الجزائر تخصص ربع الميزانية لقطاع الدفاع في موازنة 2026

تصاعد الإنفاق العسكري واعتماد قانون لـ«التعبئة» وسط توترات إقليمية

الرئيس تبون خلال إشرافه على عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال (رئاسة الجمهورية)
الرئيس تبون خلال إشرافه على عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال (رئاسة الجمهورية)
TT

الجزائر تخصص ربع الميزانية لقطاع الدفاع في موازنة 2026

الرئيس تبون خلال إشرافه على عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال (رئاسة الجمهورية)
الرئيس تبون خلال إشرافه على عرض عسكري بمناسبة ذكرى الاستقلال (رئاسة الجمهورية)

حافظت الجزائر في قانون المالية لسنة 2026 على ميزانية مرتفعة للدفاع، التي هي في حدود 24 مليار دولار أميركي، تماماً مثل قانون موازنة 2025، ما يعادل ربع الإنفاق العام.

تكريس «قانون التعبئة العامة»

يكرَس هذا «التوجه الدفاعي» اعتماد البرلمان «قانون التعبئة العامة» في يونيو (حزيران) 2025، الذي يمنح الجيش صلاحيات واسعة في تسيير شؤون البلاد، في سياق يتميز بتوترات حادة مع دول منطقة الساحل.

نواب من الأغلبية الرئاسية خلال مناقشة قانون التعبئة العامة (البرلمان)

شهدت ميزانية الدفاع تطوراً لافتاً خلال السنوات الأخيرة، حيث بدأت في عام 2020 بنحو 19.7 مليار دولار. لكن في السنوات التي تلت ذلك، شهد الإنفاق العسكري ارتفاعاً كبيراً، إذ وصلت الميزانية إلى نحو 22 مليار دولار في عام 2023، ما عكس جهود الدولة في تحديث قواتها المسلحة، وتعزيز قدراتها لمواجهة التحديات الأمنية.

وفي عام 2024، استقرت الميزانية تقريباً عند مستوى 21.6 مليار دولار، مسجلة انخفاضاً طفيفاً مقارنة بالعام السابق. أما في عام 2025 فقد شهدت ميزانية الدفاع ارتفاعاً جديداً، لتصل إلى نحو 25 مليار دولار، وهو رقم قياسي يُبرِز الاهتمام المتزايد بتطوير القطاع الدفاعي في البلاد، ويمثل أكثر من ربع الإنفاق العام، الذي يقدر بنحو 95 مليار دولار (في 2025 وأيضاً في 2026).

حافظت الجزائر في قانون المالية لسنة 2026 على ميزانية مرتفعة للدفاع (وزارة الدفاع)

ويجسد هذا التطور سياسة الجزائر لتعزيز قدراتها العسكرية، «والتكيف مع المتغيرات الأمنية الإقليمية والدولية»، حسب ما يتضمنه الخطاب الرسمي.

ويعزو خبراء الارتفاع السريع في ميزانية الدفاع خلال السنوات الأخيرة إلى المخاطر الأمنية، التي تواجهها البلاد، خصوصاً التوترات مع دول الساحل التي تشهد تصعيداً منذ ستة أشهر، وقد بدأت مع «حادثة إسقاط الطائرة المسيَّرة المالية» من قبل سلاح الجو الجزائري، مطلع أبريل (نيسان) الماضي. وأعلن النيجر وبوركينافاسو تضامنهما مع باماكو في هذه الأزمة، التي ما زالت في منحى تصاعدي.

وترى الجزائر أن حدودها مع دول جنوب الصحراء مصدر تهديد كبير لأمنها القومي منذ 10 سنوات على الأقل، وذلك بسبب تنامي خطر الجماعات المتشددة وتجارة السلاح والمخدرات، إضافة إلى نشاط لافت لشبكات الهجرة السرية.

