حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

هجوم على المدن الرئيسية بالإقليم يؤدي إلى قتلى وجرحى ويفاقم أزمة الوقود

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
TT

حرب المسيّرات بالسودان تتكثف في سماء كردفان

شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)
شابة وطفل أصيبا إثر هجوم بطائرة مسيّرة في مدينة الأُبيّض بشمال كردفان (أرشيفية - رويترز)

هاجمت طائرات مسيّرة قتالية مدينة الأُبيّض، أكبر مدن إقليم كردفان، وكذلك مدينة الرهد أبو دكنة، الثالثة حجماً في ولاية شمال الإقليم، وذلك في أحدث الهجمات التي ظلت تتعرض لها المنطقة منذ شهور، ما أدى إلى سقوط قتلى وجرحى، وتدمير محطات وشاحنات وقود مما فاقم أزمة الوقود، وارتفاع أسعار النقل.

ورجحت مصادر محلية أن تكون المسيّرات تابعة لـ«قوات الدعم السريع» التي تقاتل الجيش منذ أكثر من ثلاث سنوات. وقال ثلاثة شهود لـ«الشرق الأوسط» إن الهجمات الأخيرة استهدفت منشآت وقوافل داخل مدينة الأُبيّض وفي الطريق الوحيد المؤدي إليها. وذكر سائق شاحنة أن المسيّرات تحلق بكثافة فوق الطريق، وأنه شاهد استهداف ثلاثة خزانات وقود متحركة قرب بلدة أم روابة، ما أدى إلى تدميرها، واندلاع حرائق كبيرة شوهدت من مسافات بعيدة.

وفي مدينة الأُبيّض ، الأكبر في إقليم كردفان وإحدى أهم المدن الاستراتيجية في البلاد، قال شاهد آخر لـ«الشرق الأوسط»، إن المسيّرات استهدفت، صباح يوم الأحد، أربع محطات وقود داخل المدينة، أثناء تفريغ شحنة وقود، ما أدى لمقتل عدد من المواطنين وإصابة آخرين، فيما ظلت أعمدة الدخان تتصاعد لساعات طويلة فوق أجزاء واسعة من المدينة.

وأفاد شاهد ثالث بأن مدينة الرهد في ولاية شمال كردفان، تعرضت أيضاً لقصف بالمسيّرات، وأن قذيفة سقطت على منزل أحد المواطنين، وتسببت في أضرار مادية وحالة من الذعر وسط السكان.

المسيّرات مشهد يومي

أصبحت المسيّرات القتالية جزءاً من المشهد اليومي في الأُبيّض، حيث تواصل التحليق في سماء المدينة، وأجزاء واسعة من كردفان لساعات طويلة، فيما تتكرر الهجمات بصورة شبه منتظمة منذ أكثر من شهر. ويقول السكان إن الشعور السائد لم يعد الخوف وحده، بل الغضب أيضاً، مع ازدياد أعداد الضحايا المدنيين، واستمرار استهداف المرافق الخدمية التي يعتمد عليها مئات الآلاف من المواطنين.

ولم يصدر أي تعليق رسمي من الجيش أو «قوات الدعم السريع» بشأن الهجمات الأخيرة، وهما عادة ما يلتزمان الصمت حيال كثير من العمليات العسكرية أو يقدمان روايات متباينة حولها.

ورغم الصمت الرسمي، فقد ضجت منصات التواصل الاجتماعي بمقاطع مصورة وصور وتعليقات حول القصف، بينما واصل أنصار كل طرف وصف الهجمات التي شنها بالإنجاز العسكري في تجاهل لمعاناة المدنيين الذين يتحملون تكلفة الحرب.

ولقي الأسبوع الماضي، أكثر من عشرة أشخاص مصرعهم، وأصيب آخرون جراء هجوم بطائرة مسيّرة يرجح أنها تابعة لـ«قوات الدعم السريع».

وفاقمت الهجمات الأخيرة أزمة الوقود التي تعاني منها مدينة الأُبيّض، بعد استهداف محطات الوقود والخزانات. وقال أحد السكان لـ«الشرق الأوسط» إن الحصول على الوقود أصبح أكثر صعوبة خلال الأيام الأخيرة، مما أدى إلى قلة عدد المركبات العامة، وتراجعت حركة النقل بصورة كبيرة، فضلاً عن ارتفاع تكلفته.

