مفاجئ في وضعية الطفو.

وبعد نحو 50 يوما من إصابتها وخروجها عن الخدمة وهي محملة بـ62 ألف طن من الغاز المسال؛ لم تصل الناقلة الروسية بعد إلى أي مرفأ؛ ففي البداية قررت مؤسسة النفط الليبية جرها لأحد الموانئ المحلية، قبل أن تغير رأيها على وقع تحذيرات القاعدة الشعبية من الآثار البيئية وتقرر جرها إلى المياه الدولية.

وقبل أسبوعين شكلت القيادة العامة للقوات المسلحة في شرق البلاد لجنة طوارئ لمتابعة أزمة الناقلة، وأرسلت قاطرات إنقاذ لاعتراضها وقطرها إلى منطقة آمنة.

وفي الثالث من مارس (آذار) الماضي، وهي في طريقها من ميناء مورمانسك الروسي إلى بورسعيد المصرية، تعرضت الناقلة لهجوم بطائرات مسيرة، اتهمت روسيا أوكرانيا بالوقوف وراءه، انطلاقا من الأراضي الليبية القريبة.


أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
TT

أسعار الغذاء المصري مرشحة لـ«قفزة» مع ارتفاع تكلفة الزراعة

مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)
مصر تعول على زيادة حصتها من القمح المحلي لتخفيض فاتورة الاستيراد (وزارة الزراعة المصرية)

يحذر خبراء من حدوث «قفزة» في أسعار الغذاء المصري، حال استمر التصعيد في المنطقة وبخاصة في مضيق هرمز، إذ يُعد ارتفاع تكاليف مستلزمات الزراعة من أبرز تداعيات «الحرب الإيرانية»، مع زيادة أسعار الأسمدة والأعلاف عالمياً إلى جانب تكاليف النقل.

وارتفع سعر «اليوريا» المستخدم في صناعة الأسمدة خلال الشهر الجاري، وتجاوز حاجز 850 دولاراً للطن وفقاً لعقود اليوريا الحُبيبية العالمية، وانعكس ذلك على أسعارها في مصر أيضاً، حيث سجلت مستوى يزيد على 40 ألف جنيه للطن، بالمقارنة مع 28 ألف جنيه قبل اندلاع الحرب. (الدولار يساوي 52 جنيه تقريباً).

وتسبب إغلاق مضيق هرمز في تعطل نحو ثلث تجارة الأسمدة البحرية، حيث تُوفر دول مجلس التعاون الخليجي، نحو ربع صادرات «اليوريا» العالمية، مما يزيد من مخاوف الأسواق في وقت قيدت فيه روسيا، الأربعاء، تمديد تقنين الصادرات من الأسمدة حتى ديسمبر (كانون الأول) المقبل.

وإلى جانب الأسمدة، شهدت الأعلاف ارتفاعاً ملحوظاً في مصر خلال أبريل (نيسان) الجاري، حيث زادت أسعار الطن الواحد بما يتراوح بين 4 و5 آلاف جنيه محلياً. ويتراوح طن علف التسمين (البادي) حالياً بين 22 ألفاً و24.5 ألف جنيه، بينما سجلت أعلاف الدواجن البياض مستويات بين 17.8 و20.4 ألف جنيه للطن، وفقاً للجنة متابعة الأسعار التابعة لمجلس الوزراء المصري.

وارتفعت أسعار النفط العالمية بأكثر من 40 في المائة مقارنة بمستويات ما قبل اندلاع الحرب، ما دفع الحكومة المصرية إلى رفع أسعار الوقود والغاز في مطلع مارس (آذار) بنسب تراوحت بين 14 و30 في المائة، وأرجعت القرارات إلى «الظروف الاستثنائية التي تمر بها أسواق الطاقة عالمياً»، وهو ما يؤدي بالضرورة إلى ارتفاع تكاليف نقل الغذاء والمحاصيل.

مزارعون مصريون وسط زراعاتهم الغذائية (وزارة الزراعة)

نقيب الفلاحين في مصر، حسين أبو صدام، قال لـ«الشرق الأوسط» إن أي زيادات في أسعار مستلزمات الزراعة، وبخاصة الأسمدة، تؤدي لاضطرابات في سوق الغذاء، وإنه في حال قرر المزارعون ترشيد استخدام الأسمدة لتقليل التكلفة، فإن ذلك سيؤدي لانخفاض في الإنتاجية يترتب عليه نقص المعروض وارتفاع الطلب ومن ثم زيادة الأسعار؛ أما إذا قرروا زيادة أسعار المحاصيل، فإن المواطنين سيتأثرون أيضاً بشكل مباشر.