قائد الجيش (الثاني على اليسار) يتابع عرضاً لسلاح الجو (وزارة الدفاع)

وتمثل الميزانية الدفاعية عبئاً مالياً كبيراً، خصوصاً في ظل تذبذب عائدات النفط والغاز، التي يعتمد عليها تمويل الدولة، ما قد يفرض مراجعات أو إعادة ترتيب في أولويات الإنفاق الحكومي، يتم ضمها في الغالب ضمن قانون موازنة تكميلي، يطرح في منتصف العام عادة.

ووفق نص مشروع قانون المالية لسنة 2026، الذي ناقشه مجلس الوزراء خلال اجتماع الأحد الماضي، لا تزال النفقات العمومية موجهة بشكل كبير نحو القطاعات التي تحظى بالأولوية. وتأتي وزارة المالية في الصدارة بميزانية قدرها 3.384 ألف مليار دينار (25.07 مليار دولار)، تليها وزارة الدفاع (تقريباً مستوى الإنفاق نفسه)، ثم وزارة التعليم بـ1.851 ألف مليار دينار (13.71 مليار دولار). وبعد ذلك تأتي وزارات الداخلية والجماعات المحلية والنقل بـ1.535 ألف مليار (11.37 مليار دولار)، ثم قطاع الصحة بـ1.048 ألف مليار دينار (7.76 مليار دولار).

إجراءات مشددة ضد غسل الأموال

يكرس مشروع قانون المالية لسنة 2026 توجهاً واضحاً نحو تعزيز الانضباط المالي، من دون فرض ضرائب جديدة، مع التركيز على مكافحة التهرب الضريبي والاقتصاد غير الرسمي، الذي يُقدّر بما بين 50 و60 مليار دولار.

جانب من العرض العسكري الذي نظم عام 2024 (وزارة الدفاع)

ويهدف المشروع، حسبما ورد في نصه، إلى تشديد الإجراءات الردعية من خلال رفع الغرامات، خصوصاً المرتبطة بضريبة القيمة المضافة، كما يتضمن إجراءات مشددة ضد غسل الأموال، وتهريب رؤوس الأموال، من بينها توحيد سقف التصريح بالعملة الصعبة عند الحدود إلى 1000 يورو، أو ما يعادله، مع منح مصالح الجمارك صلاحيات أوسع لحجز الأموال والتحقيق في مصدرها. كما يُمنع إرسال العملات والمعادن الثمينة عبر البريد أو البريد السريع، وتُخضع تجارة المعادن الثمينة لترخيص مسبق.

على صعيد آخر، يتوقع المشروع تراجعاً تدريجياً في صادرات المحروقات والجباية النفطية حتى عام 2028، مقابل زيادة في الإيرادات الجبائية العامة. كما تواصل الدولة تخصيص ميزانيات كبيرة للدعم الاجتماعي، حيث ستبلغ ميزانية 2026 نحو 16.861 ألف مليار دينار، منها 5.753 ألف مليار دينار موجهة للدعم، بما في ذلك 4.20 مليار لمنحة البطالة.

كما يشمل النص أيضاً تعديل ضريبة الوقود على المركبات العابرة للحدود، وزيادة الضرائب على وسائل الرفاهية، مثل اليخوت والدراجات المائية، إضافة إلى مراجعة آليات ممارسة الدولة حق الشفعة على العقارات لتقليص آجال التنفيذ، وتحديد الاستثناءات بوضوح.

بشكل عام، يعكس مشروع قانون المالية 2026 توجهاً نحو تقليص الاعتماد على النفط، وتعزيز الرقابة المالية، وتوسيع الوعاء الضريبي، مع الحفاظ على التوازن الاجتماعي عبر استمرار الدعم الحكومي.

ويُسجل النص إجراء جديداً يتعلق بحق الشفعة للدولة على العقارات، حيث يقترح مشروع القانون تقليص المهلة الممنوحة لممارسة هذا الحق، وتحديد الاستثناءات التي لا يمكن فيها تطبيقه بشكل أوضح.

ويشير النص إلى أن جميع البضائع المصادرة لصالح الدولة بموجب أحكام قضائية نهائية، ستكون معفاة من دفع الرسوم والضرائب الجمركية، وكذا الغرامات المتعلقة بتأخير التسوية، شرط أن تكون عملية الاستيراد قد تمت وفقاً للتشريعات المعمول بها.