التحولات الديمغرافية

صورة تبيّن جانباً من الدمار الذي ألحقته مسيَّرات «قوات الدعم السريع» بمدينة الأُبيّض في إقليم كردفان (صورة متداولة - أرشيفية)

وتزداد خطورة هذه الأزمة بسبب التحولات الديمغرافية التي شهدتها مدينة الأُبيّض منذ اندلاع الحرب بين الجيش و«قوات الدعم السريع» في أبريل (نيسان) 2023، إذ تحولت إلى ملاذ رئيسي لعشرات الآلاف من الأسر الفارة من المعارك في القرى والمدن المحيطة.

ويقدر سكان محليون أن عدد سكان المدينة تضاعف أكثر من ثلاثة مرات مقارنة بما كان عليه قبل الحرب، ما أدى إلى ضغوط هائلة على الخدمات الأساسية والبنية التحتية، بما في ذلك الأساسية مثل المياه والكهرباء والصحة والنقل.

وتعد الأُبيّض واحدة من أكثر المدن أهمية في السودان من الناحيتين العسكرية والاقتصادية، فهي تمثل مركزاً رئيسياً للزراعة والتجارة والنقل، وتُشكل بوابة تربط وسط السودان بغربه، خصوصاً إقليم دارفور.

ومنذ عدة أشهر، تحاصر «قوات الدعم السريع» المدينة من ثلاث جهات، بينما يسيطر الجيش على المدينة والطريق البري الرابط بينها وبين مدينة كوستي في ولاية النيل الأُبيّض، ما جعلها إحدى أهم نقاط التماس في الحرب المستمرة بين الطرفين.

ويرى مراقبون أن السيطرة على الأُبيّض أو إضعاف قدراتها اللوجستية يمثل هدفاً استراتيجياً لـ«قوات الدعم السريع»؛ نظراً لدورها بوصفها مركزاً للإمدادات والتجارة، وارتباطها بشبكة الطرق التي تربط إقليمي كردفان ودارفور ببقية أنحاء البلاد، إضافة إلى تمركز أعداد كبيرة من الجيش في تلك المنطقة.

منظومة دفاع جوي

صورة متداولة تبين الدمار الذي حل بمبنى التلفزيون في مدينة الأُبيّض

يُذكر أن «قوات الدعم السريع» أعلنت في وقت سابق، أنها دمرت منظومة دفاع جوي تركية الصنع مضادة للطائرات المسيّرة كانت تؤمن المدينة، دون تعليق من الجيش، وهو ما عدّه كثير من المراقبين تطوراً خطيراً في معركة السيطرة على الأجواء فوق كردفان.

وتعكس الهجمات المستمرة على الأُبيّض تحولات أوسع سادت الحرب السودانية خلال العامين الأخيرين، إذ بعد أشهر طويلة من المعارك البرية الواسعة التي اتسمت بالسيطرة على المدن والأحياء والتقدم الميداني المباشر، أخذت الحرب تتجه بصورة كبيرة نحو الاعتماد على الضربات بعيدة المدى، وفي مقدمتها الطائرات المسيّرة.

ويقول خبراء عسكريون إن طرفي الحرب يسعيان إلى استنزاف بعضهما بعضاً، عبر استهداف مراكز القيادة والإمداد والبنية التحتية الحيوية، بدلاً من الاعتماد فقط على العمليات البرية المكلفة بشرياً ولوجستياً.

وخلال السنتين الماضيتين من الحرب، برزت المسيّرات بوصفها سلاحاً رئيسياً في النزاع، سواء لأغراض الاستطلاع وجمع المعلومات، أو لتنفيذ هجمات دقيقة على أهداف ثابتة ومتحركة.

ويمتلك طرفا الحرب أنواعاً مختلفة من المسيّرات، بدءاً من المسيرات الاستطلاعية الصغيرة التي تقوم بتحديد الأهداف، إلى المسيّرات الهجومية القادرة على حمل ذخائر موجهة، وصواريخ أرض جو، وأيضاً المسيّرات الانتحارية التي تهاجم الهدف مباشرة وتنفجر عند الاصطدام به.