وبالنسبة للحالة المصرية، فإن الحكومة تقدم الأسمدة مدعمة إلى ما يقرب من نصف المزارعين، وهؤلاء يحصلون على طن سماد اليوريا المدعم بنحو 6000 جنيه، وفقاً لأبو صدام الذي شدد على أن ذلك يمكن أن يحد من تأثير ارتفاع أسعار الأسمدة على المدى القريب. لكن في حال استمرار الحرب فإن مصانع الأسمدة المحلية سوف تتجه بصورة أكبر للتصدير والاستفادة من الفجوات السعرية بين أسعار «اليوريا» في مصر والأسواق العالمية.

وفي العام الماضي خفضت الحكومة كميات الأسمدة المدعومة المسلَّمة لوزارة الزراعة من 55 إلى 37 في المائة من إجمالي الكميات المنتَجة، بهدف تعويض الشركات عن زيادة سعر الغاز المقررة للمصانع، وفقاً لبيانات وزارة الزراعة.

وبالنسبة للأعلاف، أوضح نقيب الفلاحين أن المزارعين يتأثرون بارتفاعات أسعارها العالمية مع الاعتماد على استيراد فول الصويا المكون منها بنسبة 50 في المائة من احتياجات السوق المحلية، إلى جانب استيراد 40 في المائة من احتياجات الذرة، مشيراً إلى أن ذلك يؤدي لزيادة التكلفة على المربين الذين قد يقلصون من دورات الإنتاج أو قد يخرجون بشكل نهائي من السوق حال استمرت التداعيات، ويترتب على ذلك زيادة أيضاً في أسعار اللحوم والدواجن.

ارتفاع تكاليف الزراعة يؤثر على أسعار الغذاء في مصر (وزارة الزراعة)

وارتفع معدل التضخم السنوي في المدن المصرية إلى 15.2 في المائة الشهر الماضي، وهو أعلى مستوى خلال 10 أشهر، مدفوعاً بزيادة أسعار المواد الغذائية والطاقة وتداعيات جيوسياسية، مقارنة بـ13.4 في المائة في فبراير (شباط).

وتظهر بيانات البنك الدولي أن مصر استحوذت على المرتبة الأولى من ناحية معدل التضخم على مستوى أفريقيا ودول الخليج، وسط توقعات ببلوغ التضخم متوسط 13.2 في المائة في عام 2026.

ويرى أبو صدام أن الحكومة تولي اهتماماً بزيادة معدلات الاكتفاء الذاتي من القمح وهو ما دفعها إلى زيادة سعر شراء الأردب من المزارعين إلى 2500 جنيه، مشيراً إلى أن المزارعين يحققون مكاسب جيدة من السعر القديم، 2350 جنيهاً، لكن تشجيعهم على توريد 5 ملايين طن من مستهدفات الحكومة هذا العام كان دافعاً لزيادة السعر.

وأشار الخبير الاقتصادي كريم العمدة إلى أن أسعار الطاقة والأسمدة تقود مباشرة إلى ارتفاع أسعار الغذاء لكنها تبقى حتى الآن في الحدود الآمنة في مصر مع تقديرات حكومية لعودتها إلى طبيعتها مع استقرار الأوضاع في المنطقة، ويبقى التخوف من قفزات كبيرة حال استمرت الحرب الإيرانية، مما سيترتب عليه ارتفاعات كبيرة في أسعار الغاز الطبيعي الذي تعتمد عليه مصانع «اليوريا» بشكل كبير، كما ستتأثر أسعار المنتجات والسلع المستوردة.

وأضاف متحدثاً لـ«الشرق الأوسط» أن الحكومة المصرية ستكون مطالبة بزيادة كميات «اليوريا» المدعمة للحفاظ على استقرار الأسواق، إلى جانب الزيادة التدريجية في الاكتفاء الذاتي من القمح، مع التوسع في استخدام مخلفات الزراعة في الأسمدة العضوية مثل قش الأرز.