عمليات مكثفة ضد التهريب على الحدود تمت في السنوات الأخيرة (وزارة الدفاع)

ويقترح مشروع قانون المالية 2026 أيضاً «مراجعة تصاعدية» للتعريفة الخاصة بالضريبة المفروضة على شراء اليخوت وقوارب النزهة، مع توسيع نطاق تطبيقها لتشمل الدراجات البحرية، حيث تم تحديد الضريبة الخاصة بها بـ400 ألف دينار.


مقالات ذات صلة

زين الدين زيدان يختار الجزائر على فرنسا في افتتاح مشوار المونديال

رياضة عالمية زيدان يترقب مباراة الجزائر لمشاهدة ابنه (أ.ف.ب)

زين الدين زيدان يختار الجزائر على فرنسا في افتتاح مشوار المونديال

سيكون الأسطورة الفرنسية زين الدين زيدان حاضراً في مدرجات ملعب أروهيد بمدينة كانساس سيتي الأميركية لمتابعة الظهور الأول لابنه لوكا زيدان مع منتخب الجزائر.

«الشرق الأوسط»
شمال افريقيا رئيس السلطة الوطنية المستقلة للانتخابات بالنيابة كريم خلفان (سلطة الانتخابات)

الجزائر: خلفيات ومسوغات استبعاد المئات من ترشيحات اقتراع 2 يوليو

قدَّم مسؤول الهيئة المنظمة للانتخابات في الجزائر ردوداً على تساؤلات حول «شبهة الفساد» التي استندت إليها الهيئة لإقصاء مئات المترشحين عن الاقتراع التشريعي.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا أحد التجمعات الدعائية في بداية الحملة الانتخابية (إعلام حزبي)

الجزائر: تطورات المشهد الانتخابي تضع الأحزاب في ورطة

شهدت الأيام الأولى من حملة انتخابات الثاني من يوليو (تموز) بالجزائر تطورات مفاجئة خلطت أوراق الأحزاب وجعلتها في ورطة.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا رئيس الشرطة الجزائرية مع خبراء في ملف استرداد الأموال المنهوبة خلال زيارته فرنسا يوم 1 يونيو الحالي (وزارة الداخلية)

الجزائر: استرجاع ممتلكات بالخارج واتهامات ثقيلة في «ملفات فساد»

أفضت عملية تفكيك شبكة إجرامية منظمة في الجزائر، وُصفت بأنها الكبرى منذ سنوات، إلى استرجاع وحجز ممتلكات عقارية ومنقولات فاخرة...

«الشرق الأوسط» (الجزائر)
شمال افريقيا جانب من محادثات الأميرال جورد ويكوف بوزارة الدفاع الجزائرية (وزارة الدفاع)

الجزائر وواشنطن لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل

الجزائر وواشنطن يوقعان اتفاقيات لترسيخ شراكة عسكرية مكثفة في «المتوسط» والساحل.

«الشرق الأوسط» (الجزائر)

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: مصر توافق على يحيى دياب قائماً بأعمال سفير سوريا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
TT

مصادر لـ«الشرق الأوسط»: مصر توافق على يحيى دياب قائماً بأعمال سفير سوريا

الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)
الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي خلال لقاء نظيره السوري أحمد الشرع على هامش القمة العربية بالقاهرة في مارس 2025 (الرئاسة المصرية)

صرح مصدران سوريان، أحدهما بوزارة الخارجية، لـ«الشرق الأوسط»، بأن مصر أبلغت سوريا بموافقتها على ترشيح السفير يحيى دياب على رأس البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة، بعد تحفظاتها على المرشح السابق.

وقال مصدر سوري مطلع على الملف، إنه «تم إبلاغ دياب بالفعل بوصول موافقة القاهرة على ترشيحه، وبأنه حالياً يعمل على إنهاء ارتباطاته خارج سوريا للعودة إلى دمشق من أجل اتخاذ اللازم لتسلم مهامه في مصر».