تغيير طبيعة الحرب

خيام وفّرتها السعودية في مخيم للنازحين بمدينة الأُبيّض 12 يناير 2026 (رويترز)

وأدى استخدام هذه التقنيات إلى تغيير طبيعة الحرب بصورة جوهرية، إذ لم تعد المدن البعيدة عن خطوط المواجهة المباشرة بمنأى عن العمليات العسكرية، كما أصبحت المنشآت المدنية والبنية التحتية عُرضة للاستهداف بصورة أكبر من أي وقت مضى.

وبينما يتنافس الطرفان على تحقيق مكاسب عسكرية وإعلامية، يجد المدنيون أنفسهم في قلب المواجهة. ويتحدث السكان عن الطائرات التي تحلق فوق رؤوسهم، وأعمدة الدخان التي ترتفع في السماء جراء القصف المتواصل، فضلاً عن أزمات الوقود والمواصلات والخدمات التي تتراجع، والخوف الذي أصبح جزءاً من الحياة اليومية.

ودعا ناشطون في منصات التواصل الاجتماعي الجيش لتعزيز دفاعات المدينة وعدم تركها مستباحة لهجمات المسيرات المتكررة، وطالبوا بإجراءات عاجلة لحماية المدنيين والمنشآت الحيوية وتأمين خطوط الإمداد.

وأبدوا خشيتهم من أن يؤدي استمرار القصف واستهداف الوقود والخدمات الأساسية إلى إضعاف قدرة مدينة الأُبيّض على الصمود، خصوصاً في ظل استضافتها أعداداً كبيرة من النازحين واعتماد مناطق واسعة من كردفان عليها بوصفها مركزاً رئيسياً للتجارة والخدمات.

وحذّر الناشطون من أن تلقى المدينة مصيراً مشابهاً لمصير مدينة الفاشر، كبرى مدن إقليم دارفور، التي سقطت في يد «قوات الدعم السريع» بعد حصار استمر نحو 18 شهراً.

ومع استمرار الهجمات وتراجع المؤشرات على قرب انتهاء الحرب، تزداد المخاوف من أن تتحول مدينة الأُبيّض إلى واحدة من أكثر المناطق تأثراً بتداعيات الصراع المستمر في السودان.


مقالات ذات صلة

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

شمال افريقيا حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

يعاني كثير من السودانيين صعوبات بالغة في الحصول على الخبز بعد أن أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود

«الشرق الأوسط» (الخرطوم)
شمال افريقيا السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين.

«الشرق الأوسط» (أديس أبابا)
شمال افريقيا نساء يصطففن في الطابور قبل بدء عملية توزيع الطعام (الشرق الأوسط)

توقف المطابخ الخيرية يهدد آلاف الأسر بالجوع في الخرطوم

اضطرت عشرات التكايا (مطابخ خيرية) التي توفر الوجبات لآلاف الأسر في الخرطوم، إلى التوقّف عن العمل كلياً، أو تقليص نشاطها؛ بسبب نقص الدعم من المنظمات والخيِّرين.

بهرام عبد المنعم (الخرطوم)
شمال افريقيا الأمين العام للجامعة العربية مستقبلاً وزير خارجية السودان الثلاثاء (الجامعة)

السودان يطالب الجامعة العربية بالتحقيق في «هجمات الجوار»

طالب السودان جامعة الدول العربية، الثلاثاء، بالمشارَكة في الإشراف على تحقيق دولي في هجمات تنطلق من دول بالجوار.

فتحية الدخاخني (القاهرة)
شمال افريقيا مبنى متضرر جراء المعارك بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في الخرطوم (أ.ف.ب)

تجدد المعارك البرية في النيل الأزرق وكردفان

تجددت المعارك البرية بين الجيش السوداني و«قوات الدعم السريع» في النيل الأزرق وكردفان، وأعلن تحالف «تأسيس» سيطرته على قاعدة «سالي» الاستراتيجية.

أحمد يونس (كمبالا)

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
TT

السودان: أزمة خبز تنذر بتوسع الجوع إلى الخرطوم

حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)
حذّر وزراء خارجية أوروبيون من أن أكثر من 19 مليون شخص بالسودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي» (رويترز)

تروي السودانية سوسن محمود في العاصمة السودانية، حيث أقفلت معظم المخابز أبوابها بسبب ارتفاع أسعار القمح ونقص الوقود، أنها باتت توفر مجموع راتبها وراتب زوجها الشهري فقط لشراء الخبز. وتقول سوسن (44 عاماً)، وهي أم لثلاثة أطفال لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «الوضع أصبح لا يحتمل. لقد خفضنا كمية الخبز التي نتناولها، وأصبحنا نأكله في وجبة واحدة فقط»، مضيفة: «علينا توفير 900 ألف جنيه شهرياً (88 دولاراً) لشرائه. وهذا تقريباً راتبي وراتب زوجي».

مواطن من أم درمان في رحلته اليومية مع طفليه للحصول على الماء (رويترز)

* مخاوف من انتشار المجاعة

تضاعف سعر رغيف الخبز في العاصمة السودانية من 250 إلى 500 جنيه (من 0,25 سنت من الدولار إلى 0,50 سنت)، خلال الأسبوع الماضي، في ارتفاع غير مسبوق. وباتت عائلات سودانية كثيرة لا تتحمّل تكلفته، فيما تتصاعد التحذيرات الدولية من احتمال انتشار المجاعة في أنحاء البلد، الذي يعاني 20 مليوناً من سكانه من انعدام حاد في الأمن الغذائي. من جهتها، تقول عبير محمد بعد أن اشترت خبزاً من أحد المخابز القليلة، التي لا تزال تعمل في الخرطوم: «في السابق كنّا نأكل الخبز في جميع وجبات اليوم، الآن لا يمكننا ذلك». ويستورد السودان معظم احتياجاته من القمح، الذي يتأثر سعره سريعاً بتدهور العملة المحلية. وخلال الشهر الماضي، سجّلت العملة السودانية تراجعاً بنسبة 25 في المائة أمام الدولار، في انخفاض قياسي ليصل سعر العملة الخضراء إلى أكثر من 10500 جنيه سوداني في ذروة ارتفاعه، قبل أن يستقرّ عند 10200 جنيه الأربعاء. علماً بأن الدولار كان يساوي 500 جنيه قبل الحرب.

يعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة (رويترز)

* غياب الطحين

داخل مخبز يملكه محمد الفاتح في الخرطوم، يخلط العمال الطحين مع الماء والخميرة لتشكيل عجينة سميكة، يقسمونها إلى أقراص مستديرة، ثم يدخلونها الفرن باستخدام ألواح خشبية طويلة، وتتحوّل العجينة في دقائق إلى خبز تقليدي يشكّل جزءاً أساسياً من وجبات السودانيين. يقول الفاتح: «أغلقت مخابز كثيرة لأنه لا يوجد طحين في السوق». ويضيف: «يمكن أن تنتظر ليوم أو يومين كاملين في مركز توزيع (الطحين)، ثم تعود بخفي حُنين». في حي الأزهري بجنوب العاصمة، يجد متوكل أحمد بابكر صعوبة في تشغيل مخبزه، بعد أن تضاعف سعر الطحين، «بالإضافة إلى قطع الكهرباء، ولذلك أصبحنا مضطرين لشراء الوقود للمولد». يقول بابكر: «أغلب الظن سأغلق المخبز. نبيع رغيف الخبز بـ500 جنيه، وهذا أقلّ من تكلفته، لكن لا يمكنني رفع السعر بسبب أوضاع الناس». وتعاني العاصمة الخرطوم ومناطق شرق السودان من انقطاع واسع للتيار، بعد هجمات بمسيّرات استهدفت محطات الكهرباء نهاية الشهر الماضي، وأخرجتها عن العمل.

طفل سوداني يعاني من سوء تغذية حادة داخل أحد المخيمات المخصصة للاجئين السودانيين (رويترز)

وفي أنحاء الخرطوم، عاد السودانيون للاصطفاف خارج المطابخ العامة (التكايا) انتظاراً للوجبات المجانية، بعد أن توقف الكثير منها عن العمل، بعد سيطرة الجيش على العاصمة وإخراج «قوات الدعم السريع» منها في مارس(آذار) 2025. وحذّرت غرفة طوارئ أمبدة في أم درمان بالخرطوم، التي تنسّق عمل التكايا في المنطقة، من اتساع «دائرة الاحتياج لتطول آلاف الأسر والنازحين»، كما حذّرت من «شحّ في المواد الغذائية وغلاء الأسعار، ما يجعل الحصول على وجبة يومية واحدة حُلماً». وبلغت معدّلات الفقر في السودان 80 في المائة، وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء، فيما أعلنت الحكومة أنها تستهدف خفض التضخم إلى ما دون 60 في المائة مع نهاية 2026، بعد أن بلغ 99 في المائة العام الماضي.