لكن المصدر أوضح أن دياب «لم يتم إبلاغه بما إذا كان ترشيحه لمصر سفيراً أم قائماً بالأعمال»، مضيفاً: «في حال ترشيحه سفيراً، فالقرار سيصدر به مرسوم رئاسي موجه إلى مصر؛ لكن القائم بالأعمال يكون الترشيح بقرار من وزير الخارجية».

يحيى دياب (منصة الذاكرة السورية)

فيما كشف مصدر آخر مسؤول بوزارة الخارجية السورية، أن ترشيح دياب سيكون «قائماً بأعمال السفير السوري لدى مصر»، مرجحاً أن يكون أيضاً «المندوب الدائم لسوريا لدى جامعة الدول العربية، ما لم يتم ترشيح غيره لهذا المنصب الذي لا يحتاج إلى موافقة السلطات المصرية».

وأضاف: «تجري الآن الترتيبات لأخذ الاعتمادات اللازمة من القاهرة، من أجل أن تبدأ البعثة السورية الجديدة عملها في أقرب وقت».

ولم يتسنَّ لـ«الشرق الأوسط» التواصل مع وزارة الخارجية المصرية للتأكيد.

«استجابة للجانب المصري»

كان مصدر مسؤول في «الخارجية» السورية قد كشف لـ«الشرق الأوسط»، قبل نحو أسبوع، عن اسم السفير الجديد الذي رشَّحته بلاده لتمثيلها بمصر، بدلاً من محمد طه الأحمد، الذي تحفَّظت القاهرة على ترشيحه.

وأوضح المصدر وقتها أن المرشح الجديد هو يحيى دياب، وأن ترشيحه «جاء استجابة للجانب المصري، ورغبة في دفع العلاقات بين البلدين إلى آفاق أعمق وأرحب».

وحينها ذكر مصدر مصري مسؤول لـ«الشرق الأوسط»، أنَّ الحكومة السورية قدَّمت مرشحاً آخر لرئاسة البعثة الدبلوماسية السورية في القاهرة، مشيراً إلى أن الأمور «تسير في طريق اعتماد المرشح الجديد، من جانب السلطات المصرية». وأوضح أن «الأمور تمضي بشكل طبيعي وجيد مع الجانب السوري».

ودياب هو عضو المكتب التنفيذي وعضو مكتب العلاقات الخارجية والدبلوماسيين في «التجمع الوطني الحر للعاملين في مؤسسات الدولة السورية»، وعمل قبل الثورة السورية في مهام عدة ضمن بعثات دبلوماسية في كل من روما وأبوظبي والكويت وبلغراد، كما تولَّى رئاسة اللجنة النقابية في «الخارجية» السورية، وهو حاصل على إجازة في الحقوق من جامعة دمشق.

وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني يجري مباحثات موسعة مع نظيره المصري بدر عبد العاطي خلال زيارته القاهرة الشهر الماضي (الخارجية السورية)

وكان تقرير نشرته «الشرق الأوسط» في 1 يونيو (حزيران) الحالي، قد نقل عن مصدر مطلع اعتراض القاهرة على ترشيح طه الأحمد سفيراً لسوريا لدى مصر، وعن «تحفظات مصرية» تعرقل استقبال عدد من أعضاء البعثة الدبلوماسية السورية.

آفاق للتعاون

ومنذ سقوط بشار الأسد، بدت العلاقات المصرية - السورية تتحرك نحو اتصالات ثنائية حذرة؛ بسبب مخاوف القاهرة من ملف المسلحين، قبل أن يتجه ذلك تدريجياً صوب تعاون اقتصادي.

وفي أواخر أبريل (نيسان) الماضي، التقى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي نظيره أحمد الشرع على هامش «القمة التشاورية العربية - الأوروبية» التي عُقدت في قبرص. وأفادت وسائل إعلام في القاهرة ودمشق حينها، بأن «حديثاً ودياً» جرى بينهما لبحث تطورات المنطقة وتعزيز التعاون.

واستضافت دمشق في يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة عدد من قيادات الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين البلدين واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

والسبت الماضي، أكد القائم بأعمال السفارة المصرية في دمشق، محمد عمر عبد العزيز الفقي، أن بلاده تتطلع إلى توسيع آفاق التعاون مع سوريا في مختلف المجالات، خصوصاً في قطاع إعادة الإعمار.