* «لا وقود»

خارج الخرطوم، يصل جزء كبير من إمدادات القمح على شكل مساعدات إغاثية، غير أن نقص الوقود وارتفاع أسعاره، إضافة إلى قطع الطرق جراء المعارك، يحول دون وصول المساعدات. وقسّمت الحرب المستمرة منذ أبريل (نيسان) 2023 البلاد إلى مناطق نفوذ، إذ يسيطر الجيش على الخرطوم ومدن وسط السودان وشرقه، بينما تسيطر «قوات الدعم السريع» على كامل إقليم دارفور في الغرب وأجزاء من الجنوب. ويعاني أكثر من 200 ألف شخص في جنوب كردفان وشمال دارفور من المجاعة، حسب تقارير مدعومة من الأمم المتحدة، حذّرت أيضاً من إمكانية توسّعها إلى ثمانية مدن بحلول عام 2027. وأسهم انخفاض قيمة العملة في تراجع قدرة الخرطوم على شراء الوقود، التي تستورد معظم احتياجاتها منه. يقول الموظف الحكومي ياسر محمد إنه أمضى يومه واقفاً في طابور في الخرطوم من أجل شراء الوقود من دون طائل. مضيفاً: «أقف منذ السادسة صباحاً خارج المحطة، وقد حانت الرابعة ولم أحصل على بنزين، وقد تغيبت عن العمل اليوم».

بلغت معدّلات الفقر في السودان 80 % وفقاً لبيانات الجهاز المركزي للإحصاء (رويترز)

وحذّر بيان وزاري وقّع عليه وزراء خارجية أوروبيون وكبير مستشاري الرئيس الأميركي للشؤون العربية والأفريقية، مسعد بولس، الأسبوع الماضي من أن أكثر من 19 مليون شخص (أي 41 في المائة من السكان) في السودان يواجهون «مستويات عالية من انعدام حاد في الأمن الغذائي، بما في ذلك خمسة ملايين يواجهون مستويات طارئة».

في إحدى أسواق أم درمان، حيث بدت حركة البيع والشراء متباطئة، يقول الموردي عوض لـ«وكالة الصحافة الفرنسية» بينما يشتري احتياجاته: «انخفضت القيمة الغذائية للوجبة». ويضيف: «سعر الكيلوغرام من اللحم بات يتراوح بين 50 و70 ألف جنيه (5 إلى 7 دولارات)، وإن كان في استطاعتك في السابق شراء كيلوغرامين من اللحم، فسوف تشتري اليوم 125 غراماً فقط».


إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
TT

إثيوبيا تأمر 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد

السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)
السودان اتهم إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية (متداولة)

قال ‌مسؤول إثيوبي كبير، الأربعاء، إن إثيوبيا أمرت 6 دبلوماسيين سودانيين بمغادرة البلاد، في خطوة تعكس مزيداً من ​التدهور في علاقات البلدين، بسبب اتهام كل طرف للآخر بدعم خصومه.

ويتهم السودان إثيوبيا بدعم «قوات الدعم السريع» شبه العسكرية، في حين تتهم أديس أبابا الخرطوم بدعم المتمردين في منطقة تيغراي بشمال إثيوبيا.

وأثارت الاتهامات المتبادلة، التي ينفيها الطرفان، مخاوف من تداخل الحرب في البلدين، ما ‌قد يؤدي إلى ‌اتساع رقعة الصراع في القرن ​الأفريقي.

وقالت ‌الحكومة ⁠السودانية، ​يوم الأحد، ⁠إنها قدمت شكوى ضد إثيوبيا إلى مجلس الأمن الدولي، التابع للأمم المتحدة ومجلس السلم والأمن التابع للاتحاد الأفريقي، متهمةً إياها بالسماح لـ«قوات الدعم السريع» باستخدام أراضيها في إطلاق طائرات مسيّرة ملغومة لاستهداف البنية التحتية المدنية في السودان.

ولم يرد ⁠المتحدث باسم مكتب رئيس الوزراء الإثيوبي ‌على طلب من «رويترز» ‌للتعليق.

وقال المسؤول الإثيوبي الكبير إن ​بلاده أمرت 6 ‌من موظفي القنصلية السودانية في بلدة أصوصا الحدودية ‌بمغادرة البلاد في غضون 48 ساعة، دون أن يذكر سبب هذا القرار. وطلب المسؤول عدم نشر اسمه نظراً لحساسية الأمر.

وتنفي أديس أبابا مساعدة «قوات الدعم ‌السريع» في السودان.

وكشفت بيانات الأمم المتحدة أن الحرب الأهلية في السودان ⁠أدّت إلى ⁠نزوح أكثر من 14 مليون شخص، وتسببت في واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم منذ اندلاعها في أبريل (نيسان) 2023.

واتهمت إثيوبيا كلاً من السودان ومصر وإريتريا بدعم متمردي تيغراي، الذين شنّوا هجوماً على القوات الحكومية في سبتمبر (أيلول). ونفت الدول الثلاث هذه الاتهامات.

وقال أمجد فريد، مستشار «مجلس السيادة الانتقالي» السوداني للشؤون السياسية والخارجية، إن الحكومة السودانية ملتزمة بحقها ​في الدفاع عن أراضيها، ​لكنها تبذل كل جهد ممكن لتجنب اندلاع حرب مفتوحة مع إثيوبيا.


هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
TT

هل يصبح النفط «ورقة ضغط» لتسوية خلافات الأفرقاء في ليبيا؟

رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)
رئيس المؤسسة الوطنية للنفط في ليبيا مسعود سليمان يتوسط عدداً من المسؤولين بالشركة (صفحة المؤسسة)

مع تعثر المبادرات الإقليمية والدولية في إنهاء الانقسام السياسي الليبي، يعود النفط إلى واجهة النقاش، بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها، في ظل مقترح فرنسي بـ«حظر تصديره» أثار اعتراضات مسؤولين وخبراء ليبيين.

وتعتمد ليبيا على النفط كمورد رئيسي في الإنفاق، عبر تغطية نحو 82 في المائة من الإنفاق العام، بينما يبلغ الإنتاج نحو 1.4 مليون برميل يومياً، وفق الأرقام المتداولة، في بلد دأب على الاعتماد على هذا المورد الحيوي، منذ تصدير أول شحنة من ميناء البريقة قبل 65 عاماً.

يعود النفط إلى واجهة النقاش بوصفه «ورقة ضغط محتملة» لدفع الأطراف المتنافسة إلى تسوية خلافاتها (المؤسسة الوطنية للنفط)

وطرح «معهد البحوث من أجل التنمية الفرنسي» أخيراً فكرة الرهان على «ورقة النفط» في تمويل الدولة. ويفترض هذا الطرح أن «تعطيل المورد الرئيسي لمدة شهر سيدفع القوى الليبية المتنافسة إلى مراجعة حساباتها، وسيجبر الأفرقاء الليبيين على الجلوس معاً لحل خلافاتهم، بما يعني أن الضغط الاقتصادي قد يدفع الأطراف إلى التفاوض، بعدما تتقلص الموارد المتاحة».

لكن مقترح حظر تصدير النفط أثار تساؤلات حول الجهة التي ستتحمل تكلفة الحظر، ومدى القدرة على توظيفه كورقة ضغط لدفع القوى المتنافسة إلى تسوية سياسية.

ورفض وزير النفط الليبي السابق محمد عون استخدام الصادرات النفطية كأداة للضغط السياسي، معتبراً أن الحظر «لن يحقق الغاية المعلنة منه، بل سيفاقم معاناة المواطنين، الذين يواجهون ارتفاع الأسعار وصعوبة الأوضاع المعيشية». ورأى أن «معالجة الأزمة تتطلب النظر إلى أسبابها السياسية والاقتصادية، بدلاً من تعطيل المورد الرئيسي للدولة».

وزير النفط الليبي السابق محمد عون (الوزارة)

وأوضح عون لـ«الشرق الأوسط» أن «الأزمة الليبية تتجاوز الخلافات المحلية إلى تدخل قوى إقليمية ودولية في شؤون البلاد»، مستشهداً بما كشفته تقارير فريق الخبراء التابع للأمم المتحدة بشأن الفساد الاقتصادي. وانتقد صمت دول كبرى عن التجاوزات، عازياً ذلك إلى تشابك مصالحها مع أطراف ليبية نافذة.