جاء ذلك في تصريح للصحافيين عقب جولته في أجنحة معرض «بيلدكس» الدولي للبناء والتشييد في دمشق، وفقاً للوكالة العربية السورية للأنباء (سانا).

وفي الحدث ذاته، أعلن رئيس مجلس إدارة مجمع مصر الصناعي، هيثم حسين، عن توجه مصري لإنشاء منطقة صناعية كبيرة في سوريا خلال المرحلة المقبلة، بهدف دعم العملية الإنتاجية وتوفير فرص العمل.

وأوضح حسين أن المشروع المقترح سيركز على الصناعات الغذائية والنسيجية والزراعية، إضافة إلى الصناعات المرتبطة بإعادة الإعمار، مشيراً إلى أهمية إقامة مدن صناعية متكاملة تواكب متطلبات المرحلة المقبلة.


لقاء ماكرون مع صدام حفتر في الإليزيه يعيد فرنسا إلى قلب المشهد الليبي

ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)
ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)
TT

لقاء ماكرون مع صدام حفتر في الإليزيه يعيد فرنسا إلى قلب المشهد الليبي

ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)
ماكرون مستقبلاً صدام حفتر في قصر الإليزيه يوم الأحد (إعلام القيادة العامة)

تكثّف فرنسا من تحركاتها في الملف الليبي عبر مسارات سياسية وأمنية، في محاولة لإعادة التموضع في قلب المشهد الراهن، وذلك بالتزامن مع طروحات أميركية لـ«تقاسم السلطة».

ويأتي ذلك، حسب دبلوماسيين ومحللين، استباقاً لجلسة مرتقبة لمجلس الأمن هذا الشهر، يُنتظر أن تستعرض خلالها مبعوثة الأمم المتحدة لدى ليبيا هانا تيتيه مخرجات «الحوار المهيكل»، وسط تقديرات بأنها قد تمهّد لتشكيل سلطة انتقالية جديدة.

وتصدّر الاهتمام بالتحركات الفرنسية استقبال الرئيس إيمانويل ماكرون الفريق صدام حفتر، نائب القائد العام لـ«الجيش الوطني» الليبي، في قصر الإليزيه مساء الأحد في لقاء غير تقليدي عدّه مراقبون مؤشراً لاهتمام فرنسي متجدد بترتيبات المرحلة المقبلة في ليبيا.

وشملت لقاءات حفتر في باريس أيضاً بول سولير المبعوث الخاص للرئيس الفرنسي، والجنرال فنسان جيرو رئيس الأركان الخاصة لماكرون، والجنرال ميشيل ديلبي قائد العمليات الخاصة؛ حيث جرى التأكيد على دعم باريس جهود توحيد المؤسسة العسكرية وخروج المرتزقة والقوات الأجنبية من ليبيا.

رئيس مجلس النواب الليبي عقيلة صالح مع السفير الفرنسي تييري فالا في بنغازي الأحد (مجلس النواب)

وتزامن ذلك مع نشاط دبلوماسي وعسكري فرنسي في بنغازي، الأحد، شمل لقاءات للسفير الفرنسي تييري فالا مع رئيس مجلس النواب عقيلة صالح، ورئيس الأركان العامة لـ«الجيش الوطني» الفريق خالد حفتر. كما التقى فالا وكيل وزارة الدفاع بحكومة «الوحدة» الفريق عبد السلام الزوبي، الاثنين.

ويجيء هذا النشاط المتزايد بالتوازي مع أحاديث داخل الأوساط الليبية عن مبادرة تُنسب إلى مستشار الرئيس الأميركي، مسعد بولس، تقوم على صيغة جديدة لـ«تقاسم السلطة» بين شرق البلاد وغربها.

لقاء بين السفير الفرنسي لدى ليبيا وعبد السلام الزوبي وكيل وزارة الدفاع في «الوحدة» يوم الاثنين (سفارة فرنسا)

وتقضي المبادرة بإسناد رئاسة مجلس رئاسي جديد إلى صدام حفتر، مع الإبقاء على رئيس حكومة «الوحدة» المؤقتة عبد الحميد الدبيبة على رأس حكومة موحدة، وسط تسريبات غير مؤكدة بشأن لقاءات تجري خارج ليبيا لاختيار بقية أسماء أعضاء السلطة الجديدة.

كما تتقاطع هذه الطروحات في بعض جوانبها مع مخرجات «الحوار المهيكل» الذي رعته الأمم المتحدة، والرامية إلى إعادة تشكيل السلطة التنفيذية عبر مجلس رئاسي وحكومة جديدة.

«بلورة ترتيبات تنفيذية»

وحسب رؤية الدبلوماسي الليبي عادل عيسى، فإن «الدور الفرنسي المتزايد» الذي يأتي قبيل جلسة لمجلس الأمن الدولي يمثّل «مؤشراً على اقتراب مرحلة انتقالية جديدة في ليبيا، خصوصاً مع قرب عرض المبعوثة الأممية مخرجات خريطة الطريق وما يرافقها من مبادرات وتحركات دولية موازية».

وقال عيسى لـ«الشرق الأوسط» إن «الدعم الفرنسي المسنود بمواقف أميركية ودولية أكثر وضوحاً يعزّز الانطباع بأن المجتمع الدولي يتجه نحو الانتقال من مرحلة إدارة الأزمة إلى بلورة ترتيبات تنفيذية لمعالجة الانقسام المؤسسي وتوحيد السلطة التنفيذية والمؤسسة العسكرية».

ويرى الدبلوماسي الليبي أن زيارة صدام حفتر إلى باريس تأتي «ضمن شبكة الاتصالات الدولية الرامية إلى تعزيز فرص التوافق بين الأطراف الليبية وبناء التفاهمات اللازمة لإنجاح أي ترتيبات سياسية وأمنية مرتقبة»، مشيراً إلى أن التحرك الفرنسي يعكس أيضاً «حرص باريس على حماية مصالحها المرتبطة بأمن المتوسط وملف الهجرة غير النظامية، والحفاظ على دور مؤثر في صياغة المرحلة المقبلة».

ويستمر الانقسام في ليبيا بين حكومتين متنافستين؛ الأولى في طرابلس برئاسة الدبيبة، والأخرى في شرق البلاد وجنوبها برئاسة أسامة حماد، والمدعومة من «الجيش الوطني»، بقيادة المشير خليفة حفتر، والد صدام حفتر.

جانب من لقاء صدام حفتر في باريس يوم الأحد (السفارة الفرنسية في ليبيا)

وتعكس التحركات الفرنسية الأخيرة، وفق رؤية المحلل السياسي الليبي حازم الرايس، «محاولة واضحة من باريس لإعادة التموضع داخل الملف الليبي بعد سنوات من التراجع النسبي في مستوى تأثيرها»، متفقاً مع ما يكتسبه توقيت الزيارة من أهمية خاصة مع اقتراب إحاطة تيتيه أمام مجلس الأمن، وما يتردد عن «سيناريوهات سياسية جديدة قد تشمل إعادة تشكيل السلطة التنفيذية أو إطلاق مرحلة انتقالية مختلفة».

وقال الرايس لـ«الشرق الأوسط» إن فرنسا «وجدت نفسها خلال الأعوام الماضية أمام مشهد إقليمي ودولي متغير تراجع فيه نفوذها لمصلحة قوى أخرى، خصوصاً تركيا التي نجحت في ترسيخ حضورها داخل غرب ليبيا ثم اتجهت تدريجياً إلى بناء علاقات متنامية مع قيادة الشرق الليبي».

وأضاف: «الانفتاح الفرنسي على مختلف الأطراف الليبية يعكس إدراكاً بأن أي تسوية مقبلة لن تكون حكراً على طرف واحد»، مشيراً إلى أن باريس تسعى إلى تأمين موقع لها داخل أي ترتيبات سياسية قد تفرزها المرحلة المقبلة.