من جهته، لا يرى الخبير الاقتصادي محمد الشحاتي أن المبادرات الدولية «كافية وحدها لحل الأزمة؛ فالبعثة الأممية واجتماعات برلين وفرت آليات متعددة لإدارة الصراع، لكنها لم تنجح في إنهاء الانقسام». ويعتقد أن «أي تحرك جديد لن يحقق اختراقاً دون تغيير أسلوب التعامل مع جذور الأزمة، وفي مقدمتها الفساد وضعف الرقابة».

وسبق أن خلص فريق الخبراء، التابع للأمم المتحدة، في تقريره النهائي الصادر في مارس (آذار) 2026، إلى أن «جهات مرتبطة بجماعات مسلحة وسّعت نفوذها داخل مؤسسات الدولة، بما فيها المؤسسة الوطنية للنفط، عبر العنف والتدخل في صنع القرار والضغط الاقتصادي».

وهنا تحذر مديرة إدارة التعاقدات السابقة بالمؤسسة الوطنية للنفط، نجوى البشتي، من أن وقف الصادرات قد يدفع إلى مزيد من تهريب النفط، وبيعه خارج المنظومة الرسمية، بما يفاقم الخسائر ويضعف قدرة الدولة على إدارة مواردها. ويحمل هذا الاحتمال خطراً إضافياً يتمثل في تعميق انتقال جزء من النشاط النفطي إلى مسارات يصعب إخضاعها للرقابة الرسمية، بحسب البشتي.

رفض وزير النفط الليبي السابق استخدام صادرات النفط أداةً للضغط السياسي بحجة أن القرار سيفاقم معاناة المواطنين الذين يواجهون ارتفاع الأسعار (أ.ف.ب)

وسبق أن رصد تقرير خبراء الأممي تهريب الوقود داخلياً عبر تحويل شحنات مخصصة للاستهلاك المحلي والكهرباء إلى مسارات غير مشروعة، وخارجياً عبر تصدير نحو مليون طن من المشتقات النفطية من موانئ ليبية، بينها 578 ألف طن من الديزل.

وبحسب البشتي، فإن «فرض الحظر سيضر بالمواطنين أكثر من الأطراف المتصارعة»، وتؤكد لـ«الشرق الأوسط» أن تداعياته «قد تكون أشد وطأة مما شهدته دول، مثل روسيا وإيران وفنزويلا، بالنظر إلى الانقسام السياسي والمؤسسي الذي تعانيه ليبيا».

ويكتسب النقاش حول المقترح الفرنسي أهمية بالنظر إلى أن الاتحاد الأوروبي يمثل السوق الرئيسية للنفط الخام الليبي بين الجهات المستوردة، وفق بيانات إدارة معلومات الطاقة الأميركية، التي أوردتها وكالة «إيكوفين».

وبالتوازي مع رفض فرض حظر على صادرات النفط، تبرز بدائل أخرى لمعالجة الاختلالات القائمة، إذ يرى عون «ضرورة مكافحة الفساد، وإبعاد المتورطين فيه عن مواقع النفوذ»، وحذر من أن «استمرار الصراع على الثروة يفتح المجال أمام مزيد من النهب، وسوء إدارة الموارد العامة».

ومن وجهة نظره، لا يمكن تحويل النفط إلى مدخل لتسوية سياسية، من دون معالجة آليات استغلال عائداته.

أما البشتي فإنها ترى «ضرورة إصلاح القطاع النفطي الليبي، وإعادة هيكلته على أسس مهنية، بدلاً من حظر تصديره، بل وإبعاده عن التجاذبات السياسية وتدخل أصحاب النفوذ، مع إسناد المسؤوليات إلى أصحاب الكفاءة والخبرة والنزاهة، وضمان استقلال القرارات الفنية والإدارية عن المحاصصة وموازين القوى المتنافسة»، مبرزة أن هذه الحلول «لن تأتي بها السلطات القائمة في شرق البلاد وغربها، بل تحتاج ربما إلى إرادة وتحرك من شخصيات وطنية حقيقية للحل، بعيداً عن الوجوه المتصدرة للمشهد الليبي».