«البعد الرمزي»

وقد لا يقتصر الحضور الفرنسي المتزايد، خصوصاً في شرق ليبيا، على حسابات النفوذ السياسي المباشر فحسب، بل يرتبط أيضاً بطبيعة العلاقة الخاصة التي جمعت باريس بخليفة حفتر طوال العقد الماضي، بوصفه «شريكاً في مكافحة الإرهاب».

ويعيد الباحث المختص في الشأن الليبي جلال حرشاوي التذكير بأن فرنسا «ظلت منذ عام 2014 الدولة الغربية الأكثر ثباتاً في دعمها لحفتر مقارنة ببقية القوى الغربية»، موضحاً أن هذه العلاقة استمرت رغم التحولات التي شهدها الملف الليبي.

ويُذكّر حرشاوي، في حديثه لـ«الشرق الأوسط»، بمبادرة ماكرون الأولى في الملف الليبي، التي جمعت حفتر ورئيس حكومة «الوفاق» السابق فائز السراج في باريس عام 2017، «في محاولة لتكريس حفتر طرفاً رئيسياً في المعادلة السياسية الليبية»، حسب اعتقاده.

وانتهى حرشاوي إلى أن أحد الدوافع الرئيسية للموقف الفرنسي يرتبط بما وصفه بـ«البعد الرمزي والهيبة السياسية؛ إذ تمنح العلاقة مع سلطات شرق ليبيا فرنسا فرصة الظهور بوصفها شريكاً لقوة سياسية وعسكرية مؤثرة، في حين تستفيد عائلة حفتر من الشرعية والاعتراف اللذَين يوفرهما الانفتاح الفرنسي».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
TT

مقتل أكثر من 1000 مدني بالمسيّرات في السودان خلال 5 أشهر من 2026

عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)
عربات متجهة نحو تشاد عند مركز أدري الحدودي في 8 يونيو 2026 إذ تصل أعداد متزايدة من التشاديين الفارّين من حرب السودان (أ.ف.ب)

استنكر فولكر تورك، مفوض الأمم المتحدة السامي لحقوق الإنسان، اليوم الاثنين، «الزيادة الحادة» في استخدام الطائرات المسيّرة خلال الحرب في السودان، والتي أودت هجماتها بحياة أكثر من ألف مدني، في الأشهر الخمسة الأولى من العام الحالي.

وباتت حرب الطائرات المسيّرة سمة بارزة، بشكل متزايد، في الحرب السودانية التي اندلعت في أبريل (نيسان) 2023 بين الجيش وقوات «الدعم السريع».

وقال تورك، أمام مجلس حقوق الإنسان، التابع للأمم المتحدة في جنيف: «في السودان، اتسع نطاق الصراع المروّع وتصاعدت وتيرته، وتميَّز ذلك بزيادة حادة في استخدام الطائرات المسيّرة في الحرب».

وأشار إلى أنه «بين يناير (كانون الثاني) ومايو (أيار) 2026، وثَّق مكتبنا مقتل أكثر من ألف مدني جرّاء غارات الطائرات المسيّرة». كما أعرب عن أسفه لتفشّي «الاغتصاب والعنف الجنسي»، وفق ما أفادت «وكالة الصحافة الفرنسية».

وخلّفت الحرب، التي دخلت عامها الرابع، عشرات الآلاف من القتلى. ويشير بعض التقديرات إلى تجاوز الحصيلة 200 ألف قتيل، وتشريد الملايين داخل البلاد وخارجها، وانتشار المجاعة في بعض المناطق بدارفور وكردفان.

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية، يوم الأحد، مدينة الأُبيّض، كبرى مدن إقليم كردفان السوداني، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات ومخازن وقود.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع»، التي تقاتل الجيش منذ أكثر من 3 سنوات، وتسيطر على أجزاء من البلاد.

وقال 3 شهود لـ«الشرق الأوسط»، إن الهجمات المكثفة الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض، وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أنه شاهد استهداف 3 خزانات وقود، ما أدى إلى اندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وقال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن مدينة الرهد في شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وإن قذيفة سقطت على منزل أسرة، تسